Tag: الديمقراطية البرلمانية

  • أزمة …! | A Crisis…!

    أزمة …!
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٤ سبتمبر ١٩٥٥

    يستطيع القارئ أن يتصور أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن، قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق؛ لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عُرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن البرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرِّق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلِّي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء، ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار!

    هذه هي التي نشهدها في فرنسا، كانت جمهوريتها الرابعة، ومنذ عَظُم الشر بينها وبين أقطار من الأرض قضى عليها نظام الاستعمار أن تخضع لسلطانها. ولست أعرف في تاريخ الحياة السياسية أثناء هذا القرن العشرين أزمة تُشبهها فيما تحمل من هذه المتناقضات التي تُغري بالضحك أحيانًا، وتُغري بالحزن العميق أحيانًا أخرى، وتثير من العِبَر والعظات ما ينفع الدارسين لها والمفكِّرين فيها على كل حال.

    وكان الفرنسيون وغير الفرنسيين يعيبون الجمهورية الفرنسية الثالثة بأنها لم تكُن تحب الاستقرار في شئون الحكم، وإنما كانت تلعب بالوزارات؛ توليها في الصباح وتُقِيلُها في المساء، ولا تحب بحال من الأحوال أن تطول أعمارها مهما يكن رؤساؤها وأعضاؤها. ولكن الجمهورية الرابعة فيما يظهر تريد أن تكون أكثر لعبًا بشئون الحكم وأكثر استخفافًا بأعبائه، مهما تثقل من تلك الجمهورية الثالثة التي قضت عليها الحرب العالمية الأخيرة.

    فالوزارات الفرنسية منذ صدر الدستور الأخير لا تكاد تنهض بأعباء الحكم حتى تُعفى من النهوض بها، ولا تكاد تأخذ في عمل من الأعمال حتى تُصرف عن المضي فيه صرفًا، بل هي قد تبقى في الحكم ولكنها لا تُمكن من إمضائه، وقد تملك السلطان ولكنها تمنع من إنفاذه.

    وقد نشأ عن هذا ما لم يحدث في الجمهورية الثالثة من انتشار الأمر واضطراب النظام واختلال التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى حَدٍّ خطير، حقًّا أضاع أو كاد يضيع ما ينبغي للحاكمين من الهيبة التي تجعل قراراتهم نافذة وأوامرهم محترمة وسلطانهم فوق اعتراض المعترِضين وخلاف المخالفين.

    ومصدر ذلك فيما يظهر كثرةُ الأحزاب السياسية وتناقض المنافع بين هذه الأحزاب، وتزاحُم السياسيين على أمور الحكم، وإقامة السياسة على الكيد للوزراء والمكر بهم، وانتهاز الفرص لإسقاطهم، وإقامة غيرهم ريثما تنتهز فرصة أخرى ليتجدد الكيد لهم أو المكر بهم والجِد في إسقاطهم.

    ولم يظهر هذا الاضطراب المنكَر منذ قامت الجمهورية الرابعة كما ظهر في هذه الأيام حين اشتدت الأزمة بين فرنسا وبين شمال أفريقيا، وحين كانت هذه الأحداث العظام التي روع العالم كله لها ترويعًا.

    وما أريد اليوم أن أتحدث عمَّا يحدث في الجزائر أو في مراكش من الأحداث على نُكرها وبشاعتها، وإنما أريد أن أصور هذه الأزمة التي تشقى بها الديمقراطية في فرنسا ليُنكر فيها من يُنكر، وليعتبر بها من يعتبر، وليكون فيها درس نافع للذين يُعْنَوْنَ بسياسة الشعوب وإقامة الحياة الديمقراطية فيها على أساس متين.

    ولينظر القارئ قبل كل شيء إلى الحقائق الواقعة، فهي وحدها تغني عن كل شيء وعن كل تفسير. في ذات يوم من الأيام تبيَّن للوزارة الفرنسية القائمة أن الأمور في مراكش متعثِّرة، وأن الثورة بالسلطان الفرنسي فيها يزداد خطرها من يوم إلى يوم، وأن ما أُتيح لتونس من هذه الحرية الضئيلة المنقوصة المشوَّهة قد أغرى الساخطين في مراكش والجزائر بأن يطمعوا في أن تتغير أحوالهم، وأن يخلصوا من الحكم الأجنبي المباشر على نحو من الأنحاء؛ فاشتد الاضطراب في المغرب الأقصى، ونظمت الثورة في الجزائر تنظيمًا مخيفًا.

    وقررت الحكومة الفرنسية أن تلتمس مخرجًا من هذا الضيق، وأن تحاول إرضاء المراكشيين؛ فأقالت المقيم العام ووضعت مكانه رجلًا آخر عُرف فيما يظهر بالحزم والمرونة ونفوذ البصيرة وشدة الذكاء، وكلفته أن يُداخل المراكشيين على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، وأن يعلم علمهم ويقترح على الحكومة ما يرى أنه يخرجها من هذا المأزق، ويقيم الصلة بينها وبين مراكش على أسس أقوم وأمتن من الأسس التي قامت عليها الحماية إلى الآن. ولم يَكَدْ هذا المقيم العام يصل إلى مراكش ويحاول أن يتصل بأهلها حتى اضطرب فيها كل شيء.

