Tag: Europe

  • الروح الجامعي

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • حلم

    حلم
    زعموا أن من أراد تعريف الحكم لم يوفق إلى خير من هذا التعريف الذي اهتدى إليه بعض الفلاسفة الفرنسيين، وهو أن الحكم تقدير العواقب والاستعداد للغد، والتنبؤ بما سيكون. وزعموا أن وزارة من وزارات الأرض لم توفق إلى أن تفهم هذا التعريف على وجهه، وتقدره حق قدره، وتجعله حقيقة واقعة كالوزارة المصرية القائمة. وزعموا أن أوضح دليل على ذلك كله قد أقامته مشتركة في إقامته وزارة المعارف ووزارة الأشغال.
    فقد أنبأتنا الصحف بأن الوزارة كانت قد قررت أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة المصرية، وأن تنفق في تشييدها خمسة وسبعين ألفًا من الجنيهات. وكان هذا القرار فيما تقول الصحف قد صدر قبل أن توضع الرسوم وتأخذ القاعة شكلها المنتظر. فلما وضع الرسم وتم وجود القاعة على الورق ظهر أن وجودها على الأرض يحتاج إلى خمسة وثمانين ألفًا لا إلى خمسة وسبعين ألفًا. وعُرض الأمر على مجلس الوزراء فلم يتردد لحظة في الموافقة على الرسم وما يحتاج إليه من النفقات.
    وليس من شك في أن أوربا، على ما فيها من جامعات، وعلى ما لها من بعد العهد بالجامعات، وعلى ما لها من أمل في مستقبل الجامعات، وعلى ثروتها الضخمة ويسارها الذي تضرب به الأمثال، سينفطر قلبها غيظًا وحنقًا، وستحسدنا حسدًا يحرق الأفئدة وينضج الأكباد حين تعلم أننا سننفق هذا المقدار لإقامة هذه القاعة. فإذا أنفقنا هذا المقدار بالفعل، وأقمنا هذه القاعة بالفعل، فستذعن أوربا لنا، وستؤمن لمصر الحديثة بعظمة لا تشبهها إلا عظمة مصر القديمة.
    وكيف لا، وستكون لنا قاعة تُلقى فيها المحاضرات، وتُعقد فيها المؤتمرات، تقام على ثلاثة آلاف متر، وتحتوي على أربعة آلاف من الناس، وينفق عليها نحو ثمانية ملايين من الفرنكات فيما يقول الفرنسيون، وخمسة وثمانين ألفًا من الجنيهات فيما يقول الإنجليز. ولست أدري كيف يُعبر عن هذا المقدار بحساب المارك عند الألمان، وبحساب الليرة عند الإيطاليين، وبحساب الدولار عند «الرئيس روزفلت» وأصحابه الأمريكيين.
    وسيكون في هذه القاعة كراسٍ لعامة الناس، وأخرى لأوساطهم، وأخرى لذوي المكانة فيهم. وستزدان بمقصورة لحضرة صاحب الجلالة الملك، وبشرفات لأصحاب السمو الأمراء، وغرفات لأصحاب المعالي الوزراء. وسيكون لها من السعة والارتفاع، وسيكون لها من الزخرف والإبداع ما يجعلها من أفخم، إن لم تكن أفخم، قاعات المحاضرات في العالم كله.
    فإذا سألت بعد ذلك عما سيُلقى فيها من المحاضرات فالجواب أن هؤلاء المحاضرين الأجانب الذين ندعوهم من أوربا والذين يلقون محاضراتهم في الجامعة سيجدون مكاناً يليق بهم، وبما يحملون من علم، وما يمثلون من كرامة. وسيكون لمصر أن تدعو إلى مؤتمر يحل أزمة العلم، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي الذي يحل الأزمة، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي، وسيعقد ذلك المؤتمر في هذه القاعة التي ستشاد، وقد توفق مصر إلى خير مما وفقت إليه إنجلترا فيحل مؤتمرها أزمة العلم؟
    ثم أشرق الصباح وأضاء بنوره ولاح، وأفاق الذين يدبرون أمر الجامعة، وأفاق الذين يدبرون أمر الخزانة، وسألوا أنفسهم ماذا رأوا؟ وماذا عملوا؟ فأجابتهم الحقائق الواقعة أنهم حلموا فحاولوا تحقيق أحلامهم، ثم استيقظوا فإذا هم لم يزيدوا على العبث والإسراف.
    عزيز علينا أن يكون الخيال أوسع سلطانًا على الجامعة والذين يتولون أمرها من العقل الذي يدعو إلى الأناة والحكمة والاعتدال والاقتصاد.
    كوكب الشرق ١٥ – ٨ – ١٩٣٣

