Tag: national sovereignty

  • رمتني بدائها وانسلَّت

    رمتني بدائها وانسلَّت

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أكتوبر ١٩٦١

    والتي رمتني بدائها هي إذاعة دمشق، والطائفة الطاغية الباغية التي تُدبِّر أمرها وتُوجه أحاديثها وتَفرض عليها في كل لحظة أن تُغير حقائق الأشياء، وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين، في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي ولا من وحي ضميري ولا من تفكير عقلي، وإنما أُمْلِيَ عليَّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب، وأمليته كما تلقيته وأرسلته إلى الجمهورية فنشرتْه كما تلقته مني.

    كأني أصبحت ذات يوم أداة من أدوات الحكم توجه إلى العمل فتعمل وتُكَلَّفُ القول فتقول. كأني أصبحت فردًا من الذين يعملون في إذاعة دمشق أو كاتبًا من الكتاب الذين يملئون صحف دمشق بما يؤمرون أن يملئوها به، بعد أن كانوا منذ وقت قريب يملئونها بما يناقض هذا الذي يكتبونه الآن أشد المناقضة ويخالفونه أعظم الخلاف؛ قد انقلبوا فجأة أنصارًا للفُرقة بعد أن كانوا أنصارًا للألفة، ودعاة إلى الانفصال بعد أن كانوا دعاة إلى الوحدة، ومتملقين للتمرد بعد أن كانوا يلتمسون الوسائل إلى إرضاء الشعب السوري والشعب العربي كله والقائمين على أمور الوحدة بين مصر وسوريا. وهؤلاء المذيعون والكتاب الذين يخلعون ضمائرهم كما يخلعون ثيابهم ويضعون مكانها ضمائر جديدة، كما يبدلون بثوب ثوبًا وبقميص قميصًا؛ هم فيما بينهم وبين ضمائرهم التي خلعوها وضمائرهم الجديدة التي فرضت عليهم فرضًا وأكرهوا على اتخاذها كرهًا، يعلمون أني لست من الذين يكتبون غير ما يشعرون به أو يقولون غير ما توحي إليهم به ضمائرهم. هم يعلمون ذلك حق العلم وتؤمن به ضمائرهم القديمة وضمائرهم الجديدة أيضًا، ولكنهم أُمروا فكتبوا وقيل لهم فقالوا. ولست أدري ما الذي قلته في ذلك المقال الذي أنكروه أشد الإنكار وضاقوا به أعظم الضيق، لا لأن نفوسهم تضيق به حقًّا، ولا لأن ضمائرهم القديمة والجديدة تنكره حقًّا؛ بل لأن سادتهم من هذه الفئة الطاغية في سورية قد أنكروا ما قلت، وضاقوا به وأمروهم أن يتكلفوا إنكاره والضيق به. فهل يستطيعون أو يستطيع سادتهم من الطغاة البغاة أن ينكروا أن الشعب السوري كان أشد الشعوب إيثارًا للوحدة ودعاء إليها وإلحاحًا فيها؟ وهل في ذلك ما يؤذي هذا الشعب السوري؟ أم هل هو في نفسه إنصاف له وإشادة به؟ وهل ينكرون أن السوريين هم الذين سعوا إلى الوحدة وألحُّوا فيها وانتقلوا من سورية إلى القاهرة ليجدُّوا في تحقيقها ويحاصروا رئيس الجمهورية المصرية ووزراءه حتى يقبلوا هذه الوحدة ويجيبوا إليها؟ وأي شيء في ذلك يهين السوريين أو يؤذيهم أو يضع من قدرهم؟ وهل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري قد استُفتي في هذه الوحدة فأقرَّها مؤمنًا بها مجمعًا عليها؟ وأي شيء في ذلك يهين الشعب السوري أو يؤذيه أو يغض من قدره؟ ثم هل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري بعد هذه الوحدة قد اطمأن في وطنه ورأى أنه آمن على حدوده وأنه أصبح فوق مطامع الطامعين وفوق أهواء الذين كانوا يكيدون له ويمكرون به ويحاولون الاعتداء عليه؟

    رأى الشعب السوري هذا كله، فبرئ من الخوف، وانجلت عنه غمرات الشك، وفرغ لحياته آمنًا راضيًا مطمئنًّا، عريض الأمل في مستقبله السعيد. ثم هل يستطيعون أن ينكروا آخر الأمر أن الشعب السوري قد يُسرت له الحياة بعد الوحدة في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، فأنشئت له مرافق لم يكن يرجوها — بل لم يكن يحلم بها — وانتشر فيه التعليم وأُمِدَّ بالفنيين ليذللوا له العقبات ويهونوا عليه الصعاب، ويفتحوا له أبواب الرخاء على مصاريعها، وأن الشعب المصري قد قسا على نفسه واشتد في القسوة عليها لتلين الحياة لإخوانه السوريين، وقد حَرم نفسه نشاط الفنيين من أبنائه ليسعد السوريين ولتصبح حياتهم خيرًا مما كانت، وليسرع إلى الرقي ويسرع إليه الرغد وتمتد أمامه الآمال أكثر مما كان يرجو وأسرع مما كان يتمنى، وأن الشعب المصري قد ضيق على نفسه في الإنفاق ليتيح لإخوانه السوريين ما يحتاجون إليه من المال؛ ليتحقق الإصلاح الشامل في الوطن السوري ويتناول هذا الإصلاح فروع الحياة السورية كلها.

