Tag: Colonial Relations

  • تهنئات …

    تهنئات …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٥ أكتوبر ١٩٤٦

    حياتنا المصرية رائعة كأروع ما تكون حياة الشعوب، تجري أمورها كلها على خير ما يمكن أن تجري الأمور!

    وقد قال الحكيم القديم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فكل شيء في مصر بديع يجب أن نبتسم له ونبتهج به ونتبادل التهنئة؛ لأن حياتنا لم تصل إلى أكثر مما وصلت إليه من السوء، ولم تَنْتَهِ إلى شر ما انتهت إليه من النكر.

    وليس في الحياة خيرٌ إلَّا ومن الجائز أن لم يوجد خير أكثر منه وأبعد منه أثرًا، وليس في الحياة شرٌّ إلَّا ومن الجائز أن يكون هناك شرٌ آخر أبغضُ منه وأعظم منه نكرًا. فأيسر ما يجب على الرجل الفطن أن يستقبل الحياة راضيًا بها مطمئنًّا إليها، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بِشَرٍّ مما هو فيه ولم يمتحنه بأسوأ مما يقاسيه.

    والواقع أن مصر شهدت أسبوعًا حافلًا بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، يجب أن تهنأ به حقًّا، وأن تُهنَّأ به تهنئة خالصة صادقة لا تحفُّظ فيها ولا احتياط؛ فقد أدت الهيئات المصرية كلها واجباتها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات، وخير ما يهنأ به الإنسان تأديته للواجب ونهوضه بالحق واحتماله للتبعات.

    وأنا من أجل هذا أكتب هذا المقال راضي النفس باسم الثغر، أريد أن أرضي الناس جميعًا ولا أسوء منهم واحدًا، وأن أهنئ الناس جميعًا ولا أعزي منهم أحدًا. فكل شيء في مصر يدعو إلى الرضا، وكل شيء في مصر يدعو إلى تبادل التهنئة.

    أدت هيئة المفاوضات واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات؛ فقد اختصمت وأمعنت في الاختصام، وقد تجادلت وأغرقت في الجدال. وأي قيمة لهيئة المفاوضات إذا لم تختصم فتمعن في الخصومة ولم تشتجر فتغلو في الشجار؟!

    لو أن رئيس الوزراء أملى على زملائه إرادته وظفر منهم بالرضا والإذعان لهنئناه وحده بهذا الفوز، ولرثينا لزملائه من هذا الخضوع، ولكن رئيس الوزراء أراد فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فمن الحق أن نهنئ المطيعين بطاعتهم وأن نهنئ العصاة بمعصيتهم. أولئك خدموا أشخاصهم وأحزابهم كما استطاعوا، وهؤلاء خدموا أشخاصهم وأمتهم كما استطاعوا، وأولئك وهؤلاء يستحقون التهنئة لأنهم أرسلوا أنفسهم على سجيتها.

    وأي شيء أحق بالتهنئة من أن يمضي الإنسان إلى غايته في غير التواء ولا عوج؟!

    وأحقُّ الناس بالتهنئة هذا المثلث الخطير الذي يأتلف من رئيس الوزراء ومن رئيس الحزبين الخطيرين اللذين يستأثران بالكثرة في مجلس النواب. هذا المثلث الخطير تضامن فأحسن التضامن، وتعاون فأتقن التعاون، وقرر أن يمضي في الشوط إلى غايته، وأن يحتمل التبعة مهما تكن ثقيلة محرجة. أراد أن يرفق بالإنجليز حتى لا تُقطَع المفاوضات؛ لأنه يرى في قطع المفاوضات خطيئةً كبيرةً وإثمًا عظيمًا.

    وقد ثبت لغضب الغاضبين وسخط الساخطين وهياج الهائجين، ثم دبر الأمر فأحكم تدبيره وقدره فأحسن تقديره. فأمَّا رئيس المثلث فاستقال، وأمَّا صاحباه فثبتا في موقفهما لم يَحِيدا عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وليس المهم أن تتحد الكلمة ويأتلف الرأي وتجتمع الصفوف، وتقف مصر متحدة أمام الإنجليز كما تقف بريطانيا العظمى متحدة أمام المصريين.

    ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن يتصل حبل المفاوضات ولا ينقطع، وأن تبقى الوزارة في مناصب الحكم ولا تزول عنها. وقد ظفر المثلث بالأمرين جميعًا، فحبل المفاوضات موصول إلى أن يقطعه الإنجليز، والوزارة مستقرة في مناصبها على رغم ما يكتنفها من الأحداث حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

    فمن حق هذا المثلث أن نقدِّم له التهنئة الخالصة؛ لأنه أراد فبلغ ما أراد!

    وهناك مثلث آخر ليس أقل استحقاقًا للتهنئة من المثلث الأول، وهو هذا الذي يتألف من أصحاب المقام الرفيع والدولة والسعادة: شريف صبري، وحسين سري، وعلي الشمسي. فهذا المثلث قد خاصم المثلث الأول فأمعن في الخصومة، وقاومه فأمعن في المقاومة، واضطره آخر الأمر إلى أن يكشف عن نيته ويلقي آخر ما في يده من الأوراق؛ فيستقيل رئيسه ويستمسك طرفاه الآخران، ويلغي التقاء الهيئتين المتفاوضتين.

    ويسافر الوفد البريطاني، وتُوقَف المفاوضات حتى يقطعها الإنجليز، ويُدفَع عن مصر شرٌّ عظيم كانت توشك أن تتورط فيه.

    فهذا المثلث الثاني قد أخطأ حين مضى مع المثلث الأول إلى تلك المذكرة البغيضة التي قُدِّمَتْ إلى الإنجليز، ولكنه محا هذه الخطيئة وغسل عن نفسه وضرَّها بموقفه الأخير، واسترد حريته كاملة، وحاول أن يوحد الكلمة ويؤلف القلوب … وليس عليه بأس من أنه لم ينجح؛ فقد حاول الخير ما استطاع فلم يجد إليه سبيلًا؛ فلنهنئ هذا المثلث بخروجه من خطيئة المفاوضات، ولنهنئه بما تفضَّل به عليه رئيس الوزراء من المدح والثناء حين اتهمه بمتابعة الشهوة ومسايرة الأهواء.

    وكان من الممكن أن يكون هذا المثلث مربعًا لو أن صاحب الدولة عبد الفتاح باشا يحيى حضر الجلسة الأخيرة لهيئة المفاوضات، ولكنه لم يحضرها لمرضه. وماش الأخير من لاش، وقد حرص الرجل على أن يؤيد أصدقاءه ويشاركهم فيما قدم إليه رئيس الوزراء من تحية، فأصبح هذا المثلث مربعًا منذ اليوم.

