Tag: الذكريات

  • من حديث الشهداء | From the Tale of the Martyrs

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    "لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه".
    قال أصحابه:
    "وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟".
    قال:
    "أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    "إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء".
    قال قائل:
    "وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟".
    قال نسطاس:
    "والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء".
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    "لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار".
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    "وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار".
    قال رجل من أصحابه:
    "إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟".
    قال قائل منهم:
    "ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً".
    قال الآخرون:
    "ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟".
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    "فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة".
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

  • من أحاديث العيد | From Holiday Talk

    من أحاديث العيد.
    للدكتور طه حسين

    ابتسم الصبح فابتسمت معه الثغور، وأشرقت الشمس فأشرقت معها الوجوه، وغنت الطير فتغنت معها النفوس بالآمال والأماني وبالأهواء والميول، وتغنت معها نفوس أخرى بالأحزان اللاذعة، والآلام الممضة، والعواطف التي تفطر القلوب وتسفح الدموع. واندفع قوم إلى السرور العريض، واندفع قوم آخرون إلى الحزن العميق، وتردد قوم بين هذا وذاك يأخذون من كليهما بحظ معتدل، ويؤلفون لأنفسهم منهما مزاجاً لا هو بالمشرق المبتهج ولا هو بالمظلم القاتم، وإنما هو شيء بين ذاك، فيه مكان للذة والأمل، وفيه مكان للألم والذكرى. واضطرب الناس أيام العيد بين دور الأحياء ودور الموتى، يتحدثون إلى أولئك ويفكرون في هؤلاء.
    وكثير من حديث الناس الأحياء، وكثير من حديثهم عن الموتى، خليق أن يُسجّل ويتخذ موضوعاً لألوان مختلفة من الأدب والفن. ولكن هذه الأحاديث تقبل مع أيام العيد وتذهب معها كأنها لم تكن، تترك آثارها في نفوس الناس ولكنها لا تترك آثارها فيما ينشئون ويكتبون؛ لأنهم لا ينشئون ولا يكتبون، ولأنهم إن أنشأوا أو كتبوا فقلما يقفون عندما يشعرون أو يجدون، إنما يلتمسون موضوعاتهم في السماء حيناً، وفي السحاب حيناً، وبعيداً عن حياتهم أحياناً. فإن مسّوا حياتهم فهم لا يمسون إلا ظاهراً منها، وهم يمسونه في رفق أقرب إلى الجدب الموئس منه إلى الخصب الذي يحيي النفوس ويغذي القلوب.
    أما أنا فقد كنت أتحدث إلى نفسي وإلى أصدقائي في أيام العيد أحاديث مختلفة، منها الباسم ومنها العابس، فيها الجد وفيها الهزل. ولكني كنت أحتفظ لنفسي بأشد هذه الأحاديث مرارة ولذعاً؛ لأني أعلم أن الناس يكرهون في أيام العيد وفي غير أيام العيد مرارة الحزن ولذع الألم. وأشهد لقد استقبلت يوم العيد بحزن عميق لأني استعرضت صوراً تعودت أن أستعرضها كلما أقبلت الأعياد، وفكرت فيمن أزوره ويزورني، وفيمن أسعى إليه ويسعى إليّ، فإذا كثير من هذه الصور قد مُحِيَ من صفحة الحياة ولم يبقَ له إلا رسم في صفحة القلب؛ قوي عند قوم، ضعيف عند قوم آخرين.
    مُحِيَت هذه الصور من صفحة الحياة فلن أسعى إلى أصحابها، ولن يسعى أصحابها إليّ؛ إما لأن أصحابها قد نُقِلوا من هذه الدار التي نضطرب فيها بالألم والأمل إلى دار أخرى لا تعرف الحركة ولا الاضطراب، وإما لأن أصحابها ما يزالون يضطربون معنا في هذه الدار، ولكن ظروف الحياة وأسباب العيش قد نقلت أهواءهم عنا إلى قوم آخرين ليسوا منا ولسنا منهم الآن في شيء.