    ثار الأوروبيون لأنهم أحسُّوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأشفقوا على ما في أيديهم من المنافع الضخمة أن يصيبها بعض ما يكرهون. وثار المراكشيون لأنهم أحسوا أن تغييرًا يُراد إحداثه، وأنه قد يُتيح لهم أن يخرجوا من هذه الظلمة التي هم فيها إلى شيء من النور. وجعل الفرنسيون المستعمِرون في مراكش ينتهزون الفرص ويخلقونها ليبطشوا بالمراكشيين ويدفعوهم إلى الغضب لكرامتهم وحرماتهم وحقوقهم. وجعل المقيم العام لا يزور مدينة من المدن أو لا يُلِمُّ بحي من الأحياء إلا إذا وقع الاضطراب وعظم النكر واقتُرفت الآثام وقُتل الأبرياء ونُكِّلَ بالعُزل الوادعين. كل ذلك لتشعر الحكومة المركزية في باريس بأن المستعمِرين الفرنسيين في مراكش ساخطون على هذا المقيم العام الجديد، منكرون لكل تغيير يمَس منافعهم من قريب أو بعيد، مستعدون لمقاومة هذا التغيير مهما تكن الظروف.

    ونظرت الحكومة المركزية فإذا هي أمام ثورتين في مراكش: إحداهما ثورة فرنسية خالصة تريد أن تُبقي الحماية في مراكش وأن يُحكم المراكشيون على غير ما يحبون مهما تكن النتائج ومهما ينشأ عن ذلك من الأخطار، والأخرى ثورة مراكشية تريد أن ترد الحقوق إلى أهلها وأن يَحكم أهل البلاد أنفسهم كما يريدون هم لا كما يريد الأجانب المستعمرون.

    وكان أغرب ما في الأمر أن أصحاب المنافع من الفرنسيين المقيمين في باريس وأعوانهم من الساسة وأعضاء البرلمان كانوا يشجعون الثائرين من الفرنسيين بالقول والعمل وبالإغراء سرًّا وجهرًا، ويُلِحُّونَ على الحكومة في أن تعزل المقيم العام الجديد، وأن تحافظ على مركز فرنسا في مراكش وتقويه، وتأخذ المراكشيين بالعنف حتى تستقيم قناتهم مهما كلَّفها ذلك من الجهد ومهما ينشأ عنه من إزهاق النفوس وإراقة الدماء والتنكيل بالأبرياء.

    ومضى المقيم العام في تنفيذ السياسة التي رُسمت له، وحاولت الحكومة المركزية أن تثبُت للثائرين بها والساخطين عليها، ولكن ثباتها لم يتصل؛ لأنها أحست أن كثرتها البرلمانية توشك أن تتخلى عنها، ولأن رئيسها أَحَسَّ أن بعض زملائه من الوزراء يوشكون أن يتخلوا عنه نزولًا على رأي أحزابهم. فاضطرت الحكومة إلى أن تخطو هذه الخطوة المنكَرة التي أسقطت هيبتها وأطمعت فيها الثائرين والساخطين؛ فعزلت المقيم العام وأرسلت مكانه رجلًا آخر، ولكنها في الوقت نفسه قررت أن تعالج المشكلة، وأن تلتمس لها حلًّا، وأن تتصل اتصالًا مباشرًا بالساسة من أهل مراكش لتسمع منهم وتعلم علمهم وتقيم سياستها على ما يتكشف لها من الحقائق الواقعة. والغريب أنها أشفقت من أن تعالج هذه المشكلة أثناء اجتماع البرلمان، فانتظرت حتى انتهت الدورة البرلمانية، وظَنَّ رئيسها أنه يستطيع — في حدود ما للسلطة التنفيذية من حق — أن يعالج المشكلة ويحلها ويتقدم بعد ذلك إلى البرلمان في أول الدورة المقبلة. لكنه لم يلبث أن تبين أنه كان مسرفًا في التفاؤل؛ فأعضاء البرلمان متفرِّقون في إجازة الصيف، ولكن الهيئات الإدارية للأحزاب مستقرَّة في باريس ترقُب الحكومة من كَثَب، وتسجل عليها كل ما تأتي من الأمر، ولا تتردد في أن تنبهها إلى ما تحب وتحذِّرها مما تكره، وتنذرها بالتخلي عنها إن خالفت عن أمرها. وكذلك تفرَّق البرلمان، ولكن الأحزاب أو هيئاتها الإدارية قامت مقام البرلمان وأرهقت الحكومة من أمرها عسرًا.

