Tag: Prime Minister

  • حرية

    حرية…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
    فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
    وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
    والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
    كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
    ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
    أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
    إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
    طه حسين
    صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.

  • أجد أم مزاح

    أجد أم مزاح
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
    كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
    وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
    فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
    إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

  • موقف٤

    حديث الوادي
    موقف . . .
    – ٤ –
    أصبح منذ اليوم، بل أمسى منذ أمس واضحاً كل الوضوح، جلياً كل الجلاء، لا يثير حيرة ولا شكاً، ولا يغشاه غموض ولا إبهام، وبطل هذا الوضوح الواضح، وهذا الجلاء الجلي، هو رئيس الوزراء، وكم في الدنيا من أعاجيب، فقد أصبح رئيس وزرائنا الرجل الطيب بطلاً من أبطال الوضوح ومشرقاً من مشارق النور، ومصدراً من مصادر الاطمئنان، ومبعثاً للإيمان واليقين.
    لا تنكر شيئاً فليس ينبغي لك أن تنكر شيئاً، وإنما أنت رجل مصري، خلقت لتؤمن إن طلب إليك الإيمان، ولتطمئن إن طلب إليك الاطمئنان، كما أنك رجل مصري خلقت لتأتمر إن صدر إليك الأمر، ولتنتهِ إن وصل إليك النهي، فإن خالفت، فقد تلقى من الشطط ما تطيق وما لا تطيق.
    نعم أصبح موقف مصر السياسي واضحاً بعد أن كان غامضاً، وسهلاً بعد أن كان حرجاً، ويسيراً بعد أن كان دقيقاً، لأن رئيس وزرائنا الرجل الطيب أراد أن يكون هذا كله فكان. والناس الذين يعقلون ويفقهون، يعلمون حق العلم أن الأمور إذا تعقدت لا تحل بهذا اليسر، وأن المشكلات إذا ثارت لا تنتهي بهذه السهولة، وأن الحرج إذا اشتد لا ينفرج بكلمة يقولها رئيس الوزراء وإن كان رجلاً طيباً، وإن كان اسمه عبد الفتاح يحيى باشا، ولكن الأمور في مصر تجري كما قلنا لك ألف مرة ومرة، على غير ما تجري عليه في سائر البلاد. فلتتعقد الأمور وليشتد الحرج ولتزدحم المشكلات، وليمتلئ الجو بالأنباء والأحاديث، وليجرِ خيال الناس في غير طريق، وإلى غير أمد، ولتنطلق ألسنة الناس بالممكن والمستحيل، فكلمة واحدة يلقيها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، خليقة أن تمحو هذا كله، وأن ترد الجو صحواً صفواً، كأن شيئاً لم يكن؛ ذلك لأن رئيس وزرائنا رجل طيب، وفي كلماته بركة خليقة بأن تبدد الغيوم، وتذود السحاب، وتهدئ العواصف، وتقر القلوب في الصدور، والعقول في الرؤوس والألسنة في الأفواه، والغريب أن المصريين على اختلافهم لم يؤمنوا بهذه البركة إلى الآن، ولم يرفعوا رئيس وزرائهم الرجل الطيب إلى مرتبة القديسين وأصحاب الكرامات.
    وأغرب من هذا أن تتعرض حقوق مصر للخطر، وأن تعيش مصر أياماً، مملوءة بالحرج، لم تعشها منذ عهد بعيد في تاريخها الحديث، وأن تحدث، في مصر أحداث لم يعرف لها نظير أيام الحماية، ولا قبل أيام الحماية، وأن نجد رئيس الوزراء مع ذلك سبيلاً إلى أن يقول ويعمل، ما يدعو إلى المزاح، وما يثير الميل إلى الفكاهة، وما يكره الناس على أن يبتسموا، بل على أن يغرقوا في الضحك أي إغراق.
    فرئيس الوزراء يوافقنا على أن ما ألقاه إلى "المقطم" أمس من الحديث لم يكن جداً، وإنما كان لوناً من ألوان الدعابة لا يمحو شكاً ولا يزيل ريباً، ولا يرد الناس إلى ثقة ولا إلى اطمئنان، ورئيس الوزراء يعذر الناس من غير شك حين يعلم أنهم قرأوا هذا الحديث فرفعوا الأكتاف وهزوا الرؤوس، وقال عقلاؤهم ما أجدر الوزراء المصريين أن يذكروا أنهم لا يحكمون أطفالاً، ولا أغراراً، وإنما يحكمون رجالاً راشدين، ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه كان بين اثنتين حين تحدث إلى "المقطم" أمس؛ فإما أنه كان يسخر من الناس، ويعلم أنهم لم يؤمنوا لما يقول، وإما أنه كان سيئ الرأي في الناس، يراهم من السذاجة والبله بحيث يصدقون ما ليس إلى تصديقه سبيل.
    ما هذا الكلام الذي يلقى في غير تحقيق ولا احتياط؟ ليست في مصر أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذن ففيم نشاط الإنجليز الذي لم يعهد مثله من قبل، وفيم التفتيش على الشرطة في ثكناتها وأقسامها؟ وفيم زيارة نائب المندوب السامي لدولة توفيق نسيم باشا؟ وفيم غداء الأمير محمد علي على مائدة المندوب السامي؟ وفيم لقاء نائب المندوب السامي لرئيس الوزراء؟ وفيم سعي المستشار المالي بين دار المندوب السامي ورئاسة الوزراء؟ وفيم اجتماعات الوزراء على انتظار، وفيم اجتماعات الوزراء أحزاباً وشيعاً عند هذا الوزير أو ذاك؟ وفيم اتصال الرسائل البرقية بين دار المندوب السامي ووزارة الخارجية البريطانية؟ وفيم إلحاح بعض النواب من أنصار الوزارة عليها بالسؤال؟ وفيم اجتماع بعض النواب وإشفاق إدارة الأمن العام من هذا الاجتماع وتقدمها إلى بعض أصحاب الصحف ألا ينشروا ما قد يقره المجتمعون؟ وفيم سفر بعض النواب للقاء رئيس الوزراء، واعتذار رئيس الوزراء من لقائهم مكتفياً بما ألقاه إلى "المقطم" من حديث؟ فيم هذا كله، وفيم غير هذا كله مما لا نبيح لأنفسنا التحدث فيه، إذا لم تكن هناك أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذا لم يكن هناك خلاف بين الوزارة والإنجليز؟ ألم يكن أكرم لرئيس الوزراء وللشعب المصري أن ينظر رئيس الحكومة إلى الشعب كما ينظر الحاكم الرشيد إلى شعب رشيد، فينبئه بما يستطيع أن ينبئه به من حقيقة الأمر، ولا يخفي عليه الأمر إخفاءً، ولا يتحدث إليه كما يتحدث الكبار إلى الصغار، أو كما يتحدث الآباء إلى الأطفال؟ فما نظن رئيس الوزراء أرشد ولا أقدر على فهم السياسة والنهوض بأثقالها من كثير جداً من هؤلاء المصريين الذين يخفي رئيس الوزراء عليهم أمور السياسة إخفاءً، ويبعدهم عنها إبعاداً.
    ليست هناك أزمة، ولا شيء يشبه الأزمة، وإذاً فما هي هذه الجملة التي جاءت في آخر حديث رئيس الوزراء، والتي أضافها رئيس الوزراء إلى حديثه إضافة، واستوقف من أجلها مندوب "المقطم"، والتي يزعم فيها أنه سيعمل مع زملائه لصيانة حقوق الوطن والعرش؟ فحقوق الوطن والعرش معرضة إذاً للخطر، محتاجة إذاً إلى أن تصان. فما عسى أن يكون هذا الخطر؟ ومم يجب أن تصان هذه الحقوق؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن حديثه لم يجل غموضاً، ولم يمح شكاً، ولم يزد على أن أضحك الناس، وإن كان الضحك لا يحسن في مثل هذه الظروف؟، قد يكون رئيس الوزراء حريصاً على ألا يقول شيئاً في هذه الأيام، بحق أو بغير حق، فقد كان الأكرم له وللناس أن يعلن إلى مندوب "المقطم" أنه لا يستطيع الآن أن يقول شيئاً، أو أنه يرى أن المصلحة تقضي عليه الآن ألا يقول شيئاً. كان هذا أكرم لرئيس الوزراء، وأكرم للناس من هذا الحديث الذي لم يتحدث بشيء. متى يعرف الحكم أن وقت الاستخفاف بأحلام الشعب قد انقضى وأن الشعوب لا ترضى من وزرائها في هذا العصر إلا الجد والصراحة والإخلاص؟ الناس إذاً يعلمون حق العلم أن الموقف ما زال دقيقاً أشد الدقة، حرجاً أشد الحرج، والناس إذاً يقدرون أن حفلات العيد ستنقضي اليوم، وأن الأيام القليلة المقبلة ستلقي على الموقف من الضوء ما لم يلقه حديث رئيس الوزراء.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.