  • سيارة

    سيارة
    الله – عز وجل – لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها؛ لأنه إنما يضرب الأمثال للحكمة والموعظة الحسنة، وليبين للناس قصد السبيل، ويصرفهم عن جائرها. فمن حقنا، بل من الحق علينا أن نتأدب بأدب القرآن الكريم، وألا نتحرج من أن نتحدث إلى الناس في شيء ما: سيارة فما فوقها لنبين لهم مواضع العوج في سياسة الوزارة القائمة حين تعرض للكبائر وحين تعرض للصغائر من الأمور.
    والناس يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض للري فتقيم الخزان هنا، وتمهد لإقامة الخزان هناك، وتعرض في هذا كله عن نصيحة الناصحين، ومشورة المشيرين، وهم يعلمون كذلك ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لأمر الدين فتعلن أنها لن تدفع إلا ورقًا، وتمضي مع ذلك في خصومة قضائية ولا تجد الشجاعة على أن تتخذ في هذا الأمر قرارًا حاسمًا يقطع الشك ويزيل اللبس.
    وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة القائمة من العوج حين تضيق استقلال الجامعة حتى ترده إلى أبسط أشكاله، وتجعله قابلًا أن يوضع في علبة صغيرة يضعها وزير التقاليد في جيبه، وحين تبسط سلطان الأزهر حتى تغمر به مدارس الدولة كلها.
    وهم يعلمون ما في سياسة الوزارة من العوج حين تعرض لغير الري والدين والتعليم من المرافق المصرية الكبرى، فليس هناك بأس إذن من أن يقفوا عند هذه السيارة لحظة وإن كانت ما تزال في باريس تهيأ وتعد، وتنتظر مقدم رئيس الوزراء..!
    فأنا أريد أن أتحدث عن هذه السيارة التي كثر فيها الحديث بين الصحف والتي اشترتها الدولة لرئيس الوزراء ليتنقل بها في أوروبا أثناء إجازته المقبلة.
    زعموا أن رئيس الوزراء حين كان يجمع إلى الرياسة وزارتين؛ كان يستمتع بالتنقل في سيارات ثلاث: إحداها للرياسة، والأخرى للمالية، والثالثة للداخلية. فلما اشتدت الأزمة واستحكمت؛ أحس رئيس الوزراء حاجة الدولة إلى الاقتصاد، فأمر بإحدى هذه السيارات الثلاث فبيعت، ورد ثمنها إلى خزانة الدولة. واقتصدت الدولة ما كانت تحتاج إليه هذه السيارة من النفقات في كل يوم. ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء سيارتين من هذه السيارات، ولم لم يكتف بواحدة دون اثنتين فيضف اقتصادًا إلى اقتصاد، وتدبيرًا إلى تدبير؟ ولا تسل لماذا لم يبع رئيس الوزراء هذه السيارات الثلاث، ولم لم يكتف بسيارته الخاصة، ينفق عليها من أموال الدولة إذا لم يكن بد من أن تتكلف الدولة نفقات انتقاله؟ وقد يقال إنك تجهل أخلاق الوزراء، وما جرت به عادتهم في مصر حين تلقى مثل هذا السؤال أو تفكر فيه!.
    باع رئيس الوزراء إذن إحدى سياراته الثلاث، واكتفى باثنتين ثم مرض واضطر إلى أن يرقع وزارته وينزل عن الداخلية لوزيرها الجديد، وأقبل وزير الداخلية الجديد؛ فوجد سيارة الوزير قد بيعت، ولم تكن في وزارة الداخلية كلها سيارة يتنقل فيها الوزير أثناء إقامته في الداخلية، أو وجد سيارة أو سيارات ولكنها لم تكن تليق بمقام الوزير، ولا سيما وقد كان وكيلًا فأصبح وزيرًا، ويجب أن يحيط بهذا الانتقال من مظاهر الإكبار والإجلال ما يلائمه، ومن هذه المظاهر أن تكون سيارة الوزير أفخم وأجمل من السيارات الأخرى في الوزارة. فنزل رئيس الوزراء عن سيارة الرياسة لمرؤوسه القديم وزميله الجديد، وأصبح رئيس الوزراء منذ ذلك الوقت وليس له إلا سيارة واحدة، هي سيارة المالية، ولكنه رئيس ووزير، له صفتان فيجب أن تكون له سيارتان، ولا ينبغي أن يكون كغيره من الوزراء ذا سيارة واحدة؛ لهذا لم يقنع بسيارة المالية، وأزمع أن يشتري سيارة أخرى للرياسة، وتستطيع أن تلاحظ في غير فائدة ولا غناء أن رئيس الوزراء مريض، وأن حركته قليلة وانتقالاته محدودة، فسيارة واحدة كانت تكفيه، ولكنه كما قلت لك ذو صفتين، فيجب أن يكون ذا سيارتين! ولا تقل إن وزير التقاليد ذو صفتين، فهو وزير المعارف، ورئيس الجامعة، فيجب أن يستقل سيارتين:
    سيارة المعارف وسيارة الجامعة. فالفرق بين وزير التقاليد ورئيس الوزراء واضح جدًا؛ لأن وزير التقاليد لا يتلقى رياسة الجامعة بمرسوم، وإنما هي صفة تنشأ له نشوءًا، وتنتأ له نتوءًا، فهي أشبه بالعلة العارضة منها بأي شيء آخر، وهي ملازمة له، لا يستطيع أن يتخلص منها إلا أن يستقيل من الوزارة! أما وزارة المالية فيستطيع رئيس الوزراء أن ينزل عنها كما نزل عن الداخلية. والظاهر أنه كان يقصد النزول عن وزارة المالية يومًا من الأيام، لذلك احتفظ بسيارتها لوزيرها المنتظر، واشترى للرياسة سيارتها هذه.
    ومن المرجح كما يقول الناس أن في القاهرة سيارات يمكن أن تُشترى منها الفخم الذي يليق برؤساء الوزارات، ومنها المتوسط الذي يليق بالوزراء، ومنها البسيط الذي يليق بأوساط الناس. ومن المرجح أيضًا أن شراء هذه السيارات من القاهرة أدنى إلى المألوف، وأقرب إلى الاقتصاد، ولكن رئيس الوزراء سيسافر إلى أوروبا في إجازة طويلة ليستشفي ويستريح، وهو كما قلنا أمس لا ينبغي أن يتخذ في أوروبا ما يتخذه عامة الناس من وسائل الانتقال، فيجب أن تكون له سيارته. وما دام رئيسًا للوزراء وما دام وزيرًا للمالية فيجب أن تكون له سيارتان تنتقلان معه حيثما وجه، وأينما ذهب. يستقل إحداهما وهو رئيس الوزراء، ويستقل الأخرى وهو وزير المالية! يستقل كل منهما في وقت من الأوقات حين يفكر في إحدى هاتين الصفتين منفردة! فإذا فكر فيهما مجتمعين استقل السيارتين في وقت واحد، ولكن رئيس وزرائنا أرفق بخزانة الدولة وأحرص على أموال الدولة من أن يكلفها هذه النفقات كلها، فليكتف إذن بإحدى السيارتين في أوروبا، وليستقلها مرة رئيسًا للوزراء، وأخرى وزيرًا للمالية، وليجمع السيفين في غمد حين لا يكون من ذلك بد..!!
    ويغلو رئيس وزرائنا في الرفق بخزانة الدولة والحرص على أموالها، فيتحرج من نقل السيارة الواحدة إلى أوروبا في الذهاب والإياب على حساب الدولة، ويقرر أن يلغي إحدى هاتين النقلتين. وإذن فليشترِ السيارة في باريس وليحتفظ بها في باريس حتى يبلغها، ولتعرف له الدولة هذه المآثر الغر، وهذه الأيادي البيض. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا مسرف في أموال الدولة، وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من اقتصد لها الملايين؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينتقل بسيارتين، فلا ينتقل إلا بسيارة واحدة؟ وكيف يكون مسرفًا في أموال الدولة من يبيح له منصبه أن ينقل سيارته ذاهبًا آئبًا فيكتفي بنقلها في الإياب دون الذهاب!
    ألست ترى أن صحيفة رئيس الوزراء على حق حين تنكر على هؤلاء الناس الذين يلومون رئيس الوزراء في إنكار هذا اللوم! ورئيس الوزراء معذور إن ضاق بهذا اللوم وتبرم به، فهو لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن المصريين قوم يجحدون الجميل، ولا يعرفون الفضل لأهله، ولا يشكرون الصنيعة لمن يسديها إليهم!! ولو قد كان المصريون قومًا يقدرون الرجال والأعمال، ويشكرون لذي الإحسان إحسانه، لرفعوا إلى رئيس الوزراء عرائض لا تصور الثقة، فقد شبع رئيس الوزراء من الثقة حتى كاد الشبع يؤذيه ولا سيما بعد ثقة مجلس النواب أول أمس، ولكنها تصور الحمد والثناء، وتصور الشكر والاعتراف بالجميل، لأنه نزل عن كل هذه الحقوق برًّا بخزانة الدولة، وحرصًا على أموالها، وآثر أن تنفق هذه الأموال التي تفضل بالنزول عنها في إعانة الفقراء والبائسين، أو في دفع المصروفات المدرسية عن بعض الطلاب الذين يخرجهم من المدارس وزير التقاليد. ولو أن المصريين يقدرون الرجال والأعمال، ويعرفون الجميل لأهله لما أفلتت هذه المكرمة من مجلس النواب، ولما فاتت هذه المأثرة مجلس الشيوخ! ومع ذلك فالوقت لم يضع بعد، والدورة البرلمانية لم تبلغ أجلها، ومن الممكن أن يمحو المصريون عن أنفسهم إثم هذا التقصير، وأن يستدرك البرلمان ما فات فيشكر الشعب كله، ويشكر البرلمان كله لرئيس الوزراء هذا الفضل العظيم!!
    ولكن رئيس الوزراء قد سافر إلى أوروبا في الصيف الماضي، وقد وصفت رحلته هذه بالإجمال والتفصيل، ولم يحدثنا أحد عن السيارة أو السيارات التي كان يتنقل عليها.
    رئيس الوزراء كان في الصيف الماضي ذا صفات ثلاث، فهل سافر ومعه سيارات ثلاث؟ أم هل كان قد باع سيارة الداخلية فسافر بسيارتين اثنتين؟ أم هل كان قد أحس شدة الأزمة واستحكامها فسافر بسيارة واحدة؟ أم هل سافر بدون سيارة؟ فلما أقام في أوروبا وتنقل فيها رأى أن هذا يكلف الدولة أكثر مما ينبغي فآثر أن يشتري سيارة تنتظره هناك؟!
    هذه مسائل نؤكد مخلصين أننا نجهل الجواب عليها، ونود لو تفضلت صحيفة الوزارة علينا بهذا الجواب، فقد يكون فيه مأثرة أخرى من مآثر رئيس الوزراء، يجب أن يعرفها الناس!!
    ومسألة أخرى لا بد من التفكير فيها، لأنها تملأ القلب إعجابًا، والنفس إكبارًا لرئيس الوزراء، أو لأعوانه الذين يعملون معه، فقد كان رئيس وزرائنا مريضًا حين انتقلت سيارة الرياسة إلى وزير الداخلية. أفترى أنه هو الذي فكر في إعطاء هذه السيارة للوزير الجديد، وفي شراء سيارة أخرى مكانها، وفي أن تنتظره هذه السيارة الجديدة في باريس لما قدمنا من الأسباب؟ وإذن فإن إعجابنا برئيس الوزراء لا حد له!!
    وكيف لا يملكنا الإعجاب به والإكبار له، وقد كان مرضه شديدًا مخيفًا، وكانت أعمال الدولة من حوله كثيرة دقيقة معقدة، فلم يمنعه مرضه الشديد المخيف، ولا أعماله الدقيقة المعقدة من أن يفكر في النزول عن سيارة وشراء سيارة أخرى تنتظره في باريس؟ أم ترى الذين فكروا في ذلك وأنفذوه إنما هم أعوان الرئيس وأولياؤه من الموظفين. وإذن فإن إعجابنا بهؤلاء الأعوان والأولياء لا حد له! انظر إليهم كيف يعتنون برئيسهم ويفنون في العناية به حتى إنهم ليفكرون في أن يضعوا مكان سيارته القديمة سيارة جديدة وأن يختاروها فخمة جميلة من طراز بديع، وأن يمسكوها في باريس حتى يبلغها رئيس الوزراء؟
    أرأيت أننا لم نخطئ حين تحدثنا إليك في هذه القصة الصغيرة. قصة السيارة التي اشتريت لرئيس الوزراء على حين يتحدث الكتاب الآخرون إلى قرائهم في الخزانات والاستجوابات، وعودة المندوب السامي أو بقائه في لندن، وما يسمونه الموقف السياسي. أرأيت أن تحدثنا إليك عن هذه السيارة قد انتهى بك وبنا إلى خصال يجب أن يتدبرها ويفكر فيها كل من ينصب نفسه للعمل في الحياة العامة؟ أولى هذه الخصال الاقتصاد الذي لا ينبغي لرؤساء الوزارات أن يقصروا فيه مهما يكن يسيرًا ضئيلًا، وقدوتهم في ذلك رئيس وزرائنا حين آثر في أمر هذه السيارة ما آثر من الاقتصاد!
    وثانية هذه الخصال اليقظة للمصلحة العامة وللمصلحة الخاصة مهما تكن دقيقة غامضة، فلا ينبغي أن يشغلنا عن هذه المصلحة مرض مهما يكن مخيفًا، أو عمل مهما يكن دقيقًا.
    وثالثة هذه الخصال الفناء في الإخلاص للرؤساء، فلا ينبغي إذا مرض رئيسك أن تهمل سيارته، ولا ينبغي إن سافر رئيسك أن تنسى أنه قد يعود! وهنا مشكلة أدع لك ولغيرك من القراء أن تلتمسوا لها حلًا ما دام الإخلاص للرؤساء واجبًا، وما دام من الحق على المرؤوسين أن يقدروا حركات رؤسائهم إذا سكنوا، وسكون رؤسائهم إذا تحركوا، فقد يكون من الحق على أعوان الوزارة أن يقدروا أنهم وإن تولوا الوزارة، وأطالوا المقام في مناصبها فقد يستقيلون.
    صدقني أيها القارئ العزيز إن من الحق عليك ألا تتحرج من التفكير الطويل في أيسر الأشياء وأهونها حتى حين تكون هذه الأشياء مما يشبه سيارة رئيس الوزراء!
    كوكب الشرق ٤- ٥ – ١٩٣٣