    وكل شيء جائز، فمن الممكن أن يصبح هذا المثلث مربعًا اليوم ومخمسًا غدًا، فمن يدري؟! لعل رفعة ماهر باشا أن ينضم إليه فيصبح شكلًا مخمس الأضلاع، وقد لا ينضم رفعته إلى هذا المربع فيبقى أمة وحده فيما يلتزم من حياد غامض أو غموض محايد، كما أن مكرم باشا قد ظل أمة وحده فيما التزم من هجوم صريح لا تعريض فيه ولا تلميح.

    فهيئة المفاوضات كلها كما نرى خليقة بالتهنئة، وإن اختلفت طبيعة التهنئة وأسبابها. على أن هناك هيئة أخرى جديرة بالتهنئة، وهي هيئة الوزارة التي جاهدت كما لم يجاهد أحد، وانتصرت كما لم ينتصر أحد، وتفوقت كما لم يتفوق أحد. قيل لها مساء السبت إن استقالتها قد رُفِعَتْ إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فقالت: آمين. وقيل لها مساء الثلاثاء إن استقالتها قد رُدَّت إلى رئيس الوزراء، فقالت: آمين! وقال أحد أعضائها في ظُرف: لا أعلم إلَّا أني أصبحت ذات يوم فقيل لي إني لست وزيرًا، وأمسيت ذات يوم فقيل لي إني عُدت وزيرًا!

    وكما أن الناس يُهنَّأون بالجراءة والإقدام، فهم يُهنَّأون كذلك بالتواضع والاستسلام.

    فلنهنِّئ رئيس الوزراء بإقدامه، ولنهنئ زملاءه باستسلامهم. على أنهم لم يستسلموا جميعًا، فقد شذَّ منهم وزيران في آخر لحظة؛ أحدهما أستاذنا الجليل نائب رئيس الوزراء، رضي الاستقالة وفرح بها في أكبر الظن، وقال لنفسه: بلاءٌ ردَّه الله عنَّا، ومحنة وقانا الله شرَّها. فلما رأى الوزارة عادت إليه قال: حوالينا ولا علينا. وأرسل استقالته إلى رئيس الوزراء، وقطع عليه طريق المراجعة بهذا الحديث الذي أذاعه في الصحف وأسلمه إلى شركات البرق، وسجل فيه سخطه على سياسة الوزارة وتضامنه مع المنشقين من هيئة المفاوضات.

    فقد ينبغي أن نسمي هؤلاء السادة — ولا أقول هؤلاء الباشوات كما قال رئيس الوزراء — بهذا الاسم الذي كاد المصريون أن ينسوه وهو اسم المنشقين. فقد انشق صدقي باشا على سعيد يومًا ما؛ فانشق عليه نفرٌ من أصحابه الآن، وشتَّان بين انشقاق وانشقاق.

    شذَّ إذن أستاذنا الجليل عن زملائه، وانشق على رئيسه، فعزم بعد تردد وأقدم بعد إحجام، واستحق على هذا كله تهنئة خالصة.

    ولست أدري، لعل العدوى أن تكون قد انتقلت منه إلى زميله الأستاذ سابا حبشي باشا وزير التجارة؛ فقد انشق مع المنشقين واستقال مع المستقيلين، ويُقال إنه لم يَرْضَ عن هذه الوزارة التي تُؤخَذ منه وتعود إليه دون أن يكون له في ذلك رأي، وكذلك هنَّأ المحجمون بإحجامهم والمقدمون بإقدامهم والمترددون بترددهم، لا لشيء إلَّا لأنهم يرسلون أنفسهم على سجيتها، ويجرون طبيعتهم كما تستطيع أن تجري.

    وقد يُخيَّل إليَّ أن هناك قومًا آخرين يستحقون التهنئة لأنهم هم أيضًا أرسلوا نفوسهم على سجيتها، وأجروا طبائعهم إلى غايتها، وهم هؤلاء السادة الذين يؤلفون الوفد المصري، ويدورون حول مصطفى النحاس كما السوار حول المعصم. فقد قيل لهم في أبريل الماضي: تعالوا نشترك في المفاوضات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نشترك في المعوج من الأمر. ثم قيل لهم في هذه الأيام الأخيرة: تعالوا نصلح ما فسد ونستدرك ما فات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نحب الطرق المعوجة ولا السبل الملتوية، وإنما نريد أن نستأنف الأمر كأن لم يكن شيء من قبل.

    ثم قالوا لمصر: لا محالفة مع الإنجليز إلَّا أن تصدر هذه المحالفة عن حرية صحيحة واعتراف صريح بالحق، ولا حرية إلَّا أن يتحقق الجلاء، ولا اعتراف بالحق إلَّا أن تتم وحدة وادي النيل.

    وقالوا لمصر: لا تغامري ولا تقامري ولا تجعلي من نفسك خادمًا للإنجليز.

    وقالوا لمصر: إن أمر القناة كأمر الدردنيل، لا ينبغي أن يكون الدفاع عنه مشتركًا، ولا مقسمًا، ولا وسيلة إلى التدخل في الشئون الوطنية الخاصة، وما ينبغي أن تكون مصر أقل شعورًا بالعزة من تركيا، وما ينبغي أن تخاف مصر من الإنجليز أكثر مما يخاف الترك من الروس، وما ينبغي أن نصدق الإنجليز حين يقولون لنا إن الدفاع عن القناة يجب أن يكون مشتركًا بيننا وبينكم؛ لأنهم يقولون للترك إن الدفاع عن الدردنيل يجب أن يكون مقصورًا عليكم من دون الروس؛ فهم يخدعوننا من غير شك أو يخدعون الترك من غير شك.

    هم يخدعون على كل حال، وما ينبغي أن نؤمِّن للمخادعين.

    قال رئيس الوفد وزملاؤه: هذا كلام مرسلين أنفسهم على سجيتها، مُجْرِين طبائعهم إلى غايتها، منكرين للطرق المعوجة والسبل الملتوية والعبث بحقوق الشعب وكرامته. ويُخيَّل إليَّ أن هذا الشيء يستحق أن تُقدَّم من أجله التهنئة إلى هؤلاء السادة.

    أمَّا التهنئة كل التهنئة، التهنئة الخالصة من كل زيغ، البريئة من كل لبس، النقية كأنها وجه الشمس في يوم صحو واعتدال، فهي التي نقدمها إلى مصر؛ لأن حقائق الأشياء وحقائق الناس قد عُرِضت عليها الآن واضحةً جليةً وناصعةً صافيةً، لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا. فمصر ترى الطريق إلى الكرامة والحرية والاستقلال، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى الطريق إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى طريق التردد والخوف والإشفاق، هذه الطريق التي تنتهي آخر الأمر إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق.