    ومع ذلك فقد مضى رئيس الوزارة في سياسته، وألَّف من وزارته لجنة خاصة اتصلت بالمراكشيين على اختلاف نزعاتهم، فقالت لهم وسمعت منهم، واتفقت معهم آخر الأمر على أن يُقصَى السلطان القائم على العرش ويُنقل السلطان المنفي إلى فرنسا، ويُنشأ مجلس للوصاية على العرش، وتؤلَّف حكومة تمثل الشعب المراكشي وتفاوض الحكومة الفرنسية في أمر النظام الجديد. واتفقت معهم كذلك على أن تُعرض كل هذه القرارات على السلطان المنفي؛ فليس من سبيل إلى إحداث أي إصلاح يقبله المراكشيون إلا إذا أَقَرَّهُ السلطان المنفي؛ لأن المراكشيين لا يؤمنون إلا له ولا يثقون إلا به ولا يصدرون إلا عن أمره وتوجيهه. ولكن الأحزاب ما زالت واقفة بالمرصاد ترقُب عمل الحكومة، فتعرف منه ما تعرف وتُنكر منه ما تُنكر، وتسخط على أكثره وترضى عن أقله، والوزراء الممثلون لهذه الأحزاب في الحكومة خاضعون لأمرها يرضَوْن إن رضيت ويسخطون إن سخطت.

    والحكومة تقدم رِجْلًا وتؤخِّر أخرى، وتُقدم مُصبِحة لتُحجم مُمسِية، وهي على كل حال تحاول أن تُتِمَّ ما بدأت، فتُذعن لما ليس بُدٌّ من الإذعان له، وترسل بعثة فرنسية لتفاوض السلطان الذي أنزلته فرنسا عن العرش ونفته إلى أقصى الأرض. وتذهب هذه البعثة فتفاوض السلطان وتعود راضية تحمل موافقة السلطان على كل ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة وبين الساسة المراكشيين، وتحمل من السلطان وعدًا مؤكَّدًا بأنه لن يفعل ما يعرقل السياسة الفرنسية، وأنه لن يترك فرنسا إذا نُقل إليها إلا بإذن من الحكومة الفرنسية؛ فقد استقام كل شيء، إذن لم يبق إلا تنفيذ ما تَمَّ عليه الاتفاق، وكل شيء يدل على أن الأمر قد بلغ غايته.

    ويجتمع مجلس الوزراء برياسة رئيس الجمهورية، ويقرِّر تنفيذ ما تم عليه الاتفاق، وإذن فسيُقصى السلطان القائم عن العرش وسيقيم في طنجة، وسيُنقل السلطان الشرعي من منفاه البعيد إلى فرنسا ليقيم فيها موفورًا. وسينشأ مجلس الوصاية وتؤلَّف حكومة المفاوضات. وهذا رئيس الجمهورية يكتب كتابًا إلى السلطان القائم، يُذكِّره فيه بالمصلحة العليا لمراكش، وبأن هذه المصلحة تقتضي أن يترك العرش وألَّا يعود إليه السلطان المنفي. ورئيس الجمهورية يكفل للسلطان القائم الأمنَ على نفسه وعلى أنصاره. وقد أرسل الكتاب إلى المقيم العام ليُبلغه للسلطان أولًا، وليتخذ ما يجب من إجراء لتنفيذ القرارات التي اتُّفق عليها ثانيًا. ولكن الأحزاب ما زالت قائمة بالمرصاد ترقُب الحكومة من كثَب، وتصدر الأمر إلى وزرائها، وتُنذِر وتُحذِّر وتُبرِق وتُرعِد.

    وقد كان الفرنسيون مطمئنين إلى أن المشكلة المراكشية ستُحل متى وصل كتاب رئيس الجمهورية إلى المقيم العام، ولكن الكتاب يصل فيتلقاه المقيم العام، ثم لا يبلغه إلى السلطان وإنما يبقيه عنده؛ لأنه تلقى أمرًا من غير رئيس الوزراء ومن غير رئيس الجمهورية بأن يحتفظ بالكتاب.

