Tag: الرمزية السياسية

  • أهل الكهف | The People of the Cave

    أهل الكهف
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مارس ١٩٥٨

    والكهف الذي هم نائمون فيه عميق أشد العمق، بعيد القرار إلى أقصى غايات البعد، لا يبلغ أهله ما تمتلئ به باريس من الضجيج والعجيج والصخب المتصل في آناء الليل والنهار. وهم من أجل ذلك مغرقون في نومهم، لو خُلي بينهم وبين النوم أو خلي بين النوم وبينهم للبثوا في كهفهم نيامًا، حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وحتى يبعثهم فيمن يبعث من أهل القبور. ولكن ظروف الحياة لا تخلي بينهم وبين النوم، ولا تخلي بين النوم وبينهم؛ فالأحداث تجري، والنوائب تنوب، والانتخابات تتجدد من حين إلى حين، والوزارات تسقط من شهر إلى شهر أو من يوم إلى يوم. وأهل الكهف يحلمون في كهفهم ذاك العميق، وفي نومهم ذاك الذي هو أعمق من كهفهم، والناس فيما يظهر يرقبون نومهم، ويسجلون أحلامهم، وتذيعها الصحف، ويحملها البرق إلى أقطار الأرض على اختلافها.

    وعلى هذا النحو وحده يستطيع العقلاء والأيقاظ من الناس أن يفسروا سيرة الوزراء الفرنسيين، والنواب الذين يقيمونهم ويسقطونهم بين حين وحين، والذين يحاسبونهم في الأحلام حسابًا عسيرًا مرة ويسيرًا مرة أخرى، ولكنه حساب لا ينتهي إلى شيء؛ لأن ما يعمل الحالمون وما يقولون وما يقررون لا ينتهي إلى شيء، إنما هو كله لغو من اللغو وفن من فنون الهذيان.

    هذه الخطبة التي ألقاها رئيس الوزراء الفرنسيين، وزعم فيها أن فرنسا إنما تقترف ما تقترف من الآثام، وتَصب ما تصب من الجرائم على أهل الجزائر دفاعًا عن العالم الحر كله من جهة، وحماية لاستقلال تونس ومراكش من جهة أخرى. هذه الخطبة حديث نائم يحلم ويهذي في حلمه، لا حديث رجل يقظان يعقل ما يعمل وما يقول، فمن ذا الذي يستطيع أن يصدق أو أن يقبل أن يفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي تتعرض لخطر عظيم، إذا لم تقترف فرنسا آثامها، ولم ترتكب جرائمها في الجزائر. ولِمَ لا يكون الخطر العظيم الذي تتعرض له هذه الدول العظمى ذات القوة والبأس والأيدي، في بلد آخر من البلاد المستقلة التي تستطيع أن تأتي ما تأتي من الأمر دون أن تبلغها جرائم فرنسا وآثامها؛ لِمَ تكون الجزائر وحدها موطنًا لهذا الخطر العظيم، دون غيرها من أقطار الأرض؟ وما حاجة الذين يأتمرون بالغرب إلى هذا الوطن الضعيف الأعزل … الذي صُب عليه هول الاستعمار قرنًا ونصف قرن؛ ليجعلوه مركز مؤامراتهم ومركز ما يهيئون للعالم الحر من الكوارث والنكبات.

    مع أن المؤتمرين الذي يشفق منهم رئيس الوزارة الفرنسية في حلمه، لا يبلغون الجزائر ولا يستطيعون أن يستقروا فيها ليكيدوا ويأتمروا وينظموا ما يريدون أن يشهروا على هذا العالم الحر من الحروب، وما عدا الدفاع عن العالم الحر يقتل الأبرياء العزل، وانتهاك الحرمات، وتيتيم الأطفال، وتأتيم النساء، وتثكيل الأمهات، وتوجيع الذين كانوا يجدون بشق الأنفس ما يقيم الأود؛ فأصبحوا الآن نهبًا للجوع، يُفتك بهم في الليل والنهار. وأي عالم حر هذا الذي يحتاج في الدفاع عنه إلى اقتراف الآثام، وارتكاب الجرائم، ومخالفة أيسر ما تقضي به الديانات كلها، وما تقضي به الأخلاق كلها، وما تفرضه الحضارة، وما ابتكرت من قوانين. وما حرية هذا العالم التي لا تقوم ولا تحمي إلا بإذلال الأحرار، والقضاء على النساء بالموت، والقضاء بالموت أيضًا على الصبية الذين لم يبلغوا الرشد، ولم يطيقوا حمل السلاح. وما هذه الحرية وما قيمتها، وما حاجة العالم إليها، وما فائدة الإنسان وحضارته ودياناته وقوانينه من هذه الحرية، التي لا بقاء لها، إلا إذا سُفكت الدماء وأُزهقت النفوس، وشُردت اليتامى والأيامى والرضعاء، وهل تقبل الدول الغربية الكبرى والصغرى أيضًا هذا الهذيان الذي يهذي به رئيس الوزراء الفرنسيين في حملة هذا الغرب؟ فهل ترضى الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مدينة ببقائها وبحريتها وأمنها لما يُقترف في الجزائر من المخزيات؟ وهل يرضى حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا أن يكونوا مدينين بحياتهم وحريتهم وأمنهم لهذه المخزيات؟ ومع ذلك فيخيل إليَّ وإلى غيري من الأيقاظ أن العالم الحر وغيره من العوالم، قد أنكروا هذه الآثام، وما زالوا ينكرونها، وأكرهوا فرنسا منذ أيام إكراهًا على أن تعدل عن قتل تلك الفتاة التي قضت عليها فرنسا بالموت. إن فرنسا تقترف آثامًا جسامًا في الجزائر وتقترفها رغم أنفها؛ لأن رجال الجيش فيها وأصحاب رءوس الأموال يأبون أن يفلت منهم شمال أفريقيا، وأن تفلت منها الجزائر خاصة، وفيها ما فيها من مصادر المال، ووراءها ما وراءها من البترول، وأن الشعب الفرنسي يرسل أبناءه إلى الموت، ويشتري هذا الموت لأبنائه بما يؤدي من الضرائب المبهظة، مكرَهًا على ذلك لا راضيًا به ولا راغبًا فيه، بل ساخطًا عليه أشد السخط. ولكنه لا يستطيع أن يذعن ويستكين؛ فقَدَ حريته وتعزى عنها بلذاته وبما هو غارق فيه من الرغد والنعيم. ومن يدري لعله أن يكون كساسته نائمًا مغرقًا في النوم، يحلم كما يحلم النواب والوزراء، ليس فيه من الأيقاظ إلا المجرمون من رجال الجيش وأصحاب رءوس الأموال. وأغرب ما نقرأ في هذا الهذيان الذي هذى به رئيس الوزراء الفرنسيين، أن فرنسا تحمي تونس ومراكش بما تَصبُّ من الهول على أهل الجزائر.

    وإذن ففيم الخصومة القائمة بين فرنسا وتونس؟! ولِم تتوسط أمريكا وبريطانيا لتزيلا هذه الخصومة؟! أتكون تونس جاحدة للجميل، جاهلة بأن فرنسا قد قتلت من قتلت من أبنائها في الشهر الماضي، لتحمي استقلالها من الضياع؟! ونحن نعلم أن مراكش لم تفرغ من خصوماتها المختلفة مع فرنسا، أتكون هي الأخرى جاحدة للجميل غافلة عن أن فرنسا تحمي استقلالها من الضياع؟!

