تمهيد
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يناير ١٩٤٦
وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.
قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.
ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.
هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.
وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.
فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.
وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.
الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.
في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.
وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.
أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.
أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.
وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.
وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.
وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا.
Tag: national sovereignty
-
تمهيد
-
حكمة …
حكمة …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ يناير ١٩٤٦
يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.
كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.
والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.
والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.
ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.
ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.
ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.
ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.
أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.
ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.
فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.
ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟
أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.
لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!
فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. -
تمثيل
تمثيل
طه حسين
جريدة البلاغ
٢ ديسمبر ١٩٤٥
فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم. ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل. وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء. فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟! في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة. وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء. وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ. واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال. والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه. ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله. ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط. وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد. فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة. وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم. وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس. فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس. وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات. لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز. -
وحقوق مصر؟!
وحقوق مصر؟!
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ نوفمبر ١٩٤٥
وحقوق مصر ما خطبُها وما خطبُنا! ألا نزال نذكرها أم أَسْدَلَ النسيان عليها ستارًا كثيفًا؟ أنقرب منها أم نبعد عنها؟ ما خطب الجلاء! أممكن هو أم غير ممكن؟ أقريب هو أم بعيد؟ وما خطب وادي النيل! أيتحد أم ينقسم؟ أيتصل أم ينفصل؟ وما خطب المعاهد! أتبقى كما هي أم يصيبها التعديل؟ كل هذه الأسئلة خليقة أن تُلقَى في كل يوم، بل أن تلقى في كل ساعة، خليقة أن تتصل بالقلوب حتى لا يشعر الناس إلا بها، وأن تتصل بالعقول حتى لا يفكر الناس إلا فيها، وأن تتصل بالضمائر حتى لا يحيا الناس إلا بها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ألا يلاحظ المصريون أن حكومتهم مشغولة عنها، مقصرة في ذاتها، وأنها توشك أن تشغَلهم هم أيضًا عنها، وأن تورِّطَهم فيما تورطت هي فيه من التقصير؟ أين نحن من المفاوضات، أو أين نحن من المحادثات؟! فقد قيل لنا في شهر سبتمبر الماضي إن الوقت كان أشد الأوقات مناسَبةً للأخذ في تلك المفاوضات، وقد مضى شهران أو أكثر من شهرين ولم نعلم أن أحدًا قد أَخَذَ في هذه المفاوضات، وإنما علِمنا أن حكومتنا لم تصنع شيئًا؛ لأن وزير الخارجية البريطانية أنبأ البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ منها شيئًا، ثم أنبأتنا خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات. فماذا بلغت الحكومة من هذا التمهيد؟ أمهدت السبيل كلها فلم يبقَ إلا أن تُبدئ المفاوضات، أم مهدت بعضها وما زال جزء منها طويل أو قصير يحتاج إلى فضل من التمهيد؟ وما هذه السبيل التي يُراد تمهيدُها، وما هذه المصاعب التي يُراد تذليلها، ومن أين تأتي؟ أتأتي من ناحيتنا نحن أم تأتي من ناحية حلفائنا الإنجليز؟ فأما نحن فما أعلم أننا نقيم عقبات، أو نخلق مصاعبَ في سبيل المفاوضات؛ لأننا نريدها ونحرص عليها ونتعجلها كأشد ما يتعجل الناس شيئًا. وأما حلفاؤنا فما أدري لِمَ يقيمون العقبات وكيف يقيمونها، وكيف نرضى نحن منهم أن يقيموها؟ فقد عاد السفير البريطاني إلى مصر بعد أن أُلْقِيَتْ خُطبة العرش، فظن الناس أنهم سيعرفون من أمر المفاوضات شيئًا، ولكنهم لم يعرفوا من هذا الأمر قليلًا ولا كثيرًا، واليوم يعود السفير المصري من بريطانيا إلى مصر، ويظن الناس أنهم سيعلمون من أمر هذه المفاوضات شيئًا، ولكني أؤكد لهم أنهم لن يعلموا منه قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن حلفاءنا الإنجليز الذين يحبوننا أشد الحب قد أشفقوا علينا من خيبة الأمل، فأذاعت بياناتهم الرسمية في لندرة أن السفير إنما يزور مصر زيارة عادية يقتضيها منصبه، وأن محادثات رسمية في الحقوق المصرية لم تَجْرِ قط. وكذلك نستقبل السفير اليوم ونودعه بعد أيام دون أن نعرف من أمر هذه المفاوضات شيئًا؛ لأن هذه المفاوضات لم تبدأ بعدُ، ولأن الحكومة ما زالت على اتِّصال لتمهيد السبيل إليها، وأكبرُ الظَّنِّ أن السفير إنما أقبل لينبئ الحكومة من قرب بالعقبات التي تحتاج إلى تذليل، والمصاعب التي تحتاج إلى تمهيد. وفي أثناء ذلك تَجرى المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا ليتحقق جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان. ومن المؤكد أن الجلاء عن سوريا ولبنان سيتم قبل الجلاء عن مصر، فليس في