Tag: 1930s Egypt

  • خاتمة٢

    خاتمة

    أما المقدمة فقد قرأها من قرأها، وسمعها من سمعها من الناس يوم افتتحت الدورة البرلمانية في آخر العام الماضي، وألقى رئيس الوزراء خطبة العرش، فرأى الناس وعودًا كثيرة.

    وأما الخاتمة فقد سمعها من سمعها، وقرأها من قرأها، ورآها من رآها أمس واليوم في هذه الخطب القصار والطوال التي ألقيت في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ. وفيها تسجيل وليس فيها وعد، وفيها آمال يرجو الشيوخ والنواب والوزراء أن تتحقق، وعند الله وحده تحقيق الآمال. والله وحده قادر على أن يمضي فيتم ما قضى، مهما يقل الناس، ومهما يعملوا، ومهما يرج الناس، ومهما يأملوا.

    على أن هذه الخاتمة التي انتهت بها الدورة أمس لا تخلو مما يدعو إلى التفكير، ويثير في النفوس عبرًا وعظات يحسن أن يعتبر بها الحكماء، ويتعظ بها الألباء.

    فقوام هذه الخاتمة شكر وثناء، وحمد وإطراء. كل إنسان في البرلمان شاكر ومشكور، وكل إنسان في البرلمان باذل للمدح، وقابل للثناء.

    أما رئيس مجلس النواب فيبدأ بما يجب البدء به من حمد الله عز وجل، والثناء عليه، ثم ينثر باقة من الزهر تغمر الوزراء والنواب جميعًا، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال، فيحمد الوزراء ويثني عليهم، ويشكر النواب ويطريهم، ولا ينسى الموظفين من سكرتيرية المجلس.

    ولا يكاد يفرغ الرئيس حتى يقفي على آثاره النواب، فإذا هم يحمدون ويثنون، وإنما هم يشكرون ويطرون. ثم يرد رئيس الوزراء بالنيابة، فيجزي الثناء بثناء، والإطراء بإطراء.

    ويقع مثل هذا في مجلس الشيوخ، فقد شرب الوزراء والنواب والشيوخ إذن من الثناء، بالصغير والكبير، حتى ارتووا ريًا لن يظمؤوا بعده إلى آخر الصيف.

    وكم كنا نحب أن تقدم أقداح الثناء وكؤوسه إلى الوزراء والنواب والشيوخ من غيرهم، لا من أنفسهم، وأن يثني عليهم الشعب، أفراده وجماعاته، بدل أن يثني بعضهم على بعض، ويهدي بعضهم إلى بعض هذه الباقات المنسقة من الحمد والإطراء.

    ولكن المثل القديم لم يخطئ حين قال:
    ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
    فتولَّ أنت جميعَ أمرِك

    فإذا قصر الشعب، راضيًا أو طائعًا، في ذات الوزراء والنواب والشيوخ، فمن الحق عليهم هم ألا يقصروا في ذات أنفسهم. وإذا بخل الشعب، راضيًا أو كارهًا، على الوزراء والنواب والشيوخ بالتقدير والشكر والاعتراف بالجميل، فمن الحق عليهم لأنفسهم أن يقدروها، ويشكروها، ويعترفوا لها بالجميل. وقد فعلوا، وبلغوا من ذلك أمس ما يريدون، وأكثر مما يريدون. ومهما ننقدهم، ومهما ننكر عليهم، فلن نستطيع أن نصفهم بأنهم قصروا أمس في ذات أنفسهم، أو بخلوا أمس على أنفسهم بالإكبار والإعظام، وبالتحية والتقدير.

    أما الشعب فهو بين اثنتين: إما أن يكون جاحدًا للفضل، منكرًا للجميل، ظالمًا للذين يحسنون إليه، بخيلًا على الذين ينالونه بالفضل، ويغمرونه بالنعمة، وهو لذلك يستقبل الخاتمة فاترًا كما استقبل المقدمة فاترًا، فلا يحمد، ولا يثني، ولا يشكر، ولا يطري.

    وإما أن يكون بليد الحس، نائم الشعور، يأخذه الإحسان من كل مكان فلا يحسه ولا يشعر به، وتغرقه النعمة إلى أذنيه فلا يشعر بهذا السيل الجارف من البركات الذي كاد يأتي عليه. وهو لذلك معقود اللسان عن الحمد والشكر، مغلول الأيدي عن التصفيق، قد غشيت وجهه سحائب فيها من ظلمة وحزن، كأنه شقي مع أنه سعيد، وكأنه محزون مكلوم مع أنه فرح مبتهج، وكأنه يائس قانط مع أن قلبه يملؤه الأمل، ويفعمه الرجاء.

    لإحدى هاتين الخصلتين، أو لهما جميعًا، كان الشعب فاترًا يوم افتتحت الدورة، وكان الشعب فاترًا يوم اختتمت الدورة.

    وما رأيك في شعب يجتمع عليه العقوق وبلادة الحس؟ إنه لشعب خليق بما يلقى، حقيق أن تعبث به الأحداث، لعلها تعلمه شكر المحسنين إليه، ولعلها توقظه من هذا النوم العميق الذي يغرق فيه إغراقًا!