  • مظلوم

    حديث الوادي
    مظلوم . . .

    هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب، فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثى له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية. ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء.

    فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همّاً وحزناً، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناءً ونصباً.

    ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تذلل، والمشكلات التي لا تريد أن تحل. فهو مظلوم حقاً، وأصدقاؤه والعاطفون عليه، والراثون له، معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    تستطيع أن تحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات -بل في بعضها- ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعوراً بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالاً للأثقال. صمت وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع؛ إن سكت تساءل الناس فيم يفكر، وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب روعاً واضطربت النفوس هلعاً، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان؛ إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرؤوس، وأذن مؤذن في الملاك والزراع، وفي الدائنين والمدينين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهول، وأقبلت ساعات الروع، فهلم إلى رئيس الوزراء، لعله يشفى الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجاً من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفى داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجد مخرجاً، ولا يزيل حرجاً. وإنما يسمع ويسمع، ويجد ألم الصداع ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزراع وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة فيما يرى، نامية موفورة الثمرات.

    يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله، لتعلم أن رئيس الوزراء مظلوم حقاً، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أن رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئاً من ذلك لا يثير في نفسه رحمة، ولا هوادة، ولا إشفاقاً، وإنما يمضي فيما يقول، لا فيما يعمل، فيزيد رئيس الوزراء تعباً إلى تعب، وحرجاً إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للملاك والزراع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماض في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يعفي أحداً، ولا يسمع كلاماً في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد، ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف، إن الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

    ألست ترى معي أن رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به، ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة ويثير له في كل يوم غباراً يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يقصي أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذاً من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حساباً لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية، فرئيس الوزراء مضطر إلى أن يحتمل، مكره على أن يذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟». وكان المنتظر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقاً بالرئيس، ورعاية له، وعطفاً عليه. فالقيسي باشا رجل هادئ، وإن كان حازماً، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

    وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من هم وغم، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة. ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وسعه الاحتمال، ويرجئ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خيل إلى الناس أن أمر الصحفيين قد كاد يستقر تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها، بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذم الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردد ولا وجل أن الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أن تمتاز بتشريع عنيف.

    وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة، فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلاً أنها تخاف الأجانب وتزدرى المصريين وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أن رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول فيه ما قاله موليير: (يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟).

    رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحداً لم يظلمه. وإنما هو الذي يظلم نفسه، فقد كان يستطيع ألا يذهب إلى السفينة حين دعي إليها، وقد كان يستطيع وما زال يستطيع ألا يقيم في السفينة حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مضنية، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذب الظلم، ويستلذ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيراً من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إن من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

    طه حسين
    الوادي، ١٩/٩/ ١٩٣٤.

  • إقناع

    حديث الوادي
    إقناع…
    ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
    وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
    ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
    والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
    جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
    وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
    ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
    وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
    وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
    هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
    ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤.

  • ميرابو …؟!

    حديث المساء: ميرابو …؟!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢ مارس ١٩٣٤

    وإن شئت فقُل: فالدك روسو، وإن شئت فقُل: بونكاريه، وإن أحببتَ فقُل: جنبته، وإن لم يعجبك خطباء الفرنسيين فقُل: دزرائيلي، أو قُل: جلادستون، واختر من شئت من زُعماء الخطابة وأَعْلَام البيان، فأطلق اسمه على رئيس وزرائنا الرَّجل الطيب بشرط أن لا تختاره عربيًّا، ولا يونانيًّا، ولا رومانيًّا؛ فما ينبغي أن يُشبَّه رئيس وزرائنا بالخُطباء المُتقدمين، وما ينبغي أن يُقرَن الخطباء المتقدمون إلى رئيس الوزراء، إنما الخطباء الأوروبيون المُحدثون وحدهم هم الذين يُتاح لهم أن يطمعوا في مثل هذا الشرف العظيم فيُشبَّه بهم رئيس الوزراء أو يُشبَّهوا هم برئيس الوزراء!

    فأمَّا غيرهم من الخطباء فحَسْبُهم أنْ يُشَبَّه بِهم زُعماؤنا الآخرون، أو أنْ يُشَبَّهُوا هم بِزُعمائنا الآخرين، فليكن رئيس وزرائنا الرَّجُل الطيب واحدًا من هؤلاء الخطباء الأوروبيين الذين ذكرناهم أو الذين لم نَذْكُرهم. وأكبرُ الظَّنِّ أننا نظلمه بهذا التشبيه ونغض من منزلته البيانية بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة التي لم يسمع الزمان مثلها من قبل، ولن يسمع الزمان مثلها من بعدُ إِلَّا حينَ يَخْطُب رئيس الوزراء في حزب الشعب، أو في مجلس من مجلسي البرلمان.

    وإنا لنحاول واثقين بالعجز والإخفاق، وتحليل هذه الآية البيانية، وتيسير ما تعسر من أَمْرِها؛ ليفهم الناسُ بعض هذه المعاني العُليا التي هبطت على أهل الإسكندرية أمس، نُحاول ذلك فلا ندري بأي شيء نبدأ ولا إلى أي شيء ننتهي، وأبلغ الكلام وأبرعه ما لا يستطيعُ النقاد أنْ يأتوه من بين يديه ولا من خلفه، ولا أن يمسوه من فوقه ولا من تحته؛ فأنت إذا شِئْتَ أَنْ تتحدث عن خطبةِ رَئِيسِ الوزراء أنفقت الوقت والجهد واحتملت المشقة والعناء لتُحلل هذه العواطف الرَّقيقة الساحرة التي أراد رئيس الوزراء أن يعرب عنها لمواطنيه من أهل الإسكندرية، فأوجزها أبلغ الإيجاز في كلمات جامعة تحار فيها الألباب، وتتقطع دونها أعناق الخطباء.