    كلا، لن يستطيع الطغاة البغاة في سورية، ولن يستطيع الكتَّاب والمذيعون الذين أُكرهوا على أن يكونوا أصداء لهذه الفئة الطاغية الباغية. لن يستطيع أولئك وهؤلاء أن ينكروا شيئًا من ذلك الذي قلته في المقال الذي نشرته الجمهورية يوم السبت الماضي.

    وإنما يستطيعون أن يجحدوا الجميل، وينكروا المعروف، وأن تضيق أنفسهم بالحق، وأن تفزع ضمائرهم من هذا الواقع الذي ليس فيه شك، والذي ستنهض بتحقيقه الجامعة العربية وتدفع به باطل المتمردين، ويومئذ يعلمون صدق الآية الكريمة على كل مكابر معاند يماري بما لا معنى للمراء فيه: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

    وشيء آخر أضيفه الآن إلى ما قلته يوم السبت الماضي؛ وهو أن هذه الوحدة التي قامت بين مصر وسورية، إنما قامت على عهد مؤكد وميثاق مشدد لا بين الحكومتين في مصر وسورية، بل بين الشعبين المصري والسوري، وأن هذا العهد ملزِم للطرفين لا سبيل إلى أن يتحلل منه أحدهما إلا بعد أن يتراضى هذان الطرفان على التحلل منه، وأن هذه الفئة الطاغية الباغية نقضت هذا العهد ظالمة لنفسها وظالمة للوطن السوري وللشعب السوري.

    لم تفاوض مصر في التحلل من هذا العهد، ولم تحاول هذه المفاوضة، ولم تَدْعُ إليها جهرة. وإنما وثبت في ظلمة الليل، فاعتدَتْ على نفسها، واعتدَتْ على شعبها، واعتدَتْ على وطنها، واعتدَتْ على مصر وشعبها أيضًا، وأصبحت بنقضها لهذا العهد كالتي جعلت غزلها من بعد قوة أنكاثًا وخالفت عن قول الله عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).

    وحق عليهم قول اللَّه عز وجل في الذين ينقضون العهود ويحنثون في المواثيق: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).

    ومن أجل هذا كله أبى رئيس الجمهورية أن يُحبِط عمل هذه الفئة الطاغية الباغية بقوة السلاح؛ لأنه لا يريد أن يسفك دماء العرب، ولا يريد أن يُفسد في الأرض، وأبى في الوقت نفسه أن يعترف بحكومة سورية قبل أن يُستفتى الشعب السوري في أمر هذا الانفصال استفتاء حرًّا كريمًا لا أثر فيه للطغيان ولا للبغي ولا للإكراه؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد ولا ينبغي له أن يُكرِه الشعب السوري على ما لا يحب، ولا أن ينقض العهد ويحنث في الميثاق دون أن يكون الشعب السوري هو الذي يرغب في التحلل من هذا العهد والميثاق؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد أن يخالف عن أمر الله ولا عن الوفاء بالعهود والمواثيق.

    وليس من شك في أن الفئة الطاغية الباغية والكُتَّاب والمذيعين الذين أكرهوا على أن يكونوا لها أصداء، سيستنكرون هذا المقال وسيضيقون به كما أنكروا ذلك المقال وضاقوا به. وستغلي مراجل حقدهم عليَّ وغيظهم مني، وستلهج بي صحفهم وإذاعتهم، ولكني أقول لهم ما أمر الله نبيه أن يقول للمنافقين: ( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).

  • ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٣ يوليو ١٩٦٠

    هذا هو العيد الذي نحتفل فيه بالثورة التي شبَّت في الثالث والعشرين من شهر يوليو، وما زالت قائمة ماضية في تحقيق الأغراض السياسية والاجتماعية التي شبَّت من أجلها.

    أهو عيد الجمهورية العربية المتحدة وحدها، أم هو عيد لأمم أخرى كثيرة غيرها؟ أهو عيد نحتفل به نحن وتجاملنا فيه بعض الأمم فترسل وفودها لتشهد معنا الاحتفال به، حتى إذا انقضى عادت الوفود إلى أوطانها وقد أدَّت واجب المجاملة لوطن صديق؟ أو هو عيد تشترك فيه هذه الوفود أو أكثر؛ لأن آثار الثورة التي نحتفل بها فيه ليست مقصورة على هذين القطرين اللذين تتألف منهما هذه الجمهورية العربية المتحدة، بل تتجاوزهما إلى أقطار أخرى كثيرة في القارة الأفريقية وفي القارة الآسيوية نفسها أيضًا؟

    أما أنا فأعتقد أنه عيد يشمل أممًا كثيرة في القارتين؛ لأن ثورتنا كانت مقدِّمة لاستقلال شعوب مختلفة كانت خاضعة لسلطان الاستعمار الخارجي، ولسلطان الاستبداد الداخلي أحيانًا. ولست أحب التنبُّؤ بما يكون في المستقبل، ولكني مع ذلك قد تنبَّأت حين شبَّت ثورتنا بأنها ستُحدث في الشرق مثل ما أحدثته الثورة الفرنسية الكبرى في الغرب. ولعلِّي حين كتبت هذا الكلام في الأهرام كنت أمليه مدفوعًا بالأمل العريض الذي أثارته الثورة في نفسي، وبالحب العميق لهذه الحرية التي لم أكن أحبها لوطني وحده، وإنما كنت أحبُّها وأتمنَّاها لأوطان كثيرة أخرى كانت قد حرمتها منذ عهود بعيدة جدًّا.