    ومهما يكن من شيء، فلا بد من تسجيل هذه الظاهرة، ليعرفها الشعب حين يستيقظ ويفيق، وهي أن الشعب كان نائمًا غافلًا، مسرفًا في النوم والغفلة، على حين كان الوزراء والشيوخ والنواب يقظين متنبهين، وأن الشعب كان ماضيًا في نومه، يحلم بالأمل والرجاء، والنعمة وحسن الحال، ويشكو من الحزن والضيق والبؤس وسوء الحال، بينما كان الوزراء والشيوخ والنواب ماضين في يقظتهم وتنبههم، يرون الحقائق الواقعة، ويسجلون ما انتهت إليه مصر من رخاء وسعة، ومن رقي وتقدم، ومن ارتفاع الكلمة وعلو المنزلة، ويحمدون هذه النعم كلها للذين أسدوها، ويشكرون هذه الآلاء كلها للذين أهدوها، وهم الوزراء والنواب والشيوخ.
    وما رأيك في شعب تذكر له هذه الملايين التي أرصدتها الوزارة، وأقرها النواب والشيوخ لحل الأزمة وتفريج كربها، فلا يزيد على أن يشكو الضنك والضيق، ويذكر الجوع والحرمان، والمرض والأوبئة، ويؤكد ويلح في التأكيد أن الأزمة ما زالت قائمة، لازمة، ملحة، ثقيلة؟ أليس من الحق عليك أن تنبئ هذا الشعب بأنه نائم يحلم، وبأن الحق كل الحق فيما يقوله الوزراء والنواب والشيوخ في خاتمتهم أمس؟ فليس هناك ضنك ولا ضيق، وليست هناك عسرة ولا أزمة، وإنما هي أحلام نيام قد اكتظوا بالثروة والغنى، فخيل إليهم عسر الهضم أنهم جياع محرومون!

    نعم، وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أرصدوا أموالًا وأموالًا، وأنفقوا ألوفًا وألوفًا للري والصرف، وإقامة الخزانات والتمهيد لها، فلا يعترف بفضلهم في ذلك، بل يشكو ويلح في الشكوى، ويأسف لأن هذه الأموال قد كان يحسن أن ترصد لغير ما رصدت له، وتنفق في غير ما أنفقت فيه؟ أليس هذا الشعب نائمًا غافلًا، قد صرفه النوم عن منافعه، وألهته الغفلة عن مصالحه، فرأى كل حسن قبيحًا، وخيل إليه أن كل قبيح حسن؟ بلى، لقد أخطأ الشعب كل الخطأ، وأصاب الوزراء والشيوخ والنواب كل الصواب!

    وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أقاموا له صرحًا مشيدًا متينًا، متناسب الأجزاء، من الثقافة، ففرضوا التعليم الإلزامي، وأصلحوا نظم الجامعة، ووسعوا نشاط الأزهر، فلا يعترف بشيء من ذلك، ولكنه يتعلل ويتجنى، ويزعم أن التعليم الإلزامي لم يدرس ويمحص، وإنما أرسل على عجل ليقال إن قانونه قد صدر، ويزعم أن الحكومة والبرلمان قد نشرا جناح الأزهر إلى أبعد مما ينبغي، وقصا جناح الجامعة حتى عجزت عن أن ترتفع في الجو، وأمضيا أمر هذا كله في سرعة لا يعرفها بلد من بلاد الأرض، وعجلة لا يعرفها جيل من أجيال الناس. وكانت الفكرة السياسية أظهر فيها من الفكرة الفنية، حتى لم يبق بد للأحزاب السياسية المعارضة من أن تجعل في برامجها إصلاح أمر الثقافة والتعليم، ورده إلى حيث كان، أو إلى خير مما كان قبل هذا العهد السعيد. أليس هذا دليلًا على أن هذا الشعب نائم حالم، يرى الخير فيحسبه شرًا، ويرى النعمة فيحسبها بؤسًا؟

    ما أشد حاجة هذا الشعب إلى أن يؤخذ بشيء من العنف والقسوة، لتستقيم قناته المعوجة، ويعتدل مزاجه المنحرف، ويؤمن بما يقول الوزراء والنواب والشيوخ!..

    ولكن قناة هذا الشعب، مع الأسف أو مع السرور، ومع الحزن أو مع الابتهاج، تأبى أن تلين لغمز الغامزين، وتثقيف المثقفين، وتقويم المقومين. فستظل كما هي معوجة، وسيظل مزاج هذا الشعب كما هو منحرف، لا تستقيم القناة، ولا يعتدل المزاج، مهما يقل الوزراء والنواب والشيوخ، ومهما يعملوا.

    ما أشد التناقض بين هاتين المصرين اللتين تعيشان في أرض واحدة، وتتنفسان هواءً واحدًا، وتشربان من نهر واحد: مصر الرسمية ومصر الشعب!

    وأي دليل على هذا التناقض بين هاتين المصرين أكثر من أن تضطرب مصر الرسمية بما يثور فيها من عواطف الرضا والسخط، وبما يدفعها من بواعث الأمل واليأس، وبما يسيطر عليها من أسباب النشاط والفتور منذ تليت المقدمة في العام الماضي إلى أن تليت الخاتمة أمس، فلا يكون لشيء من هذا كله صدى في نفس مصر الشعبية؟

    تناقض شديد، وافتراق بعيد بين هاتين المصرين، والله وحده قادر على أن يلائم بين هذين النقيضين.
    كوكب الشرق سنة ١٩٣٣

  • مشكلات

    حديث المساء: مشكلات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ يناير ١٩٣٤

    نعم، ليست مشكلة واحدة ولا مشكلتين، وإنما هي مشكلات عدة تشغل الوزارة في هذه الأيام، أو قل:
    تشغل أبطال الوزارة. فلا يزال بين الوزراء قوم متواضعون لم يخلقوا لأنفسهم بعدُ مشكلاتٍ تعنيهم
    وتؤرق عليهم ليلهم.

    فلسنا نعلم أن لوزير الأشغال مشكلة ظاهرة، ولسنا نعلم أن لوزير المواصلات مشكلة صارخة، ولسنا
    نعلم أن لوزير الزراعة مشكلة تعلن نفسها إلى الناس. وقد تكون لهؤلاء السادة من الوزراء مشكلات
    لم تظهر بعد، وقد تظهر غدًا أو بعد غد، وقد تكون لوزير الأوقاف أيضًا مشكلة أو مشكلات لم نعلم
    بعد من أمرها شيئًا. ولكن هؤلاء السادة من الوزراء لا يزالون متواضعين إلى الآن لم يتحدثوا عن
    أنفسهم، ولم يدعوا الناس إلى أن يتحدثوا عنهم. أما أبطال الوزراء إلى الآن فلهم مشكلات خطيرة،
    وخطرها يأتي من أنهم هم الذين خلقوها لأنفسهم، وأرادوها على أن تظهر لهم وتنغص عليهم الحياة،
    ولو قد تركوها حيث كانت لمضوا أمامهم هادئين يصرفون أمورهم في فتور أو شيء يشبه الفتور، حتى
    يأذن لهم الله بما يأذن به عادة للوزراء من هذه الراحة التي ليس فيها نشاط.

