Tag: السخرية

  • حياء

    حياء
    ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس، يشعرون ويحسون، ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول.
    وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعا للتفكير والتقدير.
    لم تكد تتقدم بها السن حتى ملأت الأرض صياحا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام، ولكنهم صدقوه، واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب من الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صوره تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقا به، وعطفا عليه، فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلا قليلا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض. ويزداد باب الاستثناء انفتاحا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم، ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج عن الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعا، ولكنها عادت فدارت حول بعض هذه المرتبات المنقوصة حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.
    فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئا، فأعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال. وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين فاستكشفت لهم أعمالا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال، وعلى هذه الكفايات بالترقيات وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحا. وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات. هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا يتندر، وهذا يفوض أمره إلى الله. كل يفكر في مرتبه: أينقص أم يزيد أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقا لا أمل له في أن يبلغ أمده.
    كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا في المكتب والنادي والقهوة حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجها مظلما، وجبينا مقطبا، وخلقا سيئا. ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانا قد ارتقى، وفلانا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لاحظ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيا، وأهملت مذكرته إهمالا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.
    وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدون في التسرية والتسلية فلا يبلغون مما يريدون شيئا. وإذا هم ينغمسون في حزن عميق، وسخط كثيف وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم فلا يرون إلا وجوها عابسة مرة، فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غيَّر وجهه الحزن، وما لأمنا قد بللت خدها بالدموع؟
    ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفا، ولا يغيرون منه شيئا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.
    ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالا، وأوسع المصريين آمالا، وأشد المصريين ثقة بغد، وأمنا من الظمأ والجوع.
    وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعباء الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخط واستهزاء.
    حتى إذا كان يوم الخميس الماضي واجتمع مجلس الوزراء في المساء؛ عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، جمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا معذورين فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين، واستعطاف المستعطفين، فما بال أقوام يظفرون وقوم يخسرون؟! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة لينظر في أمرهم ويجزيهم على صبرهم خيرا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس الماضي كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة، وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابا يجب أن تظل مغلقة حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس يحسون الخجل، ويجدون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس وتحفظ سرا مصونا تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى فتضيع هذه الاستثناءات وتمر دون أن يشعر بها الناس!
    وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء، فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض من العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة..!!
    أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء؟.
    كوكب الشرق في ١٥ – ٥ – ١٩٣٣

  • تجربة

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

  • شقاء

    شقاء
    جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس يريدون أن يستجوبوا الحكومة حول الضرائب لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له أنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملاك بعد المشقة والجهد، وبعد الكد والعناء.
    ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يوما ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمس الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تجبى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتر فيها، فإذا أداها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق السجون عبثا، وإنما خلقها لتؤوي فيمن تؤويهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق الشرطة عبثا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.
    وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزما سواء قدر أم عجز بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائما، وليشكو ويشكو دائما، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.
    وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي، لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظفين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد، فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع لأن الله إنما خلق الناس ليمتص بعضهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض، وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتؤجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضا لتؤدي الدين، ولتؤديه ذهبا إن لم توفق إلى تأديته ورقا. والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدين، لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمأه، وتعرض الفلاح للأوبئة المهلكة، والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.
    ولم لا! هذا شعور طبيعي يجده كل إنسان، إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائما أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبا إذا لم نوفق إلى إرضائه بالدفع ورقا.
    يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يشبهه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظن بنا القدرة فله أن يطالب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر وما دامت لنا سمعة يجب أن تحفظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتحط بجميع أشكالها ومظاهرها.
    وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيا إلى أوروبا، ولتحط به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تليق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.
    هذه أشياء يجب أن تبقى سرا مكتوما بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يحس الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!
    ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلد مستقل كريم أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضورون جوعا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.
    ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعية محفوظة أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليه من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!
    هذه أسرار يجب أن تظل مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونئن من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويئن؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينا متصلا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!
    ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين أن يعدلوا عن استجوابهم فهم يحاولون شيئا لا سبيل إليه، ولا أمل فيه!
    أين هي الشجاعة التي تمكن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ.
    لا أمل في أن تمس الضرائب ولا في أن تخفض، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رئاسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا. وإذن فشيئا من الرفق، وشيئا من المجاملة، وشيئا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!
    وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعواما، فليصبر أشهرا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئن الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!
    أما أنا فليس يعنيني أن تخفض الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يغنيني هو أن يشعر الفلاح بما يحيط به من شقاء.
    كوكب الشرق ١٢ = ٥ = ١٩٣٣

  • استجواب٢

    استجواب

    ذاق مجلس النواب لذة الاستجواب، ووجد عذوبة الكر والفر، وحلاوة الجدال والنضال، فلم يفرغ من الاستجواب حول جبل الأولياء حتى اندفع إلى الاستجواب حول تخفيض الضرائب. وإذا صدق الظن، فلن تنتهي هذه الدورة حتى يشبع النواب استجوابًا، ويشبع الوزراء ثقة.

    ولِمَ لا؟ في الاستجواب نشاط، وقد طال الفتور، وفي الاستجواب عمل، وقد طال الكسل، وفي الاستجواب كلام، وقد طال الصمت. فلم لا يرغب النواب في الاستجواب لينشطوا، ويعملوا، ويتكلموا، ويعلم الناس أن نوابهم ناهضون بالنيابة عنهم على خير ما ينهض النواب بواجباتهم البرلمانية، وليعلم الناس في مصر وإنجلترا أن زعيم المعارضة الرسمية في البرلمان لم يكن موفقًا حين زعم أن المجلس هو المسؤول أمام الوزارة، بدل أن تكون الوزارة هي المسؤولة أمام المجلس.

    ومن يدري؟ إن الأحلام مطلقة الحرية، لا تعرف حدًا تقف عنده، ولا أمدًا تنتهي إليه. فلعل حلمًا من هذه الأحلام الهائمة التي تزور الناس عند مطلع الفجر، وقبل أن تكتسي الأرض بأضواء الشمس المشرقة، قد يقف عند المستجوبين وهم نيام كأيقاظ، أو أيقاظ كنيام، فيخيل إليهم أن استجوابًا جديدًا قد يمكنهم من إحراج الوزارة، واضطرارها إلى الاستقالة، فتحدث معجزة المعجزات، وأعجوبة الأعاجيب، ويقترع المجلس برفض الثقة، ويرفع رئيس الوزارة استقالة وزارته، ويقول الناس إن هذا المجلس، الذي كان يتهمه بعض أعضائه بأنه ظل للوزارة، قد رفض الثقة بالوزارة واضطرها إلى السقوط.
    ويجد الإنجليز حلًا للمشكلة التي يتورطون فيها الآن، مشكلة السخط على الموقف السياسي الحاضر، والحرص على التزام الحياد الدقيق، فتسقط الوزارة، ويخلص منها الذين يضيقون بها من أصدقائها أمس، ولم يظهر منهم تدخل في شئون مصر، ولا خروج على الحياد.

    ويجد رئيس الوزراء مخرجًا من هذا المأزق الذي اضطرت إليه الظروف، فيستقيل، لا لأن الإنجليز أرادوه على الاستقالة، أو لمحوا له بالاستقالة من بعيد، بل لأن مجلس النواب قد ضن عليه بالثقة. وقد قال رئيس الوزراء ألف مرة إن بقاء الوزارة رهين برضا جلالة الملك وثقة البرلمان، فإذا فقد ثقة البرلمان استقال. والإنجليز محايدون، وإن كرهت المعارضة التي لا تؤمن بهذا الحياد.

    ومن يدري؟ لعل هذا الحلم قد خيل لأصحاب الاستجواب أن استجوابهم، إن أدى إلى سقوط الوزارة، قد يقضي على هذا التضامن بين المجلس والوزارة، وقد يقطع هذه الأسباب الثقيلة التي تصل بينهما، وتضطرهما إلى أن يحتملا معًا ما يتعرضان له من خير أو شر. وإذا زال هذا التضامن، وانقطعت هذه الأسباب، فقد تذهب الوزارة، وتتصل أسباب الحياة للبرلمان.