    لقد كنت أبدأ زيارات العيد بهؤلاء النفر من الأصدقاء الأعزاء؛ أكون معهم ليلة العيد، فإذا تنفس الصبح فكرت فيهم، وإذا ارتفع الضحى سعيت إليهم فلقيتهم وكأننا لم نلتقِ منذ دهر طويل، وقضيت معهم ساعة قصيرة ضيقة لم أفرغ لهم فيها ولم يفرغوا إليّ لكثرة المقبلين والمنصرفين، ولكنها على ذلك ساعة عريضة خصبة لكثرة ما فيها من هذا الود الذي ينتقل إلى قلبك مريحاً عذباً لا لشيء إلا لأن اليد صافحت اليد، ولأن التحية الهادئة البريئة من التكلف قد مست الأذن فملأت النفس حياة وغبطة وسروراً.
    فإذا قضيت مع هؤلاء الأصدقاء هذه اللحظة القصيرة الخصبة خرجت من عندهم وقد ادخرت من الغبطة والسعادة ما يعينني على احتمال أثقال العيد، فذهبت إلى دار عدلي ثم دار ثروت ثم إلى دار فلان وفلان. وقد أخذت الأيام تتخطف هؤلاء الناس واحداً واحداً حتى لقد زرت هؤلاء الأصدقاء فقضيت معهم ما قضيت من الوقت، ثم خرجت فإذا أنا أنصرف إلى كوكب الشرق لا إلى دار عدلي ولا إلى دار ثروت ولا إلى دار فلان وفلان من أولئك الذين كنت أحب أن أسعى إليهم وأغتبط حين يسعون إليّ أو حين يرسلون إليّ تحياتهم مع البريد.
    وكنت لا أكاد أتهيأ للخروج يوم العيد حتى ينبئني المنبئون بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً من الأصدقاء قد أقبلوا وهم ينتظرون؛ منهم من يريد أن يبدأ العيد بلقائي لأن لقائي كان أحب شيء إليه يوم العيد، ومنهم من يريد أن يصحبني في زيارات العيد لأنه يجد في هذه الصحبة لذة ويسراً. فأما الآن فإني أُنْبَأُ بأن قوماً آخرين قد أقبلوا وبأنهم ينتظرون؛ أما أولئك الذين كانوا يقبلون وينتظرون فقد انقطع إقبالهم وانقطع انتظارهم إلى حين؛ لأنهم يخشون الأحداث، ويخافون الظروف، ويشفقون من الجواسيس، ويربأون بأنفسهم من غضب السلطان. هم أحياء ولكن ظروف الحياة قد قطعت ما بينهم وبيني من الأسباب، كما أن ظروف الموت قد قطعت ما بين الموتى وبيني من الأسباب.
    ولم تكن أيام العيد تنقضي حتى أزور داراً من الدور في ناحية من نواحي القاهرة فألقى فيها ابتسام الزهرة النضرة، والشباب الغض، والحياة التي تبتسم للحياة. وقد انقضت أيام هذا العيد فلم أزر هذه الدار لأنها محزونة لا تحتفل بالعيد، ولأن زهرتها النضرة قد اجتُثت منها اجتثاثاً، وانتُزعت منها انتزاعاً، وحملتها الريح إلى حيث لا ينظر الزهر ولا تبتسم الحياة للحياة. لم أزر هذه الدار ولم أنعم بتلك الابتسامة ولم أسمع ذلك الحديث، ولكن الله يشهد إني قضيت أيام العيد كلها – ويظهر إني سأقضي أياماً طويلة أخرى – وأن صوتاً من الأصوات سيتردد في نفسي جافاً خشناً متعثراً موئساً كما تتردد النغمة من الأنغام في القطعة الطويلة من الموسيقى. وتسألني عن هذا الصوت الذي تردد في نفسي منذ أشهر وسيتردد فيها أشهراً وأشهراً وأعواماً؟ فهو صوت ذلك النعش حين خرج الحاملون به من الصلاة في مسجد من مساجد القاهرة وهم يعالجون إثباته على سيارة من سيارات الموتى وهو يأبى عليهم بعض الإباء ثم يطيعهم ويستسلم لهم. وإذا خفقة جافة كأقفال الباب، وإذا النعش قد استقر، وإذا أزيز ضئيل نحيل يرتفع في الميدان ثم يتسع ويضخم، وإذا السيارة تنطلق كأنها السهم إلى ذلك المكان الذي لا يعود منه من استقر فيه. وإذا نحن نتبعها كاسفين ونعود كاسفين، وإذا الحياة تتصل بنا وتضطرب خطوبها حولنا وتصرفنا عن أنفسنا وعن الناس، ولكن ذلك الصوت الجاف الخشن المتعثر يعود إليّ من حين إلى حين فيذكرني بذلك اليوم الثقيل الذي شيعت فيه فقيدين عزيزين في أقل من ساعتين.
    بهذا وأمثاله كنت أتحدث إلى نفسي أيام العيد، فإذا سألتني عما كنت أتحدث فيه إلى الناس وعما كان الناس يتحدثون فيه حين كنا نلتقي، فيا للبؤس! ويا للفقر ويا للشقاء! ويا لجدب الحياة وإفلاس الأحياء! كنا نتحدث عن الأزمة المالية، وكنا نتحدث عن السياسة، وكنا نتحدث عن غدو المندوب السامي مع الطير يوم العيد وما يحيط بغدوه ذلك من أسرار وأخبار ومن تأويل وتعليل.