    وأعترف بأني لا أقرأ في هذه الأيام نبأً من هذه الأنباء التي تُذاع في أقطار الأرض معلنةً تحرر الشعوب من الاستعمار والاستبداد والظلم، إلا ذكرت ثورتنا وتحدثت إلى نفسي بأن تحرر هذه الشعوب واستقلالها واستمتاعها بالحرية والكرامة والعزة، كل ذلك إنما هو أثر من آثار ثورتنا هذه؛ فقد كنت موقنًا حين كتبت ما كتبت في الأهرام أن لنا جيرانًا في آسيا وفي القارة الأفريقية، وأن أنباء ثورتنا ستصل هؤلاء الجيران، وأنهم سيعلمون كثيرًا من نتائجها، وسيفرحون لنا، وسيغبطوننا، وسيتمنَّون لأنفسهم مثل ما أُتيح لنا من الثورة أو شيئًا قريبًا مما أُتيح لنا …

    كنت أذكر تونس والغرب الأقصى، وكنت أذكر العراق، وكنت أذكر المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية. وكنت أُقدِّر أن إخراج الملك المستبد من مصر، وأن الإصلاح الاجتماعي الذي بُدئ به في مصر، وأن جلاء الجنود البريطانيين عن أرض مصر الذي ستجدُّ فيه الثورة حتى نبلغه؛ كنت أذكر أن هذا كله سيقع من قلوب جيراننا القريبين منا والبعيدين عنا مواقع الماء من ذي الغلة الصَّادي … كما كان القدماء يقولون. ثم لم ألبث أن رأيت الثورة تشبُّ في غير موطن من هذه المواطن، من هذه المواطن القريبة والبعيدة. ولم ألبث أن رأيت بعضها يبلغ ما كان يريد بعد جهاد العنف حينًا ولا يبلغ العنف حينًا آخر.

    فهذه الأوطان في شمال أفريقيا تجاهد أعنف الجهاد وأقساه، وتصلَى نار العدوان والطغيان والإثم، وتنتهي إلى أن تبلغ الغاية التي أرادت أن تبلغها، فتستقل تونس، ويستقل المغرب الأقصى بعد خطوب، وتوشك الجزائر أن تبلغ ما تريد من الاستقلال، على رغم ما تُمعن فيه فرنسا من المداورة والمناورة، وعلى رغم ما تُمعن فيه فرنسا أيضًا من ألوان الظلم والبغي ومن ضروب القمع وتعذيب الأبرياء.

    وها نحن أولاء نرى في هذه الأيام تتابُع الأنباء التي تحدثنا باستقلال المستعمرات الفرنسية، بعد أن ورَّطت فرنسا نفسها في تلك الشركة التي زعمت أنها ستنشئها بينها وبين مستعمراتها؛ فتتقي بذلك الثورة في تلك المستعمرات، تعطيها القليل وتستأثر من دونها بالكثير، تُخيل إليها أنها حرة في حياتها الداخلية وأن حياتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية شركة بينها وبين فرنسا. ولقد غلا رئيس الجمهورية الفرنسية في يوم من الأيام فأعلن إلى هذه المستعمرات أنها حرة في أن تقبل هذه الشركة، فتشرف بالتعاون في فرنسا الكبرى أو ترفض هذه الشركة فتشقى باستقلالها؛ لأنها لا تملك الوسائل التي تتيح لها حماية هذا الاستقلال. أعلن ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية مطمئنًّا إلى أن المستعمرات ستحرص أشد الحرص على أن تقبل الشركة وتعيش مستقلة استقلالًا داخليًّا، وتشرف بالمشاركة فيما عدا ذلك من الشئون. ولكن بعض هذه المستعمرات آثرت الاستقلال فورًا، فاضطرت فرنسا إلى أن تعترف لها بهذا الاستقلال، وقبلت كثرة المستعمرات هذه الشركة أولًا، ثم لم تلبث إلا عامًا وبعض عام حتى طلبت استقلالها كاملًا موفورًا.

    وبعضها الآخر طلب هذا الاستقلال، واحتفظ لنفسه بالحرية الكاملة، بعد أن يتم له استقلاله في أن يُحالف فرنسا أو يحالف غيرها من الدول. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا مستعمَرَاتها في القارة الأفريقية تطلب الاستقلال جميعًا، وتطلب العضوية في هيئة الأمم المتحدة. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا هي لا تستطيع أن ترفض لهذه المستعمرات طلبًا؛ لأن رئيس الجمهورية لم يكتف بإعلان ما أعلن من حق المستعمرات في أن تنفصل عن فرنسا أو تشترك معها، وإنما سجل ذلك في الدستور الفرنسي، فلم يبقَ لفرنسا وسيلة تتيح لها رفض ما تطلبه هذه المستعمرات من الاستقلال التام مع الحلف أو دون الحلف، ولن يأتي الخريف المقبل إلا وقد تم استقلال المستعمرات الفرنسية كلها في القارة الأفريقية، لا يُستثنى من ذلك إلا الجزائر؛ لأن الفرنسيين يرون — وما أسخف ما يرون! — أن الجزائر ليست مستعمرة، وإنما هي جزء من الوطن الفرنسي. ومع ذلك فقد اضطرت فرنسا إلى أن تُعلن — على لسان رئيس الجمهورية — أن للجزائر الحق الكامل في تقرير مصيرها، والثورة في الجزائر هي التي اضطرت فرنسا إلى ذلك، وأرغمتها عليه إرغامًا. وحسبك أن تلاحظ أن الجيش الفرنسي — على قوته وبأسه واستعانته بما يمده به حلفاء فرنسا — قد أنفق ست سنوات دون أن يسحق هذه الثورة أو يفلَّ حدها.