    صدقني إن فرنسا الآن لا يحكمها الأيقاظ، وإنما يحكمها النيام، أو قل إن شئت: إن فرنسا لا يحكمها العقلاء، وإنما يحكمها قوم أُلقي بينهم وبين عقولهم حجاب كثيف.

  • حاملات الشموع | Candle-Bearers

    حاملات الشموع

    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٧ مارس ١٩٤٦
    لست أدري أي أمير من أمراء الأقاصيص جادل وزيرًا من وزرائه فيما يُحكى عن بعض الفلاسفة من أنه قال إن العادة طبيعة ثانية. وكان الأمير يؤمن لهذه الفيلسوف ببُعد النظر وصِدق الحكم وحصافة الرأي وحُسن الاستقصاء. وكان من أجل ذلك يصدق أن العادة طبيعة ثانية، وأن الحيوان يمكن أن يخرجه التأديب عن طوره الغريزي وعن وحشيته الفطرية، فيتثقف بثقافة الحضارة ويتَّخذ من أخلاقها وآدابها طبيعة ثانية.
    وكان وزيره يُكبِر الأمير أولًا ويُكبِر الفيلسوف ثانيًا، ولكنه يرى أن الحق أكبر من الأمير وأكبر من الفيلسوف، ويرى أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا لا يستطيع أن يثبُت أمام الطبيعة الأولى والغرائز التي فطرت عليها الكائنات. وقد اشتد الخلاف بين الأمير والوزير حتى كاد الأمير أن يغضب، وغَضَبُ أمراء الأقاصيص خطيرٌ حقًّا ينذر بعواقبَ وخيمة. ولذلك ترفَّق الوزير واستمهل أميره وقتًا ليقيم له الدليل القاطع على أن الطبيعة الأولى أقوى وأعظم سلطانًا من الطبيعة الثانية. وقد منحه الأمير ما أراد من المهلة، فجعل يفكر ويقدر حتى كان المساء، وفي ذلك المساء أقبل إلى القصر باسم الثغر مطمئن القلب راضي النفس أيضًا، وكان الأمير قد دعا إلى وليمة من ولائمه الفخمة. فلما جلس إلى المائدة وجلس من حوله رجال الدولة وأشراف المملكة أقبلت حاملات الشموع، وأَمْرُ حاملات الشموع هؤلاء أعجب من العجب، فلم يَكُنَّ نساءً إماء أو حرائر من نساء الروم أو من نساء الهند أو من نساء السودان، وإنما كُنَّ قططًا قد أُدِّبْنَ تأديبًا رقيقًا وثُقِّفْنَ تثقيفًا متصلًا، وعوِّدن حمل الشموع والقيام بها في قاعة الطعام حين يجلس الأمير إلى مائدته.
    وقد جعل الأمير يتحدث إلى من حوله من رجال الدولة ألوانًا من الحديث فيها تلطُّف وتفكُّه، وإنهم لفي ذلك وإذا كل شيء يضطرب من حولهم، فقد أُلقيت الشموع إلى الأرض، وجعل القطط يزدحمن ويستبقن. وأقبل الخدم يرفعون الشموع الموقدة مخافة الحريق، ويفرقون القطط المزدحمة المستبقة المصطخبة ليردوا إلى القاعدة بعض الهدوء. ونظر الأمير إلى هذا كله مَغِيظًا مُحْنَقًا، ولكن الوزير ابتسم له وانحنى أمامه وقال: أصلح الله الأمير، ألم أقل له في الضحى إن الطبيعة الثانية لا تثبت أمام الطبيعة الأولى؟ قال الأمير: وما ذاك؟ قال الوزير: أترى إلى هذه القطط المستبقة المصطخبة كيف ألقت شموعها وبرئت من أدبها وعادت إلى طبعها؟ قال الأمير: فإني لم أفهم عنك شيئًا! قال الوزير: فإني قد ألقيت إليهن فأرة كنت أخفيتُها في كمي، فلما رأينها ألقين الشموع، وخرجن عن أطوار الحضارة، ورجعن إلى الغريزة الأولى، وازدحمن حول الفأرة أيهن يسبق إليها.
    ومنذ ذلك الوقت صدَّق الأميرُ وصدَّق الناسُ معه أن الطبيعة الثانية ليست إلَّا تكلُّفًا، وأن الطبيعة الأولى هي التي تسيطر آخر الأمر على أعمال الحيوان والإنسان جميعًا.
    هذا مَثَلٌ قريبٌ لما تنعَم به مصر في هذا العهد السعيد، وهو يدعو المصريين إلى أن يفكِّروا ويقدِّروا ويُقدِمُوا عن بصيرة أو يُحجِموا عن احتياط، فهم قد عرَفوا رئيس الوزراء في وزارته الأولى قويًّا لا يعرف الضعف، عنيفًا لا يحب اللين، متسلِّطًا لا يألف الرفق، متحكِّمًا لا يُحِبُّ الاعتدال، ماضيًا إلى ما أراد، لا يصرفه صارفٌ عمَّا أراد، يصطنع اللين والرفق ما واتاه اللين والرفق. فإذا لم يغنيا عنه أسرع إلى الشِّدَّةِ والعنف وإلى البطش والبأس، فلم يقِفْ منهما عند حَدٍّ إلَّا أن يبلغ ما يريد.