    ومصر تستطيع الآن، بعد أن تبيَّنت لها الحقائق ناصعة صافية، أن تختار وأن تعلم وتؤمن بأن الله يبين الخبيث من الطيب، وبأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبأن الشعب الكريم هو الذي يتجنب مواطن الشبهات، ويمقت الذين يدعونه إلى مواطن الشبهات.

  • امتحان

    امتحان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٦ سبتمبر ١٩٤٦

    لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

    من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

    ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

    ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
    ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

    سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

    هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

    وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

    وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

    أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
    لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

    أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

    وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

  • خلاف (٢)

    خلاف (٢)

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ٢٠ أغسطس ١٩٤٦

    أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ أمتفقون هم أم مفترقون؟ راضون هم أم ساخطون؟ أمتفائلون هم أم متشائمون؟

    هذه هي الأسئلة التي يلقيها بعض المصريين على بعض وجه النهار وآخره، وفي أول الليل وحين يداعب النوم أعين الساهرين. وليست هذه الأسئلة عبثًا ولا كلفًا بالاستطلاع، وإنما هي صورة صادقة لهذا القلق الذي يملأ القلوب، وهذا الخوف الذي يزعج النفوس، وهذا الأمل الذي يعين الناس على احتمال الحياة ويُهوِّن عليهم لقاء الخطوب. وقد يكون من الغريب أن يجِد المصريون أملًا في القلق، ورجاءً في الخوف، وأن يستحبوا الاختلاف على الائتلاف، ويؤثِروا افتراق الآراء على اتفاق الأهواء، ولكن هذه هي الحقيقة الواقعة التي دفعتها إليها الظروف والتي يجب أن يعرفها رئيس الوزراء وزملاؤه المفاوضون المصريون.

    فالشعب المصري يفرح الآن بما تعوَّد أن يحزَن له، ويبتسم الآن لما تعوَّد أن يلقاه بالعبوس.

    قيل له إن هيئة المفاوضات قد عرضت على البريطانيين مشروعًا، وإنه آخر ما تستطيع أن تعرض، وقررت أنها لا تستطيع أن تغيِّر منه حرفًا ولا أن تنزل منه عن شيء، وقيل له إن هذا المشروع يسجل الحماية لأنه يعترف للبريطانيين بالمشاركة في الدفاع عن أرض الوطن، ويؤجل المفاوضة المفصلة في شئون السودان بشرط أن يعترف الإنجليز بوحدة وادي النيل في ظل التاج المصري. وقيل له إن في هذا المشروع أمورًا أخرى كلها شر، ولا يكاد يشتمل على خير. فامتلأت نفسه حزنًا وأُفعم قلبه غيظًا. لم ييأس من رَوح الله، ولم ييأس من نفسه، ولم ييأس من قادته وزعمائه الذين عاهدوه مخلصين على أن يجاهدوا في سبيل الحق الوطني حتى يكسبوه أو يموتوا دونه. ولكنه يئس من هؤلاء النفر الذين قبِلوا ما لم يكن ينبغي أن يقبلوا، وعرضوا ما كان يجب عليهم أن يرفضوا، وانتظروا في شيءٍ من الاستجداء وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم ليُمسكوها أن تبلغ الحناجر أن يتفضل الإنجليز فيقبلوا عرضهم هذا الذي لا يلائم كرامة ولا حقًّا فضلًا عن أن يلائم اعتزاز المصريين بماضيهم المجيد وأمل المصريين في مستقبلهم الكريم.

    وقيل له إن عضوًا واحدًا من هيئة المفاوضين هو مكرم باشا قد أبى أن يشارك في هذه الذلة، وعافَ أن يحتمل هذا الهوان لنفسه ولأمته؛ فوقف من زملائه موقف المعارضة. ثم لم يحتفظ بهذه المعارضة سرًّا بينه وبين زملائه، وإنما أعلنها إلى الشعب إعلانًا، ولم يستقل من هيئة المفاوضات، وإنما أقام في هذه الهيئة رقيبًا خطرًا كما يقيم الرقيب بين الأحياء، وكان عليهم الاستمتاع بجمال النهار وجلال الليل.

    ثم قيل للشعب بعد ذلك إن الإنجليز لم يلطفوا ولم يرفقوا، ولم تعرف قلوبهم شيئًا من اللين، ولم تشعر نفوسهم شيئًا من الرحمة لهؤلاء المتهالكين المنتظرين، وإنما خوفوا وحذروا وأرسلوا آخر ما عندهم إلى هؤلاء السادة ليقبلوه أو يرفضوه. فإن كانت الأولى بلغوا الرضا وظفروا بالحظوة، واستقبلوا الأيام في ثقة وأمن، وإن كانت الثانية أضاعوا الفرصة وفقدوا الحظوة، وعرَّضوا أنفسهم لعبث الخطوب وتقلب الأحداث.

    هنالك جزعت قلوب وهلعت نفوس وزاغت أبصار. وهنالك ثابت قلوب إلى بصائرها، وآبت نفوس إلى رشدها، وانقسم المفاوضون إلى فريقين: فريق خائف يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن ومهما تكن نتائجها، وفريق واثقٌ بنفسه وشعبه وحق مصر في العزة والكرامة، وإباء مصر للضيم والهوان، ورفضها أن تذعن للتحريف والتحذير. وهو من أجل ذلك لا يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن نتيجة هذا الرفض.

    فريق يفكر في نفسه وفي منافعه العاجلة، لا يرجو للشعب وقارًا ولا يحسب لرضاه وغضبه حسابًا، بقيت له أعوام يريد أن ينفقها في هذه الحياة مستمتعًا بالسلطان وما يستتبعه السلطان من حول وطَوْل ومن نفوذ وجاهٍ، لا يتحرج أن يفرض نفسه على الشعب فرضًا، وأن يقيمها دكتاتورية تلبس ثوب الديمقراطية ويتخذ زينتها، وهو من أجل ذلك يؤثر قبول المعاهدة على رفضها.

    وفريق آخر يخاف أن يمنعه ضميره من النوم، وأن ينغص الندم عليه صفو الحياة إن قبل ما لا ينبغي أن يُقبل وقصَّر في ذات الوطن وفرَّط في حقه، وهو يحسب لرضى الشعب وغضبه الحساب كل الحساب، ويريد أن يذكره الناس بالخير أثناء حياته، وأن يسجل التاريخ له احتفاظه بالكرامة وإباءه للضيم، وألَّا يذكره الناس فيقولوا آثر نفسه على أمته، وآثر العاجلة على الآجلة، ونزل عن حق الشعب وهو لا يملك أن ينزل عن حق الشعب. وهذا الفريق يأبى من أجل هذا كله أن يقبل المعاهدة وأن يجيب الإنجليز إلى ما يريدون.