طريق هذا الجلاء عقبات شِداد تحتاج إلى تمهيد طويل؛ إذ ليس في سوريا ولبنان قناة السويس، وليس لسوريا ولبنان وادٍ كوادي النيل يريد هو أن يتصل، ويريد له غيره أن ينفصل. وليس في سوريا ولبنان حكومة تخفي على الشعب أمره، وتطوي عن الشعب سره، وتستأثر من دونه بالمخبآت. وليس في سوريا ولبنان حكومة تريد أن تبقى؛ لأن البقاء في نفسه خير. وليس في سوريا ولبنان وفد يحب أن يهدم؛ لأن هدمه هو غرض الأغراض وغاية الغايات، ولأن هدمه أهم وأخطر من تحقيق المطالب القومية وجلاء القوات الأجنبية، وتوحيد وادي النيل. ليس في سوريا ولبنان شيء من هذا؛ ولذلك تجري أمور سوريا ولبنان رخاء في طريق سواء، فما هي إلا أن يتم الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين على تنظيم مصالحهم في الشرق الأدنى، حتى يُجلوا أولئك وهؤلاء عن هذين القُطرين العزيزين، وحتى تظفر هاتان الدولتان الشقيقتان بحقهما في الاستقلال الكامل الذي تتقطَّع قلوبنا شوقًا إليه منذ أعوام وأعوام. والذي يظهر أن قلوبنا ستتقطع شوقًا إليه أوقاتًا طويلة أخرى ما دامت حكومتنا على اتِّصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل، وما دام هذا التمهيد يمكن أن يقصر ويمكن أن يطول. وأكبرُ الظن أن حكومتنا لا تكره أن يطول؛ لأن طوله يمدُّ لها أسباب البقاء، ويمكِّن لها من وسائل السلطان. وأي شيء أنفع لمصر وأجدى عليها من بقاء هذا العهد السعيد؟! هل يعلم المصريون أن أمرهم أصبح أدنى إلى الهزل منه إلى الجِد، وأن حياتهم أصبحت أقرب إلى العبث منها إلى الحزم، وأنهم يستطيعون أن ينعموا بهذه الحياة الراضية مطمئنين بأن المسيطرين على أمورهم قد قبِلوا لهم هذا الوضع الغريب، وقالوا لهم منذ نهضوا بأعباء الحكم إن غايتهم إنما هي توفير الغذاء والكساء، وهم يَجِدُّون في توفير الغذاء والكساء ينجحون حينًا ويخفقون أحيانًا؟ وماذا يريد المصريون من حكومتهم أكثر من أن تبذل ما تستطيع لتوفر لهم الغذاء والكساء، إنها لم تأخذ على نفسها عهدًا يوم تولَّت الحكم بأنها ستسعى بهم إلى ابتغاء المكارم، وتحقيق المآثر، وارتفاع المنزلة بين الشعوب، وإنما قالت لهم إنها ستغذوهم وتكسوهم، وهي تبذل في ذلك ما تستطيع. وقديمًا قال الحطيئة لبعض خصومه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ويريد سوء الحظ ألَّا يكون المصريون جميعًا طاعمين ولا كاسين، فمنهم الجائع الذي لا يجِد ما يقيم الأود، ومنهم العريان الذي لا يجِد ما يقي جسمه عاديات الحر والبرد، ولكن خلاصة المصريين طاعمة لا تعرف الجوع كاسية لا تعرف العُري. وإذا كانت الصفوة طاعمة كاسية راضية فلا على الكثرة أن تجوع، ولا على الكثرة أن تعرى، وما ينبغي للكثرة أن تغضب وقد رضي السادة واطمأنُّوا. وكذلك تجري أمور المصريين: سادة يرضون فيستبقون الرضى، وينعمون فيستديمون النعيم، وكثرة تسخط فلا يحفل بسخطها أحد، وتشقى فلا يلتفت إلى شقائها أحد. وشعبٌ كان خليقًا أن يجدَّ في سبيل الاستقلال، فتصرف كثرته عن الاستقلال إلى رفع الشقاء واكتمال البقاء، وتصرف قلته عن الاستقلال إلى الاستزادة من السعادة واستدامة النعيم. وتنظر حكومته إلى أولئك وهؤلاء باسمة راضية؛ لأن اشتغال الكثرة بالتماس الرزق، واشتغال القلة بالاستزادة من الترف؛ كل ذلك يُمكِّنها من البقاء، ويمد لها أسباب السلطان. وأغرب ما في الأمر أن الإنجليز يظنُّون بنا خيرًا مما نظن بأنفسنا، وينتظرون منا أكثر مما ننتظر من أنفسنا، فصحفهم تبدئ وتعيد فيما يمكن أن يكون لنا من أثر في استقرار الأمن الدولي في الشرق، وفيما يمكن أن يكون لرضانا أو سخطنا من أثر في تحقيق التوازن الدولي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي تأمين المواصلات العالمية. والصحف الإنجليزية مصيبة غير مخطئة، فنحن خليقون أن نؤثر في الصلة بين الشرق والغرب تأثيرًا خطيرًا بعيد المدى، ونحن قادرون على أن نفرض احترامنا على الغرب، ونكرهه على أن يحسب لنا الحساب كل الحساب. ولكن بشرط أن ننهض نحن بأمرنا كله، وألا تنهض به من بيننا قلة ضئيلة تُعنى بإخضاعنا لسلطانها أكثر مما تُعنى بالمفاوضة لتحقيق الجلاء وتوحيد وادي النيل. أيهما أحق بعناية الحكومة القائمة: أن يبقى العهد ويهدم الوفد ويخضع الشعب، أم أن يُجلوا الإنجليز ويتَّحد وادي النيل؟ إن كنت في حاجة إلى الجواب عن هذا السؤال فانظر فيما عملت الحكومة الحاضرة، وفيما قالت، وفيما هي عاملة وقائلة منذ أن تولت الحكم إلى الآن، لم تعمل إلا أن حاربت الوفد، ولم تقُل إلا أن شتمت الوفد. فأما مطالبة الإنجليز بالجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل، وتعديل المعاهدة، فإن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات؟ والأمر لا يخلو من فكاهة مؤذية؛ فإن وزراءنا مصريون يجري في دمائهم حب مصر كما يجري في دمائهم حب أنفسهم، يجدون في قلوبهم شعورًا بالكرامة الوطنية كما يجدون في قلوبهم شعورًا بالغرور الإنساني، فهم يتمنَّوْن الاستقلال لأنهم مصريون، وهم يتمنون البقاء في الحكم لأنهم ناس من الناس. وهم يخضعون لهذا الصراع العنيف بين حبهم للوطن وحبهم لأنفسهم، وهم من أجل ذلك يُقدِمون حينًا ويُحجِمون أحيانًا، يُقَدِّمون رِجلًا ويؤخرون أخرى، يرفعون أبصارهم إلى السماء ثم يَرُدُّونها مسرعين إلى الأرض. ألست تذكر أننا منذ أشهر لا نكاد نتَّفق أسبوعًا حتى نسمع أن هذا الوزير أو ذاك ساخط؛ لأنه يرى تقصير الحكومة في المطالبة بالاستقلال، وأنه قد همَّ أن يستقيل، ثم بدا له فأرجأ الاستقالة أو أنه قد استقال بالفعل، ثم بدا له فاسترد الاستقالة. وأن هذا الوزير وذاك يلتقيان ويفترقان ويُبرِمان وينقُضان، عين في الجنة وعين في النار. والجنة بالطبع هي البقاء في الحكم، والنار بالطبع هي التخلي عن الحكم، وأي العقلاء يُخَيَّرُ بين النعيم والجحيم ثم يُؤْثِرُ الجحيم على النعيم؟! وكذلك يتردد وزراؤنا بين دُورِهِم ودواوينهم، يعزمون في الليل وينهزمون في النهار. كذلك يتردد السفير البريطاني بين القاهرة ولندرة، ويتردَّد السفير المصري بين لندرة والقاهرة. ويصبح الشعب المصري متشوِّقًا إلى الاستقلال متحرقًا إلى الكرامة، فلا يكاد يقرأ صحف الصباح حتى تهدأ اللوعة وتخمد نار الشوق. ثم يُمسي متلهفًا إلى الاستقلال متهالكًا على الحرية، فلا يكاد يقرأ صحف المساء حتى يسلو ويلهو ويغل بالعبث عن الحرية والاستقلال. وكان يقال إن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها. وإني لأعلم أن لمصر حقوقًا توشك أن تضيع لأن الذين كُلِّفوا المطالبة بها يعنون بأنفسهم أكثر مما يعنون بهذه الحقوق. -
غداء
غداء
طه حسين
جريدة البلاغ
١ نوفمبر ١٩٤٥
وأخيرًا فتح الله على حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء، فقال كلامًا تمتلئ له القلوب غِبطةً وابتهاجًا، وتمتلئ له النفوس نورًا وإشراقًا، وتهتز له مصر طربًا حتى يوشك طربها أن يكون زلزالًا ترجو أن يعصم الله مصر من أخطاره وآثاره.