    ثم لم تكتفِ فرنسا بما أعلن رئيس جمهوريتها من حق الجزائر في تقرير مصيرها؛ وإنما دعت زعماء الثورة إلى المفاوضة، وبدأت هذه المفاوضات بالفعل، وهي الآن تتعثر. ولكن الأمر منتهٍ من غير شك إلى استقلال الجزائر سلمًا أو حربًا، وكذلك تفقد فرنسا كل مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية، ويضطر كاتب فرنسي إلى أن يسجل في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن رئيس الجمهورية القائم قد نهض بالرياسة ليقضي على الإمبراطورية، ويرد فرنسا دولة من الطبقة الثانية. ولا يقف الأمر عند فرنسا وحدها، فبريطانيا نفسها تتخلى عن بعض مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية طوعًا أو كرهًا، وبلجيكا تعلن استقلال الكونجو البلجيكي بعد خطوب شداد. وللكونجو البلجيكي قصة لم تنته بعد، يظهر القراء على أنبائها في الصحف كل يوم، ولكنه قد أصبح على كل حالة دولة مستقلة، وسيصبح عضوًا في هيئة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، بعد أن أوصى مجلس الأمن بقبوله.

    وكذلك تتغيَّر الصورة الجغرافية لهذه القارة، ويتعلَّم طلاب المدارس الثانوية شيئًا جديدًا في جغرافيا القارة الأفريقية … يتعلم هؤلاء الطلاب شيئًا لم يتعلمه إخوانهم الذين سبقوهم في هذا العام، وهو أن القارة الأفريقية قد تحرر أكثرها ونشأت فيها دول لم تكن موجودة أثناء هذه السنة الدراسية، وستكون موجودة عاملة في الحياة الإنسانية أثناء العام الدراسي المقبل.

    وحين نحتفل بعيد الثورة في هذا العام، سنضطر إلى أن نذكر أن ثورتنا كانت مقدمة لهذه الحرية التي أوشكت أن تظلل القارة الأفريقية كلها.

    والأمر ليس مقصورًا على هذا الذي كان في القارة الأفريقية، ولكن هناك أوطانًا أخرى في آسيا قد تأثَّرت بهذه الثورة، سواء اعترفت بهذا التأثر أم لم تعترف، فثورة العراق أثر من آثار الثورة المصرية، وإن كره الزعيم الأوحد والقاضي الفذ. ويُخيل إليَّ أن هناك شبهًا ما بين ثورة الجيش المصري منذ أعوام وثورة الجيش التركي في هذه الأيام، وما أشك في أن الترك يكرهون أشد الكره الاعتراف بأن لثورتنا في ثورتهم أثرًا، ولكن الشيء المحقق هو أن هذا التشابه قائم، سواء كرهه الترك أو أحبوه.

    ومن يدري، أتقف آثار ثورتنا في العالم الخارجي عند هذا الحد، أم تمضي في تأثيرها حتى لا يصبح في الأرض أثر من آثار الاستعمار كما عرفه الناس من أعوام؟ ولست أزعم أن الاستعمار قد انقضى بجميع صوره وأشكاله، فالناس جميعًا يعلمون أن التحالف مع الدول الكبرى لون من ألوان الاستعمار وشكل من أشكاله. ولكن أول الغيث قطرة ثم ينهمر، فمن حق كل مواطن في الجمهورية العربية المتحدة أن يشعر بشيء من الرضا العميق الذي يستأثر بالقلب والضمير، حين يذكر أن ثورة وطنه لم تكن مقصورة عليه، وإنما كانت مقدمة لزوال شكل بغيض من أشكال الاستعمار عن أوطان قريبة وبعيدة، ولم تكن مصر في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها، وإنما كان هذان القطران دائمًا مؤثرين للخير، يحبانه لأهلهما ويُشِيعانه في الأوطان الأخرى ما وجدا إلى إشاعته سبيلًا، وهما الآن يؤديان واجبهما التاريخي حين يؤثران الخير ويشيعانه في الأوطان الأخرى.

    وإذا كان خير الناس أنفعهم للناس، فخير الأوطان أنفعها للأوطان الأخرى.

  • من بعيد حيرة …

    من بعيد: حيرة …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ سبتمبر ١٩٥٦

    وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.

    كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.

    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.

    فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.

    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.

    وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.

    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.

    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.

    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.

    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.

    ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.

    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.

    قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار.

  • إرادة شعب

    إرادة شعب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ مارس ١٩٥٦

    في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

    فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

    وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

    وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

    لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

    تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

    وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

    أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

    وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

    انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

    بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

    بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

  • من بعيد … ثورتنا ١

    من بعيد … ثورتنا (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ يوليو ١٩٥٤

    تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

    وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

    فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

    وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

    فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

    فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

    وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

    فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

    وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

    وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

    وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

    وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

    ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

    ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

    في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

    فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

    ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

    فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

    فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

    والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

    وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

    وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

    ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

    والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

    وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

    فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

    وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

    فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

    فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

    والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

  • إلى مجلس الشيوخ

    إلى مجلس الشيوخ
    طه حسين
    النداء
    ٣٠ مارس ١٩٤٨

    يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

    قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
    وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

    فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

    فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

    ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

    والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

    من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

    وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

    والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

    نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

    ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

    فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

    فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

    بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

    والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

    فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

    وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

    فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

    فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!

