سيارة
الله – عز وجل – لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها؛ لأنه إنما يضرب الأمثال للحكمة والموعظة الحسنة، وليبين للناس قصد السبيل، ويصرفهم عن جائرها. فمن حقنا، بل من الحق علينا أن نتأدب بأدب القرآن الكريم، وألا نتحرج من أن نتحدث إلى الناس في شيء ما: سيارة فما فوقها لنبين لهم مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة حين تعرض للكبائر وحين تعرض للصغائر من الأمور.
والناس يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض للري فتقيم الخزان هنا، وتمهد لإقامة الخزان هناك، وتعرض في هذا كله عن نصيحة الناصحين، ومشورة المشيرين، وهم يعلمون كذلك ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لأمر الدين فتعلن أنها لن تدفع إلا ورقًا، وتمضي مع ذلك في خصومة قضائية ولا تجد الشجاعة على أن تتخذ في هذا الأمر قرارًا حاسمًا يقطع الشك ويزيل اللبس.
وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة القائمة من العوج حين تضيق استقلال الجامعة حتى ترده إلى أبسط أشكاله، وتجعله قابلًا أن يوضع في علبة صغيرة يضعها وزير التقاليد في جيبه، وحين تبسط سلطان الأزهر حتى تغمر به مدارس الدولة كلها.
وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لغير الري والدين والتعليم من المرافق المصرية الكبرى، فليس هناك بأس إذن من أن يقفوا عند هذه السيارة لحظة وإن كانت ما تزال في باريس تهيأ وتعد، وتنتظر مقدم رئيس الوزراء..!
فأنا أريد أن أتحدث عن هذه السيارة التي كثر فيها الحديث بين الصحف والتي اشترتها الدولة لرئيس الوزراء ليتنقل بها في أوروبا أثناء إجازته المقبلة.
زعموا أن رئيس الوزراء حين كان يجمع إلى الرياسة وزارتين؛ كان يستمتع بالتنقل في سيارات ثلاث: إحداها للرياسة، والأخرى للمالية، والثالثة للداخلية. فلما اشتدت الأزمة واستحكمت؛ أحس رئيس الوزراء حاجة الدولة إلى الاقتصاد، فأمر بإحدى هذه السيارات الثلاث فبيعت، ورد ثمنها إلى خزانة الدولة. واقتصدت الدولة ما كانت تحتاج إليه هذه السيارة من النفقات في كل يوم. ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء سيارتين من هذه السيارات، ولم لم يكتف بواحدة دون اثنتين فيضف اقتصادًا إلى اقتصاد، وتدبيرًا إلى تدبير؟ ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء هذه السيارات الثلاث، ولم لم يكتف بسيارته الخاصة، ينفق عليها من أموال الدولة إذا لم يكن بد من أن تتكلف الدولة نفقات انتقاله؟ وقد يقال إنك تجهل أخلاق الوزراء، وما جرت به عادتهم في مصر حين تلقى مثل هذا السؤال أو تفكر فيه!.
باع رئيس الوزراء إذن إحدى سياراته الثلاث، واكتفى باثنتين ثم مرض واضطر إلى أن يرقع وزارته وينزل عن الداخلية لوزيرها الجديد، وأقبل وزير الداخلية الجديد؛ فوجد سيارة الوزير قد بيعت، ولم تكن في وزارة الداخلية كلها سيارة يتنقل فيها الوزير أثناء إقامته في الداخلية، أو وجد سيارة أو سيارات ولكنها لم تكن تليق بمقام الوزير، ولا سيما وقد كان وكيلًا فأصبح وزيرًا، ويجب أن يحيط بهذا الانتقال من مظاهر الإكبار والإجلال ما يلائمه، ومن هذه المظاهر أن تكون سيارة الوزير أفخم وأجمل من السيارات الأخرى في الوزارة. فنزل رئيس الوزراء عن سيارة الرياسة لمرؤوسه القديم وزميله الجديد، وأصبح رئيس الوزراء منذ ذلك الوقت وليس له إلا سيارة واحدة، هي سيارة المالية، ولكنه رئيس ووزير، له صفتان فيجب أن تكون له سيارتان، ولا ينبغي أن يكون كغيره من الوزراء ذا سيارة واحدة؛ لهذا لم يقنع بسيارة المالية، وأزمع أن يشتري سيارة أخرى للرياسة، وتستطيع أن تلاحظ في غير فائدة ولا غناء أن رئيس الوزراء مريض، وأن حركته قليلة وانتقالاته محدودة، فسيارة واحدة كانت تكفيه، ولكنه كما قلت لك ذو صفتين، فيجب أن يكون ذا سيارتين! ولا تقل إن وزير التقاليد ذو صفتين، فهو وزير المعارف، ورئيس الجامعة، فيجب أن يستقل سيارتين:
سيارة المعارف وسيارة الجامعة. فالفرق بين وزير التقاليد ورئيس الوزراء واضح جدًا؛ لأن وزير التقاليد لا يتلقى رياسة الجامعة بمرسوم، وإنما هي صفة تنشأ له نشوءًا، وتنتأ له نتوءًا، فهي أشبه بالعلة العارضة منها بأي شيء آخر، وهي ملازمة له، لا يستطيع أن يتخلص منها إلا أن يستقيل من الوزارة! أما وزارة المالية فيستطيع رئيس الوزراء أن ينزل عنها كما نزل عن الداخلية. والظاهر أنه كان يقصد النزول عن وزارة المالية يومًا من الأيام، لذلك احتفظ بسيارتها لوزيرها المنتظر، واشترى للرياسة سيارتها هذه.
