Tag: Philanthropy

  • خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء

    خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣١ ديسمبر ١٩٥٠

    مولاي صاحب الجلالة:

    ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه على شعبك في هذه الأيام خاصة، درس في الوفاء! ما أجدر الناس أن ينتفعوا به وأن تصطبره قلوبهم وعقولهم! فمنذ ثلاثة أيام كنَّا نحتفل بمأثرة جليلة من مآثر والدك العظيم، هي جامعة فؤاد الأول. وأمس كنا نحتفل بمأثرة عظيمة من مآثر جدك الكريم، هي الجمعية الجغرافية. ونحن اليوم نحتفل بهذه المأثرة الكبرى من مآثر فؤاد — نضر الله وجهه — وهي معهد الصحراء.

    وأنت أمامنا دائمًا يا مولاي في هذه الحفلات، تشرفها فتملأ قلوبنا غبطةً ونفوسنا ابتهاجًا، ويرى الشعب عنايتك بالعلم والعلماء، كما كان يرى عناية أبيك بالعلم والعلماء، فيرى صورة جليلة رائعة من صور الوفاء الذي لا نظير له والذي لا حدَّ له. أنت جدير أن تكون أستاذ شعبك في الخُلق، في الخُلُق الذي يَمَسُّ سيرة الفرد فيما بينه وبين الناس، وفي الخُلق الذي يمس سيرة الشعب مع ملكه وسيرة الملك مع شعبه.

    أنت تعلِّم الناس كيف يفي الأبناء لذكرى آبائهم، وتعلِّم الشعب كيف يقتدي الشعب بملكه، فيفي للملوك الصالحين المصلحين.

    وكان والدك العظيم يا مولاي أجدر الناس بوفاء الأبناء للآباء، وأجدرهم بوفاء الشعوب للملوك، ولا أغلو في أن أقول إنه كان أجدر الملوك بوفاء الإنسانية لذكراهم الخالدة. فليس قليلًا أن ينشئ في الشرق العربي وفي العالم الإسلامي أول جامعة حديثة على النحو الحديث، وليس قليلًا أن ينشئ في العالم الشرقي والإسلامي أول معهد حديث للصحراء.

    هذه الجامعة لا تنفع مصر وحدها وإنما تنفع الناس جميعًا. وهذا المعهد لا ينفع مصر وحدها وإنما ينفع العالم كله. ذلك يا مولاي أن معاهد العلم ليست مقصورة على وطن ولا على جنس، وإنما هي مشاعة للإنسانية كلها، فمن أنشأ معهدًا أو جامعةً لم يخدم وطنه وحده وإنما خدم الأوطان كلها.

    كان والدك العظيم أجدر الناس منك بهذا الوفاء، وأجدر الناس من شعبه بهذا الوفاء؛ لأنه لم يكتفِ بما أنشأ من جامعة، ولا بما أحيا من الجمعية الجغرافية، ولا بما نشر من ألوان الحضارة على اختلافها، وإنما فكَّر وقدر وغامر في هذه المغامرة العقلية الكبرى التي لا يغامرها إلا العظماء. غامر وفكر في تقريب البعيد، وإزالة مصادر الخوف والهلع والهول، وتخصيب الصحراء وتأمينها، وجعلها مصدرًا للعلم والمعرفة والأمن والهدوء.

    نحن يا مولاي أشد الناس ذكرًا للصحراء وتأثُّرًا بها. إن الصحراء تأخذنا من جانبَيْنا، وليس نيلنا العظيم إلا شيئًا ضئيلًا يجري بين صحراوين هائلتين.

    فالتفكير في الصحراء إنما هو تفكير في توسيع النيل حتى يعم الأرض بالخير، وحتى يغمر جانبيه جميعًا بالخصب والنماء. ولكننا لا نذكر الصحراء يا مولاي لأنها تأخذنا من جانبينا، وإنما نذكرها كذلك لأن أدبنا العربي القديم لم يصور شيئًا كما صور الصحراء، صوَّرها رائعة مروعة، صورها مملوءة بالهول والخوف والذعر، صورها مكمنًا للخوف والعذاب، صورها يحيط بها الخوف من جميع جوانبها، وتجري فيها السباع حرة طليقة تغتال الإنسان إن عرض لها أو وقع بين أيديها.