نعم، فتح الله على رئيس الوزراء، فقال كلامًا رائعًا بارعًا، روَّى عقول الصحفيين بعد ظمأٍ طويل ونقع غلة المصريين بعد أن كان الصدى يهلكهم وينتهي بهم إلى البوار. فقد اجتمع مجلس الوزراء أمس لأمر خطير، خطير جدًّا، ثم دعي الصحفيون إلى حضرة الرئيس بعد انفضاض مجلس الوزراء، فأقبلوا وقلوبهم تنزو في صدورهم وألسنتهم ترقص في أفواههم وريقهم يجف في حلوقهم. ثم تحدث إليهم الرئيس فكان كلامه يقع في نفوسهم الظامئة وقلوبهم الصادية موقع الغيث من الأرض المُجدِبة من بعد عهدها بالماء.
وكيف لا ينعم الصحفيون، وكيف لا يبتهج المصريون، وقد تفضَّل الجنرال جيت فدعا رئيس الوزراء إلى الغداء مع الفيلد مارشال النبروك رئيس هيئة أركان حرب قوات الإمبراطورية البريطانية. أرأيت إلى هذه الألقاب الطويلة التي دُعِي رئيس الوزراء إلى الغداء معها؟ أليس في هذه الدعوة الكريمة تشريف لرئيس الوزراء وتكريم للشعب المصري الذي ينطق باسمه رئيس الوزراء. أليس هذا الغداء خليقًا أن تُتلى أنباؤه على مجلس الوزراء، وأن تُذاع أنباؤه على المصريين جميعًا. ثم إن الأمر لم يقِف عند الغداء، فقد تحدث الرجلان العظيمان بعد الغداء — أثناء انتظار القهوة وأثناء شُربها وبعد شُربها — حديثًا طويلًا وديًّا في مسائل تهم البلدين، والبلدان هما مصر التي يرأس وزراءها النقراشي باشا، والإمبراطورية البريطانية التي يرأس هيئة أركان حربها الفيلد مارشال النبروك.
ثم يقف الأمر فجأة عند هذا الحد، وشيء خير من لا شيء، وما ينبغي لمصر أن تطمع في أكثر من هذا، فحَسبُها أن تعلم أن الرجلين العظيمين تناوَلا الغداء على مائدة واحدة، وتحدثا بعد ذلك في مسائل تهم البلدين حديثًا وديًّا طويلًا. ولكن فيمَ كان هذا الحديث؟ كان في الشئون السياسية؟ فإن الفيلد مارشال النبروك ليس صاحب سياسة، ليس من شأنه التحدث في السياسة، وما نعلم أن الإنجليز يُفوِّضون رجال الحرب في أحاديث السياسة! أم كان في الشئون العسكرية؟ فليس صاحب الدولة النقراشي باشا صاحب حرب ولا قتال، وليس له علم بالشئون العسكرية قليل أو كثير، وإذن ففيمَ كان الحديث؟! أو بعبارة أدق ما عسى أن تكون الغاية من هذا الحديث؟ أهي التمهيد للمفاوضات؟ أم هي إشاعة الطمأنينة في نفس الرئيس؟ أم هي تكدير الأعصاب؟
وفيمَ تريد أن يتحدث عظيم من عظماء الإنجليز إلى رئيس الوزارة المصرية حين يلقاه ويجتمع معه على مائدة الغداء؟ أليس طبيعيًّا أن يدور الحديث بينهما عن مسائلَ تهم البلدين، سواء أكان الوقت وقت مطالبة بالحقوق المصرية أم وقت إهمال لهذه الحقوق ونسيان لها وانصراف عنها. وهل من الممكن أن يزور رجل كالفيلد ماريشال النبروك مصر ثم لا يلقى رئيس الوزراء، ولا يجتمع معه إلى الغداء أو العشاء مهما يكُن الوقت الذي تحدُث فيه هذه الزيارة، ومهما تكُن الظروف التي تحيط بها.
لقد زار الفيلد ماريشال أتينا قبل أن يزور القاهرة، وما من شك في أنه اجتمع بالوصي على العرش هناك إلى غداء أو عشاء، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا عن مسائل تهم البلدين، ولكن الوصي على العرش لم يحتَجْ إلى أن يذيع عن هذا الاجتماع وهذا الحديث بلاغًا أو شيئًا يشبه البلاغ؛ لأن الوصي على العرش في بلاد اليونان — وهو قائم برياسة الوزراء الآن — يرى من الطبيعي أن يكون هذا الاجتماع، وأن يدور فيه هذا الحديث الودي الطويل حول مسائل تهم البلدين. ولأن الوصي على العرش مشغول بأمور الشعب اليوناني عن إصدار البلاغات في أمر طبيعي مألوف. وهذا هو كل الفرق بين رئيس وزرائنا ورئيس الحكومة اليونانية، أحدهما — وهو الرئيس اليوناني — مُثقَل بأشياء كثيرة يجب أن يعملها، وبأشياء كثيرة يجب أن يقولها وبأحاديث كثيرة يجب أن يديرها، والآخر هو رئيس الحكومة المصرية فارغ اليد والبال، ليس له هم ينغص يومه أو يؤرِّق ليله، وليس لديه شيء يقوله للمصريين، والمصريون مع ذلك يريدونه على أن يقول لهم شيئًا. وقد جدَّ الرئيس وكدَّ وبحث واستقصى وفكَّر وقدَّر فلم يجِد شيئًا يقوله للمصريين؛ لأنه لم يجِد شيئًا يعمله للمصريين، ثم صنع الله له ورفق به وهيَّأ له ظرفًا مواتيًا؛ فاجتمع بالفيلد مارشال النبروك واستطاع أن يذيع في المصريين نبأ هذا الاجتماع.
والغريب أن رئيس الوزراء اكتفى بدعوة زملائه الوزراء، ولم يَدْعُ الهيئة السياسية ليقرأ عليها هذا النبأ العظيم، وليفاوضها في دخائله وأسراره وفي مقدماته ونتائجه، أفتراه يُؤثِر مجلس الوزراء بأسرار السياسة من دون الهيئة السياسية العليا؟ أم ترى الأمر أقلَّ خطرًا أو أهون شأنًا من أن يجتمع له أعضاء هذه الهيئة السياسية العليا؟ وما عسى أن يكون رأي صاحب الدولة صدقي باشا في هذا الحدث العظيم؟ أتراه يرضى عنه ويصبر عليه؟ أم تراه يضيق به فيستقيل من هيئة تُطوى دونها الأسرار وتُخفى عليها حقائق السياسة العليا؟ يستقيل وتُذاع أنباء استقالته في الصحف، ثم يدعوه رئيس الوزراء إلى غداءٍ أو عشاءٍ أو كأسٍ من القهوة يدور حوله حديثٌ وديٌّ طويلٌ كذلك الذي دار بين الرئيس والفيلد مارشال، ثم يعدل صدقي باشا عن الاستقالة؛ لأن أقنع النقراشي باشا بأنه كان مخطئًا، أو لأن النقراشي باشا أقنعه بأنه كان مصيبًا، ثم تجري الأمور كما جرت بعد استقالة الأسبوع الماضي.
والحق أن المصريين في حاجة إلى هذه الفكاهات يَتَسَلَّوْنَ بها عن هذه الحياة الراكدة الجامدة الخامدة، التي لا تُغني شيئًا ولا تدل على شيء، والتي فُرِضَتْ على المصريين في هذه الأيام الشداد.