    هذه طبيعته التي فُطِرَ عليها، لا يستطيع لها تغييرًا ولا تبديلًا؛ لأن أيًّا كذا خُلِقَتْ كما يقول أصحاب النحو. وقد أقام رئيس الوزراء ستة عشر عامًا بعد أن خرج من وزارته الأولى، يؤدِّب طبيعته ويهديها، ويقوِّم غريزته ويثقفها، ويأخذ نفسه بالرفق الرفيق واللِّينِ اللَّيِّنِ واللطف والظُّرف والتواضع الشديد، والتحبب إلى الناس فيما يقول، والتودد إليهم فيما يعمل، والاعتبار بما يلي من التجارب في وزارته، والاتعاظ بما يبلو غيره من الوزراء في وزاراتهم المتعاقبة. وقد أقام في داره وفي ناديه يراقب الحكومات قاسيًا عليها، ويراقب الشعب حفيًّا به متقربًا إليه، ويراقب الإنجليز منذرًا لهم في تحفُّظ، مُعْذِرًا إليهم في تحرُّج؛ حتى أشفق منه مَن أشفق من الوزراء، واطمأنَّ إليه من اطمأنَّ من أصحاب السذاجة. ثم وثب إلى الحكم في رِفْقٍ وأناة، وجلس على كرسي الحكم في دعة ووقار، وتكلَّم فلم يقُل إلَّا خيرًا. وظنَّ الناس أن طبيعته الثانية قد غلبت طبيعته الأولى، وأن هذا التخلُّق الذي أخذ نفسه به أثناء ستة عشر عامًا قد غلب الخلق الذي فُطِرَ عليه، وقام هو في مجلس النواب يطلب إلى خصومه أن يَنْسَوُا الماضي، وأن يذكروا أن ستة عشر عامًا تكفي لنسيانه، وألَّا يحكموا عليه باسمه وسيرته القديمة، وأن ينتظروا ليروا مسلكه الجديد وسيرته في مستقبل الأيام، وأن يحكموا حينئذٍ عن بصيرةٍ وعن رويةٍ. وقد آمن له قوم كما آمن أمير الأقاصيص لحاملات الشموع، ولم يؤمن له قوم آخرون كما شك وزير الأقاصيص في حاملات الشموع. ولكن الشك لم يطُل، والانتظار لم يثقل على النفوس، فما هي إلَّا أن تمضي أيام وأيام حتى تُلقى الفأرة أمام القطط، وإذا الشموع تهوي إلى الأرض، وإذا الطبع يغلب التطبُّع، وإذا التخلُّق يأتي من دونه الخُلُق كما يقول الشاعر القديم.
    وما أحب أن أفصِّل الحوادث ولا أن أعرض لها، والمصريون جميعًا يرون، والمصريون جميعًا يسمعون، والمصريون جميعًا يستطيعون أن يحكموا عن رَوِيَّةٍ وبصيرة. وما أحب أن أذكر الصحف المصادَرة؛ فالمصريون يعلمون متى يقرءون الصحف، ومتى يحرمون قراءتها. وما أحب أن أذكر الكلام المحرَّف والأخبار المنقوصة؛ فالمصريون جميعًا يعرفون حين يقرءون، أيقرءون كلامًا محرَّفًا أم كلامًا مستقيمًا، أيقرءون أخبارًا مستوفاة أم أخبارًا مقتضبة. والمصريون جميعًا يعرفون أن كثيرًا منهم يستقون الأخبار من لندرة لا من القاهرة، والمصريون جميعًا يعرفون أن صحف المعارضة تُقرأ قبل أن يؤذَن بنشرها، فإن امتنعت عن ذلك واحتجَّت بالقانون واحتجت بالدستور؛ صُودرت بعد طبعها، وحِيل بينها وبين الوصول إلى القُرَّاء. والمصريون يعرفون أن هذه الأعوام الستة عشر لم تغير من طبيعة صدقي باشا؛ لأن الطبيعة أقوى من أن تغيرها العادة، والغريزة أبقى من أن تمحوها الحضارة.
    والمصريون يسألون أنفسهم: لماذا استقال النقراشي باشا؟ وماذا غيَّر صدقي باشا من حكم تلميذه النجيب؟ والمصريون يجيبون على هذا السؤال بأن النقراشي باشا رأى نفسه أضعف من أن يضبط الأمر، وأقصر باعًا من أن يحمل المصريين على الطاعة والخضوع وعلى الإذعان والامتثال؛ فآثر العافية واستقال. وإن صدقي باشا رأى نفسه أطول باعًا وأوسع ذراعًا من تلميذه البارع النجيب. رأى نفسه أقدر على أن يحمل المصريين على الطاعة، وأجدر أن يعلمهم كيف يمشون على البيض فلا يحطموه، وعلى العجين فلا يفسدوه. وهو من أجل ذلك ينهض بأعباء الحكم هادئًا مطمئنًّا، ومستبشرًا باسمًا، لا يعرف القلق إلى نفسه سبيلًا؛ لأن نفسه لا تقلق من شيء ولا تضيق بشيء، وإنما هي نفس قلب تلبَس لكل حالة لبوسها.
    نعم، المصريون يعرفون هذا كله، ولكن المصريين يعرفون أن لهم حقوقًا عند الإنجليز يريدون أن يظفَروا بها، وأن سبيلهم إلى الظفر بهذه الحقوق إنما هي المفاوضة، وأن الشرط الأول والأخير لكل مفاوضة إنما هي الحرية، حرية الشعب لا حرية الحكومة وحدها. وليس الشعب المصري حرًّا، ولا يمكن أن يكون حرًّا وصدقي باشا يسوسه بسياسته التي تلائم طبيعته الأولى. إن من أحمق الحُمق وأسخف السُّخف أن يُقال إن المفاوضين المصريين سيُقبِلون على المفاوضة أحرارًا، فهؤلاء المفاوضون لن يكونوا أحرارًا إلَّا إذا استندوا إلى شعبٍ حرٍّ، واعتمدوا على وطنٍ حرٍّ. لن يكونوا أحرارًا والإنجليز يحتلُّون المدن ويستطيعون أن يطلقوا النار على الشعب كلما خافوا أو توهموا الخوف.
    لن يكونوا أحرارًا وأمرهم وأمرُ مصر إلى رئيس الوزراء، يصنع بهم وبها ما يشاء. سيكون المفاوضون الإنجليز أحرارًا؛ لأنهم يستندون إلى حكومة حرة وإلى شعب حر. وسيكون المفاوضون المصريون مقيَّدِين لأنهم يستندون إلى حكومة مقيدة وإلى شعب مقيد. ولتنتج المفاوضات بعد ذلك ما تشاء لمن يكون ما تنتجه من إملاء من القول، يقبله الضعيف إن شاء فيستريح ويريح، ويرفضه إن أراد فيجني ثمار هذا الرفض، ويا لها من ثمار! ليصدقني المصريون أن أمورهم ليست إليهم، وإنما هي إلى هذه القلة القليلة التي أسلمت زمامها للنقراشي باشا، فكان أضعف من أن يستمسك بهذا الزمام، وقد أسلمت زمامها الآن لصدقي باشا فأظهرت التجربة في هذه الأيام القليلة أنه أشدُّ من تلميذه بأسًا وأوسع حيلةً، وما خفي كان أعظم.