ومن المرجح كما يقول الناس أن في القاهرة سيارات يمكن أن تُشترى منها الفخم الذي يليق برؤساء الوزارات، ومنها المتوسط الذي يليق بالوزراء، ومنها البسيط الذي يليق بأوساط الناس. ومن المرجح أيضًا أن شراء هذه السيارات من القاهرة أدنى إلى المألوف، وأقرب إلى الاقتصاد، ولكن رئيس الوزراء سيسافر إلى أوروبا في إجازة طويلة ليستشفي ويستريح، وهو كما قلنا أمس لا ينبغي أن يتخذ في أوروبا ما يتخذه عامة الناس من وسائل الانتقال، فيجب أن تكون له سيارته. وما دام رئيسًا للوزراء وما دام وزيرًا للمالية فيجب أن تكون له سيارتان تنتقلان معه حيثما وجه، وأينما ذهب. يستقل إحداهما وهو رئيس الوزراء، ويستقل الأخرى وهو وزير المالية! يستقل كل منهما في وقت من الأوقات حين يفكر في إحدى هاتين الصفتين منفردة! فإذا فكر فيهما مجتمعين استقل السيارتين في وقت واحد، ولكن رئيس وزرائنا أرفق بخزانة الدولة وأحرص على أموال الدولة من أن يكلفها هذه النفقات كلها، فليكتف إذن بإحدى السيارتين في أوروبا، وليستقلها مرة رئيسًا للوزراء، وأخرى وزيرًا للمالية، وليجمع السيفين في غمد حين لا يكون من ذلك بد..!!
ويغلو رئيس وزرائنا في الرفق بخزانة الدولة والحرص على أموالها، فيتحرج من نقل السيارة الواحدة إلى أوروبا في الذهاب والإياب على حساب الدولة، ويقرر أن يلغي إحدى هاتين النقلتين. وإذن فليشترِ السيارة في باريس وليحتفظ بها في باريس حتى يبلغها، ولتعرف له الدولة هذه المآثر الغر، وهذه الأيادي البيض. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا مسرف في أموال الدولة، وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من اقتصد لها الملايين؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينتقل بسيارتين، فلا ينتقل إلا بسيارة واحدة؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينقل سيارته ذاهبًا آئبًا فيكتفي بنقلها في الإياب دون الذهاب!
ألست ترى أن صحيفة رئيس الوزراء على حق حين تنكر على هؤلاء الناس الذين يلومون رئيس الوزراء في إنكار هذا اللوم! ورئيس الوزراء معذور إن ضاق بهذا اللوم وتبرم به، فهو لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن المصريين قوم يجحدون الجميل، ولا يعرفون الفضل لأهله، ولا يشكرون الصنيعة لمن يسديها إليهم!! ولو قد كان المصريون قومًا يقدرون الرجال والأعمال، ويشكرون لذي الإحسان إحسانه، لرفعوا إلى رئيس الوزراء عرائض لا تصور الثقة، فقد شبع رئيس الوزراء من الثقة حتى كاد الشبع يؤذيه ولا سيما بعد ثقة مجلس النواب أول أمس، ولكنها تصور الحمد والثناء، وتصور الشكر والاعتراف بالجميل، لأنه نزل عن كل هذه الحقوق برًّا بخزانة الدولة، وحرصًا على أموالها، وآثر أن تنفق هذه الأموال التي تفضل بالنزول عنها في إعانة الفقراء والبائسين، أو في دفع المصروفات المدرسية عن بعض الطلاب الذين يخرجهم من المدارس وزير التقاليد. ولو أن المصريين يقدرون الرجال والأعمال، ويعرفون الجميل لأهله لما أفلتت هذه المكرمة من مجلس النواب، ولما فاتت هذه المأثرة مجلس الشيوخ! ومع ذلك فالوقت لم يضع بعد، والدورة البرلمانية لم تبلغ أجلها، ومن الممكن أن يمحو المصريون عن أنفسهم إثم هذا التقصير، وأن يستدرك البرلمان ما فات فيشكر الشعب كله، ويشكر البرلمان كله لرئيس الوزراء هذا الفضل العظيم!!
