تقصير
بقلم الدكتور طه حسين
لم أكد أستقر في مصر حين عدت إليها بعد انقضاء الصيف حتى علمت أن صديقا كريما لي قد ملأ قلبه حزن ممض عميق لأنه نكب فيما يثقل على الناس أن ينكبوا فيه. ففقد ابنه الصبي بصره في بعض الأحداث التي تعرض للصبية. وشقي الصديق الكريم وأسرته بهذه النكبة الأليمة وقاومها ما استطاع إلى مقاومتها سبيلا واحتال في ذلك ما وسعته الحيلة ولكن صرامة الخطب كانت أقوى وأمضى، من مقاومته ومن حيلته فاذعن كريما كما استقبل النكبة كريما. ولكني رأيته مروعا مفرق البال لا يعرف كيف يستقبل الحياة بابنه هذا العزيز. فليس من تعليمه وتهيئته لاحتمال الأعباء بد حين تؤهله سنه لاحتمال الأعباء ووسيلة هذا التعليم في مصر مفقودة أو كالمفقودة. فما زال المصريون يعيشون بعد أن تجاوز القرن العشرون نصفه كما كانوا يعيشون في القرون الماضية أيام الجهل والغفلة والقصور حين كان مستقرا في نفوسهم أن الذين يفقدون أبصارهم صغارا أو كبارا يجب أن يعيشوا عيالًا على أسرهم وعلى أمتهم. يمونهم أهلهم إن استطاعوا أن يمونوهم فإن لم يستطيعوا ففي حفظ القرآن وتلاوته حيث تعود الناس أن يتلى القرآن معاش لهم يجدون منه ما يقيم الأود، وإذا لم يتح لهم ذلك ففي تكفف الناس والتماس الصدقات واحتمال أثقال البؤس لهم مقنع ورضى إن كان في البؤس والذل والمسألة ما يقنع الناس ويرضيهم عن الحياة التي يحيونها طائعين أو كارهين.
والأزهر الشريف وحده هو الذي احتفظ بالسنة القديمة وأتاح لهؤلاء البائسين من المكفوفين أن يعيشوا كرامًا وأن يجدوا في الحياة متاعًا يعزيهم عن آلامها وعن آفتهم هذه القاسية. وهو متاع العلم والدين يدرسونهما كما يدرسهما غيرهم من المبصرين وينهضون بتعليمهما كما ينهض به غيرهم من المبصرين.
فأما المدارس المدنية التي تنشئها الدولة وتديرها أو التي ينشئها الأفراد والجماعات فمحرمة على هؤلاء المكفوفين لأنها لا تملك الوسائل الخاصة لتنشئتهم وتأديبهم وتمكينهم من أن يكونوا رجالًا كرامًا.
وفي المجتمع المصري وفي بعض بيئاته الجاهلة الغافلة بنوع خاص قسوة غريبة تنافر ما طبع المصريون عليه من الرحمة والبر والحنان ومن رعاية الضعفاء والعناية بهم. فهم يتندرون بالمكفوفين ويسخرون من بعض أطوارهم لا يخفون ذلك ولا يستترون به ولا يبالون أن يؤذوا هؤلاء الذين آذتهم الحياة وقست عليهم الخطوب. وكل ما استطاعت مصر أن تعرفه في هذا العصر الحديث القريب من رعاية المكفوفين هو أن تنشئ لهم على نحو من البر والشفقة معاهد قليلة تعلمهم فيها بعض الأعمال اليدوية اليسيرة التي تتيح لبعضهم كسب أيسر القوت.
فأما العقول التي في رؤوس هؤلاء المكفوفين والقلوب التي في صدورهم فلا خطر لها ولا وزن وما دام الله قد قضى عليهم ألا يبصروا فليس ينبغي أن يكون لهم أرب في حياة العقول والقلوب.
وقد نسيت أشياء كثيرة منذ عرفت نفسي وسأنسى من غير شك أشياء كثيرة أخرى فيما بقي لي من الحياة ولكن قصة لي في أول الشباب لم أنسها وما أرى أني سأنساها لأنها نغصت على الحياة أياما وأرقتني ليالي، وتركت في قلبي ندوبا لم تزل وإن لم تثر في نفسي موجدة ولا ضعفًا.