يجب أن يستقيل صدقي باشا، وأن يترضاه النقراشي باشا حتى يعدل عن الاستقالة، وأن يجد الصحفيون من أصحاب الفكاهة ما يرفهون به على القراء. يا ويح هذا الشعب من ساسته العظام وقادته الكبار، إنهم ليكلفونه من أمره شططًا، إنهم ليعبثون والشعب في حاجة إلى أن يجِدُّوا، ولكن بهذا سبق القضاء وجرت الأقدار.
فيجب أن يشغل الشعب بهذا الأحاديث الفارغة عن حقوقه المُقَدَّسَة، ويجب أن يُلهى الشعب عن آماله وأمانيه بما يكون من استقالة صدقي باشا ظهر الخميس وعدوله عن هذه الاستقالة بعد أن يقدمها بساعات قصار أو طوال.
وبعد، فلو أن عند النقراشي باشا شيئًا يقوله أكثر من اجتماعه بالفيلد مارشال لقاله، ولو أن عند النقراشي باشا شيئًا يعمله أكثر من الغداء من الفيلد مارشال لعمله. ولكن الرجل قد بذل جهد المُقِل، وأعطى خير ما عنده أو كل ما عنده، وأجملُ بائعة للتبغ لا تستطيع أن تعطي إلَّا ما عندها كما يقول الفرنسيون. والله لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون. وقد بذل رئيس وزرائنا طاقته كلها، فتغدى مع الفيلد مارشال وأدار معه حديثًا ودِّيًّا طويلًا في مسائل تهم البلدين، ثم أفضى بنبأ ذلك إلى مجلس الوزراء، ومن حيث إن الوزارة تُعاب بالصمت، وتؤخذ بالتقصير في نشر الدعوة لما تنهض به من أعمال جِسام. فقد أُشير على رئيس الوزراء في أكبر الظن بأن يدعو الصحفيين إلى حضرته، ويذيع فيهم هذا النبأ الخطير، وقد فعل، واللهُ لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، فيجب على الشعب المصري أن يرضى، بل يجب عليه أن يبتهج، بل يجب عليه أن يملأ الجو هتافًا وتصفيقًا وصفيرًا أيضًا. فقد تغدَّى رئيس الوزراء مع الفيلد مارشال النبروك، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهم البلدين.
ولا ينبغي أن يفوت الشعب المصري أن لهذا الغداء خطره العظيم؛ لأن غداءً آخر حدث في لندرة، وما من شك في أن سفيرنا قد تحدَّث هو أيضًا مع ضيفه المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهمُّ البلدين، غداء في القاهرة وغداء في لندرة وغداء يطابق أصول السياسة كل المطابقة، يطابق أصول السياسة الظريفة كل الظرف، فرئيس وزرائنا ضيفٌ في القاهرة، وسفيرنا مضيف في لندرة، وليس بين الغدائين من فرق إلَّا أن غداء القاهرة دعا إليه قائد بريطاني، ولم يدع إليه السفير البريطاني أو من ينوب عن السفير.
وتفسير هذا الفرق يسيرٌ جدًّا، فوزير الخارجية البريطانية صاحب سياسة وليس صاحب حرب؛ فهو إذن يتغدَّى مع السفير المصري ويدير معه الحديث الودِّي الطويل. أمَّا رئيس وزرائنا فصاحب مهارة حربية وبراعة في الكرِّ والفرِّ والإقدام والإحجام، فهو إذن يتغدَّى مع الفيلد مارشال ويدير معه الحديث الودِّي الطويل.
أليس لهذا العبث من آخِر، ألم يأنِ لساستنا أن يثوبوا إلى ضمائرهم وأن ينظروا إلى الساسة من حولهم، وأن يقدروا أنهم يوشكون أن يضيِّعوا على مصر فرصًا لا سبيل إلى استدراكها إذا لم تنتهز الآن؟ ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يخلو إلى نفسه ذات صباح أو ذات مساء، وأن يسألها عن هذا الفوز العظيم المخيف الذي يظفر به في هذه الأيام؟ إنه يفوز على نفسه فيشغل بمظاهر الحكم عن حقائق الحياة المصرية، وقد كان العهد به غاليًا في الوطنية جامحًا في المطالبة بالحقوق. أيمكن أن يكون الحكم ملطِّفًا لحدة المزاج إلى هذا الحد! إنه يفوز على أمته فوزًا عظيمًا مخيفًا حين يشغلها بالتافه من الأمر عن الجهاد في سبيل الحق، وحين يلهيها بهذه الأحاديث التي لا تُغني شيئًا عن تحقيق آمالها في هذا الوقت الملائم لتحقيق الآمال.
ليت النقراشي باشا يخلو ساعة إلى نفسه ويوازن بين موقفه الآن وموقفه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إذن يفزع أي فزع ويهلع أي هلع، ويعلم أن الحكم قد يغيِّر بعض النفوس، وقد ينحرف ببعض الناس عن الجادة، ويدفعهم إلى كثيرٍ من الالتواء.
ولكن صاحب الدولة في شغل عن حساب نفسه والخلوة إليها، والموازنة بين قديمه وحديثه. فقد يحب أن يبقى في الحكم ليحفظ العهد الحاضر من الانهيار، وفي انهيار العهد الحاضر خطر أي خطر. فيه هذا الخطر العظيم الذي قد لا يحبه الإنجليز، ولا يحبه أنصار الوزارة من المصريين. إن انهيار العهد الحاضر يردُّ إلى الشعب حريته ونشاطه، واندفاعه إلى المطالبة بالحق وإصراره على هذه المطالبة حتى يبلغ ما يريد، وهذا شيءٌ قد لا يحبه الإنجليز الآن، وقد لا يحبه فريقٌ من المصريين أيضًا مع الأسف الشديد.
فليبق العهد الحاضر إذن، ولتُؤجَّل المطالبة بالحقوق، وليتغدَّ رئيس الوزراء مع الفيلد ماريشال النبروك، ولينعم الشعب المصري بهذا الشرف العظيم الذي هو أعظم وأضخم من نيل الحقوق. أليس رئيس وزرائه قد تغدَّى مع الفيلد مارشال، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا. -
بين الانتظار والانهيار
بين الانتظار والانهيار
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٨ أكتوبر ١٩٤٥
كل شيء ممكن حتى اجتماع المتناقضات. فما من شك في أن الوزارة المصرية قد طلبت إلى الإنجليز الجلاء عن مصر والسودان وتعديل المعاهدة؛ لأن وزراءنا قالوا لنا ذلك، وهم صادقون، ولا يمكن إلَّا أن يكونوا صادقين؛ لأن النهوض بالأعباء العامة والاستقرار على كراسي الحكم والسيطرة على شئون الدولة، كل هذه خصال تفرض على أصحابها الصدق فرضًا، ولا تنطق ألسنتهم إلَّا بالحق الساطع القاطع الذي لا يقبل نزاعًا ولا يتعرض لجدال أو مراء. فإذا قال وزراؤنا أنهم قد طلبوا إلى الإنجليز رسميًّا ما تريد مصر أن يطلب إليهم؛ فيجب أن نصدِّقهم، وإن لم نصدقهم فويل لنا! ويل لنا من أنصار الوزراء الذين سيتهموننا بالمكابرة وتعمد الإساءة إلى الحكومة! وويل لنا من الوزراء أنفسهم؛ فسيتهموننا بجحود الجميل وكفر النعمة. ومن يدري؟ لعلهم يسلطون علينا بعض البأس وينالوننا ببعض ما نكره! فهم أصحاب حزم وعزم، وهم أصحاب قطع وجزم، والأمر إليهم، فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، وما هي إلا إشارة ظاهرة أو خفية وإذا الذين لا يصدِّقون الوزراء إذا قالوا معرضون لما يعرفون وما لا يعرفون من المكروه.