    فقد كان الشعب المصري يائسًا من المفاوضين جميعًا إلَّا واحدًا، فلما أذيعت فيه أنباء الخلاف ضاق اليأس واتسع الرجاء. فقد قيل له إن خمسة من المفاوضين يرفضون مشروع المعاهدة الذي يعرضه الإنجليز، وخمسة أكثر من واحد، فقد اطمأنَّ الشعب إذن إلى أن أربعة آخرين من أبنائه يريدوا أن يستمسكوا بالحق ويحتفظوا بالكرامة، فما له لا يبتهج بهذا الاختلاف، وما له لا يفرح لهذا الانقسام، وهو يرد إليه نفرًا من أبنائه كادوا يفلتون منه ويتجاوزون ما يرضيه.

    بل ما له لا يرجو أن يكون في هؤلاء الخمسة أو الأربعة قدوة صالحة وأسوة حسَنة للذين يظهرون كلفًا برضى الإنجليز وشغفًا بمودتهم، فالشعب المصري لا ييأس من رَوح الله؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. والشعب المصري يعلم أن الخير يدعو إلى الخير كما أن الشر يغري بالشر. فمن يدري لعل إباء هؤلاء الخمسة الأباة أن يزين في قلوب زملائهم الآخرين حبَّ الإباء للضيم والامتناع عن الذل وموقف الدفاع عن الحق. من يدري لعل الرافضين لهذا المشروع أن يكسبوا زملاءهم كلهم أو بعضهم، ولعل هذا أن يجنب مصر هذا الخزي العظيم، خزي الاستسلام في غير موضع للاستسلام والخنوع في غير داعٍ للخنوع.

    من أجل هذا كله يلقي بعض المصريين على بعض في كل لحظة هذا السؤال: أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ وفي نفوس المصريين أمل إن لم يتحقق كله، فهم حِراص على أن يتحقق بعضه فهم يأملون أن يأتلِف المفاوضون جميعًا وتتفق كلمتهم على رفض المعاهدة، فإن لم يكُن إلى هذا سبيل فهم يأملون أن يختلفوا وأن يكثر عدد الرافضين؛ لأن معنى هذا الخلاف أن جماعة من أبناء مصر سيبقَوْن في حظيرة مصر، وسيأبون أن يوقعوا بأيديهم صك الذل الذي يُراد أن يُفرض على مصر.

    حاشية: جاء في المقال الذي نشرته لي جريدة «صوت الأمة» بعنوان «عبث» بتاريخ ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٦ ما يأتي: وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليَّ متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات. وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث جرى بين الأستاذ الجليل وبيني أثناء اشتراكه في الوزارة القائمة، فأحب أن أقرر أنه إنما جرى أثناء وزارة النقراشي باشا.

  • دهماء

    دهماء

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ فبراير ١٩٤٦

    في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.

    ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.

    وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.

    ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.

    ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.

    الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.

    وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.

    وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.

    وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.

    فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.

    وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.

    من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.

    أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.

    والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.

    كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.

  • بين الانتظار والانهيار

    بين الانتظار والانهيار

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥

    كل شيء ممكن حتى اجتماع المتناقضات. فما من شك في أن الوزارة المصرية قد طلبت إلى الإنجليز الجلاء عن مصر والسودان وتعديل المعاهدة؛ لأن وزراءنا قالوا لنا ذلك، وهم صادقون، ولا يمكن إلَّا أن يكونوا صادقين؛ لأن النهوض بالأعباء العامة والاستقرار على كراسي الحكم والسيطرة على شئون الدولة، كل هذه خصال تفرض على أصحابها الصدق فرضًا، ولا تنطق ألسنتهم إلَّا بالحق الساطع القاطع الذي لا يقبل نزاعًا ولا يتعرض لجدال أو مراء. فإذا قال وزراؤنا أنهم قد طلبوا إلى الإنجليز رسميًّا ما تريد مصر أن يطلب إليهم؛ فيجب أن نصدِّقهم، وإن لم نصدقهم فويل لنا! ويل لنا من أنصار الوزراء الذين سيتهموننا بالمكابرة وتعمد الإساءة إلى الحكومة! وويل لنا من الوزراء أنفسهم؛ فسيتهموننا بجحود الجميل وكفر النعمة. ومن يدري؟ لعلهم يسلطون علينا بعض البأس وينالوننا ببعض ما نكره! فهم أصحاب حزم وعزم، وهم أصحاب قطع وجزم، والأمر إليهم، فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، وما هي إلا إشارة ظاهرة أو خفية وإذا الذين لا يصدِّقون الوزراء إذا قالوا معرضون لما يعرفون وما لا يعرفون من المكروه.

    وزراؤنا صادقون إذن حين يقولون أنهم طلبوا إلى الإنجليز الجلاء عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه. فيجب أن نعرف لهم هذه اليد البيضاء، وأن نشكر لهم هذه النعمة الغراء، وأن نقرر أنهم قد استحقُّوا تقدير الوطن. ولكن وزراءنا لم يقولوا جميعًا أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز، وإنما قال بعضهم ذلك وقال بعضهم أنهم لم يطلبوا شيئًا، وهم جميعًا صادقون؛ لأنهم جميعًا وزراء. والوزير صادقٌ دائمًا حتى حين يقول الحق ونقيضه، فوزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم طلبوا الجلاء صادقون، ووزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم لم يطلبوا الجلاء صادقون. والأمر يسير كل اليسر، فقد ينبغي أن نلغي عقولنا؛ لأن عقول الوزراء تكفينا، وقد ينبغي أن نكذِّب أنفسنا؛ لأن صدق الوزراء يغنينا، وقد ينبغي ألَّا نأمل ولا نتمنى وألَّا نطمح إلى مجد ولا نطمع في استقلال ولا نطالب بحرية.

    وما حاجتنا إلى هذا كله، وإنما نحن شعب قاصر قد قام الوزراء بالوصاية عليه، فهم يفكرون له ويشعرون به، وهم يقومون بتفكيرهم وشعورهم مقام الشعب في التفكير والشعور، فليس على الشعب إلَّا أن يأكل ويشرب إن وجد الطعام والشراب، وأن يستيقظ وينام إن أتيحت اليقظة والنوم. ولو استطاع الوزراء أن يأكلوا ويشربوا للشعب لكان من الحق على الشعب أن يصوم؛ لأن الوزراء يأكلون مكانه ويشربون مكانه، ويغنونه من هذا العناء الثقيل. ولو استطاع الوزراء أن يستيقظوا ويناموا نيابةً عن الشعب؛ لكان من الحق على الشعب أن يعلِّق نفسه في حال بين اليقظة والنوم، لا يمعن في اليقظة فيجد ما يكره، ولا يغرق في النوم فيجد ما يحب، وإنما يتأرجح بين ذلك. وأي شيء ألذ من أن يظل الشعب متأرجحًا بين اليقظة والنوم، تمرُّ به الأشياء فيحسها ولا يحسها، ويحققها ولا يحققها، وإنما هي خيالات تمس النفس مسًّا رفيقًا؛ فتحدث فيه لذَّة رفيقة أيضًا.