    ثم انجلى الحلم، واستيقظ النائم، فما أسرع ما ظهرت مسألة الضرائب، وما أسرع ما صدر الاستجواب للمستجوبين!

    والصحف تقول إن مساعي تبذل لحمل المستجوبين على أن يستردوا استجوابهم، وصحيفة الوزارة تجتهد اليوم في إقناع هؤلاء المستجوبين بالعدول عن تحقيق هذا الحلم؛ لأن الحكومة مضطرة إلى ألا تمس الضرائب الآن، وإن كانت قد وعدت من قبل بأنها ستعدلها وتنالها بالتخفيض. ذلك أن النواب المستجوبين حديثو عهد بالسياسة الوزارية فيما يظهر، أو هم يتكلفون حداثة العهد.

    فقد وعدت الوزارة بتخفيض الضرائب حين كان هذا الوعد نافعًا في كسب الأنصار، وخداع الناس بالأماني والآمال. فأما الآن فليس إلى هذا التخفيض من سبيل؛ لأن هذا التخفيض يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بحسن قصد الحكومة، ويمس حالتنا المالية، وحسبك من شر سماعه.

    وأين تجد الوزارة الشجاعة على إغضاب الأجانب؟ وماذا تصنع الوزارة في مسألة الدين إذا لم تقض لنا المحاكم المختلطة بالأداء ورقًا، ولم تنجح المفاوضات التي لم توفق الوزارة إلى بدئها بعد؟ ومن أين تدبر الأموال لجبل الأولياء؟ ومن أين تدبر الأموال لما تستتبعه تعلية خزان أسوان من الأعمال التي ذكرها وكيل المالية في تقريره الذي نشرنا بعضه أمس؟ ومن أين تنفق الحكومة على المؤتمرات حين تعقد في مصر، وعلى الذين يمثلونها في المؤتمرات حين تعقد في غير مصر؟ ومن أين تدبر الأموال لكل هذه الأعمال؟ ثم من أين تقتصد الوزارة ثلاثة ملايين ونصف مليون من الجنيهات لتتمتع بهذا الاقتصاد، ثم لتعتذر عن شراء سيارة لرئيس الوزراء قيمتها ألف أو أكثر من ألف، وهو الذي اقتصد الملايين؟

    كل هذه أشياء يجب أن يتدبرها المستجوبون، في رأي صحيفة الوزارة، قبل أن يقدموا استجوابهم أو يصروا عليه.

    وإذن فالمستجوبون يريدون تحقيق الحلم، والوزراء يخافون من هذا الحلم، والأيام وحدها هي التي ستثبت ما قلناه وما نقول دائمًا: من أن الأمر تمثيل في تمثيل، ومن أن النواب لم يشبعوا استجوابًا، والوزراء لم يشبعوا ثقة، ومن أن الحياة ثقيلة مضنية، والهموم كثيرة معنية، ولا بد من شيء من التسلية. وأي تسلية للنواب خير من الاستجواب؟ وأي تسلية للوزارة خير من الثقة؟!

    أما أنت، أيها الشعب البائس المحزون، فاحذر أن يخدعك وعد، واحذر أن يفتح لك الاستجواب بابًا من أبواب الأمل، وكن كما كنت بائسًا محزونًا، ومثقلًا مكدودًا، واحتمل كما تحتمل اليوم أداء هذه الضرائب من قوتك الذي لا تجده، ومن دمك الذي كاد يجف في عروقك، ومن طعام أبنائك وتعليمهم، وأعد نفسك، إن أعياك الأداء، لوقع السياط، ولزوم السجون، وتذوق ألوان العذاب.

    فلا بد لك من هذا حتى يأذن الله لك بفرج قريب، ولكن لا تنتظر الفرج من هذا الاستجواب، فسيتم الصلح بين الوزارة والمستجوبين على كل حال.

    إما غدًا، زعموا * أو لا فبعد غد.