وزراؤنا صادقون إذن حين يقولون أنهم طلبوا إلى الإنجليز الجلاء عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه. فيجب أن نعرف لهم هذه اليد البيضاء، وأن نشكر لهم هذه النعمة الغراء، وأن نقرر أنهم قد استحقُّوا تقدير الوطن. ولكن وزراءنا لم يقولوا جميعًا أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز، وإنما قال بعضهم ذلك وقال بعضهم أنهم لم يطلبوا شيئًا، وهم جميعًا صادقون؛ لأنهم جميعًا وزراء. والوزير صادقٌ دائمًا حتى حين يقول الحق ونقيضه، فوزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم طلبوا الجلاء صادقون، ووزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم لم يطلبوا الجلاء صادقون. والأمر يسير كل اليسر، فقد ينبغي أن نلغي عقولنا؛ لأن عقول الوزراء تكفينا، وقد ينبغي أن نكذِّب أنفسنا؛ لأن صدق الوزراء يغنينا، وقد ينبغي ألَّا نأمل ولا نتمنى وألَّا نطمح إلى مجد ولا نطمع في استقلال ولا نطالب بحرية.
وما حاجتنا إلى هذا كله، وإنما نحن شعب قاصر قد قام الوزراء بالوصاية عليه، فهم يفكرون له ويشعرون به، وهم يقومون بتفكيرهم وشعورهم مقام الشعب في التفكير والشعور، فليس على الشعب إلَّا أن يأكل ويشرب إن وجد الطعام والشراب، وأن يستيقظ وينام إن أتيحت اليقظة والنوم. ولو استطاع الوزراء أن يأكلوا ويشربوا للشعب لكان من الحق على الشعب أن يصوم؛ لأن الوزراء يأكلون مكانه ويشربون مكانه، ويغنونه من هذا العناء الثقيل. ولو استطاع الوزراء أن يستيقظوا ويناموا نيابةً عن الشعب؛ لكان من الحق على الشعب أن يعلِّق نفسه في حال بين اليقظة والنوم، لا يمعن في اليقظة فيجد ما يكره، ولا يغرق في النوم فيجد ما يحب، وإنما يتأرجح بين ذلك. وأي شيء ألذ من أن يظل الشعب متأرجحًا بين اليقظة والنوم، تمرُّ به الأشياء فيحسها ولا يحسها، ويحققها ولا يحققها، وإنما هي خيالات تمس النفس مسًّا رفيقًا؛ فتحدث فيه لذَّة رفيقة أيضًا.
ولكن الوزراء — مع الأسف الشديد — لا يستطيعون أن يغنوا الشعب عن الطعام والشراب واحتمال أثقال الحياة المادية، فحسبهم أن يغنوه عن التفكير وعن الشعور وعن الطموح إلى الحرية والنزوع إلى الاستقلال والمطالبة بالجلاء؛ لأنهم ينهضون بهذا، وهم ينهضوا بهذا بفيضٍ من العناية الإلهية التي وضعت على عاتق رئيس الوزراء أمور مصر، فاحتملها قويًّا متينًا ورصينًا مكينًا.
وما من شك في أن العناية الإلهية قد ألقت في نفس رئيس الوزراء قبسًا من هذا النور المقدَّس الذي يعصمه من الخطأ، ويبرئه من الضعف، ولا ينطقه إلَّا بالحق. وما من شك في أن رئيس الوزراء حين اختار زملاءه قد أهدى إلى كل واحد منهم جزءًا يسيرًا من هذا القبس المقدس؛ فامتلأت نفسه قداسةً ونورًا. ومن أجل ذلك حقَّ علينا أن نصدق الوزراء، ولا نشك فيما يقولون لنا في وقت واحد من أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز ومن أنهم لم يطلبوا الجلاء إلى الإنجليز! فللعناية الإلهية أسرارٌ لا يفهمها مثلك ومثلي من عامة الناس، وإنما يفهمها المقربون من الأصفياء والأتقياء الذين ترفع لهم الحجب وتنجاب لهم الأستار.
حقٌّ علينا إذن أن نصدق وزراءنا، حقٌّ علينا كذلك أن نصدق المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، لا لأن العناية الإلهية قد آثرته بالوزارة، أو آثرت به الوزارة، فالعناية الإلهية لا تحب الإنجليز ولا تختار منهم أحدًا لشيء، وإنما العناية تحب الألمان فتختار منهم هتلر، وتحب المصريين فتختار منهم صاحب الدولة رئيس الوزراء. ومع ذلك فيجب أن نصدق المستر بيفن؛ لأنه حين يتحدث إلى مجلس العموم لا يستطيع أن يقول له غير الحق؛ لأن الشعب البريطاني حين يختار نوَّابه ووزراءه يعرف كيف يؤدِّبهم ويهذبهم ويروضهم على ألَّا يخدعوه وعلى ألَّا يقولوا له غير الحق الصريح. وليس ما يدعو إلى الشك فيما قال المستر بيفن، فهو ينبئنا بأن مصر لم تطلب إليه شيئًا. وهو يتفق في هذا مع وزير التجارة الذي أنبأنا بأن مصر لم تطلب شيئًا، ومع وزير المالية الذي أنبأنا بأن مصر لم تقدم مذكرة؛ لأنها أرفع من تقديم المذكرات، ولأنها ليست موظفة عند الإنجليز. وإذن، فالمستر بيفن صادق؛ لأنه متفق مع وزيرين من وزرائنا، وقد عرف أن وزراءنا جميعًا صادقون دائمًا مهما يقولوا. وإذن، فمصر قد طلبت ولم تطلب، وكتبت ولم تكتب، واتصلت ولم تتصل، وانفصلت ولم تنفصل، وهي بهذا ترضي المصريين والإنجليز معًا.
ورضا المصريين شيءٌ يسيرٌ؛ لأن المصريين يرضون بكل شيء، ويرضون بغير شيء. وإذا لم يرضوا فما أكثر ما يفيض به النيل من ماء يمكن أن يشربوه صفوًا ويمكن أن يشربوه كدرًا ويمكن أن يلقوا أنفسهم فيه إلقاءً! فلن يأبه لهم أحد، ولن يعبأ بهم أحد. ولماذا يحفل حافل بالمصريين وهم ضعاف لا يقدرون على شيء؟! لا يقدرون حتى على أن يحملوا وزراءهم على أن يسيروا معهم سيرة الوزراء الجادين، على أن يصارحوهم بالحق في غير مداورة ولا مناورة وفي غير مداراة ولا مماراة.