  • شيخ البحر | The Old Man of the Sea

    شيخ البحر
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٩ يوليو ١٩٤٥
    لا أكاد أذكر الظروف التي ألجأت السندباد البحري إلى تلك الجزيرة النائية في بحر الهند، ولا أكاد أدري أكان حب التجارة والكسب والاستزادة من المال هو الذي جشم ذلك الهول، أم كان حب السياحة والاستطلاع والتنقل في أقطار البر والبحر هو الذي عرَّضه لهذا الخطب.
    ولكن أراه وحيدًا في هذه الجزيرة لا يعرف كيف يُقِيم أَوَدَهُ ولا يدري كيف يحمي نفسه من الطوارق والحادثات، وهو يهيم أمامه يملك قلبه الحزن، ولا تخبو في نفسه نار الأمل، ويسيطر عليه الخوف ولكنه يجد شعورًا بشيء من الأمن، ويكاد يهلكه الجزع ولكنه على ذلك ينظر في الأرض والسماء ويريد أن يعرف ما حوله من الأشياء والأحياء، وهو ماضٍ أمامه يسلم نفسه إلى اليأس حينًا وإلى الأمل حينًا آخر. وقد أخذ شيء من الدعة وهدوء البال يثوب إليه؛ لأنه رأى أشجارًا وثمارًا وأزهارًا وأنهارًا، فحدَّث نفسه بجنة يستطيع أن يقيم فيها ما شاء الله له أن يقيم حتى تنكشف له الأيام عن فرج من حرج، وعن مخرج من ضيق، وحتى تُرفَع له في الأفق سفينة يراها من بعيد، ثم يراها من قريب، ثم ينفض عمامته ويُلوِّح بها في الهواء ويبعث صوته في الجو إلى أقصاه داعيًا مستغيثًا، فتقبل السفينة لتستنقذه من هذه الوحدة وترده آمنًا أو خائفًا إلى البصرة ثم إلى بغداد.
    وإنه ليسعى بين أشجاره وأزهاره وأثماره وأنهاره خائفًا يترقب، وإذا هو يرى شيخًا فانيًا، قد لبس الضر وألحَّتْ عليه السن بألوان البؤس والضعف والإخلال. وقد جلس هذا الشيخ على شاطئ نهر من الأنهار، أو قُلْ على شاطئ جدول من هذه الجداول، لا يستطيع أن يتحرك ولا أن ينتقل. رآه السندباد فرحمه ثم أطال النظر إليه فرقَّ له، وهمَّ أن يدنو منه ليواسيه، ولكنه وحيد لا يقدر على شيء، أثر لا يفكر إلَّا في نفسه، مشغول بوحدته، مغرق في هذا الانقطاع الذي اضطر إليه، فهو حر في أن يمضي لشأنه وأن يفرغ لهمه وأن يدع الشيخ لما هو فيه من شقاء وفناء، ومن ضعف وعجز، ومن تهالك وانحلال.
    ولكن الشيخ يشير إليه متهالكًا، ويلح عليه في الإشارة، ويدعوه بصوت حزين وكلام لا يبين. وإذا الرحمة قد استأثرت بقلب السندباد من دون الأثرة، وإذا هو يدنو من الشيخ البائس اليائس، رفيقًا به شفيقًا عليه، يسأله عن أمره، ولكن الشيخ لا يفهم عنه كما أنه هو لا يفهم عن الشيخ، وإذا الإشارة تقوم بينهما مقام العبارة، وإذا الشيخ يشير إلى السندباد أن احملني على كتفيك هاتين واعبر بي هذا الجدول الذي لا أطيق له عبورًا.
    وقد شكَّ السندباد غير طويل، ثم أَقْبَلَ على الشيخ ولَيْتَهُ لم يُقْبِلْ، واحتمله على كتفيه ولَيْتَهُ لم يحتمله، وعَبَرَ به الجدول ولَيْتَهُ لم يفعل، وهَمَّ أن يَرُدَّهُ إلى الأرض ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. فقد أدار الشيخ ساقَيْهِ حول عنق السندباد وتمكَّن من مجلسه واستقر على كتفيه وأبى أن يتحوَّل عنهما … وكلما حاول السندباد أن ينزله ضغط بساقيه على عنقه حتى كاد أن يخنقه، ثم ضرب برجله هذه أو تلك في جنبه هذا أو ذاك يدفعه إلى أن يمشي ويمضي أمامه، ويمنعه من أن يقف أو يستريح. وقد أصبح السندباد حطبة لهذا الشيخ، وأصبحت إرادة السندباد في يد هذا الشيخ يصنع بها ما يشاء ويصرفها كما يحب.
    فالسندباد يسعى حين يُؤمَر بالسعي ويقف حين يُطلَب إليه الوقوف، والأمر يصدر إليه بالسعي مرة وبالوقوف مرة، فلا يستطيع أن يرده أو يخالف عنه. والأمر لا يصدر إليه صوتًا مسموعًا أو كلامًا مفهومًا، وإنما يصدر إليه ضغطًا بالساقين على العنق أو ركلًا بالرجلين على الصدر والجنبين.
    والسندباد يقتطف لنفسه وللشيخ من أثمار هذه الأشجار ما يغذوهما، فإذا أراد أن يجلس ليستريح لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له في جلوسه أرب، فإذا جاء الليل وأراد السندباد أن يغفي إغفاءة طويلة أو قصيرة لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له فيه أرب.
    ثم هو إن أذن له في النوم لم يفارق كتفيه، ولم يُفرِّج بين ساقيه، وإنما يديرهما حول عنقه إدارة مُحْكَمة حتى إذا طال نوم السندباد ضغط على عنقه أو ضرب في صدره أو ركل جنبيه أحدهما أو كليهما.
    وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من رقص، وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من غناء، وليس عليه من ذلك بأس فإنما هي ركلة على الجنب ووكزة في الصدر أو ضغطة على العنق، وإذا السندباد يرقص فيمعن في الرقص، أو يُغنِّي فيجوِّد في الغناء!
    وقد أَلِفَ السندباد حياته هذه، واطمأنَّ إليها، ووطَّن نفسه على أن ينفق فيها ما بقي له من أيام إلَّا أن تنشق له الخطوب عن وميض من أمل فينجو، وقد كان يائسًا من النجاة.
    وفي ذات يوم أحسَّ السندباد شوقًا إلى خمر بغداد، فجنى عناقيد من عنب واعتصرها في إناء لست أذكر كيف وجده وكيف اتخذه، فقد طال عهدي بأسفار السندباد كما طال عهدك بها أيضًا، ولكنه اعتصر العنب على كل حال وادخره في مكان أمين، وجعل يطوف بالشيخ في أنحاء الجزيرة يقف ليمضي ويمضي ليقف، ومضى على ذلك يوم ويوم وأيام. ثم عاد إلى إنائه ذاك فإذا الخمر فيه ترغي وتزبد، وإذا هو يقبل عليها فيشرب منها حتى ينقع غلته، وما هي إلَّا لحظات حتى تتمشى في مفاصله كتمشِّي البرء في السقم في قول أبي نواس، وإذا هو يُحْدِث ألوانًا من الرقص لم يألفها الشيخ، ويأتي فنونًا من الغناء تقع في نفس الشيخ موقعًا حميدًا، والشيخ يستزيد مطيته من الرقص ويستزيد مطيته من الغناء، والسندباد يمضي في ذلك نشيطًا له حفيًّا به، وكلما آنس من نفسه فتورًا أو قصورًا عمد إلى إنائه ذلك فحسا منه شيئًا يرد إليه المرح والنشاط.