    ولكن الوزراء — مع الأسف الشديد — لا يستطيعون أن يغنوا الشعب عن الطعام والشراب واحتمال أثقال الحياة المادية، فحسبهم أن يغنوه عن التفكير وعن الشعور وعن الطموح إلى الحرية والنزوع إلى الاستقلال والمطالبة بالجلاء؛ لأنهم ينهضون بهذا، وهم ينهضوا بهذا بفيضٍ من العناية الإلهية التي وضعت على عاتق رئيس الوزراء أمور مصر، فاحتملها قويًّا متينًا ورصينًا مكينًا.

    وما من شك في أن العناية الإلهية قد ألقت في نفس رئيس الوزراء قبسًا من هذا النور المقدَّس الذي يعصمه من الخطأ، ويبرئه من الضعف، ولا ينطقه إلَّا بالحق. وما من شك في أن رئيس الوزراء حين اختار زملاءه قد أهدى إلى كل واحد منهم جزءًا يسيرًا من هذا القبس المقدس؛ فامتلأت نفسه قداسةً ونورًا. ومن أجل ذلك حقَّ علينا أن نصدق الوزراء، ولا نشك فيما يقولون لنا في وقت واحد من أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز ومن أنهم لم يطلبوا الجلاء إلى الإنجليز! فللعناية الإلهية أسرارٌ لا يفهمها مثلك ومثلي من عامة الناس، وإنما يفهمها المقربون من الأصفياء والأتقياء الذين ترفع لهم الحجب وتنجاب لهم الأستار.

    حقٌّ علينا إذن أن نصدق وزراءنا، حقٌّ علينا كذلك أن نصدق المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، لا لأن العناية الإلهية قد آثرته بالوزارة، أو آثرت به الوزارة، فالعناية الإلهية لا تحب الإنجليز ولا تختار منهم أحدًا لشيء، وإنما العناية تحب الألمان فتختار منهم هتلر، وتحب المصريين فتختار منهم صاحب الدولة رئيس الوزراء. ومع ذلك فيجب أن نصدق المستر بيفن؛ لأنه حين يتحدث إلى مجلس العموم لا يستطيع أن يقول له غير الحق؛ لأن الشعب البريطاني حين يختار نوَّابه ووزراءه يعرف كيف يؤدِّبهم ويهذبهم ويروضهم على ألَّا يخدعوه وعلى ألَّا يقولوا له غير الحق الصريح. وليس ما يدعو إلى الشك فيما قال المستر بيفن، فهو ينبئنا بأن مصر لم تطلب إليه شيئًا. وهو يتفق في هذا مع وزير التجارة الذي أنبأنا بأن مصر لم تطلب شيئًا، ومع وزير المالية الذي أنبأنا بأن مصر لم تقدم مذكرة؛ لأنها أرفع من تقديم المذكرات، ولأنها ليست موظفة عند الإنجليز. وإذن، فالمستر بيفن صادق؛ لأنه متفق مع وزيرين من وزرائنا، وقد عرف أن وزراءنا جميعًا صادقون دائمًا مهما يقولوا. وإذن، فمصر قد طلبت ولم تطلب، وكتبت ولم تكتب، واتصلت ولم تتصل، وانفصلت ولم تنفصل، وهي بهذا ترضي المصريين والإنجليز معًا.

    ورضا المصريين شيءٌ يسيرٌ؛ لأن المصريين يرضون بكل شيء، ويرضون بغير شيء. وإذا لم يرضوا فما أكثر ما يفيض به النيل من ماء يمكن أن يشربوه صفوًا ويمكن أن يشربوه كدرًا ويمكن أن يلقوا أنفسهم فيه إلقاءً! فلن يأبه لهم أحد، ولن يعبأ بهم أحد. ولماذا يحفل حافل بالمصريين وهم ضعاف لا يقدرون على شيء؟! لا يقدرون حتى على أن يحملوا وزراءهم على أن يسيروا معهم سيرة الوزراء الجادين، على أن يصارحوهم بالحق في غير مداورة ولا مناورة وفي غير مداراة ولا مماراة.

    مهما يكن من شيء فحكومتنا قد طلبت الجلاء ولم تطلبه، وحققت وحدة النيل ولم تحققها، وفاوضت الإنجليز ولم تفاوضهم. وقد اطمأن المصريون جميعًا إلى هذه الحال، فلم يشذ عنهم إلَّا واحدٌ، واحدٌ لا ثاني له، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ بين المصريين، ألم تعرفه بعد؟ إنه حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. إسماعيل صدقي باشا لا يحب الضعف ولا الفتور، ولا يقبل المطاولة ولا المماطلة، ولا يرضى من رئيس الوزراء إلَّا أن يكون حازمًا صارمًا كما كان هو حازمًا صارمًا، وإلَّا أن يكون صادق القول مستقيم الفعل، كما كان هو صادق القول مستقيم الفعل، وإلَّا أن يكون مُتحرِّجًا مع الإنجليز كما كان هو متحرجًا مع الإنجليز. ومن أجل ذلك غضب صدقي باشا منذ حين، واتهم النقراشي باشا بأنه يطاول ليكسب الوقت.

    والنقراشي باشا رجل لا يخاف أحدًا، ولكنه مع ذلك خاف من صدقي باشا، فلم يكد يقرأ مقاله ذاك حتى جمع هيئته السياسية وأذعن بما أرادت منه هذه الهيئة. فقرر وقرر معه مجلس الوزراء أن الوقت مناسب كل المناسبة للمطالبة بحقوق مصر، ورضي صدقي باشا عن رئيس الوزراء وعن زملائه، فرضي رئيس الوزراء وزملاؤه عن أنفسهم. ومضت الأمور هادئة مطردة، فاجتمع البرلمان وأقر ميثاق سان فرانسيسكو، واطمأن على أن حقوق مصر يحملها مختار العناية الإلهية، ويمضي بها في طريق النجاح والتوفيق.