  • حذارِ …

    حذارِ …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١ فبراير ١٩٤٨

    تَعْرِض للأمم في حياتها ظروف تفرض على المثقفين من أبنائها واجبات حازمة حاسمة محرجة، لا ينبغي لهم أن يقصروا في أدائها أو يتخففوا من أعبائها، أو يتنصلوا من تبعاتها. فإن فعلوا ذلك أو فعلوا بعض ذلك أثموا في ذات أنفسهم وفي ذات أوطانهم، وفي ذات الكرامة الإنسانية من حيث هي كرامة إنسانية.

    ويُخيَّل إليَّ أن بعض هذه الظروف التي تفرض هذه الواجبات على المثقفين قد تعرض لمصر وتحيط بها، وتدعو ضمائر المثقفين من أبنائها إلى أن تستيقظ إن كانت نائمة، وإلى أن تنتبه إن كانت غافلة، وإلى أن تقدِّر حقها على أنفسها وحق الوطن عليها وحق الكرامة الإنسانية على كل إنسان كريم.

    والواقع أننا نستقبل في هذه الأيام حياة لا نبتغي أن ننعم فيها بالدعة والترف، ولا أن نخلد فيها إلى الراحة والعيش المطمئن، إلَّا بعد أن نؤدي لأنفسنا وأبنائنا واجب النصح والإرشاد والإلحاح في النصح والإرشاد مهما يحملنا ذلك من مشقة، ومهما يكلفنا ذلك من جهد، ومهما يعرضنا ذلك للأخطار والخطوب.

    فهذه الفرقة التي أفسدت ما بين الدول العظيمة المنتصرة من صلات، وفرَّقتها فريقين عظيمين، كلاهما يكيد لصاحبه ويمكر به، ويتهيأ لحربه حرب دفاع أو هجوم؛ ليست من الأشياء اليسيرة الهينة التي نستطيع أن نسمع أنباءها أو نقرأها غير حافلين ولا آبهين لها، ولا منصرفين من أجلها عما أَلِفْنا من حياة الدعة والهدوء.

    وقد رأينا ما صبَّت الحرب العالمية الأخيرة على أهل الغرب والشرق من خطوب وكوارث وأهوال، منها ما أزهق الأنفس وأراق الدماء، ومنها ما نشر الخراب والدمار وقوَّض الحضارة والعمران، ومنها ما أهدر الكرامة وألغى قيم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاطف، والتراحم، والتضامن، والتعاون في سبيل الخير.

    ولم تكن الدول المتحاربة تملك من الأسلحة ووسائل الهول ما ستملكه حين تُثار الحرب الثالثة، ولم تكن أهوال الحرب العالمية الأولى على نكرها ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ولن تكون أهوال الحرب العالمية الثانية ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثالثة التي تتهيأ لها الدول الكبرى وتُدفَع إليها الشعوب البائسة دفعًا.

    فأيسر ما يجب على المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي البلاد التي تشبه مصر، أن يبصِّروا مواطنيهم ويوجهوهم ويحذروهم، ويحولوا بينهم وبين التعرض لهذه الكوارث والأخطار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا عليهم إذا أدوا الواجب ونهضوا بالحق، ونصحوا لأوطانهم أن ينجحوا فيما حاولوا أو أن تتقطع بهم أسباب النجح، فلم يخطئ شاعرنا القديم العظيم حين قال:

    وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبُهْ

    لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبُهْ

    والمصريون الذين يقرءون الصحف، ويسمعون الراديو، ويفهمون ما يقرءون وما يسمعون؛ يلاحظون أن بريطانيا العظمى تحاول أن تتهيأ للحرب المقبلة كأحسن ما تستطيع أن تتهيأ لها، وهي من أجل ذلك تنظم صلاتها وصلات الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا الغربية بعقد المحالفات وتوثيق الصلات، وهي من أجل ذلك تريد بل تحاول أن تنظم صلاتها مع بلاد الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعقد المحالفات وتنظيم التعاون.

    حاولت ذلك وما زالت تحاوله مع مصر ولكنها لم تفلح إلى الآن، وحاولت ذلك وما زالت تحاوله مع العراق ولكنها لم تفلح إلى الآن أيضًا، وحاولت ذلك مع شرق الأردن وسنرى أتفلح في محاولتها أم تخفق. وقيل إنها تحاول ذلك مع سوريا ولبنان، ومع المملكة العربية السعودية ومع اليمن أيضًا.

    والحجة الخطيرة التي تعتد بها بريطانيا العظمى وتتخذها وسيلة إلى الترغيب والترهيب، وإلى الإغراء والتخويف هي الشيوعية؛ فبريطانيا العظمى مشفقة أشد الإشفاق على مصالح الشرق العربي من انتشار الشيوعية فيه وامتداد يدها إليه، وهي تُخوِّف بهذا الخطر العظيم أصحابَ الثراء وأصحابَ الجاه والسلطان، وتخيِّرهم — إن صح استعمال كلمة التخيير — بين محالفتها والانضواء تحت لوائها لتحفظ عليهم ثراءهم وجاههم وسلطانهم، وبين مخالفتها والانفصال عن حلفها لتتعرض للشيوعية التي تهدم النظام الاجتماعي هدمًا وتلغي الثراء والجاه والسلطان إلغاءً.

    ثم هي لا تقف عند هذا الحد، ولكنها تمعن في الإشفاق على الشرق والشرقيين، فتعرض على الدول الشرقية لا أن تشاركها في الدفاع عن أوطانها فحسب، بل أن تعينها كذلك على الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الحياة كما يُقال.