    تلقى هذا الأمر من وزير الخارجية، فكيف خالف وزير الخارجية عن أمر رئيس الجمهورية وعن أمر رئيس الوزراء وعن قرار مجلس الوزراء مجتمعًا؟! هذه هي المسألة ولها جوابان: أحدهما ظاهر رسمي، وهو أن وزير الخارجية لم يشارك في إنشاء هذا الكتاب ولم يقرأ نصه قبل إرساله، والآخر خفي وإن لهجت به الصحف، وهو أن الحزب الذي ينتمي إليه وزير الخارجية ليس راضيًا عن هذا الكتاب ولا عن عزل السلطان القائم ولا عن إحداث تغيير في النظام الذي تخضع له مراكش. وقد أُرسل كتاب رئيس الجمهورية منذ ستة أيام، وأنا أُملي هذا الحديث في السابع عشر من هذا الشهر، والكتاب نائم عند المقيم العام، والوزارة الفرنسية حائرة لا تدري أتُقدِم أم تُحجِم الصحف الفرنسية مضطربة بين السُّخط والرضى وبين الرجاء واليأس. والشعب الفرنسي مشغول بأمرين خطيرين أحدهما لا صلة بينه وبين مراكش، وهو الإضراب الذي ينتشر في مدن فرنسا كلها لأن العمال يطالبون برفع الأجور، والآخر يتصل بمراكش والجزائر جميعًا لأن الحكومة محتاجة إلى إقرار النظام في هذين القُطرين بعد ما كان فيهما من اضطراب خطير لم ينقضِ بعدُ. وهي من أجل ذلك في حاجة إلى مزيد من الجند؛ فليس لها بُدٌّ إذن من أن تستبقي الشباب الذين أتموا الخدمة العسكرية وآن لهم أن يعودوا إلى أنفسهم وإلى أهلهم وإلى منافعهم، ليس لها بُدٌّ من أن تستبقيهم تحت العَلَم كما يُقال، وليس لها بُدٌّ كذلك من أن تدعو فريقًا من الشباب الذين أتموا خدمتهم العسكرية وعادوا إلى أهلهم واستقبلوا حياتهم المدنية، ليس لها بُدٌّ من أن تدعوا فريقًا من هؤلاء إلى استئناف خدمتهم العسكرية من جديد؛ لأن القوة النظامية لا تكفي لمواجهة الأخطار التي يتعرض لها الأمن والنظام في هذين القطرين. وهنا يسخط هؤلاء الشباب ويحاول بعضهم العصيان جَهرة، وتسخط أُسَرُ هؤلاء الشباب، وتسخط طائفة غير قليلة من الصحف، وتحتج لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية لأنها لم تُستشرْ قبل دعوة هؤلاء الشباب إلى الجندية من جديد.

    ويستطع القارئ أن يتصور بعد ذلك أزمة الديمقراطية الفرنسية كما هي الآن قبل أن تُستأنف الدورة البرلمانية بوقت قصير، سلطة تنفيذية لا تملك ما ينبغي لها من القوة، وما يخولها الدستور من الحق لتحل مشكلة خطيرة من أشد المشكلات التي عرضت للجمهورية الرابعة، لا لأن للبرلمان يمنعها من ذلك — فالبرلمان متفرق الآن — بل لأن الأحزاب تهددها بالتخلي عنها يوم الحساب، ولأن الوزراء الذين ينتمون لهذه الأحزاب لا يخضعون لقرارات مجلس الوزراء ولا يحفلون بالتضامن الوزاري ولا يستقيلون من مناصبهم، ولأن أصحاب المنافع المالية الضخمة في شمال أفريقيا هم الذين يدبرون الأمر من وراء ستار. وليس أبلغ في تصوير هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا من كلمة قالها وزير الخارجية السابق الذي عزل السلطان المنفي، قالها في الصباح فشلَّ الحكومة في المساء لأنه أراد أن يشلها، وهذه الكلمة هي: «لقد أعطينا المراكشيين أكثر مما كانوا يطلبون وأطمعناهم في أنفسنا.» وأنا أقول هذا في الصباح حتى لا تتم الحكومة ما أزمعت في المساء، ولم يُقبِل المساء حتى عجزت الحكومة عن إتمام ما أزمعت عليه لا لشيء إلا لأنها تخشى أن يتخلَّى عنها حزب وزير الخارجية السابق فتفقد كثرتها وتفقد الحكم. وأغرب من هذا كله أن الكثرة البرلمانية الحقة في فرنسا وفي الجمعية الوطنية خاصة تريد مصمِّمة أن تحل المشكلة في مراكش على ما يُحب المراكشيون. ولكن هذه الكثرة مُقْصَاةٌ عن الحكم؛ لأنها لا تتم ولا تستطيع أن تحكم إلا إذا انضم إليها اليساريون من الاشتراكيين والشيوعيين، وهؤلاء قد أُبعِدوا عن الحكم منذ سنين. ونشأ عن ذلك أن تعتمد الحكومات الفرنسية على كثرة مرقَّعة تأتلف من أحزاب كثيرة. ويجب أن تشترك هذه الأحزاب الكثيرة في الوزارة، وأن تلائم الوزارة بين أهواء هذه الأحزاب على اختلافها، فإن قصَّرت في شيء من ذلك فقدت مناصبها. وكذلك تصبح الديمقراطية وسيلة لا غاية، وتصبح الحياة الحزبية هي الغاية، وتصبح الأهواء الحزبية هي المسيطرة على شئون الحكم تصرفها كما تشاء، وتصبح السلطة التنفيذية أشبه شيء بالرقيق الذي لا يملكه سيد واحد وإنما يشترك في ملكه سادة مختلفون. والحمد لله على أن في الأرض بلادًا أخرى يقوم فيها الحكم على النظام الديمقراطي ولا يتعرض لشيء من هذا الشر؛ لأنه لا يخضع لتحكُّم الأحزاب وإنما يخضع لمصلحة الشعوب.

    أما أنا فلست أُخفي على القارئ أني منذ جعلت أتتبع هذه الأزمة الديمقراطية في فرنسا قد غيَّرت ذلك البيت المشهور الذي قاله أبو الطيب في مصر منذ عشرة قرون ووضعت اسم فرنسا مكان مصر، فأصبح البيت:
    وكم بفرنسا من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

  • معلّق | Suspended

    معلّق
    رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
    كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣

  • يومان! | Two Days!

