Tag: السخرية

  • أمثلة

    أمثلة
    حديث اليوم
    لم أكن إذا مخطئاً ولا مسرفاً حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم إيطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الأستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها أستاذه قبل أن يفارق أرض إيطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن أنه معجب أشد الإعجاب بما بلغته إيطاليا من الرقي المادي (والأدبي) بهمة موسوليني وعبقريته ، وأنه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو إذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الإعجاب ؛ وكل إنسان حر فيما يحب ويكره ، وهو إذاً يلتمس في أعمال العظيم الإيطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل إنسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدي بها ، والأسوة التي يريد أن يتأسّاها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعاً ، وهو لا يسألنا عن رأينا في هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعي من تمثيله إيانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك أني إن تهمته بأنه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت أني أثق به وأطمئن إليه ؛ فأمر السياسة وأمري إلى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم في غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقي باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا إذاً تلميذ لعظيم إيطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والأيام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرأون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الأيام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون بأي كلام آخر يفهمونه فهماً يسيراً ناقصاً ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدي المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ وإذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الأدلة على هذا ، فقف معي وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر إلى عظيم إيطاليا ؛ فسترى أن فيه أسراراً خطيرة ؛ ونذراً مخيفة مزعجة . وأن من الحق على المصريين لأنفسهم أن يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الأيام إن مُدّت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الأعمال التي سيلتمس فيها صدقي باشا أمثلة صالحة؟ أما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن أنه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذي يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة في الديموقراطية . وأما المعارضون فقد أخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم إليه . وأما الإدارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالاً ستتأثره الأمم الراقية التي تطمع في أن تكون لها إدارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدي الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . إذن فماذا يريد صدقي باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقي باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معي أن كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج إلى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل إلا لأضع أمامك بعض الأمثلة التي سيلتمسها صدقي باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة عليه سبيلاً . فأنا لا أذكر الجند الأجنبي الإنجليزي ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند إلى حراب الإنجليز . وإنما أقول أن النظام الذي استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصري ؛ وواضح أن الجيش والشرطة إنما أُنشِئا للدفاع عن الوطن وإقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء إذن محتاج إلى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصي الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحاً ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخياً . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وإنما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد إذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فناً جديداً من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالاً وصبياناً وفتياناً ؛ يجندهم نوعاً من التجنيد ؛ ويعلمهم فنوناً من التعليم ، ويمرنهم ضروباً من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله إلى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الإيطالية . وقد أصبحت إيطاليا بفضل هذا النظام الجديد أشبه شيء بإسبرطة في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الأجيال الناشئة بعد أن لم يستطع أن يكسب له إلا أجسام الأجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج إلى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعاً بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الإخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائماً له ؛ وخيّرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فاختار منهم فريق بقي في مناصب الدولة ؛ وامتنع منهم فريق فُصلوا من مناصب الدولة فصلاً . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الأولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضاً . فهذا مثل آخر من الأمثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به إيماناً صادقاً قوياً ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذاً ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى إذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلاً ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلاً ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين إلى حين ؛ لا سخطاً عليهم ، ولكن تعليماً لهم وتأديباً . فهذا مثل آخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريباً من الأمر أن يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود إلى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوماً آخرين ، ويفصل منهم من يرى أن ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوي بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الأجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يبلغ هذا من خصوم إيطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف في السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيراً ، وأخذ يلقي خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقي باشا أن يقتدي بموسوليني في هذه الناحية . ولكن إذا لم نستطع أن نخيف الإنجليز جهراً بالخطب والجيوش والأساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقاً في رسالته إلى عظيم إيطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة إلى روما ليتعلم على الأستاذ الأعظم فن الحكم وإقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وإنما ينبغي أن يحلل ويمحص ويقلّب على جميع وجوهه ، فإن في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادي النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسين
    السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ .

  • منذ اليوم

    حديث اليوم: منذ اليوم

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٦ يوليو ١٩٣٢

    من المحقق أننا أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الدستور قد كفل لنا الحرية على اختلاف ألوانها وتباين فنونها. نحن أحرار في التفكير؛ لأن حرية الرأي مكفولة في الدستور. وأحرار في القول والكتابة؛ لأن حرية القول والكتابة مكفولة في الدستور. وأحرار في الحركة والانتقال؛ لأن حرية الحركة والانتقال مكفولة في الدستور. نحن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من الناس في بلاد كثيرة من ألوان الاستبداد وفنون الإذلال؛ لما كفَّت ألسنتهم عن الثناء على رئيس الوزراء. وقد كدت أسميه الدكتاتور، ولكني أمسكت؛ لأن دكتاتوريته الفعلية إنما تبتدئ بعد يومين، حين يتفرق البرلمان فتستأثر الحكومة استئثارًا فعليًّا بالتشريع والتنفيذ حتى يعود البرلمان إلى الاجتماع. فهو إذن رئيس الوزراء إلى مساء الخميس، وهو الدكتاتور بعد ذلك. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من استبداد واستعباد لأثنوا على رئيس الوزراء أحسن الثناء، ولكنهم يجهلون ذلك فلا يرضيهم ما هم فيه من النعيم والعزة والسعادة. وأخلق بهم مع هذا البطر والأشر أن يصيبهم ما يكرهون.

    أمرهم في الحرية كأمرهم في الرخاء، يحسبون أن في بلادهم أزمة، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن أزمتهم ليست شيئًا يذكر بالقياس إلى أزمات الأمم الأخرى، وأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. ويحسبون أن حظهم من الحرية قليل، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن حظهم من الحرية كحظِّ غيرهم من الأمم الحرة المستقلة التي تستمتع بالنظام الديمقراطي الصحيح. والغريب من أمر هؤلاء المصريين أنهم يستمعون لرئيس الوزراء إذا خطب ويقرءونه إذا كتب أو تحدث إلى الصحف، ثم يشكون فيما يقول ولا يطمئنون إليه! يصدقون أنفسهم ولا يصدقون رئيس الوزراء، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا، وحسبك بهذا بطرًا وأشرًا. ماذا؟ ألأنهم يحسون العسر والضنك، وتألم كثرتهم من الخوف والجوع، يعتقدون أنهم مأزومون ولا يصدقون رئيس الوزراء حين ينبئهم بأن بلادهم لم تعرف العسر ولا الضنك بعد، وبأن الخوف والجوع لم يجدا بعد إليهم سبيلًا؟!

    اللهم إني أعوذ بك من هذه الفتنة، وأستعينك على هذه المحنة، وأضرع إليك في أن تعفيني مما تورط فيه هؤلاء المصريون الذين يرون أنفسهم أصدق من رئيس الوزراء. اللهم إني أعلن أن رئيس الوزراء صادق دائمًا، صادق حين يزعم لي الحرية وأنا مغلول، صادق حين يزعم لي الرخاء وأنا مأزوم. صادق حين يزعم لي الأمن وأنا خائف. صادق حين يزعم لي الشبع وأنا جائع. صادق في كل ما ينبئني به عن نفسي مهما أجد أنا ومهما أحس ومهما أشعر، ومهما تنبئني نفسي بغير ما يقول؛ ذلك لأنه رئيس الوزراء، ومعاذ الله أن أصيب أنا ويخطئ رئيس الوزراء، أو أصدق أنا ويكذب رئيس الوزراء!

    نحن إذن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا، ولو عاش مصطفى كامل رحمه الله في هذه الأيام التي نعيش فيها نحن؛ لكان أسعد الناس وأشدهم اغتباطًا حين يرى أمنيته الغالية حقيقة واقعة. فقد أصبحنا بفضل رئيس الوزراء أحرارًا في بلادنا مكرمين لضيوفنا، أحرارًا نفكر كما نشاء ونقول ما نشاء وننتقل كما نشاء. لا يجتمع البرلمان لينكر علينا ما نفكر أو ما نقول، ولا تطلب مشيخة الأزهر مصادرة كتبنا أو تحريقها. ولا تتعقبنا الشرطة حين نذهب أو نجيء، ولا تبلغ وزارة الداخلية أنباء ما يعترينا من حركة أو سكون. ولا يعدل بقطاراتنا عن الطريق العامة إلى الصحراء، ولا تحفر أمامنا الخنادق، ولا تهيأ لنا المكايد. نحن أحرار نفكر ونقول وننتقل كما نريد نحن لا كما تريد لنا الحكومة. ولا تصدق الأحرار الدستوريين ولا تصدق الوفديين، فأولئك وهؤلاء إنما يتجنون على الحكومة، ويقولون فيها غير الحق. ونحن مكرمون لضيوفنا. وما أشد إكرامنا لهم وسخاءنا عليهم! ننفحهم بالأموال ما أقاموا فينا، فإن رحلوا عنا تبعتهم أموالنا كما كان النظام القديم.