    فرئيس الوزراء قد نشأ بين الإسكندريين، ورئيس الوزراء قد درج على شواطئ البحر الزَّاخر الذي يغمر الإسكندرية بمائه الملح، ورئيس الوزراء حين نشأ بين الإسكندريين ودرج على ساحلهم الجميل قد ملأ قلوبهم حبًّا لهم، وإعجابًا به فامتلأت نفوسهم ثقة وأملًا، وفخرًا، وكبرياء.

    ورئيس الوزراء لهذا كله لم يكد ينضم إلى حزب الشعب أثناء تكوينه، ولم يكد الإسكندريون يعلمون بذلك، بل يتسامعون به، حتى استيقنوا أنَّ الحزب خير كله، وبر كله، وأملٌ كله، ونَجَحَ كله؛ لأنَّ رئيس الوزراء ينضم إليه، ورئيس الوزراء قد نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل؛ لذلك أقبل الإسكندريون على حزب الشعب إقبالًا وانهالوا عليه انهيالًا، وانثالوا إليه انثيالًا؛ لتجمع بينهم وبين رئيس الوزراء صلة النشأة في الإسكندرية والاضطراب على ساحلها الجميل من جهة، وصلات المبادئ الحزبية والتعاون على خدمة الوطن من جهة أخرى، ولتكون العلاقات بينهم وبين رئيس الوزراء كأقوى ما ينبغي أن تكون؛ لأنه نَشَأَ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل؛ فهم يثقون بشخصه الضعيف.

    والضعيف هنا معناها القوي، والضعيف هنا معناها الجذاب، والضعيف هنا معناها الذي يسحر العقول، ويملك القلوب، ويستهوي الألباب. فإن الأشخاص الضعفاء بالمعنى الصحيح للكلمة لا يملأون قلوب الناس ثقة، ولا يشعرونها حبًّا وإكبارًا، ولكنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الخُطَباء البَارِعين يَسْتَعْمِلُون المجاز والاستعارة، ويقصدون بالألفاظ إلى أضدادها؛ فيقولون الضعيف وهم يقصدون القوي، ويعلنون التواضع وهم يُسرون الكبرياء، فإن لم يفعلوا هذا وتكلموا كما يتكلم الناس فليسوا بالخطباء البارعين، وإنما هم خطباء من الطبقة الثانية أو الثالثة كزياد والحجاج لا من الطبقة الأولى كميرابو وجلادستون.

    رئيس وزرائنا إذن قد نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، فلمَّا انضم إلى حزب الشعب انضم معه الإسكندريون، ولما أُلِّفت الوزارة أو أُلِّفت له الوزارة ألَّفَها معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل!

    وما دام الأمر كذلك؛ فلا ينبغي أن يأتي عملًا حتى يأتيه معه الإسكندريون، أحبَّ صدقي باشا فأحبَّه معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، وخاصم صدقي باشا فخاصمه معه الإسكندريون لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، ولما أقاله صدقي باشا من الوزارة أقال معه الإسكندريين.

    ولما استقال هو من حزب الشعب استقال معه الإسكندريون ولما رجع إلى حزب الشعب رجع معه الإسكندريون؛ فالإسكندريون ظِلٌّ له لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    وما دام الأمر كذلك فسيتبعه الإسكندريون حيثما ذهب وأينما وُجِّه، سيقومون إذا قام، وينامون إذا نام، ويحكمون إذا حكم، ويستقيلون إذا استقال. أتظن أن في الأرض بيانًا يُشبه هذا البيان، وسحرًا يُداني هذا السحر؟!

    ورئيس الوزراء غير محتاج إلى أن يتحدث إلى الإسكندريين؛ لأنه غيرُ مُحتاج إلى أنْ يتحدث إلى نفسه، فهو الإسكندريون والإسكندريون هو؛ لأنَّه نَشَأَ في الإسكندرية ودَرَجَ على ساحلها الجميل، ولكنَّ في البلاد قَومًا مُعَارِضِينَ يتهمون صمته ويَظُنُّون به الظنون؛ فهو إن تحدَّث فإنما يتحدث إلى هؤلاء المعارضين ليلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل، ويضطرهم إلى الاعتراف بما كتب الله عليهم من الهزيمة والخذلان. ولولا ذلك لما تكلَّمَ، ولما أضاع وقته ووقت الإسكندريين الذين يحبونه ويثقون به؛ لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    ورئيس الوزراء قادر على أن يُهمل المُعارضين، ويكتفي بالإسكندرية التي لا يُعارضه من أهلها أحد، لولا أن قلوب الرجال الطيبين كبيرة، عظيمة، واسعة لا تملؤها مدينة ولا سكان مدينة، مهما يكثروا فهو إذن يُحب الإسكندريين، ولكنه يُفكر في المعارضين، ويعنيه أن يَتَحَدَّثَ عنهم وأنْ يتحدث إليهم، وقد فعل.

    والغريب أنَّ المعارضين ما زالوا أحياء لم تصعقهم الصواعق ولم تمحقهم المواحق بعد هذه الخطبة التي أَصْلَتْهم نارًا حامية، لا تُبْقِي بعدها باقية.

    وما رأيك في رَجُلٍ نَشَأَ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل، وملك من ثقة الإسكندريين ما ينتهي به من القوة إلى أقصاها، ثم وقف يخطب في الإسكندريين ليمحق المُعارضين، فلم يبلغ مما أراد شيئًا؟! أليس هذا دليلًا على أننا في آخر الزمان، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها كما أن مفاوضات صدقي باشا كانت آتية لا ريب فيها؟!

    ماذا؟! يقول رئيس الوزراء للمُعارضين إنه نهض بأعباء الحكم والظروف حرجة والأراجيف مطلقة، فكان من الحق عليه أن يطهر الجو؛ ولهذا لم يستطع أن يحل مشكلة من المشكلات، فيقول له المعارضون: ولكنك لم تطهر الجو، وإنَّما تركته يَزْدَاد فسادًا إلى فساد، تظهر فيه الفضائح إثر الفضائح، والمُخزيات إثر المُخزيات، وتَجْتَرِئ فيه الصحف والألسنة على الوزارة؛ فتسأل عن أعمال وأقوال كان ينبغي أن ترتفع الوزارات عن أن تسأل عنها.

    ماذا؟! يقول للمعارضين إنه ماضٍ في مسألة الدَّيْن كما مضى صدقي باشا مُقاضيًا من ناحية، ومُفاوضًا من ناحية أُخرى، فيَقُول له المعارضون: وماذا كنتَ تُنكر على صدقي باشا إذن؟! وما الفرق بينك وبينه؟! وفِيمَ توليتَ الحكم مكانه ما دُمْتَ لا تزيد على أن تسير سيرته وتنفذ خطته؟!