    يومان!

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ أغسطس ١٩٢٤

    يومان؛ هما: يوم ١٢ يناير في مصر، ويوم ١١ مايو في فرنسا. وهما متشابهان تشابهًا شديدًا من وجوه كثيرة: هما قبل كل شيء يومان انتخابيان، انتُخِبَ في أحدهما مجلس النوَّاب المصري، وانتُخِبَ في الآخر مجلس النوَّاب الفرنسي. وهما متشابهان من وجه آخر؛ فقد كانا متأثرين تأثرًا شديدًا بهذه العاصفة الاجتماعية التي تعصف بالعالم الحديث منذ حين، والتي أخذ العالم الحديث يضطرب لها بلدًا فبلدًا حتى انتصرت أو كادت تنتصر.

    وإذا أردنا أن نميِّز هذه العاصفة تمييزًا صحيحًا، فأول وصف نستطيع أن نصفها به، هو أنها ترمي إلى شيءٍ واحد في جميع البلاد التي تمر بها، وهو تغيير الطبقات المشرفة على نظام الحكم إن لم يكن هدم النظام كله.

    وفي الحق أن هذه العاصفة الاجتماعية السياسية قد هدمت نظام الحكم في بلاد كثيرة، وعجزت عن هدمه في بلاد أخرى، فاكتفت بنقله من طبقة إلى طبقة. هدمته في روسيا وفي ألمانيا، وعجزت عن هدمه في إنجلترا، فأقرت العمال مكان الأحرار والمحافظين، وعجزت عن هدمه في فرنسا، فأقرت أحزاب الشمال مكان أحزاب الوسط. وتستطيع أن تقول إنها هدمت النظام في مصر، فأقرت الحكم الديمقراطي مكان الحكم الأوتوقراطي، كما تستطيع أن تقول إنها عجزت عن هدم النظام في مصر (لأن صورة الحكومة المصرية لم تتغير تغيرًا تامًّا)، ولكنها نقلت الحكم من طبقة هي التي كانت تختلف على مناصب الوزراء قبل يوم ٢٢ يناير إلى طبقة أخرى هي التي تألَّف منها مجلس النواب يوم ١٢ يناير، وهي التي لم يكن أحد من كثرتها المطلقة يحلم قبل الدستور بالوصول إلى مناصب الوزراء.

    مهما يكن من شيء، فإن هذه العاصفة الاجتماعية قد نقلت الحكم في جميع البلاد التي مرَّت بها من طبقة إلى طبقة، ومن فريق إلى فريق. وليس من غرضي في هذا الفصل أن أقدم إليك بحثًا اجتماعيًّا، أقارن فيه بين مظاهر هذه العاصفة في البلاد المختلفة التي مرت بها، فقد لا تتسع جريدة يومية لمثل هذا البحث، وإنما أذن الله لي بعد أن رأيت أعراض هذه العاصفة في مصر منذ انتُخِبَ البرلمان أن أرى أعراضها في فرنسا أثناء هذا الصيف. ورأيت بين هذه الأعراض في البلدين شيئًا من التشابه يدعو إلى التفكير، وعن هذا التشابه أريد أن أحدِّثك.

    أريد أن أحدِّثك وأريد في الوقت نفسه ألا أغضب أحدًا؛ فليس من الخير في هذه الأيام أن يُغضب الكاتب أحدًا ولا سيما إذا كان هذا (الأحد) من الذين أُتيح لهم الإشراف على الأمور العامة والقبض على ناصية الأحكام.

    وإذا كان الكتَّاب الفرنسيون لا يحفلون بإغضاب سادة اليوم، ولا يشفقون من سخط مجلس النوَّاب الفرنسي، فإن الفرق بين فرنسا ومصر لا يزال عظيمًا؛ لأن فرنسا قد تعودت الحرية والحياة الدستورية، فلا بدَّ من أن ينالها شيءٌ من الفساد عظيم قبل أن يشفق كتَّاب الوسط واليمين من غضب أحزاب الشمال. أمَّا مصر فعهدها بالحرية حديث، وعهدها بالحياة الدستورية أحدث، ومن هنا كان على كتَّاب الشمال في مصر أن يحتاطوا لأنفسهم من حزب اليمين وألا يكتبوا إلا في حذر وأناة.

    أول ما تشهد من وجوه الشبه بين يومَيْ ١٢ يناير و١١ مايو، أن الأحزاب التي فازت في هذين اليومين إنما فازت بالإسراف في الوعود إلى غير حد، وبالإسراف في النقد إلى غير حد أيضًا؛ حتى بهرت الجمهور وخلبت عقله، وأنسته نفسه وأنسته الحقائق الواقعة، وفتحت أمامه أبوابًا من الأمل الذي لا يكاد يُوصَف ولا يُصدَّق في الحياة العادية. وكانت هذه الجماهير قد سئمت الحكام الذين تعودتهم وكرهت طرائق حكمهم، ونقمت منهم محنًا لا يد لهم فيها ولا سلطان لهم عليهم؛ فما أسرع ما مالت إلى أن تتخلص من هؤلاء الحكَّام! وما أسرع ما نقلت الحكم إلى هؤلاء المسرفين في النقد من جهة وفي الوعد من جهة أخرى!