    كوكب الشرق ١٠-٥-١٩٣٣

  • خطبة

    خطبة
    ليست لرئيس الوزراء، فقد كف المرض رئيس الوزراء عن الخطابة، واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه، ويتكلمون بلسانه، وليس شك في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أكره عليه رئيس الوزراء آيات لا تحصى، وفقد ما كان يمتاز به في هذا العهد السعيد من رونق وبهجة، ومن روعة وبراعة، وأصبح عاطلًا تزور عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وأحست المنابر في القاهرة والأقاليم أنها فقدت خطيبها البارع ومنطيقها الذي لا يُجارى، ولا يُشَقّ له غبار. وقد لاحظ الذين سمعوا وكيلي رئيس الوزراء في الخطابة في مجلس النواب مرة، وفي قاعة جروبي مرة أخرى أن هذين الوكيلين لم يُقِيما بيان رئيس الوزراء على وجهه، ولم يحتفظا له بجماله وسحره، وإنما عبثا به عبثًا غير قليل، وأصاباه من ضروب التشويه بما أثار الأسى في القلوب والحزن في النفوس.
    ولكن الله – عز وجل – خليق أن يعوض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطيقها الفذ منطيقًا فذًا، وقد فعل فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!!
    وأشهد لقد برع وزير التقاليد في الخطابة، فلن يساميه بعد اليوم خطيب، ولقد نبغ وزير التقاليد في البيان! فلن يدانيه بعد اليوم بليغ، وأخشى ألا يكون لبراعة وزير التقاليد في الخطابة، ونبوغه في البيان أثر يمحو آثار رئيس الوزراء ويعفيها، ويجعله لاحقًا، بعد أن كان سابقًا، ويرده إلى الطبقة الأولى بعد أن كان في الطبقة الأولى. ولو قد فسرت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الصحف التي يقرؤها الناس، لا في صحف الوزارة، لأجمع المصريون على أنهم قد استأثروا في هذا العصر الحديث بزعامة الخطابة بعد أن استأثروا بزعامة الشعر، وأن أمر الأدب كله قد أصبح إليهم، يقولون فيه فلا يُرَدّ عليهم قول،
    ويقضون فيه فلا يُرَدّ لهم قضاء، ولو قد ذاعت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الخطابة لأجمع المصريون أيضًا على أن هذه الآيات يجب أن تُفرَض في المدارس فرضًا، وتُحشَر في نفوس التلاميذ والطلاب حشرًا، وتتلى في كل مجمع، وتعلّق في كل مكان، وقد سطرت بماء الذهب على صحف الديباج، فلم يُقَدّر لمصر في يوم من الأيام أن تبلغ من البيان الرفيع والأدب البديع ما بلغته أول أمس بفضل وزير التقاليد حتى قام خطيبًا في حفلة من حفلات الانتخاب!!
    وليس الغريب أن يتفوق وزير التقاليد في الخطابة إلى هذا الحد، ويرتفع من روعة البيان إلى هذه المنزلة، فهو مؤلف كتاب «البيع» وهو صاحب الفصول البارعة المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رَفتي المبني على التشفي والانتقام»! وهو وزير التعليم وهو رئيس الجامعة الأعلى، فإذا لم تجتمع له بعد هذا كله أسباب البراعة الأدبية والمهارة البيانية، فلمن تجتمع؟ وإنما الغريب أن يظل هذا النبوغ سرًّا مكتومًا، وأمرًا مستورًا على كثرة ما تكلم وزير التقاليد في مجلس البرلمان، وفي غير مجلس البرلمان، وعلى كثرة ما تحدث وزير التقاليد في بهو الكونتننتال، وفي غير بهو الكونتننتال، ولكن الله جعل لكل شيء أجلًا، ورهن الحوادث بأوقاتها، فأراد فيما سبق من الغيب ألا تتكشف للعيان عن براعة وزير التقاليد في الخطابة والبيان إلا حين تضطر الأقدار رئيس الوزراء إلى الصمت والسكون ليكون في نبوغ هذا عزاء عن سكوت ذاك، وقد يكون من اللذيذ الممتع أن يُعْنَى مؤرخو الآداب بتحليل هذه الشخصية البيانية الفذة التي أظهرها وزير التقاليد أول أمس، لعلهم أن يتبينوا ويُبينوا للناس سر المهارة الرائعة في التحدث إلى الجمهور.
    وكم كنا نود لو نقف هذا الموقف من خطبة وزير التقاليد، لولا أن في هذه الخطبة من أمور السياسة ما يشغلنا عما يُعْنَى به الأدباء.
    ولعل أظهر خصلة تُلاحَظ في هذه الخطبة البارعة والآية الرائعة هي استقامة المنطق، وحسن الاحتجاج، ودقة الاستنتاج، وبراعة الانتقال من فكرة إلى
    فكرة! فقد أثبت وزير التقاليد أن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول وتمرينها على التفكير الصحيح لم تؤت ثمارها، ولم تنتهِ إلى نتائجها إلا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم! ولهذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة وتطمئن إلى منطقها حين تقرؤها لأول مرة؛ فلا بد إذن أن تقرأها مرات، ولا تخف من أن تقرأها عشرًا. ومن المحقق أنك بعد هذه القراءات العشر لن تذوقها، ولن تطمئن إلى منطقها، فثق حينئذ بأنك رجل عادي، وبأن وزير التقاليد رجل نادر، وبأن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين.
    انظر إلى وزير التقاليد كيف أراد أن يكون مجددًا، لا مقلدًا، فلم يقل أيها السادة، ولا أيها الأصدقاء، ولا أيها الإخوان كما يقول عامة الناس، ولم يقل
    يا حضرات السادة كما يقول رئيس الوزراء، وإنما قال: أبناء المنوفية. وقد استغنى عن حرف النداء، إما لأنه مُتعِب، والوزير في حاجة إلى الراحة، وإما لأنه يدل على التحدث إلى عدد ضخم من الناس والوزير لم يكن يتحدث إلا إلى عدد قليل. وإما (وهذا هو الصحيح) لأن حرف النداء يدل على بعد المخاطَبين، وهم كانوا أقرب إلى الوزير من ظله، وأدنى إليه من نفسه. وانظر إليه كيف علل تجديده فأحسن التعليل، وكم أوّله فأحسن التأويل، فهو يدعوهم (أبناء مديريته) لأنه فخور بهم، ومقدر لهم شعورهم ووطنيتهم. فماذا أحدث وزير التقاليد؟ فهذا كلام الرجال العاديين، فأما الأفذاذ الممتازون ففخرهم بأهل أقاليمهم فذ، وتقديرهم لشعورهم ووطنيتهم ممتاز، فلهم وحدهم
    أن يدعوهم أبناء المنوفية كما دعاهم وزير التقاليد، وأن يعللوا هذا النداء بأنهم فخورون بهم، مقدّرون لشعورهم ووطنيتهم.
    ثم انظر إلى هذا الإبداع الذي لا نظير له، والذي لا يبلغه إلا النابغون النابهون، حتى نَسِيَ وزير التقاليد أو تناسى، أو جهل أو تجاهل ما بين حزب الشعب والاتحاد من تنافس أدّى إلى الأزمات في البرلمان، وإلى الاستقالات خارج البرلمان. وأعلن أن ليس بين الحزبين من خلاف، ولا يمكن أن يكون بينهما خلاف، وإن كان هو وكيل حزب الاتحاد، لأن خلافًا حدث بين
    الحزبين أقصى وكيل الاتحاديين عن وكالته، وأقام وزير التقاليد مكانه بعد أن استكان الاتحاديون لغضبة رئيس حزب الشعب.
    ولكن الاعتراف بالحق، والنظر إلى الواقع، شأن الرجال العاديين، فأما الأفذاذ النابغون أمثال وزير التقاليد، فإنهم يخلقون الحق خلقًا، ويفرضون الواقع فرضًا، ويقررون الأشياء من عند أنفسهم وخلاص!!
    ثم انظر كيف أقام وزير التقاليد الدليل الساطع والحجة المفحمة على أن ليس على الوزارة بأس، فقال إن رئيس الوزراء قد أعلن أن أمر الوزارات إلى جلالة الملك. وإذن فقد أخذ وزير التقاليد عهدًا على الأنام، وعهدًا على الأقدار، وعهدًا على الحوادث والخطوب، وعهدًا على جلالة الملك ألا تستقيل الوزارة، ولا ينحل البرلمان حتى يتم أجله الدستوري!! فلن تكون الانتخابات قبل سنة 1936!!
    أما عند الرجال العاديين فهذا الكلام لا يصور رشدًا، ولا ذكاءً، ولا فهمًا، ولا تواضعًا، ولا اعترافًا بسلطان الأيام والحوادث، ولا تقديرًا لما يجب لجلالة الملك من الإكبار والارتفاع بحكمته السامية عن أهواء الوزراء، وميول السياسة. وأما عند الأفذاذ النابغين أمثال وزير التقاليد، فهذا الكلام هو الرشد كل الرشد، وهو الذكاء كل الذكاء، وهو الإكبار كل الإكبار لحق جلالة الملك في أن يغير الوزارات متى اقتضت حكمته السامية ومصلحة البلاد هذا التغيير وإن لم يبلغ البرلمان أجله، وإن لم تأتِ سنة 1936، وإن لم تنفض الدورة البرلمانية، وإن لم ينتهِ هذا الشهر الذي نحن فيه.
    ثم انظر بعد ذلك إلى آية الآيات في المنطق الصحيح، ومعجزة المعجزات في الاستنتاج المستقيم، وإلى البرهان الذي لا يقبل شكًا ولا نزاعًا ولا يحتمل بحثًا ولا جدالًا على أن أمورنا قد جُعِلت إلى خيارنا وأكثرنا بسطة في العلم والجسم، وأقومنا منطقًا، وأصدقنا فهمًا.
    أراد وزير التقاليد أن يشير إلى عناية الحكومة بمصالح الناس، وإلى نتائج هذه العناية فذكر تخفيف أعباء المزارعين الذين اقترضوا على الحاصلات، وذكر عناية الحكومة بالحماية الجمركية. فأما نتائج هذه العناية وهذا التخفيف فهي
    عند الرجال العاديين أن تحسن حال المزارعين والتجار. أما عند وزير التقاليد النابغة الفذ، فهي شيء آخر، تستطيع أن تبحث عنه شهرًا، وأن تبحث عنه دهرًا، ولن تظفر به، ولن تنتهي إليه، لأن منطق الرجال العاديين لا يستطيع أن يوصلك إليه أو يدلك عليه. أتعرف ماذا ينتج عن الرفق بالزراع الذين اقترضوا على الحاصلات، وعن تقرير الحماية الجمركية؟ هو أن الطلبة قد انصرفوا إلى دروسهم ولم يشتغلوا إلا بها.
    نعم هذه هي النتيجة التي انتهى إليها منطق وزير التقاليد ونبوغه في حسن الفهم واستقامة الاستنتاج.
    ألم أقل لك إن أمورنا قد جُعِلت إلى أشدنا ذكاءً وأصحنا عقلًا وأصدقنا فهمًا، وأقومنا منطقًا من أمثال وزير التقاليد! ثم يزعم المصريون بعد ذلك أن مصر لا تزال دون أوروبا فهمًا وعلمًا وبيانًا، وأن وزراء مصر لا يزالون دون وزراء أوروبا تفوقًا ونبوغًا.
    أما أنا فأتمنى لوزير المعارف الفرنسية الذي تغذى عنده وزير معارفنا في الصيف الماضي أن يزور مصر، ويعاشر وزير التقاليد أسبوعًا أو أسبوعين ليستقيم عقله، ويصح منطقه فيستقيم التعليم في فرنسا، وتصبح المدارس الفرنسية والجامعات الفرنسية راقية رُقي المدارس المصرية والجامعة المصرية في ظل هذا العقل الواسع الخصب المستقيم، عقل وزير التقاليد.
    كوكب الشرق ٦ — ٥ — ١٩٣٣