    ماذا؟! يقولُ للمُعارضين إنه سيحل مسألة الديون العقارية، ولكن لا بُدَّ له من الوقت ليلتمس الحلَّ الحاسم الذي لا يكلف الخزانة ما لا تُطيق، فيقول له المُعارضون: فأين هذا الحل الحاسم؟! ومتى أنت واصل إليه؟! وما سبيلك إلى تحقيقه؟! وما رأيك في أن المدينين مرهقون قد طال عليهم الأمد، وكاد يهلكهم الانتظار؟!

    ماذا؟! يقص على المعارضين حكاية المحامين، فيقول له المعارضون: ولكن المحامين لم يذعنوا للقانون الذي أصدرته، وإنما أنكروه ورءوا أنْ لا طاعة لك عليهم فيه، تحدوا إنذارك فانتخبوا مكرمًا نقيبًا، وتحدوا قانونك فأبقوا مكرمًا نقيبًا، وأنت تنظر إليهم حيران لا تستطيع أن تتقدم، ولا تملك أن تتأخر، وأنت بهذا الموقف الشَّاذ الذي خلقته خلقًا، قد أطمعت الناس في السلطان، وشككتهم فيما ينبغي أن يكون له من الذكاء، والفطنة، والهيبة، والبصر بعواقب الأمور.

    ماذا؟! يُريد أن يسكت، فيسأله المعارضون عن أزمة الزيارة للمندوب السامي ما خطبها؟ وكيف نشأت؟ وكيف حلت؟ ويسأله المعارضون عن قصة الكورنيش: ما خطبها؟ وإلى أين انتهت؟ وما موقف صدقي باشا منها؟ وماذا صنعت بالحق والعدل؟! وماذا صنعت بالقانون والدستور؟!

    ويسألونه عن أشياء كثيرة لا يستطيع أن يُجيب عليها ولا أنْ يَقُولَ فيها؛ فيصدم المعارضين صدمة عنيفة، يظن أنها ستجعلهم رمادًا تذروه الرِّياحُ، ويُعْلِنُ إليهم أَنَّهم مُكَابِرُون وأَنَّه يحب المعارضة المنصفة، ولكن المعارضين يتلقون صدمته قاتمين باسمين، لم يُراعوا ولم يخافوا، ولم يأخذهم من صدمته شيء يُشبه الخوفَ أو الرَّوع، ثم يَنصرف بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة رَاضيًا مسرورًا؛ لأنَّه قال للإسكندريين إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    أتشك بعد ذلك في أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب خطيب من الطراز الحديث، لا يُشَبَّهُ بزياد أو الحجاج، وإنما يُشَبَّه بميرابو أو فلدك روسو أو درزائيلي أو جلدستون؟!

    نستغفر الله! بل هو أبرع من هؤلاء جميعًا؛ لأنَّ واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن يقول إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل!

  • غيبة …

    حديث المساء: غيبة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ يناير ١٩٣٤

    غابت عن القاهرة في أيام العيد شموسها المشرقة ونجومها المتألِّقة؛ فأظلم جوها وكان من حقه أن يُضيء، وأقفرت أرضها وكان من حقها أن تعمر، وفَتُرَ فيها العيد وكان من حقه أن ينشط ويقوى ويملأ الناس نشاطًا وقوةً. وليست هذه الشموس المشرقة والنجوم المتألقة رجال الوفد وزعماءه؛ فهؤلاء قوم يستطيعون أن يذهبوا ويستطيعون أن يجيئوا؛ فلن يُظْلِمَ لذهابهم جَوٌّ ولن تضيء بمجيئهم سماء، أولئك قوم لا يعرفهم أحد ولا يعرفون أحدًا، لا يَخِفُّ لوداعهم أحد إذا ذهبوا ولا ينشط لاستقبالهم أحد إذا جاءوا. هم قوم مثلك ومثلي لا يحسهم الناس، وأكبر الظن أنهم لا يُحِسُّون أنفسهم؛ فانتقالهم واستقرارهم سواء. إنما الشموس المشرقة والنجوم المتألقة والكواكب الوضيئة والمصابيح المضيئة هم وزراؤنا الأفذاذ، الذين تتنافس فيهم مدن مصر وتختصم حولهم قرى الريف، لا يُلِمُّون بمدينة إلا امتازت من المدن، ولا ينزلون بقرية إلا ارتفعت فوق القرى، يصحبهم اليسر أينما كانوا، ويسبقهم البشر إلى حيث يَمَّمُوا، فمَقْدِمُهُم خير كل الخير خليق أن يشتدَّ فيه التنافس ويعظم فيه الخصام.

    غابوا عن القاهرة أيام العيد؛ فغاب عنها العيد، وتفرقوا في المدن والقرى؛ فتفرق معهم العيد في المدن والقرى، كل أخذ معه جزءًا يوزعه على الناس توزيعًا، ويقسمه بينهم تقسيمًا، وكان رئيس الوزراء الرجل الطيب أعظمهم حظًّا من العيد، أخذ معه نصفه أو ثلثيه هدية إلى أهل مصر العليا؛ فلم يكد يبلغ أسوان حتى استحالت عيدًا كلها، وكانت أسوان وفيَّة عارفة للجميل، شاكرة للنعمة مقرَّة بالحق؛ فاستقبلت رئيس الوزراء أحسن استقبال، واحتفلت له أفخم احتفال، ولم يكد يبلغ الفندق فيها حتى وقف له الأجانب رافعين قلانسهم صائحين حتى بلغ صياحهم عنان السماء.

    وفي أثناء ذلك كان رئيس الوفد ينتقل بين سمنود والمنصورة والقاهرة؛ فلا يشعر به أحد ولا يحتفل له أحد، ولا يرفع الأجانب له قلانسهم، ولا يمتلئ الجو من حوله بالصياح؛ لأن رئيس الوفد لم يكن يحمل معه إلى الناس عيدًا ولا جزءًا من عيد، وإنما كان رجلًا عاديًّا، يؤدي واجبات عادية، فيتركه الناس وما يؤدي من واجبات. وأحست الوزارة خطر هذه الرحلة التي عمد إليها الرجل الطيب في أقصى الصعيد، وأشفقت الإدارة من إقبال الناس على رئيس الوزراء، وهتاف الناس لرئيس الوزراء؛ فاحتاطت الوزارة واستعدت الإدارة، وحمت الناس من فتنة رئيس الوزراء، وحمت رئيس الوزراء من كَلف الناس به وتهالكهم عليه.

    وشهدت أسوان وشهدت الأقصر أيامًا لم تشهدها مدينة من مدن مصر في يوم من أيامها العظام؛ حُشِدَت الجنود في أسوان ألوفًا، واحتفرت الخنادق في أسوان طويلة عريضة عميقة، وهَمَّ رئيس الوزراء أن يصلي الجمعة في مسجد عَيَّنَه؛ فكثر الناس الذين هموا أن يصلوا في هذا المسجد، حتى اضطرت الوزارة إلى أن تأمر بإغلاق المسجد ورد المصلين عنه اتقاءً للفتنة، ودفعًا للكوارث والأحداث.