    كذلك ترك أدبنا العربي لنا من الصحراء صورة الروع والخوف والهول. ولم يُرِدْ والدك العظيم يا مولاي إلا أن يزيل هذا كله، وأن يجعل الصحراء مصدرًا للبحث والعلم والمعرفة والنور، وأن يتيح للناس أن يعرفوها كما يعرفون أرضهم الخصبة، وأن يستغلوها كما يستغلون أرضهم الخصبة، وأن يجنوا منها الخير والبركة والنفع. أراد ذلك يا مولاي حين فكَّر في أن يجعله مباءة للباحثين عن شئون الصحراء، يدرسون أرضها وجوها، يدرسون نباتها وحيوانها، يدرسون خصائصها كلها؛ ليعلِّموا الناس أولًا، وليبيحوا لهم النفع والانتفاع ثانيًا. أباح لهم مصدرًا من مصادر العلم، ومصدرًا من مصادر السيطرة على الطبيعة المخيفة الشاذة.

    كذلك فكَّر والدك العظيم، ولم يَكَدْ يُفكِّر حتى همَّ، ولم يكد يهَم حتى فعل، فأنشأ المعهد يا مولاي، وأراد أن يُنشِئَه هو وحده بقوته وبماله، لا يطلب إلى الحكومة إنشاءه. مغامرة غامرها وأراد أن يحتمل نفقاتها، حتى إذا ظهر نفعُها وفائدتها انتفع بها الشعب وانتفع بها الناس دون أن يتكلفوا فيها شيئًا. أنشأه ووقف عليه وقفًا ضخمًا يكفل له ما يحتاج إليه من مال. ولم يكتفِ بوقف الأرض الخصبة، وإنما وقف البناء الشامخ، ثم أدركه قضاء الله وانتقل إلى جوار ربه قبل أن يُتِمَّ ما بدأ، فأقبلتَ أنت تحمل اللواء وتمضي إلى الغاية وتتم الطريق التي بدأها.

    وهذا هو المعهد يُفتتح الآن، وهؤلاء هم علماء العالم يُقبِلون ليشاركوا المصريين في تكريم ذكرى والدك العظيم، وفي رفع الشكر الخالص إلى جلالتك لما ترعى به العلم والعلماء، ولما تيسر لهم من أسباب البحث والمعرفة، ومن أسباب هذا الغنى الذي لا يختص به الناس إلا إذا كانوا جميعًا في جميع الأقطار والبلاد. هذا المعهد يا مولاي ثمرةٌ إذن من ثمرات ذلك المُلك السعيد الذي أشرف عليه والدك العظيم، ولكنه ثمرة بدأها هو وأنضجتَها أنت، فإذا وفيت لوالدك العظيم فشهدت هذا الحفل وأتممت ما بدأ، فالشعب المصري كله يتعلم منك الوفاء.

    على أنك يا مولاي عندما عُنِيتَ بهذا المعهد نظرت فإذا العلم من حولك يتقدم، وإذا أشياء جديدة تظهر لم تكُن معروفة حين فكَّر والدك في هذا المعهد، وإذا جامعتُه التي أنشأها قد أخرجت شبابًا يُحسِنون درس الصحراء ويستطيعون النهوض بأعبائها.

    إن في المعهد مكتبة ضخمة، وفيه مُتحفًا ضخمًا وقاعةً للمحاضرات، وستكون من حوله حديقة خاصة لا تشتمل إلا على النباتات والأشياء الصحراوية، فيه كل ما يحتاج إليه العلماء للبحث والإنتاج. وكان والدك العظيم يا مولاي أبعد الملوك عن الأثرة وأقلهم تفكيرًا في نفسه، وكان يريد أن يكون وطنه مثله بعيدًا عن الأثرة. كان يفكر في أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش فردًا، وفي أن الأوطان والشعوب لا تستطيع أن تعيش منفردة. كان يفكِّر في أن التضامن والتعاون أساس الحضارة، وهو من أجل ذلك فكَّر في أن هذا المعهد سيكون حلقة يلتقي فيها العلماء من جميع أقطار الأرض، العلماء الذين يُعنَوْنَ بشئون الصحراء، وسيكون معهدًا يتعاون فيه على البحث المختصُّون مهما تكن مواطنهم، ومهما تكن أجناسهم.

    كذلك أراد هو، وكذلك أردت أنت، وقد تحقق له ولك ما أردتما. هؤلاء العلماء الذين أقبلوا الآن لمصر يشاركونها هذا الحفل دليلٌ واضح على أن ما أراده والدك العظيم من تحقيق التعاون الإنساني على البر والتقوى والمعرفة، وما أردته أنت من تحقيق التعاون، قد تحقق بأمره وأمرك وأتى ثمره الآن.

    فلك يا مولاي أجمل الشكر وأخلص الإجلال على عنايتك بهذا المعهد، ولوالدك العظيم رحمة الله ورضوانه، نضَّر الله وجهه يا مولاي وأنزله منازل الصالحين المصلحين.