  • سجين

    سجين
    أما أن مصر جزء من أوربا كما قال الخديو إسماعيل فيما يتحدث عنه الناس فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل. ففي مصر البخار والكهرباء، وفي مصر البرق والتليفون، وفي مصر الأوبرا، وما يكون في الأوبرا من تمثيل ورقص وغناء. وبين مصر وأوربا طرق برية وبحرية وجوية تقطعها السفن والقطارات والطيارات في الأوقات القصار والطوال. وفي مصر وزارات على رأسها وزراء، وفي مصر مجلس للنواب، ومجلس للشيوخ. وفي مصر مدارس أولية وأخرى ابتدائية، وفيها مدارس ثانوية، وأخرى عالية خصوصية، وفيها جامعة أيضًا. وفي مصر مسارح وملاعب، وفيها أندية وقهوات. وفيها بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله وتحت هذا كله صحف سيارة، يظهر بعضها في الصباح وبعضها في المساء، وبعضها حين تتوسط الشمس في السماء. وصحف أسبوعية وأخرى شهرية، وكلها يجول، وكلها يصول، وكلها ينقد فيجيد النقد، وكلها يحمد فيحسن الحمد، وكلها يؤيد ويعارض. في مصر هذا كله، وفيها أكثر من هذا كله، فليس من سبيل إلى الشك إذن أن مصر جزء من أوربا.

    ولكنها جزء مادي من أوربا المادية، أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة، أو جزء مترف من أوربا المترفة. فأما أن تكون مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المتحضرة، أو جزءًا مثقفًا من أوربا المثقفة، أو جزءًا راقيًا في العقل والخلق، وفي الحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب كلها من أوربا الراقية في العقل والخلق والحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب، فذلك ما لم يقم عليه الدليل بعد. بل ما زال موضوعًا للشك. ويظهر أنه سيظل موضوعًا للشك زمنًا طويلًا. وكأن الخديو إسماعيل حين قال كلمته هذه إنما كان يصور مثله الأعلى أكثر مما كان يصور الحقيقة الواقعة. ولكن بيننا وبين عهد إسماعيل نصف قرن، وكان يحسن أن يتحقق شيء من هذا المثل الأعلى الذي كان يصوره إسماعيل، فتصبح مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المثقفة، مهذبًا من أوربا المهذبة. كان ينبغي ذلك، ولكن ما ينبغي شيء، وما هو كائن شيء آخر. والحق أن الواقع الذي لا شك فيه هو أن هذا المثل الأعلى ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يتحقق. وما زالت مصر المتحضرة في حياتها المادية بعيدة جدًا عن الحضارة في حياتها المعنوية. وآية ذلك أن الذين حُكم عليهم القضاء بالسجن في جرم من جرائم الرأي ما زالوا يُعاملون في سجنهم كما يُعامل الأشقياء الذين يُحكم عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق العام.

    فهم محبوسون في غرفة ضيقة معرضة للهواء المهلك، لا للهواء المحيي. وهم ينامون على الأرض، وتحول بينهم وبين الأرض وسادة من القش. وهم يشربون في كوز، وهم لا يستضيئون في الليل، ولا يكادون يتروضون في النهار. وهم يعملون كما يعمل غيرهم من المجرمين، ويعيشون كما يعيش غيرهم من المجرمين. تُعطّل ملكاتهم العقلية كلها: فلا يقرؤون ولا يكتبون، كأنما تُعاقب عقولهم لأنها فكرت فتحرم وسائل التفكير، وكأنما تُعاقب قرائحهم لأنها أنتجت فتحرم أسباب الإنتاج. وهم يُعرضون بهذا كله للضعف، ثم للضيق، ثم للمرض المبرح والألم الملح. وليس لهم رغم هذا كله خطر، وقَلَّما يصيبهم حظ ولو ضئيل من عناية الطبيب. وفي السجن مع ذلك أطباء، وللسجن مع ذلك مستشفيات، ولكن الطبيب لا يزور المريض إلا إذا أشرف من المرض على الطور المخيف، ولكن المريض لا يُنقل إلى مستشفى السجن إلا حين لا يكون من ذلك بد. وأنت تستطيع أن تفهم هذا وتقدّره في لغة السجون.