    قد أراد الشيخ أن يجرب هذا الشراب، وفهم عنه السندباد ذلك، ولو كان أمره إليه لضن عليه بالشراب ولكنها ركلة في الجنب أو وكزة في الصدر أو ضغطة على العنق. وإذا السندباد يُرْجِع الإناء إلى الشيخ، فيشرب منه ويشرب حتى يرتوي، وإذا السُّكْر قد دبَّ في مفاصله دبيب النمل في الكثيب، وجرى في أعطافه جريان الماء في الغصن الرطيب. وقد طرب الراكب والمركوب فلا تَسَلْ عن الرقص ولا تَسَلْ عن الغناء، ولكن الخطوب قد انشقت للسندباد عن وميض من أمل، فجعل يشرب قليلًا ويسقي الشيخ حتى استرخت المفاصل، وانحلَّت القوة، وتراخى الضغط على العنق، ولم تستمسك القدمان حول الجنبين.
    وقد ذهب ما كان في رأس الشيخ من عقل ضئيل، وأفلت من يده عنان السندباد، ومشى في جسم الشيخ وعقله نوم خفيف جعل يثقل شيئًا فشيئًا، حتى إذا استحكم للسندباد أمره جلس في رفق وألقى عن نفسه عبأه الثقيل البغيض في لباقة، ثم نهض وقد أحكم أمره، فنظر إلى الشيخ النائم نظرة عنيفة فيها بغض تملأه القسوة، ثم عمد إلى صخرة ضخمة فاحتملها بين ذراعيه في كثير من الجهد، ثم رمى بها على رأس الشيخ؛ فشدخه وأسلم نفسه للرب لا يلوي على شيء، حتى إذا بلغ مأمنه أقام ينتظر السفينة التي ستُرفَع له ذات يوم والتي سيدعوها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة ثم إلى بغداد.
    لست أدري أيذكر السعديون هذه القصة أم لا يذكرونها، فكثيرٌ منهم قرأها من غير شك أيام الصبا، وكلنا يقرأ ألف وليلة أيام الصبا وينساه في طور الكهولة والشباب. ولكن قصة السندباد هذه هي المثل الصادق لسيرة الحزب السعدي مع حزب آخر يشاركه في البرلمان ويشاركه في الحكم، كما كان شيخ البحر يشارك السندباد في جزيرته تلك، وفيما كان فيها من أشجار، وأزهار، وأثمار، وأنهار.
    وقد كان الحزب السعدي مطوفًا في بعض آفاقه، يلتمس الانتخاب ويلتمس النيابة ويلتمس الحكم. وانتهى به التطواف إلى تلك الجزيرة في يوم من أيام العام الماضي، ونظر فإذا هو وحيد، فمضى في الجزيرة يطوف فيها كما كان يطوف في البحر، في نفسه كثير من خوف ألَّا يبلغ الحكم ولا يقدر عليه، وفي نفسه كثير من جزع إن فاته الحكم بعد طول السعي وثقل الجهد، وفي نفسه شيء من أمل أن تُرفَع له السفينة في بعض الآفاق، وإنه ليسعى بين الأشجار والأنهار وإذا حزب ضئيل نحيل لولا صوته لما رآه أحد — كما يقول المتنبي — قد جلس على شاطئ الجدول متهالكًا، قد لبس الضر والتحف والبؤس، وغمره الشقاء، وقد رقَّ له الحزب السعدي فأقبل عليه حتى احتمله على كتفيه وعبر به الجدول خفيفًا نشيطًا، ثم لم يُتَح له أن يتخلص منه إلى الآن، فقد أدار ساقيه حول العنق، وأعد قدميه لوكز الصدر وركل الجنبين.
    وسندبادنا العصري ماضٍ أمامه وعلى كتفيه حمله الثقيل، يقف ليسعى ويسعى ليقف، ويتكلف من الرقص ألوانًا ومن الغناء فنونًا، والشيخ مستقر في مكانه على هاتين الكتفين الوثيرتين، لا يريد عنهما تحولًا ولا نزولًا، وسندبادنا العصري ضيق بحمله وضيق بحياته وضيق بكل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يخلص من شيخ البحر؛ فالساقان ملتفتان حول العنق التفافًا محكمًا، والقدمان مستعدتان استعدادًا حسنًا للركل والوكز، والدنيا تُظْلِم مرة حتى كأن الليل الفاحم قد غمرها، وتشرق مرة أخرى حتى كأن الشمس قد صبَّت عليها كل ما فيها من ضياء، ولكن السندباد مثقل بعبئه لا يعرف كيف يتخفف منه ولا يجد لنفسه من ضغطه وركله ووخذه نجاة.
    وليس بين السندباد العصري والسندباد البحري فرق إلَّا من ناحيتين اثنتين؛ الأولى: أن السندباد البحري كان خاليًا إلى شيخ البحر، شقيًّا بحمله وحيدًا فريدًا، لا يضحك منه ولا يرثي له إلَّا أشجار الجزيرة وأثمارها وأزهارها وأنهارها، أمَّا السندباد العصري فمن حوله ملايين من المصريين وملايين من الشرقيين ينظرون إليه ويشفقون عليه، وقد يضحكون منه ضحكًا مرًّا. الثانية: أن السندباد البحري كان صاحب مجون وطرب، وصاحب حيلة واسعة وافتنان في الخروج من المآزق، فاشتاقت نفسه إلى خمر بغداد، وعرف كيف يعتِّقها وكيف يستعين بها أول الأمر على احتمال المكروه، وكيف يخلص بها بعد ذلك من هذا المكروه، وكيف يلقي الشيخ عن كتفيه ويعود إلى بغداد سالمًا موفورًا.
    أمَّا السندباد العصري فمتحرج متزمت، لا يحب خمر القاهرة ولا خمر بغداد، وإنما يحب شراب الخروب والعرق سوس، ثم هو ليس واسع الحيلة ولا ماهرًا في تذليل العقاب وقهر الصعاب والنفوذ من المشكلات.
    وإذن؛ فسيبقى الشيخ على كتفيه وسيشبع عنقه ضغطًا وصدره وكزًا وجنبيه ركلًا حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويخف غيره من هؤلاء الذين يرمقونه مشفقين حينًا وساخرين حينًا آخر، فينقذه من هذا المكروه ويضع على كتفيه هذا الحمل الثقيل، ويرد إليه حريته في أن يذهب إلى ساحل البحر ينتظر السفينة التي ترتفع في الأفق والتي يدنيها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة، ثم إلى بغداد.
    أيتم إنقاذه اليوم؟! أيتم إنقاذه غدًا؟! أيطول قضاء الله عليه بهذا العذاب أم يقصر؟! علم هذا عند الله وعند الراسخين في العلم، وهم كما تعلمون قليلون.