    ومع أن الوزارة قد بذلت من الجهد ما لم تبذله الوزارات، وحشدت من الجند ما لم يحشد من قبل. ومع أن الجند كان نشيطًا جريئًا، يُعْمِلُ العصي والسياط في غير حساب. ومع أن الخنادق كانت مُخِيفَة، ومع أن الاحتياط لم يبلغ في يوم من الأيام ولا في مكان من الأمكنة ما بلغ في أسوان؛ فقد استطاعت جماهير الناس أن تقتحم المدينة اقتحامًا، وتردَّ الجند ردًّا، وتحتفل برئيس الوزراء رغم الوزارة، وتنصر رئيس الوزراء على الوزارة، وتسجل للوزارة على نفسها يومًا مشهودًا، وتُثبِت للناس جميعًا أن الوزارة قد تنتصر على الوزارة، وأن الحكومة قد تنهزم أمام الحكومة، وأن الشعب أقوى وأعظم وأضخم وأنشط من أن يرده وزير الداخلية مهما تبلغ قوته وبأسه عن أن يُظهِر ما يُضْمِر من الحب، ويُكِنُّ من الإكبار والإجلال لرئيس الوزراء.

    وكذلك ألقى أهل أسوان أمسِ درسًا بليغًا في التواضع على الوزارة القائمة؛ فعلموها أن التواضع فضيلة بشرط ألا يتجاوز الحدَّ؛ فإن تجاوزه كان نقيصة ولم يعد على أهله إلا بالإخفاق والخذلان، وعلموها أن من الحق عليها ألا تسرف في المفاخرة بقوتها، ولا تغلو في ازدراء قوة الشعب؛ فالوزارة تعلم حق العلم أن الشعب يحبها ويفتن بها، وهي تريد أن تردَّ الشعب عن هذا الحب وعن هذه الفتنة، وتحمله على الاقتصاد فيهما، ولكن الشعوب لا تُصْرَفُ عن الحب بالقوة، ولا تُحْمَلُ على الاقتصاد في الإعجاب والإكبار كرهًا، وما يضرُّ الوزارة أن يظهر حب الناس لها وافتتانهم بها، وأن تقوم الأدلة الناصعة على أن الوفديين قوم يحلمون.

    لقد نَشَرَت الصحف أنباء زيارة الرجل الطيب لأسوان، وأنباء زيارة رئيس الوفد للمنصورة، فيا لها من أنباء! رئيس الوزراء يحفل به الناس رغم الوزارة، ورئيس الوفد يلتفت يمينًا وشمالًا وينظر إلى أمام وينظر إلى وراء فلا يجد من يستقبله حين يقبل، ولا يجد من يودعه حين يعود. والغريب أن بين الناس مَنْ يشك في أن الرجل الطيب قد قال الحق ونطق بالصواب، حين أعلن إلى الشعبيين يوم العيد أن وزارته كوزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام. يشكون في ذلك ويأبون تصديقه، ويتكلف رئيس الوفد فيضع حديث رئيس الوزراء موضع الشك والريب.

    وأَمْر رئيس الوفد غريب؛ فهو قد ظنَّ أن ما وقع في أسوان لرئيس الوزارة قد وقع له هو في المنصورة، وهو قد اعتقد أن ما حُشِدَ من الجند قد حُشِدَ في المنصورة لرد الناس عنه ورده هو عن الناس، وأن ما حفر من الخنادق قد حفر في المنصورة لأخذ الطريق عليه وعلى الذين يسعون لتحيته، وأن ما رُفِعَ من الجسور قد رُفِعَ في المنصورة لجعل النهر حائلًا بينه وبين قُصَّادِه ومُرِيدِيهِ، وأن هذه العصيَّ والسياط التي كانت تنهال على الرءوس والأبدان فتهشِّم العظام وتلهب الجلود، إنما كانت تنهال على أهل المنصورة؛ لتفرقهم عنه وتَحُول بينهم وبين الالتفاف حوله.

    ظن رئيس الوفد هذا فتحدث به إلى ثلاثة أو أربعة من النفر الذين لقوه في خطبة نشرت في الصباح وتنشر في المساء، ولو أن رئيس الوفد فكَّر وقدَّر وتنبَّه؛ لعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث له ولا لأصحابه، ولم يُدَبَّرْ له ولأصحابه، وإنما حدث هذا كله لرئيس الوزراء وعشَّاق رئيس الوزراء، ودُبِّرَ هذا كله للرجل الطيب والمفتونين بالرجل الطيب.

    وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة أمس فلم يجد في محطتها أحدًا، ولم يحفل به في شوارعها أحد، ثم ذهب إلى داره وهو يتحدث إلى الناس بأن أهل القاهرة قد خَفُّوا لاستقباله واحتفلوا بلقائه، وإنما رأى رئيس الوفد ما سيحدث غدًا حين يعود رئيس الوزراء إلى القاهرة؛ فينشط لاستقباله أهل القاهرة، ويحتفلون به احتفالًا يضطر الشرطة إلى إعمال العصي والسياط في الرءوس والأبدان.

    ولست أدري إلى أي حد كان ينتهي احتفال الناس برئيس الوزراء لو أن الجمعية العمومية لحزب الشعب اجتمعت يوم العيد وانتخبته رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا؛ إذن لزُلْزِلَت الأرض زلزالها، ولاحتفل الناس بالرجل الطيب احتفالات لا تنقضي: بعضها لأنه رجل طيب ومصر تحب الرجال الطيبين، وبعضها لأنه رئيس الوزراء ومصر تُكْبِرُ رؤساء الوزارات، وبعضها لأنه رئيس حزب الشعب ومصر تذوب في حب الرؤساء لحزب الشعب. ولكن الرجل الطيب رفق بالمصريين وعطف على مصر؛ فأرجأ اجتماع الجمعية العمومية، وأرجأ انتخابه رئيسًا لحزب الشعب؛ حتى لا تخرج مصر عن طورها، ولا تتجاوز في الاحتفال به حدود الرزانة والعقل والحكمة.

    والناس يتساءلون بعد ذلك عن سبب هذا الإرجاء؛ فقد ظهر هذا السبب فينبغي أن يبطل العجب. وهم يتساءلون عن الموعد الذي حدده الرجل الطيب لاجتماع الجمعية العمومية وانتخابه رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا، فيجيبهم بعض المجيبين بأن هذا قد يكون قبل عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يكون بعد عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يستكثر الرجل الطيب على نفسه رياسة حزب الشعب تواضعًا لله، وقد يستكثر الرجل الطيب نفسه على حزب الشعب ارتفاعًا عما لا يليق بالرجال الطيبين فلا تجتمع الجمعية العمومية، ولا ينتخب حزب الشعب لنفسه رئيسًا. وما حاجة حزب الشعب إلى رئيس؟ وإنما تحتاج الأحزاب إلى رؤساء حين تنتظر طول البقاء. ومهما يكن من شيء فقد طالت غيبة الرجل الطيب عن مدينة القاهرة، واشتد شوق القاهرة إلى رجلها الطيب؛ فليسرع الفلك في دورته، وليسرع القطار في عودته، ولتستقبل القاهرة رجلها الطيب غدًا سعيدة به، سعيدًا بها، ولتنقضِ هذه الغيبة التي مهما تقصر فهي طويلة.

    ومَنْ يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يصل إلى القاهرة قبل الأوان، لعل الناس أن يُفْتَنُوا به ويَهِيمُوا بحبه؛ فيخشى وزير الداخلية عليهم وعليه فيخطفه من بينهم خطفًا ويرده إلينا في قطار سريع، فلوزير الداخلية خطفة في كل شتاء، وأي الناس أحق أن يخطف من رئيس الوزراء؟!