    هذه هي حال الذين يُعاقبون في مصر على جرائم الرأي. وأما الذين يُعاقبون في أوربا على جرائم السرقة وقطع الطريق فهم ينامون على الأسرة، وهم يتروضون، وهم يُعاملون معاملات قد لا يظفرون بها في حياتهم خارج السجن. وهم يقرؤون الصحف التي تُنشأ لهم في بعض البلاد.

    أما الذين يُعاقبون على جرائم الرأي في أوربا فهم يقرؤون ويفكرون وينتجون، ويلقون في حياتهم المادية من العناية كل ما يحتاج إليه الرجل المترف من أهل الطبقات الوسطى. ذلك أن أوربا قد أصبحت لا تفهم السجن على أنه عذاب، وإنما تفهمه على أنه كفّ للمجرم عن المضي في جريمته وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

    أما هنا فالسجن عذاب، والسجن انتقام، والسجن نوع من أنواع الأخذ بالثأر، والسجن فن من فنون التأديب الذي لا بأس من أن يشوبه العنف من حين إلى حين.

    أفبعد هذا نستطيع أن نقول إن مصر جزء مهذب من أوربا المهذبة؟ لا، ليس إلى مثل هذا القول من سبيل. إن الذين يعيبون الحضارة الأوربية ويزدرونها خليقون أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يتورطوا في هذا العيب والازدراء. فمصر لم تعرف من الحضارة الأوربية إلى الآن إلا شرورها وآثامها من جهة، وإلا مظاهرها وأشكالها من جهة أخرى. فأما خيراتها ومنافعها، فأما حقائقها وجواهرها، فمصر تجهلها جهلًا يوشك أن يكون تامًا.

    هذا صديقنا توفيق دياب قد سُجن في جريمة من جرائم الرأي التي يعاقب عليها القانون اليوم، وقد يثيب عليها غدًا، ولكنه يُعامل في سجنه كما رأيت معاملة غيره من المجرمين، لا يُراعى حق لثقافته، ولا لعقله، ولا لمكانته، ولا لضعفه ومرضه. وإنما دُفع به في معمل العذاب، هذا الذي يسمونه السجن، فيجب أن يحتمل في هذا المعمل ما أُعدّ له من ألوان العذاب.

    وأجمل ما في الأمر وأبدعه، وأحسن ما في الأمر وأروعه، أن صديقنا توفيق دياب عضو في أسرة يُقال لها أسرة الصحافة. وإن هذه الأسرة الصحافية ترى لنفسها قدرة عظيمة الخطر، وتعطي نفسها الحق في قيادة الرأي العام، وتهذيب العقول والأخلاق، وترقية الحس والشعور. وترى لنفسها الزعامة في الشرق العربي كله، ولا تتحرج أن تدعو الصحفيين الأوربيين إلى أن يعقدوا مؤتمرهم في مصر، ولا تتحرج من أن ترى أنها مظهر من مظاهر الرقي المصري، ودليل على أن مصر قد أصبحت جزءًا من أوربا!! ثم هي بعد ذلك تقبل أن يُعامل أحد أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام.

    سيُقال إنها لم تقبل؛ فقد اجتمعت واجتمعت، وقد خطبت وكتبت، وقد قالت فأطالت، وقد سعت ودعت. ولكنها على هذا كله تقبل أن يُعامل عضو من أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام! لأن الاجتماع والخطابة والكتابة والسعي والدعاء كل ذلك أهون ما ينبغي أن تأتيه الصحف للدفاع عن كرامتها والنضال عن حقوقها. هو لا يكلفها شيئًا. وأي مشقة في أن يلتقي الزملاء ويخطب الخطباء فيصفق لهم، ويكتب الكتّاب فيُثنى عليهم؟ ويسعى الساعون فلا يُحفل بهم؟ ويدعو الداعون فلا يُستجاب لهم؟ لا مشقة في ذلك ولا غُرم. ولعل في ذلك لذة، ولعل في ذلك غيًّا أيضًا. ومن ذا الذي ينكر أن الصحفيين يجدون لذة حين يثني بعضهم على بعض، وحين يصفق بعضهم لبعض؟ ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الصحفيين قد غنموا من قصة الأستاذ دياب، فأنشأوا لأنفسهم ناديًا يختلفون إليه، ويسمرون فيه، ولم يكد هذا النادي ينشأ حتى سعت إليه بعض الهدايا!

    كان هذا كله، ولكن الأستاذ توفيق دياب يُعامل في سجنه معاملة المجرمين العاديين حتى مرض — أستغفر الله — حتى عاوده المرض فأضناه وألح عليه.

    وعرف الصحفيون هذا فأسفوا، وأنكروا، ورجوا، وثقوا بأن أحدًا منهم لن يعدو الأسف والإنكار والرجاء. لا تكلف مشقة، ولا تفرض تضحية، ولا تحمل غرامة. وما دام الأمر كلامًا أو ما يشبه الكلام فنحن قادرون عليه، بل راغبون فيه. فأما أن تطلب إلى الصحف عملًا يشعر الحكومة والشعب بأنها غاضبة حقًّا، متألمة حقًّا، فأما أن تطلب إلى الصحف الاحتجاب يومًا أو أيامًا، فذلك منك غلو وإسراف، لن يجد من الصحف إلا إعراضًا وازورارًا. ومع ذلك فهذا أيسر ما كان يجب على الصحف أن تعمل لو أنها تقدر التضامن حقًّا.

    يجب أن يحتمل صديقنا دياب آلامه وحده، لأن إخوته أحب لأنفسهم من أن يشاركوه في هذه الآلام! ولكن يجب أن يعلم الذين يسعدون اليوم وغدًا بعيد الفصح وشم النسيم، يجب أن يعلم هؤلاء الذين يغدون ويروحون بالتحية والتهنئة، يجب أن يعلم الذين يذوقون غدًا نعمة الحرية واسعة سعة مصر، منطلقة انطلاق الهواء، لذيذة لذة النسيم، أن في السجن مصريًا قُضي عليه في جريمة من جرائم الرأي، فأذعن كما يجب لحكم القضاء، ولكنه طريح على وسادة من القش، ليس بينها وبين الأرض حاجز، تمضه الآلام المضنية، وتنهكه العلة القاسية. ولا يفكر أحد من القادرين على أن يعينوه ويرفّهوا عليه في أن يجعلوه سجينًا كغيره من الذين يُسجنون في جرائم الرأي.

    يجب أن يفكر الذين سيشمّون النسيم غدًا أن صديقنا توفيق دياب قد قبل ألا يشم النسيم، ولكن من حقه أن يكتفي من ذلك بهذا الرضى، وألا يذوق مع هذا الحرمان مرارة الألم والعذاب.

    كوكب الشرق ١٦-٤-١٩٣٣

    سجين

  • ثقافة

    ثقافة

    لا أزال أذكر محاضرة قرأتها منذ أعوام للأديب الفرنسي العظيم بول فاليري، ألقاها في لوزان، وحاول فيها أن يرد العقل الأوروبي إلى العناصر الأولى التي عملت في تكوينه، والتي تميزه من العقول الأخرى، وتقدمه عليها، وتبيح للأوروبيين ما يستمتعون به من التفوق في الحياة العقلية والعملية معًا.

    لا أزال أذكر هذه المحاضرة؛ لأنها كانت من دقة التفكير، وقوته، ووضوحه، بحيث فرضت علي الإعجاب بها، واضطرتني إلى أن أقرأها غير مرة، وحببت إلي قراءة ما يكتبه صاحبها، على ما في أسلوبه وتفكيره، في أكثر الأحيان، من التواء وغموض، مهما يعجب بهما الفرنسيون في هذه الأيام، فهما مصدر مشقة لقرائه من الفرنسيين المثقفين، فضلًا عن الأجانب.