  • غرام … | Infatuation…

    غرام …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١ أبريل ١٩٣٤

    نعم غرام، كلمة تقرؤها فتنكرها؛ لأنك لم تتعود أن تراها في هذا المكان من الكوكب، ولأنك لم تتعود أنْ نتحدث إليك في الغرام وفنونه، والهيام وفُتُونه، والحب وجنونه، فلهذا الموضوع وأشباهه ظروف أخرى يَحْسُن التحدث عنه فيها، ولكنني مع ذلك سأتحدَّثُ إليك عن الغرام.
    وليس عليَّ بأس من أن تنكر هذا الحديث أو تعرفه؛ فإني لم آخذ على نفسي عهدًا بأنْ لا أتحدث إليك إلا فيما تُريد، ولعلي أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتحدث إليك إلا فيما أُريد أنَا، وأنَا اليوم أُريد أنْ أتَحَدَّث في الغَرَام والنَّاسُ يَظُنُّون بي العُنف، ويتهمونني بالقسوة، ولكني أؤكد لك أني بريء من العُنف والقسوة. فمع أني حريصٌ كل الحرص، مُصِرٌّ كل الإصرار على أن أتحدث إليك في الغرام، فأنَا لا أريد أنْ أَفْرِض عليك هذا الحديث فرضًا، ولا أنْ أَسُوقه إليك دون أنْ أُبين لك لماذا أسوقه إليك؛ فأنا أريد أنْ آخذك بالإقناع لا بالإكراه، وستوافقني بعد أسطر قِصارٍ على أني لم أخطئ حين اخترت الغرام موضوعًا للحديث في هذا اليوم.
    فالغرامُ الذي أريد أن أتحدث فيه ليس غرامًا عاديًّا مألوفًا، وإنما هو غرام مُمْتاز، غرام من الطراز الأول، غرام لا أعرف له إلا مَثلًا واحدًا في جميع أطوار الحياة الإنسانية مُنذ بدأتْ إلى الآن.
    وأَظُنُّك تَرى معي أنَّ غرامًا من هذا الطراز خَليقٌ أنْ يكون موضوعًا للحديث في صحيفة سيارة شديدة العناية بالسياسة، فإذا عرفت بعد هذا أنَّ هذا الغرام الحديث كذلك الغرام القديم لا يبرأ من السياسة، ولا يخلص من آثارها، وإنما هو سياسة كُلُّه، عرفتَ أنِّي لم أزدك على شيء طريف، وأني لستُ — كما يقول خصومي — مُجدِّدًا مُسرفًا في التجديد، وإنَّما أنا مُحافظ غالٍ في المُحافظة، وآيةُ ذلك أنَّ الغرام القديم هو الذي دفعني إلى الحديث عن الغرام الجديد.
    ولعلك سئِمْتَ المُقدمات، ولعلَّكَ اشتَقْتَ إلى هذا الغَرَام، ولعَلَّك تُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ ما هو؟ وما طبيعته؟ ولعلك تستعجلني في أن أصل إلى الموضوع، فقد أصل إليه، وأؤكد لك أني لم أبسط هذه المُقدمة إلا تشويقًا لك؛ لأنَّ الموضوع خليقٌ أنْ تشتاق إليه.
    والآن يجبُ أنْ تفتح أذنيك، وأنْ تُصغي لحديث الغرام؛ فالزَّعيم العظيم هتلر مُغرم بالملكة العظيمة نفرتيتي، وأظنك ترى بعد أن سمعتَ هذين الاسمين أنَّ هذا الغرام خليقٌ لا بعنايتي وحدي، بل بعناية الكُتَّاب جميعًا، ومتى ظفر كُتَّابُ السياسة والأدب والفن بموضوع له خطر هذا الموضوع، بل متى ظفر الكُتَّاب والشعراء بعاشق كالزعيم الألماني العظيم، وبمعشوقة كالمَلِكَة المصرية الخالدة؟
    قُلتُ لك: إنَّ هذا الغَرَام ليسَ له إلَّا مثلٌ واحِدٌ في حياة الإنسان، وهذا المَثَلُ لا يُوجد إلا في الإلياذة، وهو عشق باييس لهيلانة، على أنَّ الشبه بين هذين الغرامين ليس دقيقًا من كل وجه، فقد كانت هيلانة مِلكة على إسبرتا، كما كانت نفرتيتي ملكة من ملكات مصر، وكان باييس ملك طروادة. أما الزَّعيم هتلر فليس ملكًا، ولا ابن ملك، وليس بينه وبين أسرة مالكة صلة من قريب أو بعيد، إنما هو رجل ديمقراطي، وإنْ كان يُحارب الديمقراطية، ويُؤلب عليها أشد التأليب. هو رجل شعبي، وإن كان يشك في سلطة الشعب، هو على كل حال رجل من أبناء الشعب، رجل مثلك ومِثلي لم ينحدر من هذه العناصر المُمتازة التي كتب الله لها الامتياز، وإنما خرج من هذه الطبقات العادية التي تضطرب في الأرض وتَجِدُّ في كسب الحياة.
    ولكنه على كل حال زعيم ألمانيا وعَظِيمُها، قد اجتمعت كلها من حوله، ومَنَحَتْهُ من القوة والتأييد، ومن الثقة والحُبِّ أو الخَوف ما لم يَظفر به كثير من الملوك، وهو من هذه الناحية خليقٌ أنْ يُشَبَّه بباييس بن بريام، ملك طروادة.
    باييس ذلك الذي عشق هيلانة فخطفها، وأوى بها إلى مدينته العظيمة المُحَصَّنة، فاحتفظ بها هناك أسيرة أجمل الإسار. باييس ذلك الذي أحفظ اليونان جميعًا، وآثارهم جميعًا لحرب مُنكرة اتصلت أعوامًا وأعوامًا، وانتهت بتدمير طروادة، وأنطقت الشعراء بأجمل ما نطق به الشعراء.
    فلولا باييس ما كانت الإلياذة، ولولاه ما كانت الأوديسة، ولولاه ما كانت كل الآداب اليونانية، ولا كل ما نَشَأ عنه مِنَ الأدب القَدِيم والحديث. ونحنُ حين نذكر باييس وحده نَظْلِم ونُسْرِفُ في الظلم، ونُوشك أن نغضب السيدات؛ لأنهن حريصات في هذه الأيام على أنْ لا يستأثر الرَّجُل بشيء من دونهن، فباييس قد أثار هذا كله بفضل الحب والغرام، والعشق والهيام، والهوى الذي كان يملأ قلبه لهيلانة ملكة الحسن والجمال، والقد والاعتدال، كما تقول العامة.
    ومِنَ المؤكد أنَّ الزَّعيم هِتْلر كانَ يَسْتَطيع أن يعشق مَلكتنا القديمة الجميلة، وأنْ يصلى من عشقها نارًا لا تخمد دون أن يؤثر ذلك في رجوع هذه الملكة العظيمة إلى ملكها العظيم، لو أنه ظل كما كان رجلًا مثلك ومثلي لا يستمتع بقوة ولا سلطان، ولكنه ارتقى، وارتقى حتى أصبح أقوى ألفي مرة من باييس. وأين تكون قوة طروادة من قوة ألمانيا الآن؟
    ولذلك استطاع الزَّعيمُ العظيم هتلر أن يقول: إنه مُغْرَمٌ بهذا الملكة العظيمة غرامًا يَمْنَعُه مِنْ أنْ يَأْذَنَ بِرُجوعها إلى مُستقر آبائها، وموطن مُلكها وسلطانها، على حُبِّه للمصريين، وحرصه على إرضاء المصريين، ولكن الإحسان المنظم يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه فيحسن إليها، وهو يحب، وحبيبته أسيرة عنده، وهو محتفظ بأسيرته، سواء أرَضِي المصريون أم لم يرضوا، سواء أرَضِي الحق أم لم يرض، ومتى كان الحق قادرًا على أن يَثبُتَ للحب والغرام، والعشق والهيام، ويحمل المُحبَّ على أن يفرط فيمن يحب؟
    وإذا كان باييس قد أبى أن يُسلم هيلانة، ونصره الطرواديون جميعًا على هذا الظلم، وتعرَّض الطرواديون جميعًا لتلك الحرب المُنكرة التي مَحقت مدينتهم مَحقًا، وسَحقت سُلطانها سَحقًا، وجعلتها أحاديث، فكيف يقبل الزعيم العظيم أن يسلم الملكة وهو يعلم حق العلم أنَّ الفلك قد دار، وأنَّ الأيامَ قد تَغَيَّرت، وأنَّ مِصْرَ لا تُقاس إلى اليونان القُدماء، ولا تستطيع، بل لا تفكر، بل لا تحلم بأنْ تتهيأ لاستنقاذ المَلكة المصرية العظيمة كما تهيأ اليونان لاستنقاذ المَلكة اليونانية الحسناء فاستنقذوها؟
    إذن فالزَّعيم العظيم مُطْمَئِنٌّ إلى أنه سيحتفظ بعشيقته سواء رضي المصريون أم لم يرضوا، سواء رضي الحق أم لم يرض، ولكن السؤال الذي يستحق التفكير هو رأي الملكة العظيمة نفسها: أتلقى حبًّا بحب، وعشقًا بعشق، وغَرامًا بغرام؟
    فقد كان يُقال: إنَّ هيلانة أحبت باييس، وكانت تُؤثر المُقام معه في طروادة، فهل أحبتْ المَلِكة نفرتيتي زعيم ألمانيا العظيم؟ وهل آثرت أنْ تُقيم معه في ألمانيا العظيمة؟ أم هل تصبو هذه الأسيرة العزيزة إلى وطنها الذي كان عزيزًا في أيامها، فأصبَح ذليلًا في هذه الأيام؟ سؤال لا سبيل إلى أن يظفر بالجواب؛ لأنَّ مَلِكَتنا العَظيمة القديمة العانية البائسة لا تستطيع أن تسمع، ولا تستطيع أن تُجيب، ولا تستطيع أن تُعرب عما تجد، ولعلها لا تستطيع أن تجد شيئًا.
    ومتى أحست التماثيل، ومتى استطاعت التماثيل أنْ تشعر أو تقول؟ مهما يكن من شيء؛ فزعيم ألمانيا عاشق لابنة فرعون، وفي مصر أربعة عشر مليونًا يعشقون ابنة فرعون هذه، ولكنَّ رجلًا واحدًا قادر على أن يُرضي عشقه؛ فأمَّا هذه الملايين، التي تَبْلُغ أربعة عشر أو خمسة عشر، فعَاجِزَة عن أنْ تُرضي عشقها، مضطرة إلى أن تكتفي بهذا الشوق الذي يحرق أفئدتها، ويُؤرق ليلها، ويعلمها أن القوة حق، وأن الضعف حق، وأن اليقظة حق، وأن النوم والغفلة حق أيضًا.
    وأظرفُ ما في الأَمْرِ أنْ تَتَحَدَّث بعض الصحف إلى وزير ألمانيا المُفَوَّض لتعرف منه أحق أنَّ الزَّعيم العظيم قد شغفه حب الملكة العظيمة؛ فيُجيبُ الوزير بأنَّ هذا الأمر موضوع مُفاوضات دبلوماسية فلا ينبغي أن يدور حوله الحديث. مَعذرة يا سيدي الوزير، ليكن هذا الأمر موضوع مفاوضات دبلوماسية، فإنا نتخذه مع ذلك موضوعًا للحديث.
    وماذا تخاف من هذا الحديث وأنت مُطمئن إلى أنَّ أسيرتنا العزيزة لن تخرج من بلادك إلا إذا أذنتم لها في الخروج؟ لقد ثار اليونان لهيلانة فاقتحموا البحر، وأشهروا الحرب، وغيروا وجه الأرض، واستردوا مَلِكتهم، وعادوا بها أعِزَّاء، أفَلَا يُؤذن لنا نحن — المصريين — في أن نُعلن حُزننا وشوقنا إلى هذه الملكة العظيمة التي تحفظ في مَتحف من متاحف برلين وأنوفنا راغمة؟
    هذا كثير، وأكثر منه أن نَقْبَله أو أنْ نمتنع عن الخوض في هذا الحديث.
    أرأيت أيها القارئ العزيز أني لم أكن مَازحًا، ولا مُداعبًا، ولا مُخطئًا حين تحدثت إليك في هذا الغرام؟