    انظر إلى عنايتنا بالأجانب سواء منهم الموظف وغير الموظف. ألسنا نفرض على الموظفين رسم الدمغة؟ فأما المصري فيؤديه صاغرًا وأما الأجنبي فيؤديه شكلًا، ثم يزاد في مرتبه ما يعوض عليه هذا الرسم. فإذا ارتحل الأجنبي عنا تبعته أموالنا في أشكال مختلفة. ألسنا نقرض السودان (أي الإنجليز) ونحن في حاجة إلى من يقرضنا؟! ألسنا ندفع كذا إلى الديلي تلغراف لتصدر ملحقًا خاصًّا عن مصر؟! نحن أحرار في بلادنا مكرمون لضيوفنا بفضل رئيس الوزراء الذي عرف كيف يجعل خيال مصطفى كامل حقيقة لا تتعرض لشك ولا ريب.

    ولكن الدستور الذي يكفل الحرية يأبى إلا أن ينظمها، وإذن فلا بد من أن تشرع لها القوانين، وتقام لها الحدود، ولا ذنب لرئيس الوزراء في أن يكون دستورنا كدساتير الأمم الأخرى ليقيم للحرية من الحدود والسدود ما يمنعها من الطغيان والعدوان، وقد جربنا الحرية التي لا يقام لها حد ولا سد، فرأينا نتائج هذه التجربة منكرة مرذولة. رأينا الناس يشكون فيما يقول رئيس الوزراء، فلا يصدقون أنهم أحرار ولا يصدقون أنهم أغنياء. رأيناهم يسيئون الظن بالحكومة فينكرون من أعمالها ويشكون في أقوالها وينقدون البرلمان، وأي إثم يعدل نقد البرلمان؟! وإذن، فلا بد من إقامة الحدود والسدود أمام هذه الحرية الطاغية. يجب أن يقتنع الناس في مصر بما يقتنع الناس به دائمًا في البلاد الراقية التي تعرف الحرية والديموقراطية من أن الحكومة مصيبة أبدًا لا يمكن أن تخطئ، صادقة أبدًا لا يمكن أن تكذب. ومن أن النواب والشيوخ مقدسون، مَن نالهم بالنقد فقد أسرف على نفسه واعتدى على وطنه وعرَّض نفسه لأشد العقاب.

    الأحرار في أوروبا يعرفون هذا؛ لأن عهدهم بالحرية والدستور قديم. أما المصريون فحديثو عهد بتلك وذاك، فلا بد لهم من التربية والتأديب، ولا بد من أن تعلمهم الحكومة ما كان ينبغي أن تعلمهم التجربة. ولا بد من أن يقوم التشريع الرسمي مقام الذوق والإحساس والشعور.

    أرأيت فرنسيًّا ينكر ما يقول هريو أو يسخر من البرلمان؟ أرأيت إنجليزيًّا يشك فيما يقول مكدونلد أو ينقد مجلس العموم؟ لا تصدق الصحف الفرنسية ولا الإنجليزية إذا نقلت إليك ما يقوله ترديو أو هندرسون أو أنصار هذا وذاك. فإن هؤلاء الفرنسيين والإنجليز قوم مكرة، يصدرون من صحفهم طبعتين مختلفتين: إحداهما صادقة تنشر في فرنسا وإنجلترا وتمثل المعارضة في صورتها الحقيقية مذعنة للحكومة، مؤمنة بها مصدقة لها، تمنحها كلَّ نصر وتأييد. والأخرى كاذبة مضللة ترسل إلى مصر خاصة وإلى الشرق عامة؛ لتفسد العقول والذوق والشعور. وهي تصور المعارضة مناوئة للحكومة وللكثرة البرلمانية. تنقدهما أشد النقد وتنكر عليهما أقبح الإنكار. وهل تنتظر من هؤلاء الأوروبيين أن يرسلوا إلينا من صحفهم ومجلاتهم وكتبهم إلا ما يفسد العقول ويعلمنا نقد الوزراء والنواب والشيوخ، والشك فيما يقولون ويفعلون. نحن إذن مسرفون على أنفسنا. وحكومتنا مخلصة في حبنا ناصحة لنا حين تؤدبنا بأدب الأمم الراقية، فتضع أمام حريتنا الطاغية من الحدود والسدود ما يعلمنا كيف نصدق رئيس الوزراء إذا قال، ونطيعه إذا أمر، وكيف نقدس النواب والشيوخ ونؤمن لهم بأنهم معصومون من الخطأ مضطرون دائمًا إلى الصواب.