مهما يكن من شيء فحكومتنا قد طلبت الجلاء ولم تطلبه، وحققت وحدة النيل ولم تحققها، وفاوضت الإنجليز ولم تفاوضهم. وقد اطمأن المصريون جميعًا إلى هذه الحال، فلم يشذ عنهم إلَّا واحدٌ، واحدٌ لا ثاني له، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ بين المصريين، ألم تعرفه بعد؟ إنه حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. إسماعيل صدقي باشا لا يحب الضعف ولا الفتور، ولا يقبل المطاولة ولا المماطلة، ولا يرضى من رئيس الوزراء إلَّا أن يكون حازمًا صارمًا كما كان هو حازمًا صارمًا، وإلَّا أن يكون صادق القول مستقيم الفعل، كما كان هو صادق القول مستقيم الفعل، وإلَّا أن يكون مُتحرِّجًا مع الإنجليز كما كان هو متحرجًا مع الإنجليز. ومن أجل ذلك غضب صدقي باشا منذ حين، واتهم النقراشي باشا بأنه يطاول ليكسب الوقت.
والنقراشي باشا رجل لا يخاف أحدًا، ولكنه مع ذلك خاف من صدقي باشا، فلم يكد يقرأ مقاله ذاك حتى جمع هيئته السياسية وأذعن بما أرادت منه هذه الهيئة. فقرر وقرر معه مجلس الوزراء أن الوقت مناسب كل المناسبة للمطالبة بحقوق مصر، ورضي صدقي باشا عن رئيس الوزراء وعن زملائه، فرضي رئيس الوزراء وزملاؤه عن أنفسهم. ومضت الأمور هادئة مطردة، فاجتمع البرلمان وأقر ميثاق سان فرانسيسكو، واطمأن على أن حقوق مصر يحملها مختار العناية الإلهية، ويمضي بها في طريق النجاح والتوفيق.
وكان من الممكن أن تمضي الأمور على هذا النحو أسابيع وأشهرًا، لولا أن عفريتًا من عفاريت الإنجليز سأل وزير الخارجية في مجلس العموم عمَّا تطلبه مصر بشأن السودان، فصرَّح المستر بيفن بما صرح به وتبين أن مصر لم تطلب شيئًا وإن كانت قد طلبت كل شيء. وقد دُهش بعض المصريين لجرأة المستر بيفن الذي يقول ما يخالف الحقيقة المعروفة في مصر، ولكن دهش المصريين لا قيمة له كما أن غضبهم لا قيمة له، وكما أن رضاهم لا قيمة له أيضًا.
إنما الشيء الخطير … الخطير حقًّا، الشيء الذي ينغص النهار ويؤرق الليل هو أن صدقي باشا غضب، وغضب صدقي باشا شيءٌ لا يطاق، وليس أدلَّ على ذلك من أن النقراشي باشا الذي لا يخاف أحدًا ولا يهتم لأحدٍ قد خاف من غضب صدقي باشا، واهتم له، فقطع راحته وأسرع إلى الرياسة ولقي صدقي باشا هناك. وخلص كلاهما لصاحبه، فقال له وسمع منه، ولم يشهد نجواهما إلَّا الله. ثم انصرف صدقي باشا وقد سكت عنه الغضب، ولكنه لم يفارقه، وإنما احتفظ ببقية منه حتى تجتمع الهيئة السياسية، وحينئذٍ يغضب صدقي باشا فتغضب الهيئة كلها لغضبه، أو يرضى صدقي باشا فترضى الهيئة كلها لرضاه. وأنا أبشِّر المصريين أن صدقي باشا سيرضى قبل أن تغرب الشمس، وبأن الهيئة كلها سترضى قبل أن تغرب الشمس أيضًا، وبأن الأمور ستجري على خير ما يحب الوزراء، فليس المهم أن يُطلب الجلاء أو لا يطلب، وليس المهم أن تُحقق وحدة وادي النيل أو لا تتحقق، وإنما المهم أن تجري الأمور في مصر على ما تجري عليه الآن إلى أطول وقت ممكن. ولهذا كان غضب صدقي باشا خطيرًا، فصدقي باشا ركن من أركان العهد القائم. فإذا غضب وغضب معه واحد أو اثنان أو ثلاثة تعرض العهد القائم للانهيار، وما ينبغي لهذا العهد أن ينهار؛ لأن انهياره رجوع إلى الفوضى التي ملأت مصر فسادًا، ومن الذي يرى مصر الآن وقد ملئت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا وخيرًا، ثم يفكر في أن يردها إلى ذلك الفساد القديم.
ليس المهم إذن أن نطالب بحقوق مصر، وإنما المهم أن تمسك مصر في هذه العيشة الراضية التي تعيشها، وفي هذه الكرامة الموفورة التي تستمتع بها، وفي هذا العدل المنشود الذي يستظل به المصريون جميعًا. فأمَّا الجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل وتعديل المعاهدة، فأمور يصح أن يفكر فيها رئيس الوزراء متى رأى الوقت ملائمًا. وقد تقول: إن الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد قررا أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات! ولكن لا تعجل على نفسك ولا تعجل على الناس، فالوقت المناسب الذي قررته الهيئة ومجلس الوزراء كان في النصف الأول من سبتمبر، ونحن الآن في النصف الثاني من أكتوبر، فما كان مناسبًا قبل شهر يمكن ألَّا يكون مناسبًا بعد شهر. والعناية الإلهية قد اختارت النقراشي باشا لحمل الأمانة القومية ولم تختر غيره. وإذن، فإذا رأى النقراشي باشا أن الوقت غير مناسب فرأيه هو الحق الذي لا شك فيه، ويجب على الهيئة السياسية أن تذعن وعلى الوزراء أن يذعنوا أيضًا، وإلَّا انهار العهد الحاضر وجاءت الوزارة المحايدة، ثم جاءت الانتخابات الحرة، وأي شيءٍ أشدُّ هولًا من الوزارة المحايدة والانتخابات الحرة؟
يجب أن يختار المصريون — أستغفر الله — فقد اختار المصريون منذ زمن طويل. يجب أن يختار أنصار العهد الحاضر لا بين الانقضاض والانفضاض، كما كان يخيِّرهم مكرم باشا منذ حين، ولكن بين الانتظار والانهيار. وإذن، فلا ينبغي أن يطالبوا رئيس الوزراء بشيء، ولا ينبغي أن يتعجلوا في شيء، وإذا أرادوا أن يسألوه عن شيء؛ فليسألوه في خلوة وبمأمن من العذَّال والرقباء، فإن هم أذعنوا لهذا القانون مضت الأمور سهلة ميسرة، وإن هم خرجوا عن هذا القانون وأتعبوا النقراشي باشا بالسؤال والاستعجال كانت الكارثة وتفرق القوم بعد اجتماع واختلفوا بعد ائتلاف، وعاد الشر الذي يجب ألَّا يعود. أتعرف هذا الشر؟ إنه حرية الشعب، وويلٌ لمصر إذا سادت فيها حرية الشعب!