  • جنود الشيطان

    جنود الشيطان
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١٢ يناير ١٩٤٩

    هذا حديث أسُوقُه إلى الوُزراء جميعًا، وإلى الشُّيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصريين الذين يُقدرون للإنسان كرامَتَه وللوطَنِ حقه؛ كي يُفكروا في أن يتخذوا من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من جنود الشيطان.

    كان في نضرة من عيشه المادي والمعنوي، يبسم للحياة والأمل، وتبسم له الحياة والأمل … يغدو مع الصبح إلى تلاميذه؛ فيُعلمهم مما علمه الله، وكان الله قد علَّمه من رائع الأدب وبارع الفن ما غذَّى قلبه وعقله، فجعله إنسانًا كريمًا وديعًا، كأكرم ما يكون الناس، وكأودع ما يكون الناس … كان ذا نفس راضية، وخُلق سمح، وقلب نقي، وضمير كأصفى ما يكون الضمير.

    كان لا يحب الأذى، ولا يتصور أن يؤذي بعض الناس بعضًا، وكان إذا سمع ما يمتلئ به الجو المصري من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس، وقسوة الناس على الناس، تلقى هذا كله في شيء من السذاجة يُشبه البله … كان يرى الحياة قصيرة، والخير بين الناس قليلًا … وكان يحرصُ أشدَّ الحرص على ألا يُبدد الناس حياتهم القصيرة في الشرِّ والإثْمِ، وعَلى أن ينتهز الناسُ فرصة هذه الحَياة ليَسْتَكثروا من الخَيْرِ ما استطاعوا أنْ يستكثروا من الخير، وليشيعوا المعروف بينهم ما وجدوا إلى إشاعة المعروف بينهم سبيلًا.

    كان باسم القلب والثغر، وكان عذب النفس واللسان، وكان يأبى على الحياة أن تشيع من حوله المرارة أو العبوس، وكان لا يَلْقى أصحابه إلا سرَّهم وبَرَّهم، وحَبَّبَ إليهم البر والسرور، وكان يروح إلى داره إذا أقبل الليل فيرى فيها ابتسامًا حُلوًا يتلقاه، فيُضيف في قلبه رضًا إلى رضا، وغبطة إلى غبطة، ونعيمًا إلى نعيم: زوجة صالحة، وطفلين وديعين يملأ قلبيهما الفرح والمرح والابتهاج.

    أخلص قلبه للأدب، وأخلص نفسه للمُثل العليا، وصفَّى ذوقه للفن الرفيع، وأنفق ما أنفق من حياته ينفع ما استطاع أن ينفع، ويصلح ما استطاع أن يُصلح، ويكره أن يتعلق عليه أحد بما يحزن أو يسوء … جد في طلب العلم حتى أخذ منه حظًّا موفورًا، وراض نفسه على حب الخير حتى أصبحت خيرة بطبعها، ومضى في حياته لا ينتظر إلا أن يكون آخرها كما كان أولها سَمْحًا يسيرًا لا عوج فيه ولا التواء.

    وأقبل ذات ليلة باسم الثغر، مُنشرح الصدر، موفور الرضا، فنعم بأهله، ونعم أهله به، ولكنهم أصبحوا فلم يجدوه …! اختطف نفسَهُ الموتُ أثناء الليل، لم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموتِ حين أقبل على الدار … ولم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموت حين انصرف عن الدار … ولكن الزَّوج أصبحت أيِّمًا … ولكن الطفلين أصبحا يتيمين … ولكن الأصدقاء أصبَحُوا مَحْزُونين مَكروبين، قد تركت الكارثة في نفوسهم كُلومًا لا تؤسى، وآلامًا لا تزول.

    ***

    وانقضت الأيام الأولى بما فيها من مراسم الموتْ، وأقبلت أيام أخرى فرضت على الأم البائِسة اليَائسة أنْ تُفكر في حياتها، وفي حياة طفليها، وفرَضَتْ على الأصدقاء أن يُعينوها على هذا التفكير، وأن يُدبِّروا من أمرها ومن أمر ابنيها ما يعجز النساء عن تدبيره، فسعوا عند رئيسه في أن يلتمس من الدولة — التي أنفق شبابه في خدمتها وتعليم أبنائها — معونة لهذه الأيِّم وابنيها اليتيمين … وسمع الرئيس لهم، وفهم عنهم، وسعى معهم، فكتب يطلب إلى الحكومة أنْ تشمل بعطفها وبرها هؤلاء البائسين الذين فقدوا عائلهم قبل أن يَدَّخر لهم من المال ما يُقيم الأود … ومتى استطاع المُعلمون أن يدخروا لأزواجهم وأبنائهم ما يقيم الأود؟!