    لقد شرعت لنا الوزارة شرعًا جديدًا. يعلمنا كيف نكون أحرارًا حقًّا، وقد أقر مجلس النواب هذا الشرع الجديد منذ أيام، وما أرى إلا أن مجلس الشيوخ سيقره الليلة. فليست غيرة الشيوخ علينا بأقل من غيرة النواب، وإذن فمنذ اليوم سنكون أحرارًا حقًّا. ومنذ اليوم سيعرف الكتاب والخطباء — إن كان للمعارضة أن تخطب — والصحفيون ما أقيم أمامهم من الحدود والسدود؛ ليوجهوا الشعب نحو الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة.

    ولعل الكاتب الفرنسي بومارشيه قد صور هذه الحدود والسدود أحسن تصوير حين انتطق بطله فيجارو بها في قصته المشهورة «زواج فيجارو». فللصحفي حريته في القول والكتابة بشرط ألا يمس السلطة، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الأخلاق ولا الأشخاص الذين يشغلون مكانات ممتازة، ولا الهيئات المحترمة، ولا الأوبرا، ولا التمثيل بوجه عام، ولا أي شخص يتصل بأي عمل. فإذا تجنب هذا كله وخضع لاثنين أو ثلاثة من المراقبين بعد ذلك فله أن يقول ما يشاء.

    أيها الكُتاب والخطباء والصحفيون، هذه الحدود قد رسمت لكم منذ اليوم، فاعرفوها واحذروا أن تتجاوزها، وقولوا بعد ذلك فيما تريدون. صفوا جمال الطبيعة وصفاء الجو واعتدال الإقليم، واحذروا أن تشكُّوا في أنكم أحرار! فأنتم أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. بذلك يخبرنا رئيس الوزراء، وإذا قال رئيس الوزراء، فقوله الحق مهما تحسوا ومهما تشعروا ومهما تعتقدوا.

    تعلموا منذ اليوم كيف تكون الكتابة الحرة والخطابة الحرة والصحافة الحرة. فمن اعتدى بعد ذلك فإنما يعتدي على نفسه، ومن أحسن فإنما يحسن إليها. أما أنا فقد عرفت طريقي فلن يسمع مني رئيس الوزراء منذ اليوم إلا الحمد والثناء، وأي الناس أحق بالثناء من رئيس الوزراء؟! أليس قد ضمن لنا الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة في ظل دستوره الجديد؟!

  • الألقاب والثياب

    الألقاب والثياب
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢١ أغسطس ١٩١٢

    ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!

    أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.

    أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!

    ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …

    يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!

    ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.

    اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.

    إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟

  • حتى في الحفلات العامة

    حتى في الحفلات العامة

    طه حسين

    جريدة مصر الفتاة

    ١٥ يناير ١٩١٠

    أكثَرَ النَّاسُ مِنْ نُصْحِ الأزْهَريِّينَ وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وتنفيرهم مما هم فيه
    من لغو القول وسخف الحديث؛ فلم يلتفتوا إلى ما دُعُوا إليه، ولم يُصغُوا إلى أصوات المُخلصين أو
    تهكُّم الساخرين.

    ولقد كنتُ بعيدًا عن هذا البَحث؛ لأنِّي أخذْتُ على نفسي أنْ لا أكتُبَ الآن فيما يُغضب
    أحدًا، وأن تكون أبحاثي مقصورة على الأدبيات والغَراميات مُذْ كان ارتياح الناس إلى هذا كثيرًا،
    وتطلبهم له جمًّا، لولا أن دُعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الزَّيات
    مساء الخميس الماضي؛ لعقد قرانه بكريمة المِفضال سيد أفندي النجار، فلمَّا أجبتُ الدَّعوة راقني
    ما كان في الحفل من جمال وظُرف، ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقتُ إلى
    سَمَاعه. ولستُ الآن بقائل كلمتي في هذا النوع من الغناء، ولا في هذا المغني المطرب الأستاذ
    الشيخ الحمزاوي، ولكني أقول كلمةً هي في الحقيقة حزن وأسى، لا سرور وفرح.