    ولكنهم قوم جادون يحبون الكَدَّ، ويكرهون الراحة وفراغ البال؛ فهم ينشئون لأنفسهم المشكلات
    إذا لم تنشأ وحدها أو إذا لم تنشئها الظروف. ولست أدري ماذا يريد منهم المصريون بعد هذا، وهم
    يجعلون للسياسة طعمًا، ويأبون على السياسة أن تنام.

    أما رئيس الوزراء الرجل الطيب، فلا يَعْرِفُ الناس أنه استراح من المشكلات منذ أَلَّفَ
    الوزارة أو أُلِّفَتْ له الوزارة. كانت مشكلته الأولى صدقي باشا، ولم يفرغ منها إلا بعد مشقة
    طويلة وهم ثقيل، ومَنْ يدري؟ لعله لم يفرغ منها بعد؛ فإنا نقرأ في الصحف أحاديث تدل — إن صحت —
    على أن صدقي باشا لم ينم ولكنه يتكلف النوم. ثم نشأت للرجل الطيب مشكلة الوزراء المفوضين وخطبة
    قاضي القضاة، ثم نشأت له مشكلة المندوب السامي والتقاليد فيما بينه وبين المندوب السامي من
    صلات. ومَنْ يدري؟ لعل مشكلة أخرى أن تكون قد نشأت له اليوم أو أن تنشأ له غدًا؛ فالرجل الطيب
    لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كثرت حوله المشكلات.

    وأما وزير الداخلية فحسبه رئيس الوفد، وزيارات رئيس الوفد، مشكلة لا كالمشكلات، ومعضلة لا
    كالمعضلات. مراقبة دقيقة في القاهرة، وعنف لا حدَّ له في الأقاليم. نشاط لا يعرف الخمود، ويقظة
    لا تعرف النوم. أرصاد تُبَثُّ وجنود تُحْشَدُ، وطرق تقطع، ودور تحاصر، وأخرى تحتل، ولعب من هذا
    اللعب الذي إذا ابتدأ فليس له انتهاء.

    وأما وزير التقاليد فحسبه مشروع القرش، وحماية المروجين له، وعقاب الضيِّقين به؛ يفصل قومًا
    ويدرس أحوال قوم آخرين، ويحتاط لغدٍ فيلغي اتحادًا، وينشئ اتحادًا، ويغلق ناديًا ويفتح ناديًا.
    ثم لا يكفيه ذلك حتى يفكر في زي المعلمين؛ فيهيئ قانونًا أو مرسومًا لفرض العمامة وتحريم
    الطربوش، وهو في أثناء هذا كله يتهيأ لإلقاء خطبته الرائعة البارعة التي ستلقى يوم الثلاثاء حين
    يُفْتَتَحُ المجمع اللغوي في دار الأوبرا.

    وأما وزير المالية، وما أدراك ما وزير المالية! فمشكلاته لا تنقضي، ومعضلاته لا تنتهي،
    وأحاديث الناس عنه لا تفرغ، وإن قَلَّتْ أحاديثه هو عن نفسه، فمن مسألة الدَّين العام إلى مسألة
    الدَّين الخاص، ومن حكاية القطن الذي بِيْعَ إلى حكاية القطن الذي سيُبَاع، ومن خلاف مع الوكيل
    إلى خلاف مع المستشارين، ومن هذا كله إلى سماسرة البورصة يغضبهم ثم يرضيهم، ثم يغضبهم ثم
    يلاعبهم ويداعبهم، في هذا الظرف اللبق الذي لا يُحْسِنُه غيره من الوزراء.

    وتأبى الظروف إلا أن تكون لوزير الحقانية مشكلة، وأي مشكلة؟ مشكلة لم يكن في حاجة إليها، ولم
    تكن الوزارة كلها في حاجة إليها، لولا أن العدوى قد سَرَتْ إلى الوزراء؛ فأحبَّ كلُّ واحد منهم
    أن تكون له مشكلة، وأن يكون له شأن وإن كثر حوله الأخذ والرد، وأن تطول حوله الأحاديث. كان وزير
    الحقانية هادئًا، وكان المحامون هادئين، وكانت الأمور تجري بينهم وبينه مطمئنة، لا باسمة ولا
    عابسة، لا ثائرة ولا مستقرة. ولكن الظروف، وويل للناس من الظروف! أبت إلا أن تُغْرِيَه
    بالمحامين؛ فإذا هو يتحداهم، وإذا هو ينذرهم، ويأبى إلا أن يسمعوا له ويطيعوا فيما يتخذون من
    قرارات وما يعمدون إليه من انتخابات. وإذا المحامون يأبون عليه، ويخالفون عن أمره، وينتخبون
    مَكْرَمًا لهم نقيبًا، وإن كره الوزير أن يرى مكرمًا نقيبًا.

    هنالك غضب الوزير، ولم لا يغضب؟! وهل هو أقل من وزير التقاليد، أو من وزير المالية، أو من
    وزير الداخلية، أو من رئيس الوزراء؟ كلهم يغضب، وكلهم يبطش. وما له لا يغضب، وما له لا يبطش؟
    وهَبْهُ يكره الغضب ولا يحبه، فكيف يقبل أن يخطب معه مكرم باسم المحامين بين يدي جلالة الملك؟!
    وإذن، فليُهَيَّأ قانون، وليُعْرَضْ على البرلمان وليُصْدَرْ، ولينسحب على الماضي؛ وليُفْصَلْ
    مكرم وأصحابه من نقابة المحامين فصلًا، وليعلم المصريون أنهم جميعًا أمام إرادة الوزراء سواء،
    وليعلم وزير التقاليد أنه ليس هو وحده الذي يملك فصل الطلاب والأساتذة، وأن هناك وزيرًا آخر
    يملك فصل النقباء وأعضاء النقابة من نقابة المحامين.