  • ذوق

    ذوق

    للظروف السياسية ذوق كثير جداً، دقيق جداً، شديد الحس، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة لما قد يقال، شديد الخوف مما قد يقال، شديد الحرص ألا يظن بأصحابه إلا الخير، ولا يقال فيهم إلا الخير، وهذا الذوق فيما يظهر يجب أن يعتبر بين المؤثرات القوية في حياتنا السياسية، ولعله أشد المؤثرات عملاً في بقاء الوزارة القائمة إلى الآن، ولعلنا لا نغلو ولا نسرف ولا نجانب الصواب إن قلنا إن هذا الذوق هو الذي أبقى الوزارة القائمة بعد حوادث البداري حين فسد من حول هذه الوزارة كل شيء، وتحلل من حولها كل شيء، وساء بها ظن الأصدقاء، وقبح فيها رأي الأولياء، وتنكر لها حتى أقطابها ودعائمها، وزلزلت بها الأرض، وأظلمت في وجهها السماء، وقال القائلون إنما هو يوم أو بعض يوم حتى يكشف الضر، وتنجلي الغمرة، ويقر الحق في نصابه، ويرد الأمر إلى أهله، ويزول عن مصر هذا السلطان الذي سجل عليه القضاء اتخاذ العذاب وسيلة من وسائل الحكم، وما كان أحد يقدر أن رئيس الوزراء سيستقل بأعباء الحكم بعد أن تخفف من ماهر باشا ودوس باشا وعبد الفتاح باشا يحيى، لولا الذوق، هذا الذوق الكثير الدقيق الحساس الذي أبى أن تختم التجربة بمأساة البداري، وأن تنتهي الحياة السياسية لرجل كصدقي باشا بهذه القصة المزرية المخزية، فأعيد تأليف الوزارة، وأقر رئيس الوزراء في منصبه وانتظرت به الأحداث فرصة أنقى وأنصع من هذه الفرصة يخرج فيها من الحكم بادي النقاء، بادي الصفاء. وما هي إلا أسابيع حتى يلم المرض برئيس الوزراء، وتقوم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أن الرجل لم يعد قادراً على احتمال أثقال الحكم والنهوض بأعباء السلطان.

    ويقول الناس في شيء من الرحمة والإشفاق أن الرجل سيستقيل إيثاراً لنفسه بالخير وإن أبى فسيقال إيثاراً له بالعافية، ولكن الذوق هذا الذوق الدقيق الحساس يرى أن ليس من الملائم أن يقصى الرجل عن الحكم وهو مريض، لم تخف عليه وطأة المرض بعد، وقد يكون من الخير أن يمهل حتى يستطيع التفكير والتقدير، وحتى يرى هو أن صلاحه وصلاح وطنه في أن يستقيل، فإذا خفت وطأة المرض عليه سعى إلى الشفاء سعياً بطيئاً؛ لم يستقل ولم يجرؤ الذوق الدقيق الحساس على أن يذكره بالاستقالة أو على أن يجعل إقالته موضوعاً للتفكير.

    وإذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد الذين يطمعون فيه، ويسرفون في استغلاله، ويتوسلون إلى هذا الاستغلال بالوسائل المتباينة، ويسلكون إليه السبل المتباينة، وقد أحسَّ رئيس الوزراء في نفسه عجزاً عن بعض شيء من أثقاله، ولم يتخفف من أثقاله كلها، أعاد ترقيع الوزارة ونزل عن وزارة الداخلية، ورأى أن هذا يكفي، ولم يستطع الذوق الرقيق الحساس أن يتجاوز معه هذه الخطوة القصيرة، أو أن يدفعه إلى أبعد من هذه المسافة التي قطعها ووقف عند غايتها، فاستقلت الوزارة المرقعة بأعباء الحكم في شيء من الظلع والعرج ظاهر محسوس، وكانت المصالح العامة في أثناء هذا كله تلقى الضروب من الشر، فمنها ما يهمل، ومنها ما يعضل، ومنها ما تجري الأمور فيه على غير ما ينبغي.

    حتى اضطرب الأمر، وضج الناس، وقال المصريون والإنجليز إن من غير المفهوم أن تترك أمور بلد كمصر إلى وزارة لا قدرة لها على النهوض بهذه الأمور، لأنها خالية من الكفايات، ليس فيها إلا رئيسها وهو مريض، وكان كل شيء يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة أو تلفت إلى الاستقالة، أو تقال.

    ولكن استقالة الوزارة عسيرة ما أقام البرلمان، فهو لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهو ذاهب إن ذهبت، ومقيم إن أقامت. والبرلمان هادئ مطمئن، يعقد جلساته في أمن وهدوء، وينصرف عنها في سلام وطمأنينة. لم يحدث حدثاً، ولم يغير شيئاً، ولم يأت ما ينكر منه أو يلام عليه، فمن العسير على الذوق، هذا الذوق الرقيق الحساس أن تستقيل الوزارة ويتبع استقالتها حل البرلمان. وإذن فمما يلائم الذوق الدقيق الحساس أن تبقى الوزارة حتى يتم البرلمان دورته، وأمد البرلمان قريب، فقد وقّت الدستور لها خمسة أشهر، وستنتهي هذه الأشهر الخمسة في شهر مايو، فليكن كل تغيير بعد تفرق البرلمان.

    ولكني قلت لك إنه إذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد من يطمع فيه، ويسرف في استغلاله، والظاهر أن هذا الحديث الذي يتردد في الصحف منذ أيام بامتداد الدورة البرلمانية إلى أجل أبعد من الأجل الذي رسمه الدستور، ليس إلا مظهراً من مظاهر الاستغلال لهذا الذوق الدقيق الحساس. فما دام البرلمان عاملاً فيجب أن تظل الوزارة قائمة، وإذن فليعمل البرلمان، وليعمل، ولتمتد به أسباب العمل إلى أقصى أجل ممكن، وأبعد أمد ميسور. وفي خطبة العرش التي افتتحت بها الدورة البرلمانية فسحة للعمل والأمل معاً، فقد كثرت فيها الوعود، وسميت فيها قوانين ومشروعات لا تكاد تحصى، فلتمتد الدورة البرلمانية حتى تتحقق الوعود، وتعرض القوانين والمشروعات، ويدرسها البرلمان، ويتخذ فيها قراراً، وتربح الوزارة بهذا الاستعداد شهراً أو شهرين أو أكثر من شهر أو من شهرين. ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تنساها وتعرض عنها فتبقى في حماية النسيان والإعراض، ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تثير من الأحداث والخطوب ما يغير طريق السياسة، ويضيف إلى أجل الوزارة أجلاً جديداً، ويمد لها في البقاء ولو وقتاً قصيراً. وعلى كل حال فستربح الوزارة حظاً من البقاء توشك أن تخسره وإن وقفت بالدورة البرلمانية عندما رسم الدستور، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة فيصد عنها، وتمد له الحياة فيزهد فيها؟ ومن ذا الذي لا يستعذب قول الشاعر القديم:

    ألمَّا بمي قبل أن تطرح النوى ٭ بها مطرحاً أو قبل بينٍ يزيلها
    فإلا يكن إلا تزود ساعةً ٭ قليلٌ فإني نافعٌ لي قليلها

    نعم لتمتد الدورة البرلمانية، ولتبق الوزارة حتى لا يدع القدر لهادي البقاء سبيلاً. فإن قال القائلون: كيف يعمل البرلمان ورئيس الوزراء مسافر للاستشفاء؟ أجيب في سهولة: لقد عمل البرلمان ورئيس الوزراء مريض، وقد ألغيت المسافات في هذه الأيام، فرئيس الوزراء قادر على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في أوربا، كما كان قادراً على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في الزمالك! وإذن فليس ما يمنع أن تمد الدورة البرلمانية، وأن تستمتع الوزارة بشيء من الحياة.