    ولا تنسى بريطانيا العظمى في أثناء ذلك إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن اشتراكها في الدفاع العسكري على النحو الذي تعرضه، إنما هو الحماية قد غُيِّر لفظها، واستقر معناها، وأن اشتراكها في الإصلاح الاقتصادي ورفع مستوى الحياة، إنما هو إهدار الاستقلال الداخلي، والتغلغل في أخص ما تحرص الأمم على أن تنفرد به وتستقل بتدبيره من الشئون.

    وواضح جدًّا أن الشيوعية نظام ينبغي أن يُتَّقى؛ لأنه لا يلائم أمزجة الأمم العربية ولا الطور الذي وصلت إليه من حياتها الحديثة. ولكن أشد من ذلك وضوحًا أن اتقاء الشيوعية لا ينبغي أن يأتينا من خارج، ولا أن يُفرَض علينا من دولة أجنبية، وإنما ينبغي أن نحاوله نحن بجهودنا الخاصة.

    وجهودنا الخاصة ليست هي شرع القوانين والحَجْر على الحرية وأخذ الناس بالظنة، وإنما هي إصلاح النظام الاجتماعي وتمكينه من أن يعتمد على نفسه، ويعتد بوجوده، ويحبب إلى أصحابه الاحتفاظ به والحرص عليه.

    فإذا استطاع النظام الاجتماعي أن يكفل للناس حياة قوامها العدل والسعة، مبرأةً من الظلم والبؤس والحرمان، كان أصحابه جديرين أن يحبُّوه ويستمسكوا به، ويكرهوا تغييره ويجنبوا أنفسهم المغامرات.

    والشيء الذي ينبغي أن نقره في قلوب المصريين ورءوسهم وضمائرهم — لا ندخر في ذلك وسعًا، ولا نضن في سبيله بجهد — هو أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين النظام الشيوعي الذي تخوِّفنا منه بريطانيا العظمى والذي يجب أن نتقيه ونقاومه بالإصلاح الصحيح لنظمنا الاجتماعية، وبين الشخصية السياسية الدولية لروسيا السوفيتية.

    فنحن نستطيع أن نكره الشيوعية، ونحتفظ بصلات المودة والتعاون في السياسة والتجارة مع روسيا السوفيتية. والبريطانيون أنفسهم يصنعون ذلك، فهم يقاومون الشيوعية في بلادهم، وهم يمضون الاتفاقات التجارية مع روسيا، والفرنسيون يصنعون ذلك وأمريكا نفسها تود لو تستطيع أن تصنع ذلك.

    ففرق إذن بين الدولة الروسية وبين النظام الشيوعي، نستطيع أن نكون أصدقاء للدولة الروسية وخصوصًا للنظام الشيوعي دون أن يكون علينا في ذلك حرج أو جُناح.

    والشيء الآخر الذي يجب أن نقره في نفوس المصريين ورءوسهم هو أن محالفة البريطانيين والأمريكيين في هذا الوقت ليس معناها إلَّا الانحياز إلى أحد الفريقين المختصمين، والتورط في كل ما ينتج من هذا الانحياز.

    ولسنا في حاجة إلى أن نخاصم الروس ولا أن نحاربهم، ما دمنا نستطيع أن نؤمن أنفسنا من نظامهم الاجتماعي، وليس الروس هم الذين يحتلون القناة وإنما يحتلها البريطانيون، والروس قد شاركوا في أوزار القضية الفلسطينية ولكن البريطانيين هم الذين أنشئوا هذه القضية وخلقوها خلقًا.

    فكل شيءٍ يأبى علينا مخاصمة الروس، وكل شيء يفرض علينا مخاصمة البريطانيين؛ حتى نستخلص منهم ومن حلفائهم حقوقنا وحقوق الشعوب العربية الأخرى.

    فليفكر المصريون في هذا كله، وليتدبروه، وليذكروا قول الشاعر القديم:

    قدِّرْ لِرِجْلِكَ قبل الخَطْوِ موضعَها فمَنْ علا زلقًا عن غرة زلجا

  • بيان

    بيان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٣ يناير ١٩٤٧

    هو البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء مساء الثلاثاء في مجلس النواب عن قضية السودان؛ فأثار عاصفة من الهتاف وعاصفة أخرى من التصفيق، وأسال بعض الدموع على بعض الخدود. ثم لم يقف أمره عند هذا الحد، وإنما نشرته الصحف من الغد في كثير من الإعجاب والتقريظ، وأذاعه الراديو لا مرة ولا مرتين، بل مرات، حتى أذكرني قول الشاعر القديم:
    ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ
    يفاخرون بها مذ كان أولهم يا للرجال لشعر غير مسئومِ
    وعزيز عليَّ أن أُغضب رئيس الوزراء، وأن أُغضب مؤيديه ومعارضيه، وأن أُغضب الصحف التي اندفعت في الثناء والإطراء إلى غير حد، ولكن الحق يجب أن يقال، وإن أغضب هؤلاء السادة جميعًا. والحق أن رئيس الوزراء لم يقل شيئًا ذا خطر. وأشدُّ من هذا إمعانًا في الحق أن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا إلى الآن يمكن أن نرضى به أو أن نطمئن إليه، ويمكن أن يقال إنه تقدم بمسألة السودان، لا أقول قدر خطوة ولا أقول قدر أصبع، بل أقول قدر إيمانه.
    وما ينبغي أن نخدع أنفسنا بهذه الحماسة التي تثار في غير موضع للحماسة. فللجماعات حين تحيط بها بعض الظروف وتلم بها بعض الأحداث قوانينها التي تدفعها إلى الانفعال السريع، وتمعن بها في الحماسة التي لا تُغْنِي شيئًا.
    وليس من شك في أن الشعب المصري تُحِيط به في هذه الأيام ظروف خاصة فيها كثير من الحرج، تجعله شديد الاستعداد لسرعة التأثر وثوران العاطفة. فما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بصبر هذا الشعب حتى نفد، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز على هذا الشعب حتى استخف، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز يُطمِّعون هذا الشعب حتى يظن أنه قد بلغ المنى وحقق الآمال، ويوئسون هذا الشعب حتى يظن أن مناه قد أصبحت أبعد منالًا من الثريا، وأن كرامته قد أصبحت أهون شأنًا من الثَّرَى.
    وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بهذا الشعب يطاولونه ويماطلونه ويداورونه ويناورونه حتى ضاق بكل شيء، وحتى أصبح ثائره أيسر وأسرع من كل شيء.
    وكان النوَّاب حين اجتمعوا في مجلسهم يوم الثلاثاء كغيرهم من أفراد الشعب قد ضاقت صدورهم بهذا كله، ونفد صبرهم على هذا كله. وكانوا يقدِّرون — في كثير الظن — أن النقراشي باشا سيقول لهم كما تعوَّد أن يقول كلامًا غامضًا مبهمًا لا يدل على شيء إلَّا على الخوف والضعف والتهالك، فلما قال لهم كلامًا واضحًا لا غموض فيه، صريحًا لا إبهام فيه، أنكروا أنفسهم وأنكروا صاحبهم، وملك الدهش عليهم أمرهم. فاندفعت الأكفُّ بالتصفيق، وارتفعت الأصوات بالهتاف، وما هي إلَّا أن أمست الجلسة رائعة بارعة، وقيل إنها ستسجَّل في التاريخ. ونحن الذين لم يحضروا الجلسة ولم يسمعوا صوت النقراشي باشا وهو يلقي بيانه الخطير، ولم يشهدوا تأثُّر النواب وتحمسهم ثم ارتفاع أصواتهم بالهتاف واندفاع أيديهم إلى التصفيق، وإنما قرأنا البيان في هدوء ومهل، وفي تأمل وتفكير، ثم قرأنا ما يثر حوله من القول، وما كتب حوله من الفصول؛ نستطيع أن ننشد باسمين قول أبي العلاء:
    تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد بعدوى فما أعدتني الثؤباء
    ذلك أن رئيس الوزراء لم يقل في بيانه شيئًا يدعو إلى التحمُّس أو يرد إلى القلوب قليلًا أو كثيرًا من الاطمئنان، وإنما أعلن إلى النوَّاب وغيرهم من المصريين أنه يشك — كما يشك غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — في حسن نية الإنجليز بالقياس إلى السودان، وأنه يرى الإنجليز — كما يراهم غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — طامعين في السودان، حراصًا على استعماره والاستئثار به، مجتهدين في أن يفصلوه عن مصر، ويشجعوا بعض أهله على الرغبة في الانفصال والمطالبة به والإلحاح فيه.
    هذه هي الخلاصة الخالصة لبيان رئيس الوزراء. وكان يقال في قديم الزمان إن الحكم الصحيح إنما هو تعرف المستقبل والاحتياط له قبل وقوعه. وكان من الطبيعي فيما أعتقد أن يكون النقراشي باشا وأشباهه من الذين ينهضون بأمور الحكم في هذه الأيام أذكى وأفطن وأنفذ بصيرة من أن تفجأهم الحوادث، وتدهمهم الخطوب، وتأخذهم الملمات وهم لا يشعرون.
    وليصدقني القرَّاء إن قلت لهم إني لا أقضي العجب من سذاجة رئيس وزرائنا إن كانت صادقة أو متكلفة؛ فكل مصري يعرف أن الإنجليز يطمعون في السودان، ويريدون أن يستأثروا به، ولم يلتقِ مصريان إلَّا تحدث أحدهما إلى صاحبه بسوء نية الإنجليز وسوء تدبيرهم في كل ما يتصل بقضية وادي النيل، سواء منها ما يمس الجنوب أو ما يمسُّ الشمال، فإذا استكشف رئيس وزرائنا آخر الأمر ما يعرفه المصريون جميعًا منذ كانت معاهدة سنة ١٨٩٩؛ فقد يحقُّ لنا أن نهنئه بهذه البراعة النادرة، وبهذه السذاجة التي إن دلَّت على شيءٍ فإنما تدل على أنه أقل الناس صلاحًا للنهوض بأعباء الحكم، فضلًا عن النهوض باستخلاص حقوق مصر من الإنجليز.
    أم نرى النواب قد تحمسوا وهتفوا وصفَّقوا لأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى السفير البريطاني بما يخامر نفسه الطيبة وقلبه السليم من الشك في حسن نية الإنجليز وبراءة سياستهم من الميل إلى فصل السودان، وإغراء السودانيين بطلب الانفصال؟! فليعذرني النواب إن قلت إنهم يسيئون الظن بالنقراشي باشا إلى أبعد ما يكون سوء الظن من الحدود.