    وكان من الممكن أن تمضي الأمور على هذا النحو أسابيع وأشهرًا، لولا أن عفريتًا من عفاريت الإنجليز سأل وزير الخارجية في مجلس العموم عمَّا تطلبه مصر بشأن السودان، فصرَّح المستر بيفن بما صرح به وتبين أن مصر لم تطلب شيئًا وإن كانت قد طلبت كل شيء. وقد دُهش بعض المصريين لجرأة المستر بيفن الذي يقول ما يخالف الحقيقة المعروفة في مصر، ولكن دهش المصريين لا قيمة له كما أن غضبهم لا قيمة له، وكما أن رضاهم لا قيمة له أيضًا.

    إنما الشيء الخطير … الخطير حقًّا، الشيء الذي ينغص النهار ويؤرق الليل هو أن صدقي باشا غضب، وغضب صدقي باشا شيءٌ لا يطاق، وليس أدلَّ على ذلك من أن النقراشي باشا الذي لا يخاف أحدًا ولا يهتم لأحدٍ قد خاف من غضب صدقي باشا، واهتم له، فقطع راحته وأسرع إلى الرياسة ولقي صدقي باشا هناك. وخلص كلاهما لصاحبه، فقال له وسمع منه، ولم يشهد نجواهما إلَّا الله. ثم انصرف صدقي باشا وقد سكت عنه الغضب، ولكنه لم يفارقه، وإنما احتفظ ببقية منه حتى تجتمع الهيئة السياسية، وحينئذٍ يغضب صدقي باشا فتغضب الهيئة كلها لغضبه، أو يرضى صدقي باشا فترضى الهيئة كلها لرضاه. وأنا أبشِّر المصريين أن صدقي باشا سيرضى قبل أن تغرب الشمس، وبأن الهيئة كلها سترضى قبل أن تغرب الشمس أيضًا، وبأن الأمور ستجري على خير ما يحب الوزراء، فليس المهم أن يُطلب الجلاء أو لا يطلب، وليس المهم أن تُحقق وحدة وادي النيل أو لا تتحقق، وإنما المهم أن تجري الأمور في مصر على ما تجري عليه الآن إلى أطول وقت ممكن. ولهذا كان غضب صدقي باشا خطيرًا، فصدقي باشا ركن من أركان العهد القائم. فإذا غضب وغضب معه واحد أو اثنان أو ثلاثة تعرض العهد القائم للانهيار، وما ينبغي لهذا العهد أن ينهار؛ لأن انهياره رجوع إلى الفوضى التي ملأت مصر فسادًا، ومن الذي يرى مصر الآن وقد ملئت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا وخيرًا، ثم يفكر في أن يردها إلى ذلك الفساد القديم.

    ليس المهم إذن أن نطالب بحقوق مصر، وإنما المهم أن تمسك مصر في هذه العيشة الراضية التي تعيشها، وفي هذه الكرامة الموفورة التي تستمتع بها، وفي هذا العدل المنشود الذي يستظل به المصريون جميعًا. فأمَّا الجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل وتعديل المعاهدة، فأمور يصح أن يفكر فيها رئيس الوزراء متى رأى الوقت ملائمًا. وقد تقول: إن الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد قررا أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات! ولكن لا تعجل على نفسك ولا تعجل على الناس، فالوقت المناسب الذي قررته الهيئة ومجلس الوزراء كان في النصف الأول من سبتمبر، ونحن الآن في النصف الثاني من أكتوبر، فما كان مناسبًا قبل شهر يمكن ألَّا يكون مناسبًا بعد شهر. والعناية الإلهية قد اختارت النقراشي باشا لحمل الأمانة القومية ولم تختر غيره. وإذن، فإذا رأى النقراشي باشا أن الوقت غير مناسب فرأيه هو الحق الذي لا شك فيه، ويجب على الهيئة السياسية أن تذعن وعلى الوزراء أن يذعنوا أيضًا، وإلَّا انهار العهد الحاضر وجاءت الوزارة المحايدة، ثم جاءت الانتخابات الحرة، وأي شيءٍ أشدُّ هولًا من الوزارة المحايدة والانتخابات الحرة؟

    يجب أن يختار المصريون — أستغفر الله — فقد اختار المصريون منذ زمن طويل. يجب أن يختار أنصار العهد الحاضر لا بين الانقضاض والانفضاض، كما كان يخيِّرهم مكرم باشا منذ حين، ولكن بين الانتظار والانهيار. وإذن، فلا ينبغي أن يطالبوا رئيس الوزراء بشيء، ولا ينبغي أن يتعجلوا في شيء، وإذا أرادوا أن يسألوه عن شيء؛ فليسألوه في خلوة وبمأمن من العذَّال والرقباء، فإن هم أذعنوا لهذا القانون مضت الأمور سهلة ميسرة، وإن هم خرجوا عن هذا القانون وأتعبوا النقراشي باشا بالسؤال والاستعجال كانت الكارثة وتفرق القوم بعد اجتماع واختلفوا بعد ائتلاف، وعاد الشر الذي يجب ألَّا يعود. أتعرف هذا الشر؟ إنه حرية الشعب، وويلٌ لمصر إذا سادت فيها حرية الشعب!

    أرأيت أن الأمر أيسر جدًّا مما تظن! أيسر من المطالبة بحقوق مصر، أيسر من مفاوضة الإنجليز سرًّا أو جهرًا، أيسر من الاتصال بهم من طريق رسمية أو غير رسمية، أيسر جدًّا من كل هذا هو أن يبقى العهد الحاضر أو لا يبقى.

    هذه هي المسألة، وليست هناك مسألة أخرى إلَّا في نفوس الشعب، ومن الذي يحفل بنفوس الشعب؟!