    كذلك قدّر المقدرون، وكذلك فكّر المفكرون في أكبر الظن، وكذلك أثّر الذوق الدقيق الحساس في حياتنا السياسية، وكذلك يراد أن يؤثر هذا الذوق في حياتنا السياسية مرة أخرى، ولكن الغريب من أمر هذا الذوق أنه دقيق حساس فيما يمس الوزارة ورئيسها، وفيما يمس البرلمان وأعضاءه، ولكن أحداً لا يشعر برقته ولا بحسه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن آلام هذا الشعب متى تنتهي؟ ولم يحفل أحد بسخط هذا الشعب في قصة البداري؟ ولم يلتفت أحد إلى مصالح هذا الشعب التي عطلها مرض رئيس الوزراء، والتي سيعطلها سفر رئيس الوزراء، وقد كان حقاً على هذا الذوق أن يكون عدلاً في دقته، وفي حسه، وأن يحرص على حسن النظر للشعب ومصالحه، كما يحرص على حسن النظر للوزارة والبرلمان، إذا لم يكن من الميسور أن تكون العناية بالشعب ومصالحه أشد من العناية بالوزارة وبقائها.

    غير أن الأيام أقوى من الذوق مهما دق، ومهما اشتد حسه، وهي أقوى من الوزارة مهما أحبت الحياة ورغبت في البقاء، فجائز، بل راجح أن تبتسم الأيام لهذا الذوق ودقته وحسه، وجائز أن تبتسم الأيام للوزارة واستغلالها لهذا الذوق، كل هذا جائز، بل كل هذا راجح، ولا سيما إذا كان للأيام حليف أمين، له قوتها وله قدرتها على السخرية والابتسام، وهذا الحليف الأمين القوي هو صبر الشعب على المحن، واستهزاؤه بالخطوب.