    وكان الفقيد قد مات قبل أن يُثبَّت، وقبل أن يَكفل لأبنائه ولأهله المَعاش، وليس في مصر نظام «التأمين الاجتماعي» الذي يَفْرِض على الدولة أن تكفل حياة الأيامى واليتامى حين يُختطف عائلوهم من بينهم، فلا بدَّ إذن من أن يُطلَب إلى الدولة عطفها وبرها بالأيامى واليتامى، الذين لا يجدون ما ينفقون … لا بُدَّ من أنْ يطلب إليها هذا العطف، على أنه «استثناء» لا على أنَّه «حق»؛ لأنَّ مصر لم تشعر بعد بأن من حق أبنائها عليها أن تعصمهم حين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الفقر والجهل والمرض!

    سعى أصدقاء الفقيد، وسعى رئيس الفقيد معهم في التماس هذا العطف من الدولة، ولكنَّ هذا الرئيس لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى مجلس الوزراء، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزارة المالية، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزير المعارف، وإنما ينبغي أن تمُرَّ كتبه برؤساء آخرين يتوسطون بينه وبين الرئيس الأعلى، الذي هو وزير المعارف … وقد وصل كتابه إلى المرتبة الأولى من مراتب الرؤساء، وهنا كانت العبرة التي تدفعني إلى إملاء هذا الحديث!

    وصل الكتاب إلى موظف كبير، له — من غير شك — زوجة وأبناء، وقد بَلَى من تجارب الحياة ما علَّمه — من غير شك — أنَّ الفقر مُرٌّ، وأنَّ الجُوع أليم، وأنَّ المرضَ مِحنة، وأنَّ هذه الآفات خليقة أنْ تُخرج الناس عن أطوارهم، وأنْ تدفعهم إلى الذلة والهوان، وأن تُغريهم بالإثم والنكر، وأن تورطهم فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الإنسان.

    وقد علمته تجارب الحياة أيضًا أنَّ الموت قد يُقبل دون أن يستأذن ضحاياه، ودون أن يُنذرهم، ودونَ أن يعطيهم من المُهلة ما يُتيح لهم أن يُدبروا أمور أزواجهم وأبنائهم قبل أن يُفارقوا الحياة، وقد عَلَّمته التجارب أيضًا — من غير شكٍّ — أنَّ من الخير أن يعطف الأحياء القادرون على الأحياء العاجزين، وأن يكون بين الناس هذا التضامن الاجتماعي الذي يشيع بينهم الحب والبر والتراحم؛ لأنَّ الأيام دُول، ولأنَّ المال والسلطان والجاه والمقدرة … كل هذه أعراض تذهب وتجيء، وتغدو وتروح، وتلم بالإنسان اليوم لتنتقل عنه غدًا!

    علمته التجارب هذا كله، ولكنه لم يتعلم … وليس كل الناس ينتفع بالتجارب، وليس كل الناس يستطيعُ أن يضع نفسه مَوضِعَ البائسين وأصحابَ الحَاجات … وكانت بين هذا الموظف الكبير وبين هذا الفقيد هنة من الهنات في يومٍ من الأيام، مما يكون بين الناس حين يدفعهم العمل إلى ما يُرضي ويُسخِط، وإلى ما يَسُرُّ ويَسُوء، فلم يذكر للفقيد إلا هذه الهنة، ولم يسمع إلا لما تركت في قلبه من الموجدة، ولم يلتفت إلى الأيم ولا إلى اليتيمين، ولا إلى نفسه ولا إلى الناس من حوله، ولا إلى التضامن ولا إلى التعاون، ولا إلى أنَّ الموت يمحو ما قبله، ولا إلى أنَّ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، ولا إلى أنَّ العُرف لا يذهب بين الله والناس، ولا إلى أن العفو عند القدرة أجمل بالرجل الكريم … لم يلتفت إلى شيء من هذا، وإنَّما التفت إلى أن في قلبه موجدة على الفقيد لم يستطع الموت أن يمحوها، فلم يرسل كتاب الرئيس المُباشر للفقيد إلى السُّلطات العُليا، وإنما أرسل إلى هذه السلطات يطلب إليها تنفيذ القانون بإعطاء هذه الأيم وابنيها ما يُستحقُّ للفقيد من مُكافأة … مكافأة تقيم أودهم أشهرًا، ثم تُسلمهم بعد ذلك إلى الشيطان، وإلى جنود الشيطان — وهي المرض والفقر والجهل — تصنع بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ما تشاء!