    وفي الحق أنها لم تنقل إليهم الحكم عن اقتناع ويقين في جميع الأحوال، وإنما كان البسطاء مقتنعين موقنين بحكم أنهم بسطاء، وكان غير هؤلاء لا مقتنعين ولا موقنين، وإنما كانوا يريدون أن يتخلصوا من هذه الحكومات التي ملُّوها، ومن هذه الطرائق الحكومية التي سئموها؛ فمشوا مع غيرهم، وصوتوا لهذه الأحزاب المنتصرة، على نحو ما فعل ذلك الفلاح اللاتيني حين اجتمعت جماعة الشعب لتنفي أحد الزعيمين المتنافسين «أرستيد» و«تميستوكل».

    كان أرسيتد أعدل الرجلين وأشدهما استقامة، وأحرصهما على الخلق والشرف، وكان اللاتينيون يحبونه ويكلفون به، ولكنهم كانوا يكرهون حكمه؛ لأنه لم يكن ماهرًا في تملق الجمهور.

    وبينما كانت جماعة الشعب تقترع على من يُنفَى من الزعيمين أقبل هذا الفلاح على أرستيد وهو يجهله، ودفع إليه قطعة من الخزف، وطلب إليه أن يكتب عليها اسم أرستيد، فسأله أرستيد: ولِمَ تريد أن تنفي هذا الرجل؟! وماذا تنقم منه؟! أجاب الفلاح: لا أنقم منه إلا أني سئمت وصفه بالعدل! …

    كذلك صوَّت كثير من الناس لسادة اليوم في مصر وفي فرنسا يوم ١٢ يناير و١١ مايو، وتم الفوز لأولئك وهؤلاء هنا وهناك، وأخذت الجماهير تنتظر من سادة اليوم هنا وهناك تنفيذ هذه الوعود الخلابة، وتحقيق هذه الآمال البراقة. ويظهر أنها ستنتظر كثيرًا هنا وهناك؛ ذلك لأن الوعد شيء والوفاء شيء آخر، ولأن الرجل الشريف وحده هو الذي لا يَعِد إلا إذا استوثق من أنه قادر على الوفاء، ولأن النظم الانتخابية والجهاد الانتخابي — ولا سيما في رأي بعض الأحزاب — تعفي المجاهدين في الانتخاب من أن يقيسوا وعودهم بمقدرتهم على الوفاء.

    ولم تفكر الأحزاب المنتصرة في مصر وفي فرنسا يومًا من الأيام قبل الانتخاب في أنها قد تعرض للحياة العملية، وفي أن من الحق عليها أن تقتصد في الوعد حتى لا تسيء إلى نفسها بعد الفوز من جهة، وحتى لا تسيء إلى الأمة فتفسد عقولها وتخلط لها بين الممكن وغير الممكن من جهة أخرى. فلما وصلت إلى الحكم وأخذت تعالج الحياة العملية سلكت سبلًا مضحكة إذا نظرت إليها غير متأثر بالعواطف الوطنية ولا بالمنافع الوطنية، ولكنها مؤلمة إذا نظرت إليها متأثرًا بحب وطنك والحرص على منفعته. سلكت سبل الأحزاب التي سبقتها في الحكم، ولكنها لم تستطع أن تعلن عجزها عن أن تسلك سبلًا أخرى، فكانت سيرتها في حقيقة الأمر سيرة الذين سبقوها، ولكنها تتحدث لغة غير لغتهم، وتتبجح بما لم يكن أولئك يتبجحون به؛ لأن أولئك كانوا متواضعين منصفين لأنفسهم وللناس، ولأن هؤلاء لا يعرفون التواضع، وإنما هم يخدعون الناس ويخدعون أنفسهم، ولعلهم يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا غيرهم. هذا في المسائل الجوهرية، فلعلك تذكر أن سادة اليوم في مصر ينفذون التعويضات والتضمينات وتصريح ٢٨ فبراير.

    ولعلك تذكر أن سادة اليوم دافعوا عن قانون الاجتماعات، وجزعوا حين همت الهيئة البرلمانية بإلغائه، ولكنهم مع ذلك يصفون أصحاب تصريح ٢٨ فبراير بما يصفونهم به، ويصفون أصحاب التعويضات والتضمينات بما يصفونهم به، ولعلك تعلم أن سادة اليوم في فرنسا يسلكون في السياسة الخارجية نفس السبل التي كان يسلكها من سبقهم، ويناقضون في مسلكهم هذا مذاهبهم السياسية والاجتماعية. فليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن ينزل عن شيء من حقوق فرنسا في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن يسلِّم بالجلاء عن الرور قبل أن تضمن فرنسا حقها في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية أن يهمل في تنفيذ نص من نصوص معاهدة فرساي.

    وكم صاحت أحزاب الشمال! وكم نقصت أحزاب الشمال! وكم سخطت أحزاب الشمال على معاهدة فرساي وسياسة الذين أشرفوا على تنفيذها! هذا من جهة.