  • موقعة

    موقعة

    رئيس وزرائنا مريض، نرجو أن يسرع إليه الشفاء، ولكن مرضه ليس مقصورًا عليه، بل هو يتجاوزه إلى الوزارة كلها التي لم تستطع أن تنشط، ولا أن تظهر أن لها حظًا من حياة قوية رغم ما أصابها من الوصل والترقيع، ويتجاوزه في رأي الأهرام على الأقل إلى البرلمان الذي يظهر بمظهر المريض المقعد. وقد قيل إن لمرض البرلمان، وهذا الشلل الذي جعله – كما تقول الأهرام – مقعدًا، مظاهر لا تخلو من عبرة وعظة. فهو يمهل حتى تكلف المراقبة لعمل السلطة التنفيذية، وهو يعجز عن مقاومة هذا الفتور الذي يصيبه ويملك أعضاءه كلهم أن ينهض بعمله التشريعي الخاص.

    زعموا أن الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرها البرلمان، ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان.

    فإن لم يكن هذا حقًا فلا تفسير له إلا إحدى اثنتين. فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

    وأنا أنكر هذا، وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور، لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان، ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل.

    وإما لأن مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء، فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمقعدين، فتقصر ذاكرتهم، ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث، وما هو بين أيديهم من المشكلات.

    وأكبر الظن إن صح هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة، وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنٍ بما فرط منه.

    ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقر أمس قانونًا ينظم تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم، وأقر هذا القانون في جلسة واحدة، بل في جزء يسير جدًا من جلسة واحدة، وأقره فيما يظهر فاترًا عنه، مزدريًا له، كما يقر أيسر الأمور وأقلها خطرًا، مع أن هذا القانون هو قوام حياة الجامعة، وقد عنيت به الجامعة منذ اليوم الأول من أيامها، وعنيت به الحكومات المختلفة التي تعاقبت منذ أنشئت الجامعة، وثارت فيه مشكلات بين الجامعة والحكومات، لأنه المقياس الصحيح الدقيق الذي يحدد موقف الجامعة المستقلة من الدولة التي تحب أن تسيطر على كل شيء من الشؤون العامة.

    أقر مجلس النواب هذا القانون كما أرادت الحكومة القائمة أن يكون، في غير مناقشة ذات بال.

    ومعنى هذا أن مجلس النواب لم يحفل بهذا القانون، إما لأنه لا يحفل بأمر الجامعة، ولا يقدره، ولا يراه خليقًا بالدرس والتفكير، وإنه مستيقن أن الدرس والتفكير لا خير فيهما ولا نتيجة لهما، لأن الحكومة تريد شيئًا فيجب أن يكون ما تريد، والبرلمان مكلف أن يجيز ما تريد الحكومة في غير مناقشة ولا حساب.

    وأكبر الظن أن مجلس النواب بريء من هاتين الخصلتين؛ فهو يحب الجامعة ويرعاها، ويتتبع أمورها بدقة لا تعدلها دقة، ويدرس شؤونها بعناية لا تشبهها عناية، ولكنه يثق كذلك بالحكومة ثقة ليس مثلها ثقة. وإذن ففيم المناقشة؟ وفيم المحاسبة؟ وفيم إضاعة الوقت في المناقشة والحساب؟

    والمجلس مطمئن إلى أن الحكومة معصومة من الخطأ، معصومة من أن تريد بالبلاد إلا الخير، تحب الجامعة كما يحبها، وترعى الجامعة كما يرعاها، وتفهم الجامعة كما يفهمها. وإذن فأي معنى للحساب العسير أو اليسير بين قوم يتفقون في كل شيء ولا يختلفون في شيء؟

    ويقول بعض الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا ظنوا فأساؤوا الظن، وأولوا فأساؤوا التأويل، إن مجلس النواب قد شغل بانتخاب الوكيلين فأنفق فيه نشاطه كله، ولم يحتفظ لجدول الأعمال إلا بنشاط فاتر جدًا، فمر هذا الجدول أمام المجلس كما مر شريط السينما أمام جماعة ليسوا بالمستيقظين ولا النائمين، ولكنهم في منزلة حلوة لذيذة بين هذا وذاك.

    ويقول هؤلاء الناس الذين يسرفون في سوء الظن وفساد الرأي وقبح التأويل إن مرض رئيس الوزراء قد أصاب البرلمان فجعل نشاطه محدودًا، ويقظته محدودة. فمن الحق على رئيسي المجلسين أن يلاحظا هذه الحال في وضع جدول الأعمال، فلا يسرفا في إطالة هذا الجدول، ولا يلحا في استنفاده كله إذا طال.

    ويقول هؤلاء الناس أيضًا إن الأهرام تحدثت بأن رغبة أملتها بعض الجهات إملاءً على الهيئة الشعبية البرلمانية في انتخاب الوكيلين. وكان كثير من أعضاء الهيئة الشعبية فيما يظهر يريد أن يرد هذه الرغبة على صاحبها، ولكن صاحب هذه الرغبة فيما يظهر أيضًا لا يحب أن ترد عليه رغباته، ولا يريد أن يتردد أحد، ولو كان من حزب الشعب، في إنفاذ هذه الرغبات كما تنفذ الأوامر التي لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عليها.

    ويقال إن أعضاء الهيئة الشعبية قد أنفقوا نشاطهم كله في المناقشة والجدال حول هذه الرغبة التي أذعنوا لها آخر الأمر، وضحوا في سبيلها بزعيم من زعمائهم هو الأستاذ وهيب دوس بك، ثم وصل الشعبيون إلى مجلس النواب متعبين مكدودين، فلم يستطيعوا أن يفرغوا لأمور الجامعة كما ينبغي، ولا سيما وقد كانت هذه الرغبة لا تكتفي بانتخاب الوكيلين من الحزبين، بل تريد أن يكون هذا الانتخاب في يوم معين هو أمس، وفي جلسة معينة هي جلسة أمس، وإن لم يكن هذا الانتخاب في جدول الأعمال، فقدم اقتراح وقبل وأنفذ، وأخذ المستقلون والمعارضون على غرة، وأخذت الجامعة على غرة أيضًا، فمر قانونها بسلام.

    ويقال إن الشعبيين الذين شغلوا بإكراههم على ما لم يكونوا يحبون، لم يفكروا في قانون الجامعة، ولن يفكروا فيه الآن، لأنهم عنه في شغل. أما الاتحاديون فقد سرهم أن يفوزوا بمنصب من منصبين، وسرهم أيضًا – بل سرهم بنوع خاص – أن يمر هذا القانون الاتحادي دون أن يحتاج وزير التقاليد أن يطيل عنه الدفاع.

    فمن يدري، لعله لو احتاج إلى ذلك لأثار حول الجامعة خصومة تشبه تلك الخصومة التي ثارت حول إعانة الأوبرا. ولمَ لا؟ إن إعانة الأوبرا وإنفاقها ونظام الأوبرا حق من حقوق السلطة التنفيذية في رأي وزير التقاليد، فلا ينبغي لمجلس النواب أن يعرض لها أو يدخل فيها. وكذلك أمر الجامعة؛ فتعيين الأساتذة والمدرسين وأعضاء هيئة التدريس وتأديبهم حق كذلك من حقوق السلطة التنفيذية.