    ***

    هذا حديث أسوقه إلى الوزراء جميعًا، وإلى الشيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصْريينَ الذين يُقدرون للإنسان كَرَامته وللوطن حَقَّه، فقد يَجِبُ عليهم أن يفكروا في هذه المِحْنَة وأمثالها؛ قبل أنْ يُفكروا في كثير من هذا السخف الذي يشغلون به أنفسهم. وقد ينبغي أنْ يفكروا قبل كل شيء في أن أوجب ما يجب على مصر أن تتخذ من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من الشيطان وجنود الشيطان، ومِنْ هذه القُلوب القاسية التي تستجيب للبغض أكثر مما تستجيب للحب، وتسمع لداعي القسوة أكثر مما تسمع لداعي الرَّحمة والمعروف والإحسان.

  • ثقل الغنى

    ثقل الغنى
    طه حسين
    النداء
    ١١ نوفمبر ١٩٤٧

    كان عبد الرَّحمن بن عوف — رحمه الله — كثير المال، عريض الثراء في جاهليته، وقد أسْرَع إلى الإسلام حين ظهرت الدَّعوةُ إليه فيمن أسرع إليه من السابقين الأولين، لم يُبْطِرْهُ الغِنَى ولم يصرف الثراءُ قلبَه عن الخير، ولم يخفْ كما خاف الأغنياء المُترفون من قريش ما كان الإسلام يدعو إليه من التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الأحرار والعبيد.

    وإنما شرح الله صدره للإسلام؛ فأقبَلَ عليه مَشْغُوفًا به، مُضَحِّيًا في سبيله بما جمع من مال، وما ضخَّم من ثروة، وما اكتسب من سؤدد، مُستعدًّا لمُشاركة أصحابه في التعرض للأذى واحتمال المَكْرُوه، ولم يتردد — كما لم يتردد غيره من أصحابه — حين اشتدت المِحْنَةُ، وثقلت الفِتْنَةُ، وعَظُم البَلاءُ في أنْ يَفِرَّ بدينه إلى حيث يأمن على رأيه وعقيدته وعبادته لرَبِّه، تاركًا وراءه ماله الكثير، وثراءه العريض، ومكانه الرَّفيع، وقومًا من أهله وذوي قرابته كان يحبهم أشد الحب، ويعطف عليهم أرق العطف، ويمنحهم صفو ما كان يفيض به قلبه من الرِّفق والبِرِّ والحَنَانِ، فهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشة الهجرتين جميعًا، ثم هاجر إلى المدينة حين اتخذها النبي ﷺ للإسلام دارًا، فانتهى إليها وهو لا يملك إلا قلبه الذكي، وضميره النقي، وأنفه الحمي، وإيمانه الذي ملأ نفسه ثقة ويقينًا.

    وقد آخي النبي ﷺ بينه وبين رجل من أغنياء الأنصار، هو سعد بن الربيع الخزرجي — رحمه الله — فقال له سعد: انظر إلى مالي فخذ نصفه، ولي زوجتان أُطلِّق لك أيتهما أعجب إليك؛ فتتخذها لنَفْسِك زَوجًا! قال عبد الرحمن: بارك الله لك، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم. فلما أصبح ذهب إلى السوق فأنْفَقَ فيه وجه النَّهار، ثم عاد وقد باع واشترى واكتسب ما يُقيم به الأود، ثم أقبل بعد حين على مجلس النبي ﷺ وقد لبس الجديد، واتخذ من الزِّينة ما كان يُباح للمسلمين في ذلك الوقت.

    فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك، أنبأه بأنَّه قد اتخذ لنفسه زوجًا من نساء المدينة، وبأنَّه قد أمهر زوجه وزنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أنْ يُولِمَ لأَصحابه، ففعل.

    ولم تمض أعوام حتى كان عبد الرحمن بن عوف من أغنياء المدينة، قد اكتسب ثروة مكان ثروة، وكثر مالًا مكان مال، واستطاع أن يتزوج فيمهر امرأته ثلاثين ألفًا، وكانَ يقولُ: لقد رأيتني وما أرفع حَجرًا إلا ظننت أنِّي سأجدُ تحته ذهبًا أو فضة!

    كان عبد الرحمن إذن من كبار الأغنياء قبلَ أنْ تُفْتَح مكة، فلمَّا تم فتح مكة ضَمَّ إلى ثرائه الجديد ثراءَه التليد، ثم استثمر هذا كله كأحسن ما يُستثمَر المال، وكأحسن ما كانت قريش تستثمر المال، حتى أصبح ذات يوم وإنه لمن أغنياء العرب كافة، ولعله أن يكون أغناهم كافة لا يُستثنى منهم إلا عُثمان بن عفان — رحمه الله.