  • مفاوضة٢ | Negotiation (2)

    حديث اليوم: مفاوضة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٧ يوليو ١٩٣٢

    وكانت في القصر حجرات وغرفات، في هذه الذهب وفي تلك الفضة، في هذه الدر وفي تلك الياقوت، في هذه الحرير وفي تلك السندس، وطاف الشاب بالحجرات والغرفات ينتقل من إعجاب إلى إعجاب، ومن دهش إلى ذهول، حتى بلغ تسعًا وتسعين، ولما أراد أن يدخل الغرفة المتممة للمائة نصح له مرشده أن لا يفعل فأَبَى، وألحَّ المرشد في النصح له، وألحَّ هو في الإباء على مرشده، حتى إذا لم يَبْقَ أمل في صرفه عن دخول هذه الغرفة، فتح المرشد له الباب، فدخل ولم يَلْقَ في الغرفة إلا شرًّا.

    وانتهى الإخوة الثلاثة إلى طرق ثلاث: إحداها طريق السلامة، والأخرى طريق الندامة، والثالثة طريق الذي يمضي فلا يعود. فأما أحدهم فسلك طريق السلامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولكنه عاد موفَّقًا سعيدًا، وأما الثاني فسلك طريق الندامة ولقي فيها خطوبًا وأهوالًا، ولم يَكَدْ يعود حتى استنقذه أخوه، فرجع وفي قلبه حسرات لم تفارقه حتى مات، وأما الثالث فمضى أمامه لا يلوي على شيء، وكان أخواه قد نصَحَا له بالتفكير والأناة، فأبى عليهما وركب رأسه حتى أكلته الغول.

    وللفرنسيين أغنية قديمة لذيذة النغم؛ حزينة اللحن، قاتمة المعنى، يظلم صوت المغني إذا تغنَّى بها، ويتردد فيها هذا التحذير المخيف. أي صديقي، إن قبلت نصيحتي فلا تذهب إلى الغابة السوداء.

    ولكن رئيس الوزراء فيما يظهر مُصِرٌّ على أن يذهب إلى الغابة السوداء، وفيها ذئاب مخيفة مفترسة، وفيها غيلان تنتظر الفريسة. والنُّذُر تطيف برئيس الوزراء من كل مكان، وتهيب به أن لا يدخل هذه الغابة السوداء، فيأبى ويلحُّ في أن يقتحمها. وكانت بينه وبين جماعة من ذئاب الغابة وغيلانها مودَّة سابقة ومحبة متقدمة ومنافع متبادلة، فتنصح الذئاب والغيلان لصديقها أن يحجم، وتؤكِّد له أن ليس في الإقدام إلا شر، ولكنه يأبى إلا أن يُقدِم، كأنه مستيئس لا يستطيع أن يتأخَّر ولا أن يثبت في مكانه. ومع ذلك فقد صدقت الذئاب ونصحت الغيلان، وإن من وراء هذه الجماعة الصادقة الناصحة لجماعة أخرى تتحرق ظمأً إلى الدم، وتتضور جوعًا إلى اللحم، ليس لها صديق ولا خليل إلا هذه الأجواف المضطرمة الخالية التي لا يشبعها ولا يرويها إلا لحم الفريسة ودمها.

    يظهر أن رئيس الوزراء قد سئم الحكم، وزهد فيه، وأَبَى إلا أن يصدق قول الكاشحين، ويحقِّق آمال العذَّال والوشاة، ويُرضِي الوفديين والأحرار الدستوريين وجماعة المستقلين فيستقيل، وإلا فما إصراره على المفاوضة، وما الحاجة فيها وما حرصه عليها، والمخلصون له من المصريين والإنجليز يلحون عليه في ألا يفعل، ويضرعون إليه في أن يُؤثِرَ الرويَّة ويصطنع الأناة؟

    زعموا أن من زملاء الرئيس مَن يتشاءم بفكرة المفاوضة ويشفق منها، ويتجهم لها، ويرى أنها أقرب الطرق إلى الإفلاس وأيسر السُّبُل إلى الاستقالة. وسواء أَصَدَقَ الرواة أم كذبوا، فإن الإنجليز أنفسهم يلحُّون على رئيس الوزراء في ألا يُصرَّ على المفاوضة ولا يتهالك عليها، ويعلنون إليه في لطف أنهم مشغولون، ويعلنون إليه في رفق ونصح أنهم يخافون خصومه ومعارضيه، ويشفقون على المعاهدة من هؤلاء الخصوم والمعارضين، ويؤكِّدون له في حزم وإخلاص أن كثرة البرلمان الإنجليزي محافِظة غالية، وأن كثرة الأمة المصرية متطرفة غالية، وأن تلك الكثرة المحافظة لا تستطيع أن تعطي إلا قليلًا، وأن هذه الكثرة المتطرفة لا تستطيع أن تقبل إلا كثيرًا. ثم يصارِحونه في جفوة وغلظة أنه لا يستطيع أن يبدأ حيث انتهى النحَّاس، وإنما أقصى ما يستطيع أن يطمع فيه إنما هو ما عُرِض على ثروت باشا رحمه الله. ثم يعودون إلى مجاملته وإلى الرفق به والإشفاق عليه، فيقولون له: لو عرفنا أنك مقيم في الحكم لَفاوضناك وعاهدناك، ولكن خصومك ما زالوا قائمين، وما زالَتْ شوكتهم حادة؛ فخير لك ولنا أن نَدَع المفاوضة والمعاهدة الآن.