كان ذلك حين أنشئت الجامعة المصرية في أواخر العقد الأول من هذا القرن وحين اندفع إليها الشباب يتحرقون ظمأ إلى ما كان يلقى فيها من العلم الحر الذي لا يخضع لسلطان الإنجليز ومن العلم الحديث الذي لا يخضع لقيود الأزهر.
وكنت من أولئك الشباب المندفعين فأقبلت ذات يوم إلى غرفة من غرفات الدرس يسعى معي خادمي ذاك الأسود الصغير فلم أكد أبلغ باب الغرفة حتى رددت عنها ردًا عنيفًا. فما ينبغي لذلك الغلام الأسود أن يصحبني إلى مجلس من قاعة الدرس لأن الدخول محرم على من ليست معه بطاقة الانتساب.
وذهبت أشكو إلى سكرتير الجامعة المرحوم أحمد زكي بك فكان جوابه أقسى من رد الحجاب لي عن الدرس. قال وماذا تريد أن أصنع وقد قضى الله عليك ألا تشهد الدرس.
ورق بعض الأصدقاء لي فكانوا ينتظرونني عند قاعات الدروس فيسعون معي إليها ويخرجون معي إلى حيث كان ذلك الغلام ينتظر أن أعود إليه.
ذكرت هذا كله غير مرة في حياتي حين كنت أستاذًا في الجامعة وحين كانت هذه الآفة البغيضة تعرض لبعض الطلاب بعد أن يظفروا بإجازة الدراسة الثانوية. فكنت أحتال حتى أيسر لهم طلب العلم وحين كنت وزيرًا للمعارف حين عرضت هذه الآفة لبعض التلاميذ قبل أن يتقدموا لامتحان الشهادة الثانوية فاحتلت لهم حتى جازوا الامتحان وحتى التحقوا بالجامعة.
وذكرتها حين عدت من أوروبا آخر هذا الصيف ورأيت ما رأيت من حزن ذلك الصديق الكريم وحيرته في أمر ابنه الصبي. ولم أكد أفرغ من مواساته حتى تلقيت كتابًا مرًا من أب أصابه مثل ما أصاب ذلك الصديق في ابنه الأثير عنده العزيز عليه وهو يسألني كيف السبيل إلى تنشئة هذا الصبي وتعليمه على نحو كريم يذود عنه الحزن ويخرجه من العجز ويمكنه من النهوض بأعباء الحياة حين يجب عليه النهوض بهذه الأعباء. وليس كل الناس مستعدًا لأن يرسل ابنه المكفوف إلى معهد النور ليتعلم فيه هذه الصناعة اليدوية اليسيرة أو تلك وليس كل الناس مستعدًا لتحفيظ ابنه المكفوف القرآن ليكسب بتلاوته القوت وليس كل الناس ميالًا ليرسل ابنه إلى الأزهر الشريف ليتخرج فيه أستاذًا لهذا العلم أو ذاك من علوم اللغة أو الدين.
ومن حق الصبية المكفوفين وفي طاقتهم أن يضطربوا في الحياة وأن يحتملوا أثقالها كرامًا كما يضطرب فيها ويحتمل أثقالها كثير من المبصرين. وللصبية والشباب من المكفوفين حق التربية والتعليم على الدولة كغيرهم من المصريين ولهم عليها حق خاص في الرعاية والعناية لأن أيسر ما يجب على الدولة المتحضرة أن تشمل برعايتها من تلجئهم الآفات العارضة إلى هذه الرعاية. وإذا تحدثت عن المكفوفين فلست أختصهم وحدهم بالحديث من دون الذين تعرض لهم آفات أخرى تجعل تعليمهم أعسر من تعليم غيرهم من الأصحاء.
ولست في حاجة أن أدل وزارة المعارف على ما تهيأ في أوروبا وأمريكا لأمثال هؤلاء الصبية والشباب من وسائل التربية والتعليم فوزارة المعارف تعلم من ذلك أكثر مما أعلم أنا أو من الحق عليها أن تعلم من ذلك أكثر مما أعلم وأن