    ورُبَّما كان من المُمكن أن يُقال: إن عبد الرحمن بن عوف كان أغنى من بيت مال المسلمين أيام النبي ﷺ، فلم يكن بيت المال في ذلك الوقت يدخر شيئًا، ولم تكن تُجْبَى إليه الضرائب، ولم يكن يحمل إليه فيء ذو خطر، وإنما كانت تُصَابُ الغنائم اليسيرة في الغزوات فتُقَسَّم بين الغُزَاة، ويُحفظ خُمسها للمَرَافق العامة ولوجُوه الإحسانِ والبِرِّ.

    وكانت الصدقات تُؤخذ من الأغنياء فتقسم بين الفقراء، ولا يَصِل منها إلى المدينة إلا أقلها، فإذا وصَل حُبِس على المصارف التي بيَّنها الله في القرآن الكريم، فكانَ بيتُ المال فقيرًا. وليس أدَلَّ على فقر بيت المال من إلحاح النبي ﷺ على الأغنياء من الناس في أن يُعينوه على بعض غزواته بأموالهم: يخرجون له عن بعض فضولها، أو ينزلون له عن بعض أصولها.

    ولم يكن النبي ﷺ يكره شيئًا كما كان يكره اجتماع المال، ولم يكن يشفق على نفسه وعلى أصحابه من شيء كما كان يُشفق على نفسه وعلى أصحابه من اجتماع المال، وتضخم الثراء، فنَظَر ذاتَ يومٍ إلى عبد الرحمن، وقال له: يا ابن عوف، إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زَحفًا، فأقرِضِ اللهَ يُطلِق لك قدميك، قال عبد الرحمن بن عوف: وما الذي أُقرضُ اللهَ يا رسول الله؟ قال: تبدأ بما أمسيت فيه، قال: أمن كله أجمع يا رسول الله؟ قال: نعم! فخرج ابن عوف وهو يَهمُّ بذلك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ جبريل قال: «مُر ابن عوف فليُضف الضيفَ، وليُطْعِم المِسكين، وليُعط السائل، ويبدأ بمن يعول؛ فإنه إذا فعل ذلك كان تزكية ما هو فيه.»

    وأحب قبل كل شيء أن يقفَ القارئ معي عند ما في هذا الحديث من سذاجة رائعة، أو روعة ساذجة في لفظه ومعناه، وفي قصته كلها، فرَسُول الله يُشفق على عبد الرحمن من غناه الواسع، وماله الكثير، ويُصور هذه الثروة ثقيلة، مُبهظة، يحملها صاحبها على كاهِلِه فتمنعه من السعي، وتعسر عليه الحركة حتى كأنه مُقيد لا يستطيع أن يمشي إلى الجنة مع الساعين، أو يعدو إليها مع العادِينَ، وهو لا يشير عليه بأن يتخفف من هذا الثقل يلقيه عن كاهله إلقاء، وإنما يُشير عليه بأن يثمر هذا المال ولا يُضيِّعه، وذلك بأن يقرض الله قرضًا حسنًا، فلا يضيع عليه ماله وإنما يزيد عليه يوم القيامة أضعافًا مُضاعفة.

    وعبد الرحمن يسأل عما ينبغي أن يُقرض الله من ماله، فيُقال له: ابدأ بما أمسيت فيه؛ أي قم فتَصَدَّق بكل ما اجتمع لك من مال حين استقبلتَ المَساء، واعلم أنك حين تفعل ذلك لا تزيد على أن تبتدئ، وأنك ستُمْتَحن فيما سيجتمع لك من المال في مُستقبل أيامِكَ بمِثل ما امتُحنت به فيما اجتمع لك من المال في أيامك الماضية.

    وقد ثقل الامتحان على عبد الرحمن بعض الثقل، فهو يسألُ النبي ﷺ: أبِكُلِّ ما اجتمع لي من المال؟ فيُجيبُه النبي ﷺ: نعم! وينهض عبد الرحمن مُصَمِّمًا على أن يُمضي أمر الله ورسوله في هذا المال الذي يَجْبِيهُ، والذي أنفق في جمعه وتثميره ما أنفق من الجهد والوقت، واحتمل في تثميره ما احتمل من المشقة والعناء، ولا بأس عليه من أن يحب المال، وإنما البَأسُ كُل البأسِ، والجناح كل الجناح، أن يمنعه حب المال من أن ينفقه ليبرَّ به اليتامى والمساكين وذوي القربى وأبناء السبيل.