    كان بول فاليري يرد العقل الأوروبي إلى مكونات ثلاثة عظيمة الخطر، هي: العقل اليوناني وما أنتج من أدب وفن وفلسفة، والعقل الروماني وما أنتج من تشريع ونظام، والدين المسيحي وما نتج من حب للخير وميل إلى الإحسان.

    وكان يرى أن لكل واحد من هذه العقول أثرًا عظيمًا في تكوين الحياة الأوروبية المعنوية، ثم في تكوين الحياة العملية، التي هي في حقيقة الأمر أثر من آثار التفكير الأوروبي، ومرآة ينعكس فيها هذا التفكير.

    فهم يونان حين يفكرون وينتجون في الأدب والفن والفلسفة، وإن بعد العهد بينهم وبين اليونان، وإن اشتد التطور حتى خيل إليك أن ليس بين آثارهم وآثار اليونان من صلة. وهم رومان حين يشرعون، أو يحاربون، أو يستعمرون، مهما يكن الفرق عظيمًا بينهم وبين الرومان في التشريع والحرب والاستعمار. وهم مسيحيون حين يحسنون أو يطمحون إلى الخير، مهما يأخذ إحسانهم وطموحهم من أشكال تباعد بينهم وبين الإحسان الذي صورته المسيحية الأولى.

    وهم لهذا كله قد جمعوا خير ما يتفوق به الرجل على الرجل، وأعظم ما يمتاز به الإنسان من الإنسان.

    أعجبت بهذا البحث، وأعجب به كثير من القراء الأوروبيين حين ألقي، وحين نشر في كتاب، وإن كنت لم أعن بتحقيقه، ولم أحفل بأن يكون الكاتب قد وفق إلى الصواب أو تورط في الخطأ، ولكني على كل حال حمدت لهذا الكاتب أنه استطاع أن يتصور عقلًا أوروبيًا، على اختلاف الأوروبيين في اللغة والنظم، وفي الآثار المختلفة التي يستتبعها اختلاف اللغات والنظم.

    كما أني حمدت للأوروبيين أنفسهم ألا يكون تفاوتهم في الجنس، واللغة، والنظام، وما إلى ذلك كله، مانعًا من أن يكون لهم عقل واحد متشابه، يستطيع كاتب أن يدرسه ويحلله ويرده إلى أصوله المشتركة.

    وكثيرًا ما حاولت، منذ قرأت هذا الفصل، أن أتصور عقلنا المصري وأدرسه، وأرده إلى عناصره الأولى التي كونته كما هو. فلم يكن هذا التصور ولا هذا الدرس شيئًا يسيرًا، ونحن مع ذلك أمة واحدة لها مقومات واحدة نشترك فيها جميعًا، فنحن مشتركون في الجنس، والإقليم، واللغة، والمنافع الاقتصادية، والنظام السياسي والاجتماعي. ولكننا، على هذا كله، مختلفون في العقل اختلافًا ظاهرًا جدًا، وربما كان خطيرًا، وربما كان مصدر كثير من المشقة التي نلقاها في حياتنا الحاضرة.

    ذلك أني ما أظنك تنازعني في أننا لا نقوم الأشياء تقويمًا واحدًا، ولا نحكم عليها أحكامًا متقاربة، لأننا لا نتصورها تصورًا متقاربًا.

    وليس من شك في أننا الآن أقل تشابهًا واتحادًا من هذه الناحية العقلية مما كنا في أي وقت مضى. فقد كان المصريون في أول القرن الماضي، وإلى أن تقدم القرن الماضي حتى تجاوز نصفه، متشابهين في التفكير والتعبير، ثم في حياتهم العملية، كأن لهم عقلًا واحدًا يعبرون عنه بلغة واحدة، وأسلوب واحد، ويصدرون في كل ما يأتونه من الحركات والأعمال.

    أما الآن، وقد أخذنا نتصل بالأوروبيين، وأخذ اتصالنا بالأوروبيين يشتد شيئًا فشيئًا، ويمتد قليلًا قليلًا، فقد تغيرت هذه الحال، وانشق المصريون خاصة، والشرقيون عامة، إلى فريقين: فريق ما زال يفكر ويعبر ويحيا على شيء من الأسلوب القديم، قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، ولكنه على كل حال ظاهر يمكن تصوره وتشخيصه. وفريق آخر يفكر ويعبر ويحيا على أسلوب جديد أوروبي، لا تكاد تظهر الصلة بينه وبين حياتنا القديمة.

    وهذا في نفسه شيء طبيعي لا غرابة فيه، فهو التطور والانتقال من حال إلى حال، وهو الصراع بين القديم والجديد، والنزاع بين حضارة وحضارة، وانتصار إحدى هاتين الحضارتين المتنازعتين على الأخرى، في سرعة أو بطء، باختلاف الظروف التي تحيط بهذا التطور.

    ولكن تطورنا لا يخلو من غرابة، فقد خضعنا له، فيما يظهر، غير شاعرين به، ولا آبهين له، ولم نستطع أن نقدره قدره، ولا أن نحسب حسابًا للآثار التي قد ينتجها. فمضى فريق منا مع الحركة الجديدة، ومضى فريق آخر في الحياة القديمة، واضطرب فريق بين أولئك وهؤلاء.

    وأنا أعلم أن محمد علي الكبير كان يعرف ما يريد، وكان ما يريد من الأمر حين كان ينقل إلى مصر ما كان ينقل إليها من أساليب الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي. وربما كان قليل جدًا بين أعوانه يشاركونه في الشعور بقيمة هذا العمل، ولكني أشك أشد الشك في أن الناس كانوا يقدرون هذا العمل أو يحسبون له حسابًا. إنما كانوا يخضعون له كما كانوا يخضعون لغيره من أمر السلطان، على كره شديد أو رغبة فاترة.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في إسماعيل وأعوانه، وإن كان الفرق بين إسماعيل ومحمد علي وأعوانهما ظاهرًا من بعض الوجوه. فقد كان محمد علي يقدر لنقل الحضارة الأوروبية إلى مصر منفعة عاجلة، هي النهضة الصناعية التي تنهض بحاجات بلد يريد أن يجاهد ويسود، ولكنه لم يكن يفكر كثيرًا فيما كان يفكر فيه إسماعيل من الرغبة في الرقي لأنه رقي، وفي الحضارة لأنها حضارة، والعلم لأنه علم.

    وكذلك كان أعوان محمد علي يعينونه على الوصول إلى هذه المنفعة العاجلة المؤقتة، بينما كان أعوان إسماعيل يعينونه على الطموح إلى مثل أعلى يسمو فوق المنافع العاجلة، ويبعد كلما دنا منه طلابه، فيضطرهم إلى السعي، ويبعث فيهم النشاط.

    ولكن أولئك وهؤلاء كانوا قلة لا تكاد تظهر، وكانت كثرة الناس تخضع للتطور عن كره شديد ورغبة فاترة، كما قلنا.
    كان من أثر هذا أن الذين أشرفوا على هذا التطور في مصر لم يأخذوا له عدته، ولم يضعوا له من النظم والأصول ما يمكنه من أن يسير سيرًا مضطردًا منتجًا، وإنما كانوا يترددون ويضطربون ويشفقون، ويحسبون حسابًا لظروف لا تكاد تحصى. فهم إذا تقدموا من ناحية وقفوا أو تأخروا من ناحية أخرى، ونشأ عن هذا أنا وصلنا إلى حيث نحن الآن.