    فلو قد ناقش أمس الأستاذ وهيب بك دوس لقيل له كما قيل له في قصة الأوبرا: هذا حق السلطة التنفيذية، فلا تعرض له ولا تخض فيه.

    ومن يدري، لعل الأستاذ وهيب دوس بك لم يكن يرضى هذا الجواب من وزير التقاليد، ولا سيما أمس وهو مغيظ محنق، وقد استقال من حزب الشعب مغاضبًا فيما يظهر على حزب الاتحاد، إذن لأثار الأستاذ في المجلس ثورة لا يعلم إلا اللّٰه إلى أين كانت تنتهي.

    وإذن فقد انتصرت الحكومة أمس في مجلس النواب انتصارًا لا فخر فيه ولا مجد، لأنه لم يحتج إلى دفاع ولا نضال، بل كان يسيرًا كجميع ما تناله الحكومة من ألوان النصر في البرلمان. وانتصر حزب الاتحاد انتصارين، ففاز بوكيل اتحادي، وأمضى قانونًا اتحاديًا. وأظهر حزب الشعب – إلا الأستاذ وهيب دوس بك – شيئًا من الجلد وضبط النفس، وانتظر فرصة أخرى لعلها تكون قريبة يظفر فيها بمنصب، ويمضي فيها قانونًا.

    وانجلت هذه المعركة الطويلة العنيفة عن وفاق ووئام وصلح وسلام بين الحزبين المؤتلفين. وأحصيت الخسائر فكانت يسيرة: خسر حزب الاتحاد أحد المنصبين، وخسر حزب الشعب أحدهما أيضًا، وخسر حزب الشعب فوق ذلك خسارة أخرى مشكوكًا فيها، وهي الأستاذ وهيب دوس بك، فقد يتوسل إليه في أن يسترد استقالته فيفعل.

    أما مصر فلم تخسر شيئًا يذكر، وإنما فرض عليها نظام للجامعة أقل ما يوصف به أنه يجعل الجامعة مدرسة من المدارس العادية. ويجب على مصر أن تحمد اللّٰه على أن لم تتجاوز خسارتها هذا الحد.

    كوكب الشرق ٢٢ – ٣ – ١٩٣٣

  • رئيس

    رئيس
    قيل[1] لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
    وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
    و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
    والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
    «عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
    وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
    كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
    فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
    نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
    وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
    وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
    وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
    نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
    والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
    [1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.