    فقد تولى النقراشي باشا وزارته هذه الثانية ليحلَّ الأزمة التي أثارها صدقي باشا حول قضية السودان، وكان من الطبيعي أن يتحدث في هذه الأزمة إلى السفير البريطاني، وإلى من هو أعلى مقامًا من السفير البريطاني، وفيمَ يمكن أن يكون الحديث إلَّا في أن سياسة البريطانيين في السودان — ولا سيما منذ ذهب صدقي باشا إلى لندرة — تدلُّ على أنهم غير مخلصين ولا ناصحين ولا صادقين؟
    وإذن؛ فما الذي صنع النقراشي باشا إلى الآن؟! أو ما الذي قال النقراشي باشا إلى الآن؟! رجل تولى الحكم ليحل أزمة معقدة بيننا وبين الإنجليز، فتكلم في هذه الأزمة مع السفير البريطاني، وقال للنوَّاب بعض حديثه مع السفير؛ أي غرابة في هذا؟! وأي شيء في هذا يدعو إلى التحمس وإلى الهتاف وإلى التصفيق؟! ثم ماذا قال النقراشي باشا للسفير البريطاني آخر الأمر؟ قال له إنه ليشك في السياسة البريطانية نحو السودان؛ لأن سيرة الحاكم وتصريحاته تدل على أن الإنجليز يمكرون بمصر والسودان جميعًا. وهذا شيء تكتبه الصحف كلَّ يوم مصبحة وممسية، وطلب إليه أن تصرِّح بريطانيا العظمى بأنها لا تريد فصل السودان، ولا تعمل على تشجيع المطالبين بهذا الفصل. وهذا شيءٌ تطلبه الصحف في كل يوم مصبحة وممسية، ولا ينتظر من رئيس وزارة أن يطلب أقلَّ منه. وربما كان أهم من هذا كله أن نعرف ماذا قال السفير البريطاني للنقراشي باشا بعد أن سمع منه هذا الكلام، لم يقل له شيئًا؛ لأن النقراشي باشا أنبأنا وأنبأ النواب بأنه ما زال ينتظر ردَّ السفير. أليس من حقِّنا أن نسأل عن هذه الحماسة ما مصدرها وما معناها وما غايتها؟ أليس من حقِّنا أن نخاف أشدَّ الخوف من أن يظن بنا الإنجليز أننا أصحاب سذاجة تخدعنا الألفاظ، ويُرضينا زخرف القول، ويمكن أن نقنع بالقليل من الصيغ التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا تُغْنِي شيئًا؟!
    لقد كدت أنسى أمرًا خطيرًا جدًّا، خطيرًا إلى أبعد غايات الخطورة؛ وهو هذا الحل الرائع الذي تبرَّع به النقراشي باشا من عند نفسه لمشكلة قاضي القضاة في السودان. ألم يعرض النقراشي باشا على السفير أن يُبقي قاضي القضاة في منصبه على أن تدفع مصر مرتبه؛ لتستطيع حكومة السودان أن تعيِّن بهذا المرتب موظفًا قضائيًّا كبيرًا من السودانيين؟ أرأيت أبرع من هذا الحل؟ أرأيت أمهر من هذه المهارة؟ أرأيت أفطن من هذه الفطنة؟ رئيس وزرائنا يبتدئ فيسلم للحاكم العام بما يريد، ويعرض عليه حلًّا من عنده، وهو أن تدفع مصر مرتب القاضي إن كان في دفع هذا المرتب ما يعين على حل المشكلة.
    أيصدر هذا العرض عن سياسي محنك مؤمن بحقه مصمم على الاستمساك بهذا الحق، أم يصدر عن خائف واجف يريد أن يرقع الفتق قبل أن يتَّسِع، وقبل أن يظهر عليه الناس فيظنُّوا به الظنون؟
    كلَّا أيها السادة، دعونا من الحماسة الثائرة والعواطف الفائرة والهتاف والتصفيق، وردُّوا نفوسكم إلى أحلامها، واذكروا قبل كل شيء أن حاكم السودان ثائر على صاحب العرش المصري الذي عيَّنه، فيجب أن يُبعد عن منصبه إبعادًا لا إمهال فيه، وأن المطالبين بالانفصال من أهل السودان ثائرون على صاحب العرش المصري الذي له في أعناقهم جميعًا — كما له في أعناق المصريين والسودانيين جميعًا — عهدٌ يجب أن يُرعى، ويجب أن يُعاقب الناكثون له والخارجون عليه.
    بهذا يجب أن يطالب النقراشي باشا، وفي هذا يجب أن يُلِحَّ، وعلى هذا يجب أن يصر، ولا ينبغي له أن يرضى حتى يصل إليه، ولا ينبغي للمصريين أن يرضوا عن رئيس وزارتهم حتى يصل إليه.
    وهذا كله شيء، وقصة المفاوضات بيننا وبين الإنجليز شيءٌ آخر؛ فنحن الآن أمام مشكلة طارئة هي مشكلة هذا الحاكم العام الذي يثور ويشجع على الثورة. فإذا حُلَّت هذه المشكلة وأُبعِد هذا الحاكم العام، ورُدَّ الثائرون إلى الطاعة والصواب؛ رجعنا إلى مواقفنا من المفاوضات. والنقراشي باشا يعلم حق العلم — كما يعلم الإنجليز حق العلم — ماذا يقبل المصريون وماذا يرفضون.

  • إياب…

    إياب…
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.

    ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.

    وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.

    وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.

    ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.

    ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.

    والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.

    ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.

    فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.

    وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.

    إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.

    ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.

    والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟

    سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.

    وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.

    صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.

    ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!

    ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.

    في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
    إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
    أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
    تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.