    بينما كان المُغني يطرب الناس بغنائه الجميل مال إلى طريقة لم أفهمها، كما أني لم ألُمْهُ
    فيها. هذه الطريقة هي التهكم بالأزهريين والسخر منهم: أوله «رُبَّ»، فما هي إلا أن أسترسل في
    البيت قليلًا ثم عاد فانتقل منه إلى قطعة من «الآجرومية»، فجعل يقول: رُبَّ ولعل ومتى واللام
    والواو والباء والتاء، فضحك له النَّاسُ كثيرًا، ومنهم أنا، إلا أنَّ ضحكي لم يكن إلا عنوانًا
    لما يُكِنُّه فؤادي من الأسف والأسى على ما وصل إليه أمر الأزهريين من الضِّعة والامتهان، ثم
    انتقل إلى بيت آخر هو قول القائل:

    إن كان في جلنارِ الخدَّ مِن عجبٍ فالصدرُ يَطرحُ رُمانًا لمَنْ يردِ

    فجعل يُرَدِّد هذا البيت بأنْغَام مُستحسنة، ثم عمد بطريقة من التهكم إلى كلمة في البيت هي
    الجلنار، فقسمها قسمين، وأخذ لفظة النار فجعل يرددها هكذا: نار على نور، نور على نار، نار على
    نار.

    ثم شرح هذا الترديد بقوله: النور في وجه الحبيب، والنار في كبدي أنا. ولو أنَّ بالكتابة يتمثل
    للناس المعاني تمثلًا ظاهرًا لمثلث للقُرَّاء تَهكُّم المعنى فيما كان يقوله بطريقة الترح
    والحواشي، ولا سيما التفاته بذلك إلى العمائم؛ فقد كان كثيرًا مُضحكًا.

    أنا لا ألوم المغني في ذلك؛ فقد يكون عمله وتبكية الأزهريين طريقة من طرق النصح والإرشاد، كما
    أنه قد يكون مَحض التفنن لإرضاء السامعين وإطرابهم، وعلى كلتا الحالين فنحن الأزهريين أهل
    اللوم؛ لأنَّنا جعَلْنا أنفسنا أغراضًا لمِثْل هذه المخجلات، وأبينا مع مرور الزَّمن إلا أنْ
    نظل على ما نحن فيه من جمود وخمول؛ فعسى أن نتعظ بمثل هذا التهكم وتلك السخرية اللذين يترددان
    كثيرًا في كل يوم، حتى أصبحت لفظة الأزهري أو المجاور سُبَّة على الناس وعارًا.

    لعلنا نتعظ بكل هذا فنصلح من أمرنا، ونقصر عن جمودنا، ونجاري غيرنا في الرُّقي والتقدم؛ فقد
    بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطبين، وإن في ذلك لبلاغًا.

    يوم القران قصيدة قالها صاحب الإمضاء يهنئ بها صديقه صاحب الحفل، ويحمد من حفله أن جمعه بصديق له
    طالت بينهما الجفوة، فأصلح بينهما: يا خليليَّ سلامي حبذا يوم القران حبذا أمس فَفَدَّا ني نوالًا غير دان حبذا ليلة أمس راق لي فيها زمان ليلة قد نلت فيها من حظوظي ما شفاني ليلة قصر في تقـ ـريظها أمس لساني أنا لا أحمد منها حسن توقيع الأغاني إنما أحمد منها حسن أنسي بفلان وسروري بصديق وهو في أحسن شان ناعم البال قرير الـ ـعين في غير افتتان لم أزل أقصف حتى خلت أني في الجنان بينما نحن على ذ لك زفَّ القمران آه يا زياتُ ما أجـ ـمل ساعات الأماني! هُنَّ قد هجْنَ لنفسي ذِكْر سَحْرٍ وعنان أنا لولا سوء حظي لم أكن إلا ابن هاني يا شقيق النفس ضاق الشـْ ـشِعر عن نظم التهاني لا تلُمني إن دعوتُ الشـْ ـشِعر والشعر عصاني جلَّ حبي لك يا زيـْ ـيَات عن وصف البيان لك من صِدْق ودادي أي أسباب متان يا صديقي ولعمر الله لو صدقتماني! آه كم أضمر حبًّا لكما لو تعلمان! إن محمودًا لمن قلـ ـبيَ في خير مكان لكما نفسي فداء من عوادي الحدثان فلتعيشا ليَ حتى يقضيَ الله زماني قد أطلت القول يا زيـْ ـيَات فاهنأ بالقران