ولكن رئيس الوزراء قد سافر إلى أوروبا في الصيف الماضي، وقد وصفت رحلته هذه بالإجمال والتفصيل، ولم يحدثنا أحد عن السيارة أو السيارات التي كان يتنقل عليها.
رئيس الوزراء كان في الصيف الماضي ذا صفات ثلاث، فهل سافر ومعه سيارات ثلاث؟ أم هل كان قد باع سيارة الداخلية فسافر بسيارتين اثنتين؟ أم هل كان قد أحس شدة الأزمة واستحكامها فسافر بسيارة واحدة؟ أم هل سافر بدون سيارة؟ فلما أقام في أوروبا وتنقل فيها رأى أن هذا يكلف الدولة أكثر مما ينبغي فآثر أن يشتري سيارة تنتظره هناك؟!
هذه مسائل نؤكد مخلصين أننا نجهل الجواب عليها، ونود لو تفضلت صحيفة الوزارة علينا بهذا الجواب، فقد يكون فيه مأثرة أخرى من مآثر رئيس الوزراء، يجب أن يعرفها الناس!!
ومسألة أخرى لا بد من التفكير فيها، لأنها تملأ القلب إعجابًا، والنفس إكبارًا لرئيس الوزراء، أو لأعوانه الذين يعملون معه، فقد كان رئيس وزرائنا مريضًا حين انتقلت سيارة الرياسة إلى وزير الداخلية. أفترى أنه هو الذي فكر في إعطاء هذه السيارة للوزير الجديد، وفي شراء سيارة أخرى مكانها، وفي أن تنتظره هذه السيارة الجديدة في باريس لما قدمنا من الأسباب؟ وإذن فإن إعجابنا برئيس الوزراء لا حد له!!
وكيف لا يملكنا الإعجاب به والإكبار له، وقد كان مرضه شديدًا مخيفًا، وكانت أعمال الدولة من حوله كثيرة دقيقة معقدة، فلم يمنعه مرضه الشديد المخيف، ولا أعماله الدقيقة المعقدة من أن يفكر في النزول عن سيارة وشراء سيارة أخرى تنتظره في باريس؟ أم ترى الذين فكروا في ذلك وأنفذوه إنما هم أعوان الرئيس وأولياؤه من الموظفين. وإذن فإن إعجابنا بهؤلاء الأعوان والأولياء لا حد له! انظر إليهم كيف يعتنون برئيسهم ويفنون في العناية به حتى إنهم ليفكرون في أن يضعوا مكان سيارته القديمة سيارة جديدة وأن يختاروها فخمة جميلة من طراز بديع، وأن يمسكوها في باريس حتى يبلغها رئيس الوزراء؟
أرأيت أننا لم نخطئ حين تحدثنا إليك في هذه القصة الصغيرة. قصة السيارة التي اشتريت لرئيس الوزراء على حين يتحدث الكتاب الآخرون إلى قرائهم في الخزانات والاستجوابات، وعودة المندوب السامي أو بقائه في لندن، وما يسمونه الموقف السياسي. أرأيت أن تحدثنا إليك عن هذه السيارة قد انتهى بك وبنا إلى خصال يجب أن يتدبرها ويفكر فيها كل من ينصب نفسه للعمل في الحياة العامة؟ أولى هذه الخصال الاقتصاد الذي لا ينبغي لرؤساء الوزارات أن يقصروا فيه مهما يكن يسيرًا ضئيلًا، وقدوتهم في ذلك رئيس وزرائنا حين آثر في أمر هذه السيارة ما آثر من الاقتصاد!
وثانية هذه الخصال اليقظة للمصلحة العامة وللمصلحة الخاصة مهما تكن دقيقة غامضة، فلا ينبغي أن يشغلنا عن هذه المصلحة مرض مهما يكن مخيفًا، أو عمل مهما يكن دقيقًا.
وثالثة هذه الخصال الفناء في الإخلاص للرؤساء، فلا ينبغي إذا مرض رئيسك أن تهمل سيارته، ولا ينبغي إن سافر رئيسك أن تنسى أنه قد يعود! وهنا مشكلة أدع لك ولغيرك من القراء أن تلتمسوا لها حلًا ما دام الإخلاص للرؤساء واجبًا، وما دام من الحق على المرؤوسين أن يقدروا حركات رؤسائهم إذا سكنوا، وسكون رؤسائهم إذا تحركوا، فقد يكون من الحق على أعوان الوزارة أن يقدروا أنهم وإن تولوا الوزارة، وأطالوا المقام في مناصبها فقد يستقيلون.
صدقني أيها القارئ العزيز إن من الحق عليك ألا تتحرج من التفكير الطويل في أيسر الأشياء وأهونها حتى حين تكون هذه الأشياء مما يشبه سيارة رئيس الوزراء!
كوكب الشرق ٤- ٥ – ١٩٣٣
سيارة
Share:
Leave a Reply