Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

من باريس

من باريس
العلم والثروة
هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم أغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيراً ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم فإن وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه. تمس العجبة والخيلاء. لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير.
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين. لا ينتفعون بثروتهم أحياءً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل. يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر أبناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال.
في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم في الحق فقراء معوزون!
وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر. وأدناهم إلى الغنى حقاً لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم. فهم يتمتعون بالثروة حقاً، يجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل. بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون. ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة. وإنما هم، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعاً كل على القدر الذي يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب. وإنما يشترون بها أيضاً الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت. ليسوا أنعاماً ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه.
أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلاً أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم. وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر مليوناً. وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه. وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه. وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنكاً في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب. وإن رجلاً ترك لها نصف مليون. وأن أستاذاً في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكاً لإعانة طلبة التاريخ الحديث. وأن امرأة تركت مليوناً لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي. وأقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءاً من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية المختلفة. بل أقرأ ما هو أغرب من هذا. أقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم في جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها. وأقرأ في الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى. وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا بعد.
كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضي فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون. هذا في فرنسا. أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء. ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر. فليس لمصر علم وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء. وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ما هي في حاجة إليه أو جزءاً موفوراً مما هي في حاجة إليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة إليه لتعيش. أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحُليّ وإلى اللباس وبديع الأداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل. هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها. نعم. نحن أغنياء أجوادٌ إذا احتجنا إلى متاع الدنيا. فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يُعدّ له فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في مصر إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا. ولكني واثق بأن لوناً من ألوان البدع في الحُليّ أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه. والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخرَ لباساً وزينةً من أغنياء باريس ونيويورك ولندن فإذا رآنا الأوروبي خُيّل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيراً مما يلبس ونزدان كما يزدان بل خيراً مما يزدان، ونتصرف في فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئاً يشبه الفناء. وماذا تريد من قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فإذا ذُكر العلم والأدب والفن هزوا الرؤوس والأكتاف. بل هم يفعلون شراً من هذا. فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه. لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر في باريس أو لندن أو برلين يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا!!!.
لقد قلنا هذه الأشياء وقلنا وسنقولها ونقولها. فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد. اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون. فأما القادرون على أن ينفعوا. فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل. وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلاناً على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها. رأيت ثوب فلان فراقني ولأصطنعن مثله. فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالماً مصرياً أو أديباً مصرياً أو فنياً مصرياً يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لأغنيائنا على بال. ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيراً من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعي لأنه يحدثهم بما لا خير فيه.
لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت. ولقد أظهر أغنيائنا ميلاً شديداً إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها لأن ذلك كان بدعاً يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر الحرب فإن الحرب لم تُسئْ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيماً منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حباً للعلم وتشجيعاً للعلم وإعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيءٍ فقد أتاح لها العلم أن تنتصر. أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافاً مضاعفةً فلم يزدهم ذلك إلا ضَنّاً وحبساً للمال عن وجوه الخير وتهالكاً على اللذات المادية. والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات. أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليوناً ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة! وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قُبل النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه. ولست أدري افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال نزعم أن ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به. وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحُليّ وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا إليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه. يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن يئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان. ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة. لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه حال التعليم في مصر من ضعف وفساد. ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب.
طه حسين
باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
السياسة، 22\5\1923.

Share:

Comments

Leave a Reply