    ورقينا، مهما يكن عظيمًا، ليس مستويًا ولا متشابهًا، ففيما بيننا بيئات راقية جدًا، وبيئات منحطة جدًا، وفي بعض نواحي حياتنا العامة رقي يشبه أن يكون طفرة، وفي بعض نواحيها الأخرى انحطاط يشبه أن يكون جمودًا. فنحن من الناحية التشريعية والقضائية قد خطونا خطوات بعيدة، بحيث تستطيع أن تقول إن الفرق بيننا وبين كثير من الأمم الأوروبية لا يكاد يذكر. ونحن كذلك، من بعض النواحي العلمية القليلة، لا بأس بالشوط الذي قطعناه، ولكننا من نواحٍ أخرى كثيرة لا نزال أطفالًا وعيالًا على الأوروبيين.

    هذا الاضطراب الذي نلاحظه واضحًا جليًا في حياتنا العامة، يظهر أشد وضوحًا وأكثر جلاء في ناحية بعينها من نواحي هذه الحياة، وهي ناحية الحياة العقلية. فقد عني محمد علي، وعني بعده إسماعيل، بإرسال البعوث إلى أوروبا، وتنظيم المدارس المدنية في مصر. وعنيا أيضًا بتشجيع الترجمة والتأليف، وكان لهذا كله أثر ظاهر، فوجدت في مصر طائفة مثقفة على الأسلوب الأوروبي، وسيطرت هذه الطائفة على حياة مصر، فتولت الحكم والقضاء وتدبير الأمور.

    واتصلت منذ ذلك الوقت سنة الأميرين العظيمين في العناية بالبعوث، وتنظيم التعليم المدني، وتشجيع الترجمة والتأليف، تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، ولكنها اتصلت على كل حال، وأنتجت آثارها الطبيعية، فكثرت هذه الطائفة المتأثرة بالثقافة الأوروبية، واشتدت سيطرتها على الحكم، واستئثارها بتسيير الأمور.

    ولكن تعليمًا آخر مصريًا خالصًا كان موجودًا في أيام محمد علي وفي أيام إسماعيل، لم يستطع هذا الأمير أو لم يرد هذا الأمير أو ذاك أن يمسه بشيء من التغيير أو التبديل، أو أن يخضعه لشيء من هذا التطور، تحرجًا وإشفاقًا، أو لما شئت من الأسباب. فظل هذا التعليم المصري الخالص في الأزهر الشريف متصلًا، محافظًا على تقاليده وأساليبه القديمة، منتجًا آثاره الطبيعية، من إخراج جماعات من الناس يتصورون، ويفكرون، ويعبرون، ويحيون على الأسلوب القديم.

    وأخذ سلطان هذه الجماعة يضعف ويتضاءل، وأخذت هذه الجماعات تشعر شيئًا فشيئًا بضعف سلطانها، وتضاؤله، وإفلات الأمور من أيديها، فما هي إلا أن كان الألم، ثم الشكوى، ثم الإنكار يوشك أن يكون ثورة.

    وأحس أولو الأمر شيئًا من هذا، فحاولوا التجديد في هذه الناحية، ولكن على استحياء وتحرج، فكانت نتيجة هذا التجديد المستحي تعقيدًا لحياتنا العقلية، وإسرافًا في التفريق بين عقولنا، وأساليبنا في الحس والشعور.

    أنشأوا دار العلوم، التي لا تحافظ كل المحافظة، ولا تجدد كل التجديد، وأنشأوا كذلك مدرسة القضاء الشرعي على نحو من هذا التجديد المستحي، وأنشأوا مدارس المعلمين للتعليم الأولي على نحو من هذا التجديد المستحي.

    فأنتج التجديد الخالص من ناحية في المدارس المدنية، وأنتجت المحافظة الخالصة من ناحية أخرى في الأزهر وملحقاته، من ناحية ثانية، وأنتج التجديد المضطرب في هذه المدارس الغريبة من ناحية ثالثة.

    وكانت النتيجة أن عقلياتنا لا تكاد تحصى الآن، فأنت تستطيع أن تلقي على الناس مسألة بعينها، ثم تحاول أن تعرف فهمهم لها ورأيهم فيها، فترى في هذا اختلافًا شديدًا. فللذين أنشأتهم المدارس المدنية فهم ورأي، وللذين أنشأهم الأزهر فهم ورأي، وللذين أنشأتهم تلك المدارس العرجاء فهم ورأي.

    ومن غريب الأمر أن التجديد الخالص نفسه لم يخل من اضطراب وتذبذب. فقد سننا منذ أواخر القرن الماضي لأنفسنا التردد في إرسال الطلبة إلى أوروبا، نرسل بعضهم إلى إنجلترا، وبعضهم إلى فرنسا، وبعضهم إلى ألمانيا، ولا نحسن الإشراف على أولئك ولا هؤلاء، فيتعلم أولئك وهؤلاء كما يستطيعون، وحيث يستطيعون، ثم يعودون إلينا ولهم عقولهم المختلفة، يفهمون من الأشياء فهمًا متباينًا، ويحكمون عليها أحكامًا متباعدة.

    وحاول التجديد آخر الأمر أن يدخل الأزهر، فأفسد كثيرًا ولم يصلح شيئًا. ذلك أنه لم يكن تجديدًا صريحًا ولا صحيحًا، وإنما كان ظاهرًا من التجديد، وقشورًا من العلم، تخيل إلى أصحابه أنهم قد حفظوا العلم كله، على حين لم يعرفوا منه إلا صورًا مشوهة.

    وظهرت مسرعة نتائج هذا التجديد المفسد، فثقفت طبقات من الأزهريين بشيء من العلم الغريب، كان ينقل إليها في الصحف والمجلات عن كتب لا قيمة لها، تمس ما وراء المادة وما بعد الطبيعة، على أسلوب الروحيين، لا على أسلوب الفلاسفة.

    وكم ضحكت وأسفت حين رأيت رجلًا من كبار العلماء ذات يوم يرد على بعض من يسميهم الملحدين، فينقل لهم جملًا من بعض هذه القصص الأمريكية التي تذاع بين الناس على أنها آراء علماء أوروبا في صحة الديانات وقوتها.

    هذه حالنا الآن: اضطراب لا تكاد تعرف له حدًا في الفهم والحكم.

    أفتظن أنا نستطيع أن نتصور عقلًا مصريًا كما تصور بول فاليري عقلًا أوروبيًا، وأنا نستطيع أن نرد هذا العقل إلى أصوله، ونحلله إلى العناصر التي عملت في تكوينه؟ كلا.

    لنا عقل أوروبي خالص، ضعيف لم يقو بعد، فهو يحاول أن يتصور الأشياء ويقضي فيها على المذهب الأوروبي.

    وكان لنا عقل مصري خالص في الأزهر، كان يتصور الأشياء ويقضي فيها على النحو القديم، ولكن التجديد السيئ يفسده شيئًا فشيئًا، فلست أدري كيف يفهم الآن، ولا كيف يقضي، ولكني أعلم أنه يعبث بالأشياء أكثر مما يفهمها ويقضي فيها.

    ولنا عقل ثالث، لا أدري كيف أشخصه؛ فيه أيسر ما كان في الأزهر، وفيه أيسر ما في الجديد الخالص، كل ذلك ممسوخ مشوه.

    فقدر أنت تصور هذا العقل للأشياء، وقضاءه فيها، وقدر أنت بعد هذا كله مقدار حظنا من الاتحاد والاشتراك في التصور والحكم، ثم في الشعور والطموح إلى المثل الأعلى.
    يرى الجغرافيون أن الجنس، واللغة، والدين، والنظام السياسي، والإقليم، مقومات تكفي لتكوين الأمة. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن هذه المقومات نفسها تستتبع مقومًا آخر لا بد منه لتحيا هذه الأمة حياة صالحة، وترقى رقيًا مضطردًا، وهو الثقافة.

    فلا بد للأمة التي تستحق هذا الاسم من ثقافة قومية تمثل ميولها، ومثلها العليا، وجهودها في سبيل الرقي، وفي سبيل الوصول إلى الحق وإلى الخير. ويجب أن تكون هذه الثقافة متشابهة، يختلف مقدارها باختلاف الأفراد والبيئات، ولا أريد أن أقول الطبقات، ولكن نوعها لا يختلف كما يختلف عندنا الآن.