    كوكب الشرق ٧-٥-١٩٣٣

  • سيارة

    سيارة
    الله – عز وجل – لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها؛ لأنه إنما يضرب الأمثال للحكمة والموعظة الحسنة، وليبين للناس قصد السبيل، ويصرفهم عن جائرها. فمن حقنا، بل من الحق علينا أن نتأدب بأدب القرآن الكريم، وألا نتحرج من أن نتحدث إلى الناس في شيء ما: سيارة فما فوقها لنبين لهم مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة حين تعرض للكبائر وحين تعرض للصغائر من الأمور.
    والناس يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض للري فتقيم الخزان هنا، وتمهد لإقامة الخزان هناك، وتعرض في هذا كله عن نصيحة الناصحين، ومشورة المشيرين، وهم يعلمون كذلك ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لأمر الدين فتعلن أنها لن تدفع إلا ورقًا، وتمضي مع ذلك في خصومة قضائية ولا تجد الشجاعة على أن تتخذ في هذا الأمر قرارًا حاسمًا يقطع الشك ويزيل اللبس.
    وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة القائمة من العوج حين تضيق استقلال الجامعة حتى ترده إلى أبسط أشكاله، وتجعله قابلًا أن يوضع في علبة صغيرة يضعها وزير التقاليد في جيبه، وحين تبسط سلطان الأزهر حتى تغمر به مدارس الدولة كلها.
    وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لغير الري والدين والتعليم من المرافق المصرية الكبرى، فليس هناك بأس إذن من أن يقفوا عند هذه السيارة لحظة وإن كانت ما تزال في باريس تهيأ وتعد، وتنتظر مقدم رئيس الوزراء..!
    فأنا أريد أن أتحدث عن هذه السيارة التي كثر فيها الحديث بين الصحف والتي اشترتها الدولة لرئيس الوزراء ليتنقل بها في أوروبا أثناء إجازته المقبلة.
    زعموا أن رئيس الوزراء حين كان يجمع إلى الرياسة وزارتين؛ كان يستمتع بالتنقل في سيارات ثلاث: إحداها للرياسة، والأخرى للمالية، والثالثة للداخلية. فلما اشتدت الأزمة واستحكمت؛ أحس رئيس الوزراء حاجة الدولة إلى الاقتصاد، فأمر بإحدى هذه السيارات الثلاث فبيعت، ورد ثمنها إلى خزانة الدولة. واقتصدت الدولة ما كانت تحتاج إليه هذه السيارة من النفقات في كل يوم. ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء سيارتين من هذه السيارات، ولم لم يكتف بواحدة دون اثنتين فيضف اقتصادًا إلى اقتصاد، وتدبيرًا إلى تدبير؟ ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء هذه السيارات الثلاث، ولم لم يكتف بسيارته الخاصة، ينفق عليها من أموال الدولة إذا لم يكن بد من أن تتكلف الدولة نفقات انتقاله؟ وقد يقال إنك تجهل أخلاق الوزراء، وما جرت به عادتهم في مصر حين تلقى مثل هذا السؤال أو تفكر فيه!.
    باع رئيس الوزراء إذن إحدى سياراته الثلاث، واكتفى باثنتين ثم مرض واضطر إلى أن يرقع وزارته وينزل عن الداخلية لوزيرها الجديد، وأقبل وزير الداخلية الجديد؛ فوجد سيارة الوزير قد بيعت، ولم تكن في وزارة الداخلية كلها سيارة يتنقل فيها الوزير أثناء إقامته في الداخلية، أو وجد سيارة أو سيارات ولكنها لم تكن تليق بمقام الوزير، ولا سيما وقد كان وكيلًا فأصبح وزيرًا، ويجب أن يحيط بهذا الانتقال من مظاهر الإكبار والإجلال ما يلائمه، ومن هذه المظاهر أن تكون سيارة الوزير أفخم وأجمل من السيارات الأخرى في الوزارة. فنزل رئيس الوزراء عن سيارة الرياسة لمرؤوسه القديم وزميله الجديد، وأصبح رئيس الوزراء منذ ذلك الوقت وليس له إلا سيارة واحدة، هي سيارة المالية، ولكنه رئيس ووزير، له صفتان فيجب أن تكون له سيارتان، ولا ينبغي أن يكون كغيره من الوزراء ذا سيارة واحدة؛ لهذا لم يقنع بسيارة المالية، وأزمع أن يشتري سيارة أخرى للرياسة، وتستطيع أن تلاحظ في غير فائدة ولا غناء أن رئيس الوزراء مريض، وأن حركته قليلة وانتقالاته محدودة، فسيارة واحدة كانت تكفيه، ولكنه كما قلت لك ذو صفتين، فيجب أن يكون ذا سيارتين! ولا تقل إن وزير التقاليد ذو صفتين، فهو وزير المعارف، ورئيس الجامعة، فيجب أن يستقل سيارتين:
    سيارة المعارف وسيارة الجامعة. فالفرق بين وزير التقاليد ورئيس الوزراء واضح جدًا؛ لأن وزير التقاليد لا يتلقى رياسة الجامعة بمرسوم، وإنما هي صفة تنشأ له نشوءًا، وتنتأ له نتوءًا، فهي أشبه بالعلة العارضة منها بأي شيء آخر، وهي ملازمة له، لا يستطيع أن يتخلص منها إلا أن يستقيل من الوزارة! أما وزارة المالية فيستطيع رئيس الوزراء أن ينزل عنها كما نزل عن الداخلية. والظاهر أنه كان يقصد النزول عن وزارة المالية يومًا من الأيام، لذلك احتفظ بسيارتها لوزيرها المنتظر، واشترى للرياسة سيارتها هذه.
    ومن المرجح كما يقول الناس أن في القاهرة سيارات يمكن أن تُشترى منها الفخم الذي يليق برؤساء الوزارات، ومنها المتوسط الذي يليق بالوزراء، ومنها البسيط الذي يليق بأوساط الناس. ومن المرجح أيضًا أن شراء هذه السيارات من القاهرة أدنى إلى المألوف، وأقرب إلى الاقتصاد، ولكن رئيس الوزراء سيسافر إلى أوروبا في إجازة طويلة ليستشفي ويستريح، وهو كما قلنا أمس لا ينبغي أن يتخذ في أوروبا ما يتخذه عامة الناس من وسائل الانتقال، فيجب أن تكون له سيارته. وما دام رئيسًا للوزراء وما دام وزيرًا للمالية فيجب أن تكون له سيارتان تنتقلان معه حيثما وجه، وأينما ذهب. يستقل إحداهما وهو رئيس الوزراء، ويستقل الأخرى وهو وزير المالية! يستقل كل منهما في وقت من الأوقات حين يفكر في إحدى هاتين الصفتين منفردة! فإذا فكر فيهما مجتمعين استقل السيارتين في وقت واحد، ولكن رئيس وزرائنا أرفق بخزانة الدولة وأحرص على أموال الدولة من أن يكلفها هذه النفقات كلها، فليكتف إذن بإحدى السيارتين في أوروبا، وليستقلها مرة رئيسًا للوزراء، وأخرى وزيرًا للمالية، وليجمع السيفين في غمد حين لا يكون من ذلك بد..!!
    ويغلو رئيس وزرائنا في الرفق بخزانة الدولة والحرص على أموالها، فيتحرج من نقل السيارة الواحدة إلى أوروبا في الذهاب والإياب على حساب الدولة، ويقرر أن يلغي إحدى هاتين النقلتين. وإذن فليشترِ السيارة في باريس وليحتفظ بها في باريس حتى يبلغها، ولتعرف له الدولة هذه المآثر الغر، وهذه الأيادي البيض. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا مسرف في أموال الدولة، وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من اقتصد لها الملايين؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينتقل بسيارتين، فلا ينتقل إلا بسيارة واحدة؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينقل سيارته ذاهبًا آئبًا فيكتفي بنقلها في الإياب دون الذهاب!
    ألست ترى أن صحيفة رئيس الوزراء على حق حين تنكر على هؤلاء الناس الذين يلومون رئيس الوزراء في إنكار هذا اللوم! ورئيس الوزراء معذور إن ضاق بهذا اللوم وتبرم به، فهو لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن المصريين قوم يجحدون الجميل، ولا يعرفون الفضل لأهله، ولا يشكرون الصنيعة لمن يسديها إليهم!! ولو قد كان المصريون قومًا يقدرون الرجال والأعمال، ويشكرون لذي الإحسان إحسانه، لرفعوا إلى رئيس الوزراء عرائض لا تصور الثقة، فقد شبع رئيس الوزراء من الثقة حتى كاد الشبع يؤذيه ولا سيما بعد ثقة مجلس النواب أول أمس، ولكنها تصور الحمد والثناء، وتصور الشكر والاعتراف بالجميل، لأنه نزل عن كل هذه الحقوق برًّا بخزانة الدولة، وحرصًا على أموالها، وآثر أن تنفق هذه الأموال التي تفضل بالنزول عنها في إعانة الفقراء والبائسين، أو في دفع المصروفات المدرسية عن بعض الطلاب الذين يخرجهم من المدارس وزير التقاليد. ولو أن المصريين يقدرون الرجال والأعمال، ويعرفون الجميل لأهله لما أفلتت هذه المكرمة من مجلس النواب، ولما فاتت هذه المأثرة مجلس الشيوخ! ومع ذلك فالوقت لم يضع بعد، والدورة البرلمانية لم تبلغ أجلها، ومن الممكن أن يمحو المصريون عن أنفسهم إثم هذا التقصير، وأن يستدرك البرلمان ما فات فيشكر الشعب كله، ويشكر البرلمان كله لرئيس الوزراء هذا الفضل العظيم!!
    ولكن رئيس الوزراء قد سافر إلى أوروبا في الصيف الماضي، وقد وصفت رحلته هذه بالإجمال والتفصيل، ولم يحدثنا أحد عن السيارة أو السيارات التي كان يتنقل عليها.
    رئيس الوزراء كان في الصيف الماضي ذا صفات ثلاث، فهل سافر ومعه سيارات ثلاث؟ أم هل كان قد باع سيارة الداخلية فسافر بسيارتين اثنتين؟ أم هل كان قد أحس شدة الأزمة واستحكامها فسافر بسيارة واحدة؟ أم هل سافر بدون سيارة؟ فلما أقام في أوروبا وتنقل فيها رأى أن هذا يكلف الدولة أكثر مما ينبغي فآثر أن يشتري سيارة تنتظره هناك؟!
    هذه مسائل نؤكد مخلصين أننا نجهل الجواب عليها، ونود لو تفضلت صحيفة الوزارة علينا بهذا الجواب، فقد يكون فيه مأثرة أخرى من مآثر رئيس الوزراء، يجب أن يعرفها الناس!!
    ومسألة أخرى لا بد من التفكير فيها، لأنها تملأ القلب إعجابًا، والنفس إكبارًا لرئيس الوزراء، أو لأعوانه الذين يعملون معه، فقد كان رئيس وزرائنا مريضًا حين انتقلت سيارة الرياسة إلى وزير الداخلية. أفترى أنه هو الذي فكر في إعطاء هذه السيارة للوزير الجديد، وفي شراء سيارة أخرى مكانها، وفي أن تنتظره هذه السيارة الجديدة في باريس لما قدمنا من الأسباب؟ وإذن فإن إعجابنا برئيس الوزراء لا حد له!!
    وكيف لا يملكنا الإعجاب به والإكبار له، وقد كان مرضه شديدًا مخيفًا، وكانت أعمال الدولة من حوله كثيرة دقيقة معقدة، فلم يمنعه مرضه الشديد المخيف، ولا أعماله الدقيقة المعقدة من أن يفكر في النزول عن سيارة وشراء سيارة أخرى تنتظره في باريس؟ أم ترى الذين فكروا في ذلك وأنفذوه إنما هم أعوان الرئيس وأولياؤه من الموظفين. وإذن فإن إعجابنا بهؤلاء الأعوان والأولياء لا حد له! انظر إليهم كيف يعتنون برئيسهم ويفنون في العناية به حتى إنهم ليفكرون في أن يضعوا مكان سيارته القديمة سيارة جديدة وأن يختاروها فخمة جميلة من طراز بديع، وأن يمسكوها في باريس حتى يبلغها رئيس الوزراء؟
    أرأيت أننا لم نخطئ حين تحدثنا إليك في هذه القصة الصغيرة. قصة السيارة التي اشتريت لرئيس الوزراء على حين يتحدث الكتاب الآخرون إلى قرائهم في الخزانات والاستجوابات، وعودة المندوب السامي أو بقائه في لندن، وما يسمونه الموقف السياسي. أرأيت أن تحدثنا إليك عن هذه السيارة قد انتهى بك وبنا إلى خصال يجب أن يتدبرها ويفكر فيها كل من ينصب نفسه للعمل في الحياة العامة؟ أولى هذه الخصال الاقتصاد الذي لا ينبغي لرؤساء الوزارات أن يقصروا فيه مهما يكن يسيرًا ضئيلًا، وقدوتهم في ذلك رئيس وزرائنا حين آثر في أمر هذه السيارة ما آثر من الاقتصاد!
    وثانية هذه الخصال اليقظة للمصلحة العامة وللمصلحة الخاصة مهما تكن دقيقة غامضة، فلا ينبغي أن يشغلنا عن هذه المصلحة مرض مهما يكن مخيفًا، أو عمل مهما يكن دقيقًا.
    وثالثة هذه الخصال الفناء في الإخلاص للرؤساء، فلا ينبغي إذا مرض رئيسك أن تهمل سيارته، ولا ينبغي إن سافر رئيسك أن تنسى أنه قد يعود! وهنا مشكلة أدع لك ولغيرك من القراء أن تلتمسوا لها حلًا ما دام الإخلاص للرؤساء واجبًا، وما دام من الحق على المرؤوسين أن يقدروا حركات رؤسائهم إذا سكنوا، وسكون رؤسائهم إذا تحركوا، فقد يكون من الحق على أعوان الوزارة أن يقدروا أنهم وإن تولوا الوزارة، وأطالوا المقام في مناصبها فقد يستقيلون.
    صدقني أيها القارئ العزيز إن من الحق عليك ألا تتحرج من التفكير الطويل في أيسر الأشياء وأهونها حتى حين تكون هذه الأشياء مما يشبه سيارة رئيس الوزراء!
    كوكب الشرق ٤- ٥ – ١٩٣٣