    وكذلك غضب وزير الحقانية كما غضب غيره من الوزراء، وهَمَّ وزير الحقانية أن يبطش كما يبطش
    غيره من الوزراء، ولكن ماذا؟ وزير الحقانية يَهِمُّ، ولكنه لا يفعل؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل،
    لأنه لا يخاصم التلاميذ، ولا يخاصم الأساتذة، ولا يخاصم الموظفين، وإنما يخاصم المحامين.
    والمحامون رجال خصومة؛ فيجب أن يَحْسِبَ لهم حساب. أراد وزير الحقانية أن يتحدى المحامين؛ فقبل
    المحامون تحديه وثبتوا له؛ لم يدعُ نقيبهم إلى حفلة الأوبرا، فأبوا أن يشهدوا حفلة الأوبرا
    وأقاموا حفلتهم في هيليوبوليس. أصدر قانونه، فأبى المحامون أن يذعنوا له؛ لأنه مخالف للدستور
    وما ينبغي لرجال القانون أن يذعنوا لمخالفة الدستور. أعاد إنذارهم بعد صدور القانون كما أنذرهم
    قبل صدور القانون؛ فابتسموا لإنذاره الثاني كما ابتسموا لإنذاره الأول، وأقروا مكرمًا لهم
    نقيبًا بعد صدور القانون كما اختاروا مكرمًا لهم نقيبًا قبل صدور القانون. وأعلنوا إلى المصريين
    جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ يحب اللعب، فإنهم هم لا يلعبون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا
    أنه إذا كان بين الناس مَنْ لا يؤذيه أن يهون على نفسه وعلى غيره، فإنهم هم لا يرضون أن يهونوا
    على أنفسهم ولا على أحد. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن المحامين إن كانوا قد عجزوا عن
    إقناع الحكومة؛ فهم قد استطاعوا إقناع أنفسهم، وأن الرجل الخليق بهذا الاسم هو الذي لا يتجاوز
    موقفه الذي يفرضه عليه الاقتناع ورضا الضمير مهما تكن الظروف. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا
    أن عمل المحامين الخليقين بهذا الاسم إنما يعظم ويرتفع شأنه ويجل خطره، ويكون عمل رجال حقًّا
    حين يرفعون القانون إلى مستوى العدل، ولا يهبطون بالعدل إلى مستوى القانون. وأعلنت جمعيتهم
    العمومية إلى المصريين جميعًا أن القانون الذي أصدرته الحكومة لا يلائم العدل؛ لأنه لا يلائم
    الدستور، وأنهم لذلك لا يطيعونه، ولا ينزلون عند حكمه، ولا يختارون لأنفسهم نقيبًا آخر غير
    مكرم. وكلفوا نقيبهم مكرمًا بأن يبلغ ذلك إلى الجهات المختصة لينتهي إلى الحكومة التي أصدرت
    القانون.

    وكذلك تَمَّ لوزير الحقانية ما أراد وما تم لغيره من الوزراء؛ فكانت له مشكلة كما أن لزملائه
    مشكلات. وليس أمام وزير الحقانية للخروج من هذه المشكلة إلا إحدى اثنتين: فإما أن يرضى قرار
    المحامين ويسحب ما ينكره المحامون من قانونه، وفي هذا الموقف انتصار للحق والعدل والدستور
    وانخذال للوزارة. وإما أن يأبى على المحامين موقفهم ويهيئ لهم قانونًا آخر؛ وفي هذا الموقف
    إصرار على البطش، ومُضي في الطريق التي يمضي فيها زملاؤه من أصحاب المشكلات. والمحامون ومعهم
    المصريون جميعًا منتصرون على كل حال: منتصرون إذا نزلت الوزارة عند رأيهم، منتصرون إذا أبت
    الوزارة إلا أن تسلك معهم سبل البطش والعسف. فليس المظلوم ضعيفًا، وليس المظلوم منهزمًا مهما
    ينزل به من الظلم، وإنما يضعف المظلوم وينهزم حين يرضى الظلم ويذعن له ويستكين للظالمين.

    فلننظر أي الطريقين يسلك وزير الحقانية!

  • صدمة

    حديث المساء: صدمة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ ديسمبر ١٩٣٣

    هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.

    فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.

    ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.

    نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.

    لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.

    قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.

    وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.

    وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.

    وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.

    وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.

    وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.

    وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.

    فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.

    وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟

    إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.

    أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح.

  • مريض

    حديث المساء: مريض

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ ديسمبر ١٩٣٣

    ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

    في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

    أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

    ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

    ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

    وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

    هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

    ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

    وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

    أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

    سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

  • انتظار

    انتظار
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣ ديسمبر ١٩٣٣

    زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.

    يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.

    أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.

    لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
    وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.

    والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.

    وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.

    وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!

    وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.

    ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون!

  • مفاوضات

    حديث المساء: مفاوضات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس موضوعها استقلال مصر؛ فقد انقضى — ولو إلى حين — ذلك العهد الذي كانت تُعنَى فيه الوزارات، أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنَى بالمفاوضة في استقلال مصر، وأصبحنا — والحمد لله — في عهد سعيدٍ تُشغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلُّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله، فإنما تفكر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تُؤلَّف الوزارات، أو لتدخله في خطبة من خطب العرش حين تفتتح دورة البرلمان. وقد يخطر للوزارات أن تهم بالتحدث إلى الإنجليز في أمر الاستقلال، فترد عن ذلك ردًّا رفيقًا، فإذا ألحت ردت عن ذلك ردًّا عنيفًا، فإذا ألحت قطعت بها الأسباب، وغلقت دونها الأبواب، ومهدت إلى استقالتها أو إقالتها السبيل؛ فالمفاوضات في أمر الاستقلال شيء يخاف منه على بقاء الوزارات وامتداد حياتها.