    ويجب أن يكون حظ معين من الثقافة مشتركًا بين أفراد الأمة جميعًا في طور من أطوار حياتهم، وأن تكون لهؤلاء الأفراد بعد ذلك أنواع من الثقافة تختلف في الأغراض أكثر مما تختلف في الطبيعة والمنهج.

    ومن غريب الأمر أننا لا نحاول أن نستفيد بتجارب الأمم من قبلنا. فقد خضع الناس من قبلنا لهذا التطور الذي نخضع له، فنشأ التعليم المدني، فزاحم التعليم الديني، حتى زحمه واستأثر من دونه بالسيطرة والسلطان. ولكن رجال الدين في أوروبا كانوا من المهارة والمرونة بحيث احتفظوا بتعليمهم الديني، فرقوه وأصلحوه، ثم شقوا في الوقت نفسه لأنفسهم طرقًا في التعليم المدني، فشاركوا فيه غيرهم من الناس، وظفروا بإجازاته، وأخذوا نصيبهم من الإنتاج فيه. فلم لا نسير نحن سيرة غيرنا من الناس؟

    تعنى الحكومة منذ أعوام بإصلاح مناهج التعليم وبرامجه، وهذا خير، ولكن الغريب أنها تصلح في الألفاظ والنظريات، ولا تحاول أن تصلح جوهر التعليم، ولا تفكر في هذه الفروق العقلية العنيفة التي تقسم الأمة الواحدة إلى فرق متمايزة، والتي يجب أن تزال، وأن تقوم مقامها وحدة عقلية تمكن الناس من أن يشعروا معًا، ويفهموا معًا، ويحكموا أحكامًا متقاربة.

    في وزارة المعارف حركة إصلاح، وفي الأزهر حركة إصلاح أيضًا، وكلتا الحركتين تأخذ طريقًا غير الذي تأخذه الأخرى. فما أجدر المشرفين هنا وهناك أن يفكروا قليلًا، وأن يدنو بعضهم من بعض، حتى يصلوا إلى طريق يسلكونه معًا، فيحتفظ الأزهر بتعليمه الديني الخالص، ويشق لمن شاء من أبنائه، مع ذلك، طريق التعليم المدني العام.

    طه حسين

    المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.

  • حول الجامعة المصرية

    حول الجامعة المصرية
    حديث اليوم
    يدور بعض الناس حول الجامعة المصرية منذ حين يتهمها في وطنيتها ودينها وإخلاصها للعلم ويستعدي عليها الناس وينذر مصر بالخطر الداهم والشر المستطير لأن الجامعة المصرية فكرت في أن تكون جامعة مصرية وأرادت أن تؤدي واجبها في هذه البلاد كما تؤدي الجامعات الأخرى واجباتها في البلاد الأخرى.
    نعم يدور بعض الناس حول الجامعة ويتهمها بكل هذه المنكرات لأنها فكرت في أن تدعو أستاذا فرنسيا ليلقي فيها محاضرات حول الآداب العربية أو حول فقه اللغة العربية. فكرت الجامعة في ذلك فهي تتهم في دينها ووطنيتها، تتهم بالردة وتتهم بالخيانة العظمى. وليس ذلك غريبا فليس في مصر شيء غريب
    ونحن نخشى أن يصل مثل هذه الأوهام إلى قوم ليس لهم صلة بالجامعة فيسيئون الظن بهذه الجامعة أو يخطئون فهم ما تعمل الجامعة وما تريد. لهؤلاء وحدهم نكتب هذه الكلمة.
    لم تكد تنشأ الجامعة حتى شعر مجلس إدارتها وعلى رأسه يومئذ صاحب الجلالة المصرية بأن هذه الجامعة لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تنهض إذا اكتفت بالعلماء المصريين والأساتذة المصريين، وبأنها إنما أنشئت لتكون صلة في العلوم العالية بين مصر وأوروبا، شعروا بذلك فاعتزموا أن يدعو أساتذة أوروبا إلى هذه الجامعة، ولم تفتح الجامعة دروسها حتى كان من بين أساتذتها ثلاثة من الأوروبيين في قسم الآداب: أستاذ للآداب الإنجليزية وأستاذ للآداب الفرنسية، وأستاذ إيطالي هو السنيور جويدي للآداب العربية أو قل كما قالت الجامعة يومئذ لا آداب الجغرافيا والتاريخ. وقد ألقى هذا الأستاذ الجليل دروسه باللغة العربية وكان ازدحام الناس على هذه الدروس شديدا أو إعجابهم بها أشد.
    فلما كانت السنة الثانية دُعيَ إلى الجامعة مكان هذا الأستاذ الذي اعتذر لتقدمه في السن أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ نللينو فألقى دروسه في تاريخ الفلك عند العرب. فلما كانت السنة الثالثة نظم قسم الآداب في الجامعة ودُعيَ إليه أستاذان إيطاليان أحدهما الأستاذ نللينو لدرس تاريخ الآداب العربية. والآخر الأستاذ مليوني لدرس تاريخ الشرق القديم. ودُعيَ أستاذ ألماني هو الأستاذ ليتمان لدرس اللغات السامية. ودُعيَ أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ سانتللانا لدرس تاريخ الفلسفة. كان هؤلاء الأساتذة الأربعة يلقون دروسهم باللغة العربية وكان الأزهريون يختلفون إلى هذه الدروس فيعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بتلاميذهم الأزهريين، حتى لقد ذهب الأستاذ سانتللانا إلى رئيس الجامعة وقال له: إذا كنت تريد أن تنجح الجامعة حقا فاعن الأزهريين على أن يختلفوا إليها ويتخصصوا لها. ثم كانت الحرب وانقطعت الصلة بين الجامعة وأوروبا.
    انقطعت هذه الصلة بعد أن اختلفنا في الجامعة إلى أساتذة من الفرنسيين والإيطاليين والألمان درسوا لنا آداب العرب وفلسفتهم وتاريخهم ودرسوا لنا اللغات السامية درسا نعترف بأننا لم نشهده في مصر وبأننا ما زلنا بعيدين عن أن نشهده في مصر، وبأن واجب الجامعة المصرية وغير الجامعة المصرية هو أن تقربنا من هذا اليوم الذي نجد فيه أساتذة مصريين يدرسون على نحو ما يدرس الأساتذة الأوروبيون.
    انقطعت هذه الصلة أثناء الحرب واكتفت الجامعة بأساتذة من المصريين منهم بعض علماء الأزهر ومنهم غير علماء الأزهر من رجال العلم، ويسوئنا أن نسجل أن القيمة العلمية للجامعة ضعفت ضعفا شديدا أحسه الطلبة وأحسه الأساتذة أنفسهم وأحسه أعضاء إدارة الجامعة وأحسه الناس من حول الجامعة فكانوا جميعا يأسفون ويتمنون أن تعود الجامعة إلى سنتها القديمة. ثم انتهت الحرب وعاد إلى الجامعة نفر من أبنائها الذين درسوا في أوروبا فأخذوا يدرسون في الجامعة ولكنهم لم يتعلموا الغرور في أوروبا وإنما تعلموا فيها الشعور بأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق وبأن الجامعة لن تنهض ولن تعيش إلا إذا استعانت بأساتذة أوروبا وكانت صلة متينة بين مصر وبين البلاد الأوروبية. فأخذ كل واحد من هؤلاء الأساتذة يلح في أن تستعين الجامعة بأساتذة من الأوروبيين في المادة التي يدرسها هو، وأكثر الأساتذة من الإلحاح ووضعوا لذلك نظاما مكتوبا لو نفذ لكانت الكثرة في أساتذة الجامعة الآن يلحون في تنفيذ هذا النظام.
    ويتمنون على الله وعلى جلالة الملك وعلى الحكومة المصرية أن تزال العقبات المادية التي تحول بين الجامعة وبين تنفيذ هذا النظام.
    أساتذة الجامعة إذن ومجلس إدارتها متضامنون في الرغبة في دعوة الأساتذة الأوروبيين بكثرة إلى الجامعة المصرية، وقد عرض نظامهم الجديد على صاحب الجلالة فتفضل بالوعد بأنه سينظر فيه وسيشمله بتأييده الكريم. وفي أثناء هذا كله علمت أن الأستاذ بول كازانوفا الذي يدرس اللغة العربية في أكبر معهد علمي فرنسي هو «الكوليج دي فرانس» (College de France) والذي اختلفت أنا إلى دروسه في باريس أربع سنين قد يزور مصر في الشتاء المقبل لعمل له في المعهد الأثري الفرنسي وفي آثار الفسطاط. فاقترحت على مجلس الأساتذة أن تنتهز الجامعة وجود الأستاذ في مصر لتطلب إليه إلقاء طائفة من المحاضرات في مناهج البحث عن فقه اللغة وآدابها. وقبل المجلسان هذا الاقتراح وكتبت الجامعة إلى الأستاذ فأجاب معتذرا بأن زيارته لمصر في الشتاء المقبل ليست محققة وهي إن تحققت فقد تستغرقها أعماله التي يجيء من أجلها، ولكنه وعد بأن يتحدث إلى الجامعة في تنظيم طائفة من المحاضرات يقف عليها جهده في سياحة خاصة في السنة المقبلة. ووقف الأمر عند هذا الحد. أترى إلى هذا الخطر الداهم الذي تتعرض له مصر في كرامتها وعلمها ودينها ووجودها السياسي؟
    أريد أن يعلم الناس جميعا أن الجامعة المصرية حين تدعو أساتذة من أوروبا لإلقاء الدروس فيها لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تنهج في ذلك نهج الجامعات الأوروبية والأمريكية الكبرى التي تتقارض الأساتذة وتتبادل المعلمين في كل عام دون أن تجد في ذلك غضاضة أو مسا للكرامة القومية ودون أن تجد في ذلك شيئا غير النفع العلمي الخالص الذي إنما أسست الجامعات له حتى أن الأساتذة الألمان ليدعون إلى فرنسا وأن الفرنسيين ليدعون إلى ألمانيا في هذه الأيام وأريد أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية حين تدعو الأساتذة الأوروبيين لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تستأنف سنتها القديمة التي قامت عليها وانتفعت بها ونفعت بها كثيرا. ثم أريد أن يعلم الناس أن هذا الأستاذ الذي دعته الجامعة إليها فاعتذر ليس رجلا عاديا وإنما هو أستاذ حقا وأستاذ في اللغة العربية فقهها وآدابها، ولقد أريد أن يعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ يفسر القرآن الكريم تفسيرا لغويا خالصا فتمنيت لو أتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسي ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقا. وأريد أن يعلم الناس أن هذا الرجل يخدم مصر في تاريخها وآدابها خدمة لو قام بجزء منها نفر منا لكنت أول من يكبرهم ويدين لهم بالإجلال. يضع كتابا قيما عن تخطيط مدينة الفسطاط، وقليل منا من يُعنى بمدينة الفسطاط ويعرف موقع مدينة الفسطاط… يترجم إلى اللغة الفرنسية خطط المقريزي وقليل جدا منا من يقرأ خطط المقريزي. ثم يعد للنشر كتابا لإمام من أئمة الحديث استكشف منذ سنتين في إدفو على ورق البردي ولم يسمع به أحد من أولئك الذين يخشونه على مصر.
    أحب أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية معهد للدرس الحديث يجب أن تظل أبوابها ونوافذها مفتوحة ليكون فيها الهواء طلقا حرا ملائما للرأي الحر والرقي الحديث.
    فإذا كان في مصر قوم يريدون أن يدرسوا والأبواب والنوافذ مغلقة من دونهم فدونهم معاهد التعليم على النحو القديم. على أن هذه المعاهد تفتح أبوابها بعض الشيء في هذه الأيام فإن كانوا في حاجة إلى الظلمة فليغلقوا ما فتح من هذه الأبواب.
    طه حسين
    السياسة، ٢٩ أغسطس ١٩٢٣.