  • انتصار

    انتصار
    ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار فابتهجت له مصر كلها سواد الليل. وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار وشمس الانتصار. وكان رئيس الوزراء خليقًا بأن يسعد بهذا الفوز، وكانت مصر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له، فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا، دامية الأظفار. وكان كل شيء مظلمًا حتى خيل إلى الناس أن ليس لهذا الخطب آخر، ولا من هذه المحنة من مخرج.
    فلما أذن الله بالفوز، وصوت النواب بالثقة، يرسلها بعضهم إرسالًا، ويرتلها بعضهم ترتيلًا؛ زال الكرب، وانجلت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة ومصدر المحنة، فأدال الله منهم وكفى الله المؤمنين القتال، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يسجل حسن بلائه وغناء زملائه. وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يسجل انتصاراته، ويصدر بها نشرات في روما، ما تزال تعتبر إلى الآن من آيات البيان.
    والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الحسد، ويتحدثون عنها حديث المجد، ويسجلون الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويقدرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرد إلى الإنجليز ثقتهم بها وحبهم لها واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال فانتصروا ولم ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تنصب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها. وإنه إذا لم يكن بد من ثقة فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها. وأنه تعود أن يرى الوزارات تجل المجالس النيابية، ولم يتعود أن يرى المجالس في مصر تسقط الوزارة، وأنه لهذا كله، ومعه أصحابه المخاصمون والمعارضون لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير. قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف ونشرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة، ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.
    وكانت خطب النواب ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء شيئًا قصد به فيما يظهر إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًا، ولكن أصحابه غلوا فيه حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًا. ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمت له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه، نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزراء، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شك، ستستقيل في وقت قريب لعله أقرب مما يقدر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب، ولا من مجلس الشيوخ.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها، وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير، لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه، هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟ كلا، إن المصريين لم يقدروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يخرجون منح الثقة أو رفضها من حسابهم السياسي كله، لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة ثقة واسعة، لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.
    هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان فيصانعوه، ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون. وهم كالمصريين يخرجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي، وإذن ففيم الحرب والقتال؟ وفيم الجدال والنضال؟ وفيم الخطب الطوال؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان فسيجيبونك بأجوبة لا تغير من الحقائق الواقعة شيئًا، وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبق بد من أن يعود الأمر كما كان. مصر الصحيحة غير المريضة، مصر الصادقة غير الكاذبة، مصر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تعد فتفي. مصر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز فإما وفاق، وإما خلاف.
    فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار التي لا تكاد تحس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء حين يداعب صفحة الغدير. فأما الانتصار الذي يغير الأشياء حقًا، والهزيمة التي تغير الأشياء حقًا؛ فلا ينبغي أن يلتمس في هذه الصلات المسلية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يلتمس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.
    كوكب الشرق ٠٣\٠٥\١٩٣٣