    وليست هذه المفاوضات التي تريد أن تتحدث عنها حول إلغاء الامتيازات؛ فقد كان الدكتاتور الذي هوى ينتظر أن تفرغ إنجلترا من مشاغلها الأخرى ليستعين بها على إلغاء الامتيازات، فهوى قبل أن يفرغ بال الإنجليز، ولم تكد تنهض الوزارة القائمة حتى ألقت ألمانيا قنبلتها في جنيف، فتعقدت الحياة الدولية، وشغل الإنجليز عن الامتيازات ووزارة عبد الفتاح يحيى باشا، كما كانوا مشغولين عن الامتيازات ووزارة صدقي باشا. وإذن فلن تكون الامتيازات موضوعًا للمفاوضات التي أريد أن أحدثك عنها الآن.

    وليست مسألة الدين العام موضوعًا لهذه المفاوضات، فمسألة الدين العام أمام القضاء، ووزير المالية الجديد يؤثر الانتظار؛ لأنه يريد أن يعرف حكم القضاء من جهة، ولأنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يطمئن إلى ما كان يطمئن إليه صدقي باشا من رأي المستشارين الملكيين المصريين. فلا بد له من أن يستشير رجال القانون والمال من الأوروبيين. فالمستشارون المصريون يستطيعون أن يشيروا على أوساط الناس لصدقي باشا وأمثاله. فأما أفذاذ الوزراء والنابهون منهم فيجب أن يكون الذين يشيرون عليهم من جوهر آخر غير الجوهر المصري، ومن عنصر آخر ممتاز. وإلى أن يحكم القضاء، وإلى أن يشير الممتازون من أهل أوروبا، فلن تكون مسألة الدين موضوعًا للمفاوضات.

    ومع ذلك فهناك مفاوضات طويلة، شاقة، معقدة، ملتوية، بعيدة الأثر في حياة المصريين، قد جرت وما زالت تجري، والشعب المصري كله مُعلَّق بين الأمل والرجاء؛ لأنه لا يدري أتنتهي هذه المفاوضات إلى الفوز فيعيش، أم تنتهي هذه المفاوضات إلى الإخفاق فيدركه الموت.

    لا تعرف رجلًا من المصريين ولا تتحدث إليه إلا رأيت نفسه مملوءة، وقلبه مشغولًا بهذه المفاوضات التي يتوقف على فوزها مصير هذه الملايين التي تعيش على ضفاف النيل. أفتريد أن تعرف هذه المفاوضات؟ وأي معنى لهذا السؤال فأنت تعرفها كل المعرفة، وأنت تستقصي أنباءها، وتتبع أطوارها مع الصباح والمساء؛ لأنك مصري، والمصريون جميعًا موقوفون على هذه المفاوضات.

    فقد علمت الآن أنها هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب.

    ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا، وأقامت مكانه وزيرًا آخر، وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقل ما يوصف به أنه يُسلِّي همَّ المحزون، أسقط رئيس حزب الشعب ومنشؤه وباعث الحياة فيه، وأقيم مكانه رجل كان عضوًا في الحزب، ونائبًا لرئيسه، وكان عضوًا في الوزارة، فلما أُخرِج من الوزارة أخرج نفسه من الحزب، ثم رفع إلى رياسة الوزراء فرَدَّ نفسه إلى الحزب.

    لم يرض صدقي باشا بخروجه من الحزب حين خرج، ولم يرتح صدقي باشا لعودته إلى الحزب حين عاد، ولكن باب الحزب مفتوح لعبد الفتاح يحيى باشا يخرج منه متى شاء، ويدخل منه متى أراد، والبواب ينظر إليه معرضًا عنه حين يخرج، مكرهًا على الترحيب به والوقوف له حين يعود. وكان البواب يظن أنه يستطيع أن يغلق الباب في وجوه أخرى غير وجه هذا العضو المستبد، الذي لا يحفل بالبوابين، وقد يعطف عليهم أحيانًا.

    ولأمر ما خُيِّل لرئيس حزب الشعب أنه يستطيع أن يفصل من الحزب رجلين كانا يعملان معه في الوزارة، ثم عملا مع خصمه دون أن يذعنا لرأي رئيسهما. فكَرِه هذان الرجلان ذلك وأنكراه، وتضامن معهما رئيسهما الجديد، وتضامن معهما بقية الوزراء من المستَقِلِّين والاتحاديين، ونظر حزب الشعب ورئيسه، فإذا الحرب في ناحية، والوزارة في ناحية أخرى، وظن رئيس حزب الشعب، صدقي باشا، أن الأمر إليه، وأنه يستطيع لا أن يفصل هذين الوزيرين فحسب، بل أن يسقط وزارتهما — إن شاء الله — حين يجتمع البرلمان، ولكن رئيس الوزراء هزَّ رأسه، ورفع كتفيه، ورسم على ثغره ابتسامة ليست أقل جمالًا ولا سحرًا من ابتسامة منافسه العظيم وانتظر.

    لم يُغْرِ أحدًا بالنواب والشيوخ، ولم يُسلِّط عليهم وزير الداخلية ولا رجال الإدارة، ولم يخطر له أن يدعو أحدًا من أعضاء الحزب إلى تأييده والانضمام إليه، وإنما هزَّ رأسه ورفع كتفيه وابتسم وقال: أنا رئيس الوزراء. وإذا قوم يفدون، وقوم يخطبون، ولم يدعهم أحد إلى وفادة وخطابة، وقوم يعتذرون ولم يدعهم أحد إلى اعتذار، ولم يلمهم أحد في شيء.

    وإذا عريضة أؤكد لك جاهدًا أن أحدًا من الناس لم يكتبها، ولم يُمْلها، ولم يعدد لها ورقًا، ولم يُجْرِ بها قلمًا، ولم يُرِق فيها حبرًا، وإنما نظر أعضاء حزب الشعب، فإذا هي قد نجمت من الأرض أو هبطت من السماء، وإذا الهواء يحملها في دقة وخفة، وفي رشاقة ولباقة، ويطوف بها عليهم. لا يراه أحد، ولا يحسه أحد، ولا يقرع بها بابًا، ولا يهتك بها حجابًا، وإنما ينظر العضو من أعضاء حزب الشعب، فإذا ورقة مبسوطة أمامه، وإذا صوت خفي يثور في أعماق نفسه لا يسمعه غيره، وهو يقول: رمض هذه العريضة؛ فإنها تأييد لرئيس الوزراء. ولا يكاد هذا العضو من أعضاء حزب الشعب يفكر ولا يقدر؛ لأن الهواء الرقيق الدقيق الرشيق قد حمل دواة وقلمًا، ثم غمس القلم في الدواة، ثم وضع القلم في يد العضو من أعضاء حزب الشعب، ثم أجرى هذه اليد بكتابة الاسم الكريم.