    ثم كنا نتحدث عن بعض هذه الأشياء الممتازة التي ظفرت بأحاديث الناس وشغل الصحف وعناية رجال الأمن: كنا نتحدث عن ذلك الخاتم الذي اضطرب له رجال الأمن وعُطِّلَتْ له دار من دور التجارة، واتصل حوله تحقيق طويل ودقيق ولم تبح صحيفة مصرية عربية أو غير عربية لنفسها أن تعرض عنه أو تطوي أخباره عن قرائها، ثم أصبح الناس يوم العيد فإذا الصحف تنبئهم بأن سيدة التقطته أمام مدرسة من المدارس فظنت جوهره من الزجاج ولم تعلم أنه حجر نفيس، وأن مدينة القاهرة مضطربة له أشد الاضطراب، وأن قيمته تربو على ألف من الجنيهات.
    وكنا نتحدث عن هذا الدبوس الذي افتقدته صاحبته فلم تجده فارتاعت لفقده وهمّ أصحابها أن يقولوا قصة كقصة الخاتم، ولكن شاباً لم يلبث أن التقطه فردّه إلى صاحبته، فلم يضطرب رجال الأمن ولم يحتج رجال التحقيق إلى النشاط، ولم تزد الصحف على أن روت الخبر رواية يسيرة قصيرة في مكان غير ظاهر ولا ممتاز. وكنا نقارن بين قصة الخاتم وقصة الدبوس وبين حظ الخاتم وحظ الدبوس.
    وكنت أقول لأصدقائي وهم يبتسمون ويضحكون ويفلسفون: على رسلكم أيها السادة، فلو قد سألتم ذلك الخاتم أو ذلك الدبوس عما يعرفان من التاريخ، ولو قد أراد الخاتم وأراد الدبوس أن يقص عليكم بعض ما يعرفان لما ابتسمتم ولا ضحكتم ولا أغرقتم في الفلسفة هذا الإغراق. فليست قيمة الخاتم والدبوس في هذه الجنيهات التي تربو على الألف أو تبلغ المئات فحسب، ولكن قيمتها فيما يحملان من ذكرى وما يصوران من حياة، وفي هذه الصلة التي تصل بينهما وبين القلوب والنفوس.
    قال صديق ماكر:
    "فحدثنا إذن عن خاتمك الذي فقدته، فقد يظهر أنك فقدت خاتماً أيضاً وأن أمره قد ارتفع إلى رجال الشرطة ثم هبط إلى الصحف ثم ذاع بين الناس".
    قلت:
    "وإنك لتتحدث عن هذا الخاتم هازلاً كأنما تغض من أمره وتزدريه، فهل تعلم إني حزنت عليه حزناً شديداً! وهل تعلم أنه ليس أقل خطراً ولعله أعظم خطر عندي من ذلك الخاتم وهذا الدبوس؟ وهل تعلم أن له في الحياة المصرية العامة آثاراً باقية؛ به أصبح قوم دكاترة، وبه أدرك قوم آخرون إجازة الليسانس، وبه صُرف كثير من أمور الدولة، وقُضِيَ في مصالح كثير من الأساتذة والطلاب أعواماً، فحدثني أين يقع من هذا كله أثر ذلك الخاتم وهذا الدبوس في حياة المصريين؟ ومع ذلك فلم تبلغ قيمته ألفاً ولا مائة، ولا عشرة من الجنيهات – أستغفر الله – بل لم تبلغ قيمته عشرة من القروش، وإنما كانت قيمته قرشاً ونصف قرش ليس غير. اتخذته حين كانت الأشياء رخيصة في ذلك الزمن الذي كنا نستطيع أن نبلغ فيه بالقرش كثيراً من المآرب والحاجات، اتخذته في باب الخلق خارجاً ذات يوم من دار الكتب، وكنت في الرابعة والعشرين من العمر، وكنت أريد أن أسافر إلى أوروبا، وأظهر لي هذا السفر إني شخص من الأشخاص يجب أن أذكر مولدي، وأعرف سني، وأقدر ما آتي من الأعمال. في ذلك الوقت بحثت عن شهادة الميلاد وكانت ضائعة فعرّفت سني وكنت أجهلها، وفي ذلك الوقت قيل لي: من أتى عملاً أو قال قولاً وجب عليه أن يمضيه، فاتخذت هذا الخاتم. صنعه لي رجل كان يصنع الخواتم قريباً من المحافظة، ثم عبر معي البحر، وصحبني في فرنسا طالباً، وصحبني في الجامعة أستاذاً، عمل معي في أعمال الدولة، وأمضى معي عن أمور الدولة، وكان صديقاً أميناً. لست أدري كيف قبلت فراقه حيناً وائتمنت عليه صاحبي، حتى أقبل ذات يوم ينبئني أنه افتقده فلم يجده؛ هنالك ضقت به وضقت بالناس، وضقت بالحياة كلها وقتاً غير قصير. ثم زعم لي زاعم أن الأمر يجب أن يُرفع إلى الشرطة فُرفع إليها، وهبط إلى الصحف، ولكن الشرطة تلقت أمره باسمة، ولكن الصحف نشرت أمره مداعبة، ولكن الأصدقاء تحدثوا عنه حيناً. أفرأيت أن قيم الأشياء تختلف لا باختلاف آثارها ومكاناتها ولكن باختلاف أصحابها؟ فلو كنت رئيس الوزراء لما ابتسم الشرطي، ولما داعبت الصحف لأني فقدت خاتماً، ولكني لست رئيس الوزراء فيبسم الشرطي ولا يأتي حركة، وتداعب الصحف وتمزح أنت ويمزح هؤلاء. بهذا وأمثاله كنا نتحدث أيام العيد".
    الرسالة في ٢٢ – ١ – ١٩٣٤