أرأيت أن الأمر أيسر جدًّا مما تظن! أيسر من المطالبة بحقوق مصر، أيسر من مفاوضة الإنجليز سرًّا أو جهرًا، أيسر من الاتصال بهم من طريق رسمية أو غير رسمية، أيسر جدًّا من كل هذا هو أن يبقى العهد الحاضر أو لا يبقى.
هذه هي المسألة، وليست هناك مسألة أخرى إلَّا في نفوس الشعب، ومن الذي يحفل بنفوس الشعب؟! -
الشعوب الطامحة
الشعوب الطامحة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢١ أكتوبر ١٩٤٥
ولكن طموح الشعب شيء، وبلوغها ما تطمح إليه شيء آخر، وبين هذين الشيئين عبث ولهو في بعض المواطن، ومكر وكيد في بعض المواطن الأخرى، وحزن وأسًى أحيانًا، وعرق ودماء ودموع — كما قال المستر تشرشل منذ سنين — أحيانًا أخرى …
الواقع أنك تنظر إلى الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فترى طموحًا في كل مكان، ولكنك ترى السعي إلى بلوغ الأهداف التي تطمح إليها الشعوب يختلف اختلافًا كثيرًا باختلاف الأمزجة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب. ففي أوروبا طموح شعبي إلى العدل الاجتماعي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الشعوب من حظٍّ في الرقي، وباختلاف أمزجتها واستعدادها للهدوء والحدة، وللخمود والنشاط. هذه الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية اشتراكية، وتلك الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية شيوعية، وشعوب أخرى تضطرب بين أولئك وهؤلاء.
وفي أوروبا طموح سياسي أيضًا، فهناك شعوب تستمتع بالاستقلال والتسلط على أمم الأرض، وهناك شعوب تستمتع بالاستقلال البسيط الذي لا تسلط فيه، وهناك شعوب فقدت استقلالها بعد الهزيمة، وأخرى فقدت استقلالها بعد الانتصار، وكل هذه الشعوب طامحة إلى أكثر مما في أيديها. فالشعوب المتسلطة تريد أن توسِّع سلطانها، والشعوب المستقلة تريد أن تضيف التسلط إلى الاستقلال، والشعوب التي فقدت استقلالها تريد أن تسترده، والأمور تختلط بين هذا كله في أوروبا اختلاطًا شديدًا يملأ كثيرًا من النفوس رثاءً للإنسان الذي خَيَّل إليه الغرور أنه يقدر على كل شيء، ثم أظهرت له الحقائق الواقعة أنه لا يكاد يقدر على شيء! وإن فيما يحدث الآن في جنوب أوروبا عامةً — وفي بلاد اليونان خاصةً — لعبرة لمن يريد أن يعتبر، ولكنَّ الذين يحبون الاعتبار ويحرصون على الانتفاع بحوادث التاريخ قليلون. لقد اعتدى المحور على اليونان، وكانت بلاد اليونان في ذلك الوقت خاضعة لنوع من الدكتاتورية، يشرف عليه الجنرال متكساس، فلم تكد تعرض للعدوان حتى نسيت أحقادها وضغائنها، ووقفت موقفًا رائعًا أعجب به العالم الحديث، كما أعجب العالم القديم بمواقف أخرى رائعة للشعب اليوناني العظيم. وقد كاد هذا الشعب الصغير الكبير يقهر إيطاليا، لولا أن أسرع هتلر فأعان حليفه موسوليني. ثم امتحنت الأمة اليونانية في كل شيء، وفقدت كل شيء إلَّا الشرف والكرامة. ثم انتصر اليونان مع المنتصرين، ولكنهم لم يظفروا بعد باستقلالهم كاملًا، فما زال وطنهم محتلًّا، وما زال مستقبلهم موضوع الصراع بين شرق أوروبا وغربها. يريد فريق من اليونانيين ديمقراطية معتدلة، وتؤيدهم ديمقراطية الغرب، ويريد فريق آخر ديمقراطية متطرفة، وتؤيدهم شيوعية الشرق. ويختلط الأمر على الشعب اليوناني، فيعجز حتى عن أن ينشئ لنفسه حكومة مستقرة، تستفتي الشعب استفتاءً صحيحًا، وإذا الأمة اليونانية تعود إلى شيء يشبه الدكتاتورية. فهذا الوصي على العرش يجمع اليوم بين رياسة الدولة ورياسة الحكومة، فهو مسئول وهو غير مسئول، أمره في ذلك كأمر الجنرال ديجول في فرنسا، لولا أن شئون الحكم في فرنسا تسعى إلى طريقها الطبيعية سعيًا هادئًا مستقرًّا؛ لأن فرنسا تستمتع باستقلالها كاملًا، ولا تخضع لهذا الصراع بين ديمقراطية الشرق وديمقراطية الغرب، وإنما تخضع لتطورها الطبيعي.
ولا يدري أحد أتنجح هذه التجربة الجديدة في اليونان أم تخفق؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك، هو أن الشعب اليوناني لو خُيِّر لاختار، ولكنه ليس حرًّا في هذا الاختيار، ولن يكون حرًّا إلَّا إذا جلا عنه المحتلون من الأجانب، وترك الشرق والغرب له تدبير أمره كما يريد. وليست الحال في بلغاريا ورومانيا بخير منها في بلاد اليونان، وإن كنا لا نعرف من أمر هذين القطرين شيئًا؛ لأن السلطان الروسي يفرض عليهما رقابة لا تطاق. فأمَّا بلاد المجر فقد أعلنت فيها حالة الطوارئ — بعد أن شملتها الفوضى — وكاد يشملها الخراب. وليست الأمور مستقرة في بولندا، وليس الأمن شائعًا في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإنما هو الاضطراب الشامل، والصراع الذي يختلف قوةً وضعفًا بين ما تريده الشعوب وما تريده حكومات المنتصرين. والذين يظنون أن الأمور في أفريقيا خير من الأمور في أوروبا، يخادعون أنفسهم خداعًا شديدًا، فيكفي أن تنظر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الأفريقي، لتعلم أن العرب في شمال أفريقيا ساخطون مضطربون، وأن أهل ليبيا خائفون مرتقبون، وأن أهل مصر مشفقون وجلون. فأمَّا فلسطين، فأنت تعلم ما يجري في فلسطين، وأمَّا سوريا ولبنان فأنت تعلم ما يجري في سوريا ولبنان. فإذا بلغت تركيا فهناك الخوف كل الخوف، والقلق كل القلق، وإبقاء الجيوش معبأة في بلد غير محارب، ولكنه يخاف المكروه. فأمَّا إيران فقد أمر إمبراطورها ألَّا يحتفل بعيد ميلاده، ما دام الوطن الإيراني خاضعًا للاحتلال الأجنبي. وخطوب الهند أظهر من أن تحتاج إلى بيان. وكذلك يضطرب العالم كله بهذا الصراع بين طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال وحرص حكومات ثلاث أو أربع على التسلط والقهر. وكل هذه الشعوب الطامحة — في كل هذه الأقطار من الأرض — تشقى بهذا الطموح، وتأسى لهذه الآمال التي لا تجد إلى تحقيقها سبيلًا. وكثير من هذه الشعوب يضحي بدمائه ومنافعه أثناء السلم، كما ضحَّى بها أثناء الحرب في سبيل هذه الآمال. ولا يكاد الرأي العالمي العام يشغل نفسه بثورة من الثورات في قطر من الأقطار حتى تعن له ثورة أخرى في قطر آخر تشغله، وتستغرق ما يملك من جهد وتفكير بحيث:
تكاثرت الظباء على خراشفما يدري خراش ما يصيد
فقد شغل الرأي العالمي العام بمشكلة شرق أوروبا، ثم بمشكلة جنوب أوروبا، ثم بمشكلات العالم العربي، وأظهرها مشكلة فلسطين، ثم بالمشكلة التركية الروسية، ثم بمشكلة إيران. وبينما هو مشغول بهذه المشكلات كلها، جاءته مشكلات الشرق الأقصى، وهي مشكلات غريبة حقًّا، أو قل: إنها مشكلات طبيعية لا غرابة فيها؛ لأنها نشأت من هذا الينبوع الذي نشأت منه المشكلات كلها، وهو ينبوع الوعود التي تُبذل في كثير جدًّا من الكرم والسخاء، ثم لا يبر بها الذين بذلوها.