    أليْسَ الله قد بيَّن البرَّ للمُسلمين بأنَّه ليس التوجه إلى الشرق أو الغرب، وإنَّما هو الإيمانُ بالله، وإيتاء المال على حُبِّه للذين يَحْتَاجون إليه؟

    ينهض عبد الرحمن إذن مُصممًا على أن يُمضي في ماله أمر الله ورسوله، ولكن النبي ﷺ يُرسل إليه أنَّ الله ورَسُوله يَرْفُقان به بعد أنْ امتحناه ومحَّصاه، فيأمرانه بأنْ يُضيف الضيف، ويُطعم المسكين، ويُعطي السائل، ويبدأ بأهله وعياله؛ فإن فعل فقد زكَّى نفسه تزكية، وطهَّر ماله تطهيرًا.

    حزم في الامتحانِ حتى تستبين العَزيمة الصَّادقة المَاضِية على الإذعان مَهْمَا يكُن شَاقًّا، وعلى التَّضحية مَهْمَا تكن عزيزة، وعلى الجهد مهما يكن ثقيلًا، فإذا استبانت العزيمة الجازمة، وظهرت النية الصادقة؛ فالله ورسولُه ما يحتملون من الثقل.

    وقد اختار الله نبيه لجواره، وانقطع خبر السماء، وحُرِمَ المسلمون هذا الوحي الذي كان يُصاحبهم ويُواسيهم، وأصبَحَ النَّاسُ ذاتَ يومٍ وإذا رجة عنيفة تتجاوب أصداؤها أرجاء المدينة كلها، وتسأل عائشة أم المؤمنين — رحمها الله — عن هذه الرجة، فيُقال لها: هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدِمَت … فتقول عائشة: أمَا إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط يميلُ به مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت ولم يكد!

    ويبلغ حديث عائشة عبد الرَّحمن، وكانت هذه العيرُ خمسمائة راحلة تحملُ نفائس العَرَض من الشام، فإذا سمع هذا الحديث قال: هي وما تحملُه صدقة! لم يكتف ببعض ما كانت تحمل، ولم يكتف بكل ما كانت تحمل، ولم يكتف بها دون ما كانت تحمل، وإنما تصَدَّق بها وبأحمَالِها. ولو قد امتدت الحياة برسول الله ﷺ واتصل نزول الوحي وتنزل أخبار السماء إلى الأرض؛ لكان من المُمكن أن يقبل النبي ﷺ من عبد الرحمن التصدق ببعض تجارته، والإبقاء على بعضها الآخر، ولكن عائشَةَ لم تزدْ على أن رَوت ما سمعتْ من رسول الله ﷺ، وأشفق عبد الرحمن من أن يميلَ به الصراط مرة ويستقيم به أخرى حتى يبلغ الجنة بعد جهد.

    وحرص عبد الرحمن على أن يستقيم له الصراط، فلا يكون فيه ميل ولا اضطراب حتى يبلغ الجنة في غير تعثر ولا جهد ولا عناء.

    وكان عبد الرحمن — رحمه الله — من أكثر المسلمين تَصدُّقًا، ومِنْ أسخاهم بمَالِهِ، ومِنْ أوْصَلهم للرحم، ومن أبرهم بالناس. أنفق حياته كلها مُستثمرًا لماله مُتصدقًا به، وكان تصدقه لا ينقص من ماله، وإنما يزيد فيه ويُضاعفه أضعافًا وأضعافًا كأنَّما قضى اللهُ ألا يجزيه عن صدقته في الآخرة وحدها، وألا يُضاعف له قرضه في الجنة وحدها، وإنَّما يكفل له ثواب الدنيا والآخرة جميعًا.

    هذا حديث قديم، ولكن الأيام التي نعيش فيها تجعله جديدًا كل الجدة، وأنا أسوقه إلى الذين أُتيح لهم من الغنى والثراء مثل ما أتيح لعبد الرحمن، أو أكثر مما أتيح لعبد الرحمن، وأحبُّ أن يستقرَّ في قلوبهم أنَّ الثراء إنْ ثقل على عبد الرحمن مع أنَّه كان من السابقين الأولين، ومع أنَّه جاهد بنفسه وماله مع رسول الله ﷺ، ومع أنه لم يُنفق يومًا من أيامه إلا تصدق فيه بالكثير.

    أحِبُّ أن يستقر في قلوبهم أن الثراء إن ثقل على عبد الرحمن، مع أنَّ النبي ﷺ قد ضَمِنَ له الجَنَّة في نفر من السابقين الأولين، فهو عليهم أثقل؛ لأنهم لم يسبقوا إلى الإسلام، ولم يُجَاهِدُوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يضمن النبي ﷺ لهم شيئًا، إلا إنهم إنْ أحسنوا طاعة الله في أنفسهم وأموالهم لم يضع عليهم مما قدموا شيئًا.