    يتشكَّل الإنجليز لرئيس الوزراء هذه الأشكال، ويتخذون له هذه الألوان، ويعوقون إليه هذه الأحاديث، فيَأْبَى إلا أن يفاوض.

    أي شيء إذًا في هذه الغابة السوداء يغري رئيس الوزراء بهذه الشجاعة المزعجة وهذا الإقدام المخيف؟

    إحدى اثنتين: فأما المخلصون لرئيس الوزراء الواقِفون على دخائل الأمور كما يقول أصحاب السياسة، فيزعمون أن رئيس الوزراء يخدع نفسه، ويعتقد أن الأمر قد استقرَّ له في مصر، وأن الشعب قد أخلص له، وأذعن لسلطانه، وأنه قد فرغ من تنظيم الاستقلال الداخلي وأمن جانب المعارضة، وأنه يضيق بالإنجليز ذرعًا، ويريد أن يفرغ منهم كما فرغ من الأحرار الدستوريين والوفديين، وأن يكون صاحب الأمر المطلَق والكلمة العليا في حياة مصر الداخلية والخارجية؛ وهو لذلك يصرُّ على المفاوضة ويلحُّ فيها. ويقول هؤلاء الناس إن رئيسَ الوزراء حسَنُ الظنِّ بالإنجليز، يرى أن له عليهم دالة، وأنه يستطيع أن يطمع عندهم في أكثر مما بلغ معارضوه؛ فهو يُقدِم على المفاوضة مصرًّا عليها ملحًّا فيها، ولكن الإنجليز يعتقدون أن رئيس الوزراء صديقهم، وأن لهم عنده أيادي بيضاء، فإذا كان قد خدمهم في مصر فسهَّلَ لهم الصعب، وهوَّن عليهم العسير؛ فهم قد أسندوه وأيَّدوه ومكَّنوا له على ضفاف النيل، وهم إذًا يطمعون منه في أن يكون هيِّنًا ليِّنًا في المفاوضات، وألا يشتطَّ كما اشتطَّ محمد محمود والنحَّاس.

    وهؤلاء الناس الذين يحبون رئيس الوزراء ويخلصون له لا ينتظرون خيرًا من المفاوضات؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء قد يقبل أقل مما قَبِلَ النحَّاس ومحمد محمود، ولكنه لا يستطيع أن يواجِه به المصريين، وأن الإنجليز — وقد عرفوا صديقهم ورجلهم كما يقولون — لن يعرضوا عليه مثل ما عرضوا على خصومهم من الوفديين والأحرار الدستوريين.

    لهذا يأسف هؤلاء الناس من أصدقاء رئيس الوزراء حين يرونه راغبًا في المفاوضة أو مدفوعًا إليها.

    وهناك قوم آخَرون مكَرَة مَهَرَة، يعرفون دخائل الأمور كما يعرفها الذين ذكرناهم آنفًا، ولكنهم يعرفون ما دون هذه الدخائل مما لا يستطيع الإنسان أن يتحدَّث به إلى نفسه في اليقظة، وإنما يحلم به إذا نام. وهؤلاء الناس يقولون إن رئيس الوزراء أذكى من أن يخدع نفسه باستقرار الأمر له في مصر، وأمهر من أن يظن بنفسه القدرة على حل الأزمة الاقتصادية، وأبرع من أن يرضى لنفسه آخرة الوزارات التي يبليها الحكم وتفنيها السلطة وتموت على فراشها كأنما أصابها السل، فهو يلتمس لنفسه مخرجًا ويريد أن يجد المخرج في المفاوضات. ولستُ أدري أي الفريقين أصدق، ولكني أرى المفاوضات غابة سوداء، وأشفق على رئيس الوزراء وعلى مصر من اقتحام هذه الغابة في هذه الظروف، وأنا أعتقد أن مسألة المفاوضات من المسائل التي يجب أن تسقط أمامها الحزبية السياسية، وتجتمع فيها كلمة الأمة، وإذًا فأنا ألغي كل خصومة بين رئيس الوزراء ومعارضيه، وأنظر إلى المفاوضة بين المصريين والإنجليز. وإذًا فمن الإثم أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة إلا إذا كان واثقًا بأنه سيبلغ ما عجز خصومه عن أن يبلغوه. فأمَّا أن يُقدِم رئيس الوزراء على المفاوضة فتخسر مصر ما كسبه محمد محمود والنحاس؛ فتضييعٌ لجهود الأمة، وإهدار لقوة الشعب، ورجوع إلى الوراء، وعبث بما كسب المصريون من الحقوق، وخير لرئيس الوزراء أن يبقى حيث هو وأن يَدَع وزارته يصيبها السل وتموت بعد أشهر أو بعد أعوام، من أن يحاول أن يلتمس لنفسه مخرج الأبطال، فيفاوض ثم يرفض ما يعرضه الإنجليز ثم يستقيل؛ لأنه لم يُوفَّق في المفاوضة.

    ذلك أن الأمة لا تنتظر له فوزًا في مفاوضته، ولا تطمئن إلى إقدامه على المفاوضة، ولن تراه بطلًا مهما يقطع من المفاوضات، ولكنها ستسجِّل عليه أن الأحرار الدستوريين والوفديين كانوا قد قدَّموها خطوة أو خطوتين، فأخَّرَها هو خطوات. وإذًا فخير لرئيس الوزراء أن يظل حيث هو، وألَّا يقتحم هذه الغابة السوداء، وألا يعرض لحمه ودمه لهذه الذئاب والغيلان. خير لرئيس الوزراء وقد زار غرف القصر كلها وحجراته، ألَّا يدخل الغرفة المتمَّة للمائة، فلن يلقى فيها إلا شرًّا. خير لرئيس الوزراء ألَّا يسلك طريق الندامة، ولا طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يسلك طريق السلامة، وإنما طريق السلامة أن يستقيل الآن. أستغفر الله ماذا أقول؟ أأتورَّط فيما تورَّط فيه المعارضون فأطلب إلى رئيس الوزراء أن يستقيل؟ كلا، إنما أتمنى على رئيس الوزراء ألا يسلك طريق الذي يمضي فلا يعود، وأن يختار بعد ذلك إحدى الطريقين؛ فإن شاء سلك طريق السلامة فاستقال الآن، وإن شاء سلك طريق الندامة فظلَّ في الحكم حتى تموت وزارته بالسل، وتستنقذ الوزارةُ القومية مصرَ من الكارثة.

    أرجو أن يصدِّقني رئيس الوزراء، إن في قصص ألف ليلة وليلة، وفي أحاديث الجدات، وفي الأغاني الشعبية الفرنسية؛ لَعِظاتٍ وعِبَرًا ينتفع الناس بها جميعًا حتى رؤساء الوزارات.