وموقف حلفائنا البريطانيين بنوعٍ خاص من هذه الوعود، يدعو إلى الضحك والرثاء حقًّا، فهم قد وعدوا — كما وعد غيرهم من الحلفاء — ولكنهم بذلوا وعودًا متناقضة أشدَّ التناقض، قالوا للشعوب المستضعفة إنهم يعدونها بالحرية والاستقلال، وبما اشتمل عليه ميثاق الأطلنطي من سخاءٍ ورخاء، وقالوا في الوقت نفسه لبعض الشعوب الأوروبية المنهزمة إنهم يعدون بمعونتها حتى تسترد استقلالها كاملًا شاملًا، وسلطانها واسعًا موفورًا. فلما وضعت الحرب أوزارها، قالت الشعوب الضعيفة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا الاستقلال الذي وعدتم به، والحرية التي زينتموها في قلوبنا، وخيَّلتم إلينا أنها قريبة المنال. وقالت الشعوب المحررة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا ما وعدتم به من المعونة، على أن نسترد سلطاننا واسعًا موفورًا. وقال الشعب الإنجليزي للشعب الإنجليزي: يجب أن نحقق ما وعدنا به من العدل، وإلَّا ساء الظن بنا، واشتد الشك فينا، وفقدنا ثقة العالم، ويجب في الوقت نفسه أن نحتفظ بإمبراطوريتنا كاملة غير منقوصة، فليس من المعقول أن نعين الفرنسيين على استرداد الهند الصينية، والهولنديين على استرداد إندونيسيا، ونفقد نحن الهند أو غيرها من أجزاء الإمبراطورية.
ونظر المستر إتلي، ونظر معه مجلس العموم، فإذا بريطانيا العظمى قد وعدت هولندا بمساعدتها على استرداد الإمبراطورية الهولندية، وضمنت لها سلامة هذه الإمبراطورية، ووعدت في الوقت نفسه بألا تعين على الاستعمار، وألَّا تؤيد الظلم والجور، وألَّا تمكن القوي من الاستبداد بالضعيف! وأهل إندونيسيا يطالبون بريطانيا العظمى بالوفاء، وحكومة هولندا تطالب بريطانيا العظمى بالوفاء. والمشكلة التي تواجه بريطانيا العظمى الآن، هي كيف تفي لأهل إندونيسيا والهند الصينية بما وعدت به العالم كله من حرية واستقلال، ولهولندا وفرنسا بما وعدت به من ردِّ أملاكهما إليهما سالمة؟ كيف تمنح الاستقلال لأهل هذه الأقطار في الشرق الأقصى، وترد هذه الأقطار إلى هولندا وفرنسا في وقت واحد؟!
وهي مشكلة خطيرة كما ترى، وقد همَّ المستر أنتوني إيدن أن يجد منها مخرجًا لبقًا، فتساءل أمس في مجلس العموم: أليس الهولنديون هم الذين أعلنوا الحرب على اليابان؟ ومعنى هذا واضح، هو أن الهولنديين يجب أن يجنوا — وحدهم — ثمرة هذه الحرب التي أعلنوها. ولكن المستر إتلي رجل شديد الحياء والوفاء أيضًا، فهو يرد على وزير الخارجية السابق بأن الهولنديين إنما أعلنوا الحرب تضامنًا مع الحلفاء.
ويزيد هذه المشكلة تعقيدًا أن البريطانيين قد اضطروا إلى أن يستعينوا باليابانيين المنهزمين على إقرار النظام في إندونيسيا، فهل رأيت منتصرًا يستعين بالمنهزم وغالبًا يعتزُّ بالمغلوب؟ ولكن الضرورات تبيح المحظورات، وقد صدق الشاعر القديم حين قال:
إذا لم يكن إلَّا الأسنة مركبًافلا أرى للمضطر إلا ركوبها
وإذن، فسيستعين البريطانيون بأعدائهم من اليابانيين على حفظ النظام في إندونيسيا؛ حتى تستطيع هولندا أن ترسل الجيوش الكافية لحفظ النظام في تلك الأقطار. ويومئذٍ يرد اليابانيون إلى بلادهم، ويعود البريطانيون إلى قواعدهم، ويخلى بين الهولنديين وما يملكون من قوة وبأس في البر والبحر والجو، وبين الإندونيسيين وما كتب عليهم من ضعف وبؤس وشقاء، وجهاد فيه ما وعد به المستر تشرشل من العرق والدماء والدموع!
وهذه المأساة التي تمثل الآن في إندونيسيا تمثل في بلاد أخرى كثيرة من أقطار الأرض؛ وعودٌ تُبذل في أوقات الشدة، وإخلافٌ لهذه الوعود في أوقات الرخاء، وتعاون بين القوى المنتصرة على إخضاع المظلومين الذين لا يجدون سبيلًا إلى الانتصار. على هذه السُّنة جرت الأمور بين أوروبا القوية والشرق الضعيف، والله عز وجل لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أراد الشرق أن يكون كريمًا عزيزًا، مستمتعًا بحقِّه في الاستقلال، فليلتمس هذا كله عند نفسه لا عند أوروبا؛ فإن أوروبا لن تقدم إليه هذه الهدية، وإنما تؤثر بها نفسها. وما أكثر ما يطلب الشرقيون إلى الشرقيين المعونة والتأييد، وما أكثر ما يهدي الشرقيون إلى الشرقيين من معونة وتأييد، ولكنها معونة بالقلوب وتأييد بالألسنة، وهي أضعف المعونة وأضعف التأييد!
وإذن، فليس أمام الأمم المستضعفة إلَّا شيئان ليس لهما ثالث: فأمَّا أولهما فالعمل الذي لا يعرف توانيًا ولا تواكلًا، وأمَّا ثانيهما فالأمل الذي لا يقنط من روح الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلَّا القوم الكافرون. -
في الوقت الملائم
في الوقت الملائم
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٣ أغسطس ١٩٤٥
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.
أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.
ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.
واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.
نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.
وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.
كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.
إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.
ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.
في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.
في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.
فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.
إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.
لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.
على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.
أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.
وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.
إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.