    وإذا خاف النبي على عبد الرحمن ألا يبلغ الجنَّة إلا زحفًا، وألا يَعْبُر الصراط إلا بعد جهد؛ فنحنُ أجدر أن نخاف على أغنيائنا ألا يبلغوا الجنة زاحفين أو غير زاحفين، وألا يعبروا الصراط جاهدين أو غير جاهدين.

    فلينظر أغنياؤنا إلى ما حولهم من بؤس وشقاء ووباء وموت، وليفكروا في أنَّ أموالهم عارِيةٌ مَرْدُودة، وفي أنَّ الذين يُقْرِضُون الله قرضًا حسنًا يُضاعف لهم قرْضُهم يوم القِيَامَة، وفي أنَّ الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قد بُشروا بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وظهورهم وجنوبهم، ويُقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم؛ فذوقوا ما كنتم تكنزون!

  • أسبوع البر

    أسبوع البر
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٢٥ مايو ١٩٤٢

    أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:

    ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.

    وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.

    والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.

    وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.

    لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.

    ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.

    أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.

    وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.

    فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.

    فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.

    ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.

    وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.

    وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.

    وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.

    وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.

    فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.

  • من باريس

    من باريس
    العلم والثروة
    هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم أغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيراً ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم فإن وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه. تمس العجبة والخيلاء. لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين. لا ينتفعون بثروتهم أحياءً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل. يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر أبناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم في الحق فقراء معوزون!
    وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر. وأدناهم إلى الغنى حقاً لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم. فهم يتمتعون بالثروة حقاً، يجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل. بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون. ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة. وإنما هم، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعاً كل على القدر الذي يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب. وإنما يشترون بها أيضاً الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت. ليسوا أنعاماً ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه.
    أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلاً أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم. وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر مليوناً. وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه. وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه. وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنكاً في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب. وإن رجلاً ترك لها نصف مليون. وأن أستاذاً في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكاً لإعانة طلبة التاريخ الحديث. وأن امرأة تركت مليوناً لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي. وأقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءاً من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية المختلفة. بل أقرأ ما هو أغرب من هذا. أقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم في جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها. وأقرأ في الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى. وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا بعد.
    كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضي فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون. هذا في فرنسا. أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء. ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر. فليس لمصر علم وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء. وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ما هي في حاجة إليه أو جزءاً موفوراً مما هي في حاجة إليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة إليه لتعيش. أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحُليّ وإلى اللباس وبديع الأداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل. هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها. نعم. نحن أغنياء أجوادٌ إذا احتجنا إلى متاع الدنيا. فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يُعدّ له فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في مصر إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا. ولكني واثق بأن لوناً من ألوان البدع في الحُليّ أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه. والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخرَ لباساً وزينةً من أغنياء باريس ونيويورك ولندن فإذا رآنا الأوروبي خُيّل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيراً مما يلبس ونزدان كما يزدان بل خيراً مما يزدان، ونتصرف في فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئاً يشبه الفناء. وماذا تريد من قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فإذا ذُكر العلم والأدب والفن هزوا الرؤوس والأكتاف. بل هم يفعلون شراً من هذا. فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه. لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر في باريس أو لندن أو برلين يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا!!!.
    لقد قلنا هذه الأشياء وقلنا وسنقولها ونقولها. فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد. اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون. فأما القادرون على أن ينفعوا. فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل. وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلاناً على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها. رأيت ثوب فلان فراقني ولأصطنعن مثله. فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالماً مصرياً أو أديباً مصرياً أو فنياً مصرياً يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لأغنيائنا على بال. ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيراً من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعي لأنه يحدثهم بما لا خير فيه.
    لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت. ولقد أظهر أغنيائنا ميلاً شديداً إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها لأن ذلك كان بدعاً يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر الحرب فإن الحرب لم تُسئْ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيماً منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حباً للعلم وتشجيعاً للعلم وإعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيءٍ فقد أتاح لها العلم أن تنتصر. أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافاً مضاعفةً فلم يزدهم ذلك إلا ضَنّاً وحبساً للمال عن وجوه الخير وتهالكاً على اللذات المادية. والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات. أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليوناً ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة! وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قُبل النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه. ولست أدري افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال نزعم أن ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به. وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحُليّ وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا إليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه. يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن يئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان. ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة. لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه حال التعليم في مصر من ضعف وفساد. ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب.
    طه حسين
    باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
    السياسة، 22\5\1923.