    ولكن هناك جهة أخرى عملية وضعية — إن صح هذا التعبير — يتشابه فيها سادة اليوم في مصر وسادة اليوم في فرنسا، هذه الجهة هي السياسة الداخلية.

    فسيرة الحزبين في البلدين واحدة، لا يفرق بينها إلا أنها تمتاز بشيء من الظُّرف في فرنسا قد لا تتصف به في مصر. كلا الحزبين يعبث بالوظائف العامة وبالموظفين، فيؤثر من والاه قبل الانتخاب على من خاصمه أو لزم الحيدة.

    ومن اللذيذ أن تقرأ في فرنسا حركة نقل المديرين والمحافظين وإحالة بعضهم إلى المعاش، وتقارن بينها وبين الحركة التي سبقتها في مصر. وكلا الحزبين يفتح تكايا يؤوي إليها أنصاره وأولياءه، لا ينظر في ذلك إلى مقدرتهم وكفاءتهم وحاجة الأمة إليهم، وإنما ينظر في ذلك إلى شيءٍ واحد؛ هو أنهم أولياؤه وأنصاره، وأنهم جدُّوا في الحركة الانتخابية، فلا بدَّ من مكافأتهم على ما أبلوا في الحركة الانتخابية.

    وكلا الحزبين يبيح لأوليائه وأنصاره ما يحظر على خصومه ومخالفيه، فكما أن سادة اليوم في مصر أطلقوا الحرية لأنصارهم بعد أن تولوا الحكم في أن يتظاهروا ويهتفوا ويعبثوا حتى بدا لهم أن ذلك قد يكون خطرًا عليهم أنفسهم، فأخذوا يقيِّدون هذه الحرية ويلحون في هذا التقييد؛ فإن سادة اليوم في فرنسا يبيحون لأنصارهم وأوليائهم من المظاهرات وألوان الهتاف ما لم يكن ينتظر الفرنسيون أن يروه في فرنسا؛ فقد منحت الحكومة الفرنسية القائمة طائفة من قطر السكك الحديدية للمتظاهرين من الشيوعيين، وأباحت لهم أن يؤاخوا بين أطفال الفرنسيين وأطفال الألمان في ظل الأعلام الحمراء.

    ويجب أن نقول الحق، فقد تجاوز الحزب الفرنسي المنتصر في فرنسا ما وصل إليه الحزب الفرنسي المنتصر في مصر. وتعليل ذلك يسير؛ وهو أن فرنسا مستقلة حقًّا، لا يحتلها الإنجليز، ولا تحفل بمراقبة الأجانب.

    ومن هنا، كانت حكومتها أوسع حرية من الحكومة المصرية. ومن يدري لو أن للبرلمان المصري والحكومة المصرية من الاستقلال والسيادة الفعلية ما للبرلمان الفرنسي والحكومة الفرنسية، من يدري ماذا كان يصنع البرلمان المصري والحكومة المصرية بالأولياء والأعداء؟! …

    بين يدي البرلمان الفرنسي مشروع للعفو العام، تجاوز فيه الحزب المنتصر كل حد؛ فهو يريد أن يعفو عفوًا تامًّا شاملًا عن جميع الجرائم التي اقتُرِفَتْ أثناء الحرب، سواء منها ما يقبل العفو وما لا يقبله، سواء منها ما لا يتجاوز الآثام العادية، وما هو خيانة عظمى للوطن.

    وهو لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يمحو هذه الجرائم محوًا كأنها لم تكن، وأن يعوِّض المجرمين عما خسروا بحكم إدانتهم وبحكم بقائهم في السجون. يريد أن يرد إلى الموظفين منهم وظائفهم، وأن يحتسب لهم المدد التي قضوها في السجون، فلا يضيع عليهم منها شيئًا في المعاش مثلًا ولا في الدرجات ولا في نحو ذلك من حقوق الموظفين.

    وقد أقرَّ مجلس النوَّاب هذا المشروع، ويجب أن يتعزى نائبنا المحترم أبو سمرة ونائبنا المحترم عبد الرحمن الرافعي؛ فإن زملاءهما من المعارضين الفرنسيين لم يستطيعوا أن يناقشوا ولا أن يدافعوا عن آرائهم لنفس الأسباب التي تشقى بها المعارضة في مصر؛ وهي: المقاطعة، والتهويش، واستبداد الكثرة بالقلة.

    والآن وقد رأينا هذا التشابه بين هذين اليومين وبين الحزبين اللذين انتصرا فيهما على ساحِلَي البحر الأبيض المتوسط، فقد يكون من الخير أن نتساءل عن مصدر هذا التشابه بين هذين الحزبين اللذين يختلفان الاختلاف كله في الجنس والخلق والعادة واللغة والأطوار، ولكنهما يتشابهان التشابه كله في الطرائق السياسية.

    وهنا أريد أيضًا ألا أُغضب أحدًا، وإن كان الكتَّاب الفرنسيون يقولون مثلما سأقول وأكثر مما سأقول دون أن يحفلوا بمن يغضب أو لا يغضب.