  • العفو

    العفو
    إذا مرض الممثلون انصرفوا عن التمثيل، وإذا مرض المغنون كفّوا عن الغناء، وإذا مرض اللاعبون أعرضوا عن اللعب، وإذا مرض الوزراء تعلّقوا بالوزارة، وتهالكوا عليها، وشدّوا أجسامهم إلى كراسيها بأمراس من الكتان، كما يقول امرؤ القيس.
    ومن الممثلين والمغنين من يعتزلون التمثيل ويكفّون عن الغناء قبل أن تتقدم بهم السن، ويدركهم الضعف؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن لكل شيء أمدًا لا يتجاوزه، وحدًا لا يعدوه. وأنهم إن مضوا في التمثيل والغناء حتى يدركهم الضعف عجزوا وقصروا، وأثاروا في النفوس عاطفتين مختلفتين: عاطفة السخط عند قساة القلوب المؤثرين لأنفسهم باللذة والمتاع، وعاطفة الرحمة والإشفاق عند رقاق الأفئدة، الذين يؤثرون الضعفاء بالعطف والرثاء.
    وقد رأينا الممثلة الشهيرة «مارتيه» تترك بيت موليير سنة ١٩١٧ وهي في أوج مجدها؛ لأنها كرهت أن تتقدم بها السن فيتحول إعجاب الناس بها رثاءً لها، أو سخطًا عليها. ورأينا «سلفان» الممثل العظيم يبقى في بيت موليير على تقدم سنه حتى لقِيَه قوم بالرثاء، وآخرون بالصفير والعلاء.
    وكذلك رأينا من رؤساء الوزارات من يحس الضعف أو تعتل صحته اعتلالًا يسيرًا فيستقيل، حتى لا تتعرض مصالح الدولة للخطر، وحتى لا تصبح كفايته مثارًا للقيل والقال. ورأينا منهم قومًا يلمّ بهم المرض فيطيل الإلمام، وينزل بهم الضعف فيطيل الإقامة، فلا يستقيلون ولا يستمعون لنصح الناصحين بالاستقالة، وإنما يحتفظون بمناصبهم، وكأنهم لا يكرهون أن يكون المرض لهم رفيقًا في طريقهم هذه التي يسلكونها في بطء، حتى يتهووا إلى غايتها، وهي اعتزال الحكم راضين أو كارهين.
    رأينا من الممثلين أولئك وهؤلاء، ورأينا من رؤساء الوزارات أولئك وهؤلاء، وثارت في نفوسنا لأولئك وهؤلاء عواطف الرحمة حينًا، وعواطف الضيق والسخط عليهم حينًا آخر. وكم كنا نحب أن يكره رئيس وزرائنا لنفسه أن يثير هذه العواطف أو تلك. فهذه الصحف قد أخذت أمس واليوم تعلل اضطرابه وتهافته أمام تلك البرقية التي نشرتها الأهرام أول أمس، واستلحقتها بالبلاغ أمس، بأن صحته قد ضعفت، وأعصابه قد وهت، فأصبح عاجزًا عن المقاومة، قاصرًا عن ضبط النفس والسيطرة على الأمور. ولو كان صحيحًا قويًا موفور النشاط، مسيطرًا على نفسه وعلى غيره أيضًا، لما احتاج إلى هذا التصريح الطويل الذي أذاعه في الصحف أمس، والذي لا يثبت شيئًا ولا ينفي شيئًا، ولا يدل إلا على شيء واحد، هو أن الأمور قد أفلتت منه، وتفرقت عليه، فلا يستطيع لها ضبطًا ولا تصريفًا!
    والناس يزعمون أن من أشد أعراض المرض الذي نرجو أن يبرئ اللّٰه منه رئيس الوزراء: النسيان، واعوجاج التفكير، والعجز عن حسن الاستنباط. وقد كان جماعة منهم يتحدثون أمس في تصريح رئيس الوزراء، ولم يكونوا جميعًا من خصوم الرئيس، ولم يكونوا جميعًا من أصدقائه؛ وإنما كان منهم من يخاصمه، وكان منهم من يؤيده ويسرف في تأييده. وكانوا جميعًا ينكرون هذا التصريح؛ ينكره بعضهم في سخط، وهم الأصدقاء، وينكره بعضهم الآخر في إشفاق، وهم الخصوم.
    ووقفوا جميعًا عند آخر هذا التصريح حين يتحدث رئيس الوزراء عن أسطورة الوزارة القومية، فيضع لهذه الوزارة شروطًا وقيودًا كتلك التي وضعها السير برسي لورين منذ عام، والتي نشرتها «الأفريكان وورلد»، وتحدثت عنها الأهرام، وخاضت فيها الصحف منذ أسابيع، والتي تحتم على الذين يميلون إلى الوزارة القومية أن يؤمنوا بالدستور الجديد، ويذعنوا لمنفذيه، ويضعوا أيديهم في أيدي هؤلاء المنفذين، والتي ترى أن في البلاد دستورًا يجب أن يُطاع ويُحترم، وأن هذا الدستور يقتضي ألا تؤلف الوزارات القومية إلا على اتفاق مع الأحزاب البرلمانية القائمة!
    وقف هؤلاء الناس عند هذا الموضع من تصريح رئيس الوزراء، فضحك بعضهم منه، ورثى بعضهم له. وقال بعضهم لبعض: لقد نهض رئيس الوزراء بالحكم منذ ثلاثة أعوام، وفي مصر دستور قائم كان رئيس الوزراء ممن أقسم يمين الإخلاص له والوفاء بحقه. وفي مصر برلمان أنشأه هذا الدستور، وكان من الحق على كل من يؤلف الوزارات أن يتفق مع أحزابه، ويجدّ في الظفر بثقته والوصول إلى رضاه. فما بال رئيس الوزراء لم يرع هذا الأصل الدستوري يوم ألف وزارته؟ ما باله لم يذعن للدستور ولم يرع حرمته، وقد كان أقسم ليذعنن له، وليرعين حرمته؟ ما باله لم يقم وزارته على رضا البرلمان والاتفاق مع أحزابه؟ ما باله ألغى ذلك الدستور، واستحدث مكانه دستورًا آخر، وصرف ذلك البرلمان، وأقام مكانه برلمانًا آخر؟ أكان يومئذ يؤمن بأنه يقترف إثمًا، فمن أظلم ممن يقترفون الإثم وهم يعلمون أنهم آثمون؟ أم كان في ذلك اليوم يؤمن بأنه إنما يأتي أمرًا مباحًا، فما بال هذا الأمر يباح له ويحرم على غيره؟ ومن الذي زعم أن مقاييس الأخلاق والقانون والنظام تقصر على رجل دون رجل، وعلى فريق دون فريق، فيُرى شرًّا ما يأتيه صدقي باشا، ولا يُرى شرًّا ما يأتيه غير صدقي باشا؟
    إن الذين يشرعون للناس هذه السنن السيئة خليقون ألا يغضبوا ولا يسخطوا حين يلقاهم الناس بما شرعوا لهم من شر. إن الذين يفتحون للناس أبواب الخروج على النظام والاعتداء على الدستور خليقون ألا يجزعوا حين يدخل الناس من هذه الأبواب التي فتحوها، فيهيئوا أنفسهم ليحدثوا مثل ما أحدث السابقون لهم، والدافعون لهم إلى الشر. إن الذين يعرضون للنظم القائمة فيبدلون فيها ويغيرون، لا لشيء إلا لأنها لا تلائم آراءهم وميولهم ومنافعهم، خليقون أن يعلموا أنهم يفرضون على أمة كاملة هذه الآراء الخاصة، والميول الخاصة، والمنافع الخاصة؛ فهم خليقون أن يلقوا من غيرهم مثل ما لقِيَ غيرهم منهم، فضلًا عن أن تحاسبهم الأمة على ما أهملوا من منافعها، وما ضيعوا من حقها، وما أهدروا من كرامتها.
    لقد شرع رئيس الوزراء للطامعين في الحكم، والمتهالكين عليه، سنة إلغاء الدستور وصرف البرلمان. فلا ينكر أن ينجم في مصر من أصدقائه أو من خصومه من يفعل اليوم بالدستور الجديد والبرلمان الجديد مثل ما فعل هو أمس. وما دام الطمع في الحكم، والطموح إلى السلطان، والجشع إلى المناصب وما تغل من ثروة وجاه، ما دام هذا كله يبيح للناس أن يحنثوا في الأيمان، وأن يلغوا المواثيق والعهود، وأن يضعوا دستورًا مكان دستور، ويدعوا برلمانًا مكان برلمان، فقد فُتح على الأمة باب شر عظيم، وقد وُضعت حياة الأمة على شفا هوة عميقة توشك أن تتردى فيها بسياستها وأخلاقها ونظمها الاجتماعية، إذا لم يكن لها من الصبر والثبات وضبط النفس، والأمل في المستقبل، والثقة باللّٰه، ما يعصمها من السقوط.
    تحدث أولئك الناس بهذا كله، وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما نمّ على نفسه بهذا الحديث. وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما قال في نفسه بلسانه وفي صحيفته ما يقول خصومه فيه منذ ثار بالدستور فألغاه، ومنذ ثار بالبرلمان ففرقه، ومنذ ثار بالحرية فألقاها في أعماق السجون، وقيدها بأثقل القيود والأغلال.
    ولولا أن رئيس الوزراء مريض لما أنكر على خصومه ما أباحه لنفسه، ولما نهى الناس اليوم عما كان يدعوهم إليه منذ أعوام. فإلام كان يدعو رئيس الوزراء حين ألف وزارته؟ كان يدعو إلى الثورة بالدستور، وكأن يدعو إلى الخروج على النظام. ولو أنه دعا إلى ذلك وألح فيه قبل أن يتولى الوزارة ويظفر بانحياز الإنجليز له، وتأييدهم إياه، لكان حق الحكومة القائمة يومئذ أن تقفه أمام القضاء ليسأله عن ثورته بالدستور وخروجه على النظام. ولكنه فعل ذلك وهو رئيس الوزراء، فعل ذلك وأزمة الحكم في يده، وقوة الدولة مسخرة له، فلم يستطع أحد أن يقفه أمام القضاء، ولا أن يأخذه بما فعل. وإنما استطاع معارضوه، الذين كانوا يومئذ وما يزالون ينصرون القانون، ويؤيدون الدستور، ويرعون حرمة النظام، استطاع هؤلاء المعارضون أن ينكروا عليه سيرته، وهم ما يزالون ينكرون عليه سيرته، وقد لقوا منه، وما يزالون يلقون منه، شرًّا عظيمًا وبلاءً ثقيلًا.
    بهذا كله تحدث أولئك الناس أمس. ويستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الناس يتحدثون بهذا وبأكثر منه، وأن الناس سيتحدثون بهذا وأكثر منه ما دام مستأثرًا بالحكم، مسيطرًا عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الذين يزينون له موقفه، ويصورون له أنه منتصر على طول الخط، وأن رأي الناس فيه حسن كل الحسن، يخدعونه ويكذبون عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بهذا، وأن يرجع به على نفسه، وأن يفكر فيه فيطيل التفكير. وهو إن فعل لم يلم هؤلاء الذين يحلمون بالوزارة القومية ويسعون إليها إن فكروا في أن ينتهزوا الفرص ويثبوا إلى الحكم دون أن يتقدموا إليه بالمودة، أو يضعوا يدهم في يده.
    فهم لم يريدوا ذلك حين كان قويًا، فأجدرهم ألا يريدوا ذلك وهو ضعيف. وهم حين يتهيأون لتنحيته عن الحكم وخلافته فيه لا يزيدون على أن يفعلوا مثل ما فعل، لأن مقياس الحكم الآن في مصر قد أصبح – مع الأسف الشديد – بفضل صدقي باشا وأمثاله، هو القوة، والقوة وحدها، دون النظام ودون الدستور.
    أما مصر، التي ينجم فيها الطامعون، ويعبث بحريتها العابثون، ويطمح إلى إذلالها الطامحون، فهي ثابتة في مكانها، لا تحب الكيد ولا تميل إليه. وهي تكره الحكم الذي يأتي من بعيد لا من قريب، والذي ينشأ عن العبث بالدستور لا عن الدستور، والذي لا يكون مرآة لإرادتها الحرة، ورأيها المستقل، وصورة عزتها وكرامتها.
    مصر هذه تكره من رئيس الوزراء ما فعل، ولا تريد أن تفعل كما فعل، وإنما تحتفظ بإيمانها، وحقها، وكرامتها. وهي واثقة أن هذه الحرب الخفية الظاهرة بين الطامعين في الحكم، والطامحين إليه، ستضعفهم جميعًا، وستستنفد قواهم جميعًا، وستقر الأمر بعد قليل في نصابه، وترده إلى أهله.
    فليفكر رئيس الوزراء إن سمحت له صحته بالتفكير، وليعمل رئيس الوزراء إن سمحت له قوته بالعمل، وليجتهد رئيس الوزراء إن استطاع في أن يرد عن منصبه هذه النفوس التي تتصل به وتريد أن تشب إليه؛ هذه النفوس التي قرأت كلام رئيس الوزراء أمس، واعتداده بقوته، واشتراطه أن يضع الناس أيديهم في يده ليصلوا إلى الحكم، فلم تزد على أن نطقت بهذه الكلمة التي تدل على شيء كثير من الإكبار والتقدير:
    العفو…!
    كوكب الشرق ٢٧\٤\١٩٣٣

  • معضلة

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