    ثم تنصرف العريضة مدبرة، عن يمينها القلم، وعن شمالها الدواة وهي تضحك، وهما يضحكان، وهي تقول، وهما يقولان: سيعلم صدقي باشا أن لرياسة الوزارة جندًا من الهواء يُكره الأعضاء على كتابة الأسماء، وما تزال هذه العريضة تخرج من بيت لتدخل في بيت، وتترك نديًّا لتلم بنديٍّ، حتى تصل إلى عضو من أعضاء حزب الشعب، يحب الحزب، ويحب الوزراء، يكبر الرئيس الجديد، ويرحم الرئيس القديم. فلا يكاد يرى هذا الوفد الغريب يدخل عليه محمولًا على أجنحة الهواء، قلم عن يمين، ودواة عن شمال، وورقة مبسوطة بينهما، حتى يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، وينهض من فوره وقد أقسم ليتوسطنَّ في الأمر، وليُصلحَنَّ بالمفاوضة والرضى ما تريد جنود الهواء أن تصلحه بالحيلة والمكر.

    ومن ذلك الوقت بدأت المفاوضات، وتُحدِّثنا الصحف بأنها تتقدم في سبيل الوفاق تقدمًا مرضيًا سريعًا لا يعوقه إلا بعض هذه الصيغ التي يكثر فيها القال والقيل، والتغيير والتبديل، والتفسير والتأويل، ويعمل في التوفيق بينها عقل وزير التقاليد من قريب أو بعيد. والظاهر أن مساء هذا اليوم لن ينقضي حتى تنتهي المفاوضات إلى فوز الوزارة، وإذعان حزب الشعب، ورجوع الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، كما رجع رئيس الوزارة إليها بعد أن استقال.

    والظاهر أن هذا الفوز أمر محتوم؛ لأن هذه الجنود الخفية، جنود الهواء التي تحمل القلم عن يمين، والدواة عن شمال، وتبسط العريضة بينهما بسطًا لم تُلقِ السلاح، ولم تخلد إلى الراحة، وإنما هي موفورة القوة، جمة النشاط، متأهبة للزحف إذا لم يذعن صدقي باشا إذعانًا. ومن لصدقي باشا بمقاومة هذه الجنود الهوائية التي لا تبلغها الأيدي، ولا تدركها العيون، وهي قادرة على تحريك الأيدي، وإغماض العيون.

    وأمر هذه الجنود غريب؛ فهي لم تظهر نشاطها الحازم الجازم إلا منذ أيام حين رست سفينة في الإسكندرية، ثم أقلعت منها؛ فالناس يظنون أن جنود الهواء هذه قد كانت تصطاف في بعض المدن من وراء البحر، أو من وراء المحيط، حتى إذا قضت وطرها من الاصطياف عادت إلى مصر، فلما رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، نهضت لتقويم العوج وإصلاح الميل والتوفيق بين المختصمين. ووفقت — أو هي ستوفق — حين يجتمع مجلس الإدارة لحزب الشعب مساء اليوم.

    وكذلك يصفو الجو، وتنحل المشكلات، ويتولى حزب الشعب الحكم رغم أنفه، ويؤيد الرئيس المستقيل صديقه العزيز الرئيس الجديد راضيًا بتأييده كل الرضى، مغتبطًا كل الاغتباط، ويحتمل تبعات الحكم بعد أن أبعد عن الحكم لا لشيء إلا لأنه رجل عظيم قد خلق لاحتمال التبعات. يفر منها فتقفو أثره وتتهالك عليه. وكذلك ينتصر عبد الفتاح يحيى باشا، ويُرغم صدقي باشا على أن يكون له مؤيدًا وظهيرًا، ولكن المسألة التي يلقيها بعض الناس على بعض، وينتظرون عليها جوابًا، يظهر أنهم لن يظفروا به قبل آخر العام، هي: ما خطب هذه الجنود الهوائية؛ أترابط في مصر إلى أجل بعيد، أم ترحل عنها إلى قطر من أقطار الشرق، أو بلد من بلاد الغرب قبل أن ينقضي العام؟

  • حيرة

    حيرة
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
    لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
    وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
    والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
    فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
    نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
    فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
    وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
    وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
    نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
    كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣

  • تهنئة

    حديث المساء: تهنئة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٦ مارس ١٩٣٣

    نعم لا بد من تهنئةٍ، بل من تهنئاتٍ كثيرة يساق بعضها إلى الأمة، ويساق بعضها إلى الحكومة،
    وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمر دون أن تُهنَّأ عليها الأمة، ودون أن تُهنَّأ عليها
    الحكومة، ولست أدري لماذا لا أحس حاجة إلى الاستعجال في تهنئة الأمة، وإنما أنا حريص أشد الحرص
    على أن أقدم للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها؛ لما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في فن
    التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم.

    ومع ذلك، فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل، الذي ألغاه وزير التقاليد، أو غيره
    من معاهد التمثيل في أوروبا! ولسنا نعلم أن أحدًا منهم تخرج على زعيم من زعماء الفن المضحك
    المُلهي في مسرح من مسارح القاهرة، أو ملعب من ملاعب لندرة وباريس، ولكن الناس جميعًا يذهبون
    إلى الملاعب ودور السينما، ويشهدون فنون البارعين من اللاعبين الذين يسحرون العقول بمهارتهم،
    ويستهوون الألباب بلباقتهم، وقدرتهم العجيبة على الفر والكر، وعلى الظهور والاستخفاء، وعلى
    الخطف والاختلاس؛ فليس غريبًا أن يبرع منهم ذوو الكفاية والذكاء في تقليد اللاعبين ومحاكاتهم،
    وقدرتهم على الإتيان بالأعاجيب.