  • من باريس

    من باريس
    العلم والثروة
    هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم أغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيراً ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم فإن وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه. تمس العجبة والخيلاء. لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين. لا ينتفعون بثروتهم أحياءً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل. يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر أبناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم في الحق فقراء معوزون!
    وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر. وأدناهم إلى الغنى حقاً لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم. فهم يتمتعون بالثروة حقاً، يجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل. بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون. ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة. وإنما هم، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعاً كل على القدر الذي يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب. وإنما يشترون بها أيضاً الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت. ليسوا أنعاماً ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه.
    أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلاً أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم. وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر مليوناً. وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه. وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه. وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنكاً في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب. وإن رجلاً ترك لها نصف مليون. وأن أستاذاً في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكاً لإعانة طلبة التاريخ الحديث. وأن امرأة تركت مليوناً لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي. وأقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءاً من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية المختلفة. بل أقرأ ما هو أغرب من هذا. أقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم في جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها. وأقرأ في الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى. وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا بعد.
    كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضي فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون. هذا في فرنسا. أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء. ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر. فليس لمصر علم وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء. وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ما هي في حاجة إليه أو جزءاً موفوراً مما هي في حاجة إليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة إليه لتعيش. أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحُليّ وإلى اللباس وبديع الأداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل. هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها. نعم. نحن أغنياء أجوادٌ إذا احتجنا إلى متاع الدنيا. فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يُعدّ له فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في مصر إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا. ولكني واثق بأن لوناً من ألوان البدع في الحُليّ أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه. والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخرَ لباساً وزينةً من أغنياء باريس ونيويورك ولندن فإذا رآنا الأوروبي خُيّل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيراً مما يلبس ونزدان كما يزدان بل خيراً مما يزدان، ونتصرف في فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئاً يشبه الفناء. وماذا تريد من قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فإذا ذُكر العلم والأدب والفن هزوا الرؤوس والأكتاف. بل هم يفعلون شراً من هذا. فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه. لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر في باريس أو لندن أو برلين يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا!!!.
    لقد قلنا هذه الأشياء وقلنا وسنقولها ونقولها. فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد. اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون. فأما القادرون على أن ينفعوا. فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل. وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلاناً على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها. رأيت ثوب فلان فراقني ولأصطنعن مثله. فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالماً مصرياً أو أديباً مصرياً أو فنياً مصرياً يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لأغنيائنا على بال. ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيراً من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعي لأنه يحدثهم بما لا خير فيه.
    لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت. ولقد أظهر أغنيائنا ميلاً شديداً إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها لأن ذلك كان بدعاً يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر الحرب فإن الحرب لم تُسئْ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيماً منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حباً للعلم وتشجيعاً للعلم وإعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيءٍ فقد أتاح لها العلم أن تنتصر. أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافاً مضاعفةً فلم يزدهم ذلك إلا ضَنّاً وحبساً للمال عن وجوه الخير وتهالكاً على اللذات المادية. والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات. أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليوناً ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة! وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قُبل النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه. ولست أدري افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال نزعم أن ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به. وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحُليّ وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا إليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه. يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن يئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان. ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة. لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه حال التعليم في مصر من ضعف وفساد. ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب.
    طه حسين
    باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
    السياسة، 22\5\1923.