  • حقيقتان

    حقيقتان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٥
    أي الوزيرين يجد، وأي الوزيرين يهزل؟ أيهما ينصح للبرلمان ولا يقول له إلَّا الحق، وأيهما يداور البرلمان ولا يقول له إلَّا ما يحب أن يقول؟ ثم أي الوزيرين يعلِّم صاحبه فن السياسة وأصول التصرف في الشئون الخارجية: أهو رئيس وزراء مصر النقراشي باشا، أم هو وزير الخارجية البريطاني المستر بيفن؟ فليس من شك في أن المصريين حائرون بين هذين الوزيرين الخطيرين؛ أحدهما لا يريد أن يقول للبرلمان المصري شيئًا، والآخر لا يريد أن يخفي على البرلمان البريطاني شيئًا، وكلاهما مستمتع بثقة البرلمان، وكلاهما يفرض فيه أنه يقدم للبرلمان أخلص النصح، ويواجهه بالحق الصريح الذي لا مراء فيه.
    أيمكن أن يكون سخيفًا كل السخف، وباطلًا كل البطلان هذا الأصل الفلسفي الخلقي الذي اتفق الناس عليه منذ عرفوا التفكير، وهو أن الحق واحد لا يتعدد، وأن يكون التطور الحديث قد أثبت صدق ما كان يقال في فرنسا، وهو أن هناك حقين تفصل بينهما جبال البرانس التي تفصل بين فرنسا وأسبانيا؟ أيمكن أن يكون هناك حق مصري ليس فيه شك، وحق بريطاني ليس فيه شك، وأن هذين الحقين لا يلتقيان الآن، وإنما يذهب كل منهما في جهة مضادة للجهة التي يذهب فيها صاحبه، وإنما قد يلتقيان غدًا أو بعد غدٍ، وفي يوم من الأيام قريب أو بعيد؟
    والمصريون يعلمون أن لهم مطالب يقومون بها ويقعدون، وأنهم قد ألحوا على حكومتهم في أن تفاوض البريطانيين في تحقيق هذه المطالب، وهم يعلمون أن رئيس حكومتهم قد صرَّح أمام البرلمان بأنه وزملاءه يؤمنون بحقوق مصر، وينهضون بأعباء هذه الحقوق، ولا يقصرون في انتهاز الفرص لبلوغها. والمصريون يعلمون أنهم قد اختلفوا في فهم هذا التصريح وتفسيره، فقال أكثرهم: إن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا، وإنما هو يعلل الشعب بالأماني والآمال كما يُعلَّل الأطفال بما يُقدَّم إليهم من اللعب والوعود، وقال أقلهم: إن رئيس الوزراء صنع كل شيء، وسيصنع أكثر من كل شيء، ولكنه رجل سياسة وكياسة، ورجل حزم وعزم، ورجل حذر واحتياط، لا يقول إلَّا حين يحسن القول، فهو رجل يؤثر الذهب على الفضة، والذهب بالطبع هو الصمت، والفضة بالطبع هي الكلام.
    واتصل الخلاف بين الكثرة التي تشك فيما صنع رئيس الوزراء، والقلة التي تؤمن بما صنع رئيس الوزراء، ثم قال أحد الوزراء لإحدى الصحف: إن الوزارة قد صنعت شيئًا، وقال وزير آخر لصحيفة أخرى: إن الوزارة لم تصنع شيئًا. وأراد رئيس الوزارة أن يحسم هذا الخلاف، فاجتمع له الصحفيون، وأرهفوا آذانهم، وأعدوا أقلامهم، واستعدوا للاستماع والتسجيل، وتكلم رئيس الوزراء، ولكنه لم يقل شيئًا، وانصرف الصحفيون عنه كما أقبلوا عليه تمتلئ قلوبهم شكًّا، ونفوسهم ريبًا، وعقولهم اختلاطًا.
    ثم اشتد النقد لرئيس الوزراء من أصدقائه قبل خصومه، ورأى رئيس الوزراء — وهو صاحب الرأي الفصل دائمًا — أن يجلو الغموض، ويمحو اللبس، ويزيل القلق؛ فجمع هيئته السياسية، وجمع بعد ذلك مجلس الوزراء، وأذاع في الناس أن الهيئة السياسية قررت، ووافق مجلس الوزراء على ما قررت، وهو أن هذا الوقت أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضة في تحقيق المطالب المصرية عند الإنجليز.
    وهنا اشتد الخلاف بين المصريين مرة أخرى، فقال أكثرهم: إن هذا كلام يقال لمصر دون أن يبلَّغ إلى الإنجليز، وقال أقلهم: إن هذا كلام يقال لمصر وللإنجليز معًا، يُراد به أن تطمئن مصر إلى أن الحكومة محتملة للأمانة على أحسن وجه، ويُراد به دعوة الإنجليز لا إلى فتح باب المفاوضات، بل إلى الدخول من هذا الباب. ثم جعلت الصحف تزعم مرة أن قرار الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد أُبلِغ إلى الإنجليز، وتزعم مرة أخرى أنه لم يبلغ، وجعل بعضها يقول: إن البريطانيين قد ردُّوا على هذا الإبلاغ، وبعضها يقول: إنهم لم يردُّوا عليه.
    واجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية، وتحدث إليه رئيس الوزراء فلم يقل شيئًا، وانفض البرلمان راضيًا أو ساخطًا أو مضطربًا بين الرضا والسخط. ولكن رئيس الوزراء ظل — كعهد الناس به — صاحب سياسة وكياسة، وحزم وعزم، ومؤثرًا للذهب الذي هو الصمت، على الفضة التي هي الكلام.
    ثم جعلت الصحف تختلف من جديد، فقال بعضها: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم لن يفاوضوا إلَّا حكومة تمثل الشعب، وليس يعنيهم كيف تؤلف هذه الحكومة، فذلك شأن من شئون مصر المستقلة، وقال بعضها الآخر: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم سيفاوضون الحكومة القائمة، وسيفاوضونها في قصر الزعفران متى عاد السفير البريطاني إلى مصر في أثناء الشهر المقبل.
    وبينما المصريون يختلفون، ويجادل بعضهم بعضًا، ويقف أصحاب الأناة والحزم منهم موقف الانتظار والمراقبة والخوف على المستقبل؛ تكلم وزير الخارجية البريطانية. وهنا ينتهي الحق المصري ويبدأ الحق البريطاني، وبين الحقين اختلاف شديد. اختلاف في الشكل أولًا: فالحق المصري كما رأيته ملتوٍ شديد الالتواء، متعرج شديد التعريج، لا يكاد الإنسان يقبل منه على وجه حتى يصرف عنه إلى وجه آخر، أمَّا الحق البريطاني فيسير سهل مستقيم لا عوج فيه ولا التواء.
    تكلم وزير الخارجية البريطانية في الثاني والعشرين من شهر أغسطس الماضي، فقال: إنه اطلع على الملاحظات التي أبداها رئيس الوزارة المصرية أمام البرلمان المصري، وأن حكومته ستدرس المسائل المصرية بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة في الوقت الملائم. وانتهى شهر أغسطس، وجاء شهر سبتمبر وانتهى، وجاء شهر أكتوبر وكاد ينتهي. وفي أثناء هذا الوقت الطويل كان الحق المصري يلتوي فيحسن الالتواء، ويعوجُّ فيحسن الاعوجاج، ويلعب بنفسه وبالمصريين كما يلعب المهرجون على الحبال. على حين ظل الحق البريطاني في مكانه ثابتًا لا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، لا يلتوي ولا ينزوي، لا يقدم ولا يحجم، لا يرتفع ولا ينخفض، وإنما هو قطعة من الصخر قد استقرت ولا تريد أن تزول؛ فقد تكلم وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أمس فقال: إنه لا يستطيع أن يزيد شيئًا على ما قاله في اليوم الثاني والعشرين من شهر أغسطس، أي إنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية، وسيدرس الأمر المصري البريطاني في الوقت الملائم بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة.
    وكان وزير الخارجية البريطانية قد سُئل عما يمكن أن تكون مصر قد طلبته بشأن السودان، فقال بلفظ صريح: إنه لم يتلقَّ طلبًا ما بشأن السودان، وإنه لا يحب ولا ينصح بإثارة هذه المسألة الآن. وهذا هو كل الحق البريطاني، وهو كما ترى بسيط، لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا، ولا تريد أن تثير مسألة السودان، وإذا جاء الوقت الملائم فستدرس ما بين مصر وبريطانيا العظمى بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة. أي شيءٍ أبسط وأيسر وأصرح من هذا؟ وأي شيءٍ أجدر أن يسوء المصريين، ويملأ قلوبهم حسرةً وألمًا، ونفوسهم حنقًا وغيظًا من هذا الحق الإنجليزي البسيط؟
    لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا إلى الآن بشأن السودان، وليس لدى وزير الخارجية البريطانية شيءٌ يزيده على تصريحه في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. فاجتماع الهيئة السياسية، وقرارها وموافقة الوزراء على هذا القرار، وما كان من مناقشات في الدورة الاستثنائية للبرلمان، كل ذلك لم يعط وزير الخارجية البريطانية شيئًا يضيفه إلى ما صرح به في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. لماذا؟ لأن وزير الخارجية البريطانية لم يتلق شيئًا من الحكومة المصرية.
    وللمصريين أن يقولوا ويعملوا في بلادهم ما يشاءون، فذلك لا يعني وزير الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد ما دام لم يُرسَل إليه، وما دامت الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا، والشيء الوحيد الذي يهم وزير الخارجية البريطانية هو أن تظل المسائل المصرية نائمة لا يحب هو أن يوقظها، ولا ينصح للنواب البريطانيين بأن يوقظوها. ذلك أجدر أن يريح الحكومة البريطانية من عناء الأخذ والرد، ويتيح لها الفراغ للمشكلات الأخرى المعقدة في أوروبا وفي غير أوروبا.
    وإذن، فأي الحقيقتين نصدق: الحقيقة المصرية التي تتخذ في كل يوم ثوبًا جديدًا، وزينةً جديدةً، وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى في بلدٍ يعاب فيه التبرج، أم الحقيقة البريطانية البسيطة الساذجة الصارمة التي تثير الغيظ، وتشيع الحقد، وتملأ النفوس حسرةً وألمًا؟!
    طلبت الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية شيئًا أم لم تطلب؟ يقول بعض المصريين: نعم، ويقول بعضهم: لا، ويقول بعضهم: لا ندري، ويأبى رئيس الوزارة أن يقول شيئًا صريحًا، ويقول وزير الخارجية البريطانية، المستر بيفن، لمجلس العموم البريطاني في لندرة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر: إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا بشأن السودان، ولا يريد أن تُثار هذه المسألة، ولا ينصح بإثارتها، وأنه ليس لديه ما يزيده على ما قاله لمجلس العموم في الثاني والعشرين من شهر أغسطس.
    هاتان هما الحقيقتان: حقيقة مصرية ملتوية لعوب تطمع حينًا، وتؤنس حينًا، ترضى مرة، وتسخط مرة أخرى، وحقيقة بريطانية صارمة كريهة لا تكاد الأبصار ترتفع إليها حتى ترتد عنها مغيظة محنقة وقانطة يائسة. ألم يأنِ لرئيس الوزراء في مصر أن يصطنع الجد مرة كما يصطنعه وزير الخارجية البريطانية دائمًا؟! ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يصارح الأمة المصرية بالحقيقة الواضحة الجلية التي لا تتبرج ولا تتبهرج ولا تلعب بالعقول؟! ألم يأن لرئيس الوزراء أن يعلم أن الشعب المصري قد ذاق الآلام وذاقها حتى أصبح ألمًا كله، وأن الشعب المصري قد خضع للمحن، وثبت للخطوب، وتعوَّد أن يواجه المصاعب، ويصبر على المصائب، ولا يجزع من الكوارث، ولا يفزع من الحادثات؟
    يجب أن يعلم رئيس الوزراء أن الشعب المصري شجاع يستطيع أن يلقى الحقيقة وإن كانت بشعة المنظر، كريهة المظهر، مُرَّة المذاق، فليقل له هذه الحقيقة إذن، وليعرضها عليه كما هي في غير تكلف للباقة، ولا لرشاقة، ولا لهذه الفتنة الكاذبة. لن نصدق مهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره أن وزير الخارجية البريطانية قد خدع البرلمان البريطاني أو كذب عليه حين أعلن إليه أنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا. وإذن فحكومة لم تصنع إلى الآن شيئًا، وإذن فكل ما قيل لغو من اللغو، وباطل من الباطل، وكلام يعلل به الشعب كما يعلل الأطفال بالوعود والآمال.
    ولكن الشعب المصري ليس طفلًا، ولا يريد أن يكون طفلًا، ويوشك وزير الخارجية البريطانية أن يكون أحسن ظنًّا بالشعب المصري، وأصدق رأيًا فيه من صاحب الدولة النقراشي باشا. فوزير الخارجية البريطانية يعلم حق العلم أن تصريحه في البرلمان البريطاني سيذاع في أقطار الأرض، وسيقرؤه الشعب المصري فلا يفزع، ولا يهلع، ولا يضعف في الاستمساك بالحق والمطالبة به.
    وزير الخارجية البريطانية لا يتردد في مصارحة المصريين بالحقيقة الواضحة، ورئيس الوزارة المصرية لا يجرؤ على مصارحة المصريين بهذه الحقيقة الواضحة، لماذا؟ لأن أحدهما هو المستر بيفن المطمئن إلى نفسه، وإلى برلمانه، وإلى شعبه، ولأن الآخر هو حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا، الذي لا يطمئن إلى أحد، ولا إلى شيء، والذي يخشى أن تزول الأرض تحت قدميه — أستغفر الله — بل تحت كرسيه في ديوان الرياسة، إن صارح الشعب المصري بأنه لم يطلب إلى البريطانيين شيئًا بشأن حقوق مصر والسودان.

  • في الوقت الملائم

    في الوقت الملائم

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٣ أغسطس ١٩٤٥

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.

    أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.

    ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.

    واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.

    نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.

    وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.

    كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.

    إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.

    ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.

    في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.

    في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.

    فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.

    إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.

    لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.

    على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.

    أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.

    وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.

    إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.

  • مفاوضة٢

    حديث اليوم: مفاوضة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٧ يوليو ١٩٣٢

    وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.

    وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.

    وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.

    ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.

    يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟

    زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.

    يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.

    أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟

    إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.

    وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.

    لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.

    وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.

    ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.

    أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.