    ومن ذا الذي ينكر أن لسادتنا اليوم حظوظًا موفورة من الكفاية والذكاء، ومن ذا الذي ينكر أنهم
    قادرون على أن يستفيدوا بفضل ذكائهم وكفايتهم من اختلافهم على الملاعب ودور السينما، فيبرعوا في
    فن التسلية وتجلية الهموم. ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى
    المُسلِّين والمضحكين.

    ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَن يُضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد أحاطت بها
    الخطوب من كل مكان، وأخذت عليها الأحزان والآلام كل سبيل، ومصر ممتازة من البلاد دائمًا، وأهلها
    ممتازون من الناس دائمًا، فكما أن بلدًا من البلاد لا يستطيع أن يفاخر مصر بالأهرام وأبي الهول؛
    فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءُه وتسره
    معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنزِل بساحته الهموم والأحزان حتى إذا غمرته من ذلك بما يُطيق وما
    لا يطيق؛ رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب
    يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحق: إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة
    والتمثيل، فتتقن السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا كله إلا أجرًا واحدًا؟!

    والمصريون معروفون بالذكاء دائمًا، ولكن حظهم من الاختراع في هذه الأيام قد ضعف بعض الشيء،
    وكانوا يحسون شيئًا من الألم لتفوق الأوروبيين والأمريكيين عليهم في الابتكار؛ فقد أذن الله لهم
    أن يرفعوا رءوسهم بعد أن وُفِّقت وزارتهم إلى ما لم يُوفَّق إليه موسوليني ولا هتلر، فجعلت
    التمثيل المضحك أصلًا من أصول الحكم، وجعلت الدعابة فصلًا من فصول السياسة، فكيف لا تُهنَّأ
    الحكومة المصرية على هذا الفوز العظيم؟ بل كيف لا تُقدَّم لها التهنئة بهذا الفوز قبل أن
    تُقدَّم التهنئة إلى الأمة بأي لون من ألوان الانتصار؟

    أما أنا فلن أُقصِّر في النهوض بهذا الواجب، ولن أدع للوزارة القائمة سبيلًا إلى لومي، وللعتب
    عليَّ بأني لم أعرف لها حقها، ولم أُقدِّر لها ما تأتيه من جلائل الأعمال، ولن أتردد في إعلان
    ما يملأ نفسي من إكبار الحكومة، والإعجاب ببراعتها فيما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في خطف
    الزعماء. لغيري من الكُتاب والسياسيين والذين يعارضون الحكومة، فيحزنون لكل شيء، ويأسون لكل
    شيء، ويسخطون على كل شيء، أن يلوموا الحكومة ويؤنبوها على ما اقترفت أمس من اعتداءٍ على الدستور
    الذي وضعته، وجناية على القانون الذي تحوطه، وخروج على النظام الذي تحميه. أما أنا فلا أستطيع
    أن أحزن لما يسر، وأغضب لما يرضي، وألوم على ما يستحق التهنئة والثناء!

    أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا؛ لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة، ومضحكة
    فحسب منذ حين. وقد فهمت الآن ما لم أكن أفهمه من قبلُ السببَ الحقيقي الذي دعا إلى ترقيع
    الوزارة منذ أيام؛ فقد كانت الوزارة قاتمة اللون حزينة فيما تقول، حزينة فيما تفعل، باعثة للحزن
    في نفوس الأفراد والجماعات، ولا سيما منذ مرض رئيس الوزراء، فظهر أن طول الحزن يفل العزائم،
    ويبعث شيئًا من الفتور في الهمم، وظهر أن لا بد من أن يضاف إلى الوزارة واحد أو غير واحد من
    الذين يحسنون فن التسلية والتسرية عن النفوس.

    وقد اختار رئيس الوزراء فوفق في الاختيار، وأؤكد له أني شديد الإعجاب بوزير داخليتنا الجديد.
    قل ما شئت، واغضب ما استطعت أن تغضب، واحتد ما وسعتك الحدة؛ فلن تستطيع أن تزيل عن شفتي ابتسامة
    الإعجاب بصاحب السعادة القيسي باشا، ولن تستطيع أن تمنعني من أن أقول للذين اختاروه: إنهم قد
    وُفِّقوا أحسنَ التوفيق.

    هذا رئيس الوفد وصاحبه يركبان القطار ومن ورائه مدينة مائجة بالناس قد أصمت آذان الإدارة
    بالهتاف لهما وبالتصفيق، وبإعلان السخط على الماضي القريب، والأمل في المستقبل القريب، وأمامهما
    مدن وقرى تموج بالناس وهم يهتفون ويصفقون، وهم يسخطون على اليوم، ويبتهجون للغد، وهم ينكرون
    قومًا ويعرفون آخرين، وهم يدعون لقوم وينعون على قوم آخرين، ورئيس الوفد وصاحبه يودعان هذه
    الأمواج الهاتفة المصفقة، والساخطة الراضية، وقد امتلأت قلوبهما أملًا وثقة ورضى وهما يتهيَّأن
    لاستقبال أمواج — كتلك الأمواج التي ودَّعاها — فيها أمل ورجاء، وفيها رضى وابتهاج، وفيها إنكار
    لقوم ومعرفة لقوم آخرين، وفيها دعاء لقوم ونعي على قوم آخرين.