  • ثم

    ثم
    «نعم»، ثم كلمة تتردد في جميع الأفواه، وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير منذ خُتم لصدقي باشا، أو خُتمت أعمالُ «صدقي باشا»، أو خَتمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته السياسية مساء الخميس.
    فـ«صدقي باشا» رجل من رجال السياسة، قد فرغ من السياسة، وفرغ الناس منه، وفرغت السياسة منه أيضًا، ما في ذلك شك، وما إلى الريب في ذلك سبيل؛ إنما يُعنى الرجل بالسياسة ويقف عليها قواه وجهوده حين يكون قادرًا على إنفاق القوى وبذل الجهود، أو حين يكون مالكًا من هذه القوى والجهود لقليل أو كثير، وليس لـ«صدقي باشا» من هذا شيء يستطيع أن ينفقه في السياسة. ونحن نتمنى أن يمده الله من القوى والجهد بما يمكنه من العناية بنفسه والإبقاء على صحته واستقبال الحياة في شيء من الهدوء الظاهر؛ فقد يخيل إلينا أن هذه الأعوام الثلاثة التي أنفقها «صدقي باشا» في قهر أمته والبطش بها، وفي إذلال وطنه والقسوة عليه، قد حالت بينه وبين هدوء الضمير.
    ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي يصرف أعمال الدولة، وفي فمه مقياس الحرارة. وليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقضي في ديوانه إلا ساعتين أو أكثر منهما قليلًا، والذي لا يجد مع ذلك بدًّا من أن يتخلف عن هذا الديوان يومًا أو غير يوم في الأسبوع. ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يصل الحديث في شؤون السياسة مع رجل من رجال السياسة ساعة أو أقل من ساعة حتى يشعر بالضعف والإعياء، فيلغي المواعيد ويكف عن الحديث ويسرع إلى داره ليستريح.
    نعم، ليس «صدقي باشا» قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها لا في رئاسة الوزارة، ولا في زعامة الكثرة البرلمانية، ولا في الأندية الخاصة. وقد يخيل الأمل لـ«صدقي باشا» أنه يقدر من ذلك على بعض ما يقدر عليه الناس، وقد يخيل الوهم لفريق من أصفياء «صدقي باشا» أنه ما زال قادرًا على أن يكون رجلًا من رجال السياسة، وقد يندفع «صدقي باشا» مع هذا الأمل فيكلف نفسه بعض أعمال السياسة، وقد يدفعه أصفياؤه إلى هذا، وهو من غير شك حر فيما يريد لنفسه، وأصفياؤه من غير شك أحرار فيما يريدون لصاحبهم؛ ولكن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن «صدقي باشا» لن يُغني منذ اليوم في السياسة المصرية شيئًا.
    وليس المرض وحده هو الذي يُخرج «صدقي باشا» من ميدان الحياة السياسية، ولكن هذه السيرة التي سارها في أمته أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه النتائج المنكرة التي أنتجتها سيرته أثناء هذا العهد الطويل الثقيل، قد أقامت أمام «صدقي باشا» من العقبات والمصاعب ما لا يستطيع أقوى الناس، فضلًا عن أضعف الناس، أن يذلله أو يتغلب عليه.
    فـ«رئيس الوزراء» المستقيل رجل قد كُتب عليه البعد المحتوم، لا عن الوزارة، ولا عن الزعامة البرلمانية المجدية، بل عن الحياة العامة كلها. وما رأيك في زعيم برلماني لا يستطيع أن يخطب أنصاره وأولياءه — إن كان له أنصار وأولياء — أو يتحدث إليهم إلا دقائق لا تتجاوز الخمس، ثم هو بعد ذلك متعب مكدود؟ فكيف به إذا احتاج إلى الجدال والنضال؟ وكيف به إذا احتاج إلى التروية والتفكير؟ وكيف به إذا احتاج أن يقرع الحجة بالحجة، ويدفع الدليل بالدليل؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يظهر على الخصوم في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يقهر الوزارة في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يتحدث إلى الشعب ليحمله على مذهب من المذاهب، أو يصرفه عن رأي من الآراء؟
    كل ذلك شيء لا سبيل إليه؛ لأن صحة «صدقي باشا» تحول دونه، ولأن سياسة «صدقي باشا» تحول دونه؛ فليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يذكر الحرية في «البرلمان» أو خارج «البرلمان»، وهو الذي سجن الحرية فضيّق السجن وأطاله، ولو أن إلى قتل الحرية من سبيل لما تحرج من قتلها، ولكن الحرية فوق القتل وفوق الموت، وهي تعمل سجينة أكثر مما تعمل مطلقة. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن عزة الشعب، وقد عبث بها «صدقي باشا» أمام الأجنبي حتى ظهر ازدراء الأجنبي للمصريين، وطمع الأجنبي في المصريين، واستغلال الأجنبي للمصريين، وإذلال الأجنبي للمصريين. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الكرامة الوطنية، وقد جهد «صدقي باشا» ما استطاع، وأنفق «صدقي باشا» ما يملك وما لا يملك لينسي الناس كرامتهم الوطنية. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الاستقلال، وقد أصبح أمامه كلامًا لا معنى له، ولفظًا لا يدل على شيء، ولونًا من ألوان العبث، وفنًّا من فنون الجدل.
    فأما الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد؟ فأما المال، وما أدراك ما المال؟ فأما الأزمة، وما أدراك ما الأزمة؟ فلن يستطيع «صدقي باشا»، إن واتته الصحة والقوة، وأذعنت له البلاغة والبيان، أن يعرض لها، ولو قد فعل بعد أن حيل بينه وبين الحكم، وصُرفت عن تأييده الشرطة والجنود، وكف عن معونته أصدقاؤه المحايدون، نعم، لو قد فعل لصاحب به الملايين: لا تذكر الاقتصاد وقد أفسدته، ولا تذكر المال وقد أقللته، ولا تذكر الأزمة وقد تركتها تتحكم في الرقاب. نعم، ولو قد فعل لم يستطع إلا أن يضحك من نفسه، ولم يستطع إلا أن يضحك منه الأولياء والأصفياء. ومع ذلك فقد كان يقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان إن «صدقي باشا» رجل الاقتصاد، ورجل المال، وحلّال الأزمات.
    كل شيء يُبعد «صدقي باشا» عن السياسة، وكل شيء يفرض على رجال السياسة ألا يحسبوا لهذا القائد العظيم والزعيم البارع حسابًا منذ اليوم؟ فقد أراد الله — ولا مردَّ لما يريد الله — أن يُطوى سجلُ حياته منذ يوم الخميس. ولعل أصدق تصوير لموقف الرئيس المستقيل، أو للموقف الذي ينبغي أن يقفه الرئيس المستقيل، ما روته «المقطم» أمس من أنه سيعبر البحر في الشهر المقبل إلى حيث يريح ويستريح، إلى حيث لا يخطب ولا يكتب، إلى حيث لا يجول ولا يصول، إلى حيث لا يُعنى بالسياسة من قريب أو بعيد. وإذن فماذا يكون بعد أن انقضى هذا الليل الطويل بما فيه من أحلام وأوهام؟ وعمَّ تشرق الشمس بعد أن أفاق «صدقي باشا»، فإذا عظمته كلها هباء، وإذا سلطانه كله وهم باطل، وظلٌّ زائل، لم يُفِد صاحبه إلا فوائد عاجلة فانية، ولقيت مصر في زمنه شرَّ ما لقيت في هذا العصر الحديث.
    أما ما تريده الأمة بعد أن كُشف عنها هذا الضر، وجُليت عنها هذه الظلمة، وأُزيح عن صدرها هذا الكابوس الثقيل، فذاك شيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. فقد وثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة آمنة، فارتاعتْ؛ فيجب إذن أن يزول الروع، وأن يعود الأمن. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة غنية، فافتقرت؛ فيجب إذن أن يزول الفقر، وأن يعود الغنى. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة حرة، فقيدها وقهرها؛ فيجب إذن أن يزول التقييد والقهر، وأن تعود الحرية مطلقة مشرقة مبتسمة، مبسوطة الجناحين على المصريين جميعًا. و«صدقي باشا» لم يُسلِّط هذا الشر كله على مصر إلا لأنه غلب مصر على حقها، وحكم مصر على غير ما كانت تريد، وسخَّر مصر للأهواء على حين كان يجب أن يُسخَّر كل شيء لمصر؛ فيجب إذن أن تعود الحال إلى مثل ما كانت عليه قبل أن يعدو «صدقي باشا» على أمته، ويثب «صدقي باشا» إلى مناصب الحكم.
    لا ترضى الأمة بغير هذا، ولا تستقيم الأمور بغير هذا، ولا تعرف مصر راحة بغير هذا. فأما ما يُراد بمصر بعد أن انجلى ذلك الليل الطويل الثقيل، ليل «صدقي باشا»، فشيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. المنهزمون المخفقون يطيفون برئيسهم المنهزم المخفق، فيمثلون قصة «الحزب السياسي» الذي يطمع في أن تكون له كلمة مسموعة، أو رأي يُلتفت إليه، وهذا أسخف ما يقع في مصر الآن، وأقل ما يستحق العناية من المصريين.
    والمستوزرون الطامعون يلتقون سرًّا وجهرًا، ويدبرون أمرهم بينهم، ويصطنعون ضروبًا من التشكيلات والتلفيقات، يضيفون رئاسة الوزارة إلى اتحادي مرة، وإلى مستقل مرة أخرى، ويلفقون حول هذا الرئيس طائفة من الأسماء والأشخاص، تجمعهم الأهواء والميول، ثم ينتظرون ما سيجري به القضاء، وقد يدفعهم الأمل الكاذب إلى أن يجدوا في توجيه القضاء كما يريدون. ولا يتحدث أحد عن هذه الضحية البريئة التي ذاقت ألوان العذاب أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يفكر في رفع العذاب عنها، أو رد الحرية إليها، أو استمداد القوة منها.
    منهزمون مخفقون يريدون في غير غناء أن يُخفوا الهزيمة والإخفاق، ومستوزرون طامعون يريدون في غير حياء أن يثبوا إلى الحكم وثوبًا، والأمة تنظر إلى أولئك متهكمة، وإلى هؤلاء متحدية، وتثق بأن الذين لم يعتبروا بهزيمة المنهزمين وإخفاق المخفقين، ولم يتحرجوا من أن يفكروا في انتهاج ما كان لهم من نهج، وسلوك ما اتخذوا من سبيل، سيلقون مثل ما لقي أصحابهم من قسوة الظروف، وتنكر الأيام، وسخرية القضاء، وسيصبحون كما أصبح أصحابهم منهزمين مخفقين، يريدون في غير غناء أن يستروا الهزيمة ويخفوا الإخفاق.
    كلا، ليس الأمر ستر هزيمة وإخفاق، وليس الأمر وثوبًا إلى الحكم واستئثارًا بالسلطان، وإنما الأمر الذي تفرضه الظروف الآن فرضًا قاسيًا، وستفرضه غدًا فرضًا أشد قسوة وعنفًا، هو أن يندم المنهزمون المخفقون على ما جنوا على أمتهم وأنفسهم من السيئات، وأن يخلص المستوزرون الطامعون من كواذب الأماني ودوافع الطمع، وأن يعلم أولئك وهؤلاء أن حياة الأفراد أقصر وأضيق وأهون من أن تحتمل الجناية على الشعوب، والإساءة إلى الأمة، والاستئثار بالحق دون أصحاب الحق.
    فاللهم اهدِ الطامعين والمترددين إلى أن يفهموا الواجب، ويشعروا شعورًا قويًّا أن المصير الذي آل إليه «صدقي باشا» ليس شيئًا يُطمع فيه رجل له قلب أو عقل يُحسنان الإحساس والتفكير.
    [1] كوكب الشرق في ٢٣-٩-١٩٣٣.