    مصدر هذا التشابه في جملته يرجع إلى شيءٍ واحد، وهو حظ هذين الحزبين من الرقي العقلي؛ فلست أظلم أحدًا ولا أتجاوز الحق إذا قلت إن حظَّ الكثرة البرلمانية القائمة في مصر وفي فرنسا من الرقي العلمي ليس مما يمكن الافتخار به، فقد يكون بين هذه الكثرة أفراد نابهون، ولكن الكثرة نفسها لا تمتاز بالعلم، ولا سيما بالعلم المتقن الذي يرسخ في النفس فيميزها ويرقى بها عن الصغائر، ويؤهلها لفهم الأشياء كما هي وكما يجب أن تكون، ويؤهلها للمقارنة بين الحقيقة الواقعة وبين المثل الأعلى.

    ولو استطعت لقلت إن عقول هاتين الكثرتين ينقصها شيء كثير جدًّا من العمق والحدة؛ فهي قريبة المدى جدًّا، لا تسع كثيرًا من الأشياء، وإنما تَسَع طائفة قليلة جدًّا من الحقائق البسيطة، وهي قليلة الحدة لا تستطيع أن تهضم هذه الحقائق ولا أن تسيغها. ومن هنا كان فهمها للأشياء قاصرًا كل القصور؛ فهي تتشدق بالألفاظ الجوفاء دون أن تفهم معناها حقًّا، ودون أن تقتنع بمعناها حقًّا.

    ومن هنا تتورط في طائفة من الأغلاط المنكرة، ليس مصدرها سوء النية، وإنما مصدرها العجز والقصور. وأريد أن أضرب لذلك مثلًا، ومن الغريب أنه واحد في مصر وفي فرنسا الآن، هذا المثل هو التعليم.

    من الغريب أن كثرتنا البرلمانية تزهد في التعليم العالي ولا تحفل به، وأخشى أن أقول إنها تكرهه وتمقته، لا لأنها تريد أن تكون مصر جاهلة، بل لأنها لا تقدِّر التعليم العالي كما ينبغي. وهي معذورة؛ فهي تجهل التعليم العالي، ومن هنا سمحت لرئيس الوزراء أن يعلن أنه لا يفهم معنى الجامعة ولا فائدتها للأمة، وابتلعت ذلك كما تُبتلَع قطعة من الحلوى.

    ومن هنا، سمحت لوزارة المعارف أن تأتي ما أتت من العبث؛ فتنيم مشروع الجامعة، وتلغي المجلس الأعلى، وتشل المكتب الفني، وتنشئ هذه اللجنة الفنية التي لا خطر لها ولا نفع.

    وعلى نحو هذا سارت الكثرة البرلمانية الفرنسية، فبدأت سياستها التعليمية بإلغاء النظام الذي كانت قد وضعته وزارة يوانكاريه لتعميم اللاتينية واليونانية، وهي الآن تعد ألوانًا من المشروعات لا ترمي إلى شيء أقل من الهبوط بالتعليم الثانوي إلى أبسط درجاتها.

    ومن أبدع ما قرأته من السياسة التعليمية للحزب المنتصر في فرنسا، هذا القرار الذي أصدره مؤتمر رجال التعليم الأولي الذي انعقد في هذه الأيام في مدينة ليون. أصدر هذا المؤتمر قرارًا لا يبعد أن تأخذ به وزارة المعارف الاشتراكية؛ وهو أن يُلغَى تعليم التاريخ الفرنسي في المدارس الأولية، وأن تقوم مقامه دروس في تاريخ الإنسانية … ذلك لأن التاريخ الفرنسي يذكِّر بمجد فرنسا وسلطانها الحربي والعسكري، وهذا الحزب المنتصر يريد أن يمحو الحرب؛ فيجب أن يمحو ذكرى المجد الحربي لفرنسا من نفوس الفرنسيين.

    ولست أناقش هذا المذهب السياسي، ولكني ألاحظ أن الذين وضعوا هذا القرار لو لم يكونوا من أنصاف المتعلمين؛ لاستطاعوا أن يوفقوا بين مذهبهم السياسي وبين المنفعة الوطنية، وأن يتصوروا طريقة لدرس التاريخ الفرنسي لا ينسى معها الفرنسيون مجدهم الوطني، ولا يميلون معها إلى الحرب، ولكنهم أنصاف متعلمين ينقص عقولهم العمق والحدة؛ فهي لا تسع أشياء كثيرة، وهي لا تهضم ما تسع من هذه الحقائق القليلة البسيطة.

    ولقد أستطيع أن أمضي في هذا البحث إلى أبعد من هذا الحد الذي انتهيت إليه، ولكني أقف عند هذا الحد وأسجل حقيقتين؛ إحداهما: خاصة؛ وهي أن يوم ١٢ يناير في مصر و١١ مايو في فرنسا متشابهان، والأخرى: عامة؛ وهي أن الويل كل الويل لبلد يحكمه أنصاف المتعلمين.

    بوليجين في ١٣ أغسطس ١٩٢٤