    والقطار يسير والناس يرافقونه بأجسامهم ما وسعتهم القوة على العدْو، فإذا أعجزهم العدْو
    أرسلوا قلوبهم وآمالهم تحف القطار من جانبيه، وإذا القطار يقف في الطريق، وإذا العربة التي
    تقلهما تُفصل ثم تُوصل، وإذا قطار آخر يستأنف السير، بل ينهب الأرض نهبًا، وإذا رئيس الوفد
    وصاحبه قد خُطفا. نعم خطفا، خُطفا من الشعب الذي خُدع وغُرِّر به، وخُطفا من أنفسهما فلم
    يُنَبَّها ولم يُنْذَرا، ومتى نُبِّه المخطوف إلى أنه سيُخطَف؟ أو متى نُبِّه المسروق إلى أنه
    سيُسرق؟ ومتى نُبِّه الناس إلى أن كيدًا قد دُبِّر لهم بليلٍ!

    وكان هذا الكيد قد دُبِّر بليل، ولم يُدبَّر حيث تُدبَّر أعمال الحكومة، لا في رياسة مجلس
    الوزراء، ولا في وزارة الداخلية، ولا في ديوان من دواوين الحكومة، ولا في مكان من الأماكن التي
    يلتقي فيها الوزراء، ولا في وضح النهار وبأعين الناس كما تفعل الحكومات الساذجة العبيطة — إن صح
    هذا التعبير — وإنما دبر في ظلمة الليل بعيدًا عن القاهرة في ظل الأهرام وفي هليوبوليس بعد ذلك،
    ويقال إن تدبيره لم يكن سهلًا ولا ميسورًا، وإن مدبريه قد أرقوا له ليلهم كله أو أكثره.

    وأكبر الظن أنهم لم يحسوا طول الليل؛ لأنهم كانوا عن النوم في شغل، وأكبر الظن أن غير واحد
    منهم قد تمثل في نفسه قول بشار:

    لم يَطلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ ونفَى عني الكرَى طَيفٌ ألَمْ

    وكان هذا الطيف طيفين: رئيس الوفد، وطيف صاحبه الأستاذ مكرم. وكان هذان الطيفان لا يحبان
    الإلمام، وإنما يحبان اللزوم المُلحَّ والزيارة الطويلة، فارتسما أمام الوزراء في الصباح
    والمساء، وفي كل لحظة تمر، وفي كل مكان يستقرون فيه، فلم ينفيا عنهم الكرى وحده؛ بل نفيا عنهم
    الراحة والهدوء، وزهداهما في الطعام والشراب.

    فلما أُحكِم الكيدُ أُخِذ في تنفيذه، فسافر من سافر، وأقام من أقام، ونامت أعمال الدولة صباح
    أمس، وغدَا وزراء الدولة على زميلهم وزير الداخلية، فأقاموا عنده يرقبون ويتحسسون الأخبار، حتى
    إذا انتهى إليهم النبأ أن قد نفذ الكيدُ، وخُدع الشعب، وسُرق الرئيس وصاحبه؛ انطلقت أنفاس حارة
    كانت تكوي القلوب، وتلهب الصدور.

    هنالك انحلت عقدة الألسنة، وهنالك نشطت العقول للتفكير، وهنالك فكر الوزراء وقدروا وأعدوا
    تفسيرًا للقصة التمثيلية المضحكة؛ فكتبوا بلاغهم الرسمي البديع. وتريدني بعد ذلك على أن أغضب!
    وتريدني بعد ذلك أن ألوم الوزراء! صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى اللوم، ولم تريد أن تغضب وقد
    عجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بتأييد الحياد النزيه عن أن تواجه
    رئيس الوفد وتطلب إليه أن يقطع رحلته؟ وعجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش،
    والمعتزة بالحياد النزيه عن أن تأخذ الرئيس وصاحبه عنوة من الأمة التي كانت تحيط بهما، وتلتف
    حولهما! وعجزت الحكومة التي أقرت النظام، وملكت قياد الشعب، وملأت قلوب الناس حبًّا لها،
    وإعجابًا بها، واستعدادًا لفدائها بالأنفس والأموال عن أن تدع الرئيس وصاحبه ينتقلان من مدينة
    إلى مدينة لزيارة هؤلاء الأفراد القليلين الخاملين الذين ما زالوا يحبون الوفد؛ يؤمنون له بشيء
    يسير — يسير جدًّا — من السلطان على القلوب.

    أي شيء يغضبك في هذا؟ أكنت تريد نصرًا فوق هذا النصر؟ أكنت تريد فوزًا فوق هذا الفوز؟ أليس
    يرضيك أن تضطر الحكومة كلها — بحولها وطولها وبأسها وقوتها — إلى أن تخطف من الشعب زعماء الشعب؟
    أليس يرضيك أن تعترف الحكومة كلها — بحولها وطولها وجيشها وشرطتها وسلطانها على النفوس والقلوب
    — أمام مصر وأمام إنجلترا وأمام العالم كله، بأنها مضطرة إلى إحدى اثنتين لترد رئيس الوفد
    وصاحبه إلى القاهرة؟ فإما الحيلة والكيد وما بعدهما من الخطف والاختلاس، وإما الكر والفر وما
    بعدهما مما لا أحب أن أذكره.

    ستقول: لو قد تركت الحكومة رئيس الوفد وصاحبه يُتِّمان رحلتهما لما كان شرٌّ، ولما تعرض
    النظام لخطرٍ ولا بأسٍ، ولكن هذا كلام تفهمه أنت وأفهمه أنا؛ لأننا نعرف مصر ونفهمها، فأما
    الذين يرهبون الخيال، ويخافون من الظلال، فلا يفهمون الأمر كما نفهمه، ولا يلقون الأمر كما
    تلقاه وألقاه، وإنما يحمون أنفسهم بالعنف الذي ليس فوقه عنف، أو الكيد الذي ليس دونه
    كيد.

    صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب، وإنما الأمر يدعو إلى تهنئة الحكومة ببراعتها في
    التمثيل المضحك، وتهنئة الأمة بفوزها الذي لا حد له، والذي ستظهر آثاره في وقت قريب، أقرب مما
    يظن الممثلون!

  • مفاوضة٢

    حديث اليوم: مفاوضة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٧ يوليو ١٩٣٢

    وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.

    وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.

    وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.

    ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.

    يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟

    زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.

    يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.

    أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟

    إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.

    وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.

    لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.

    وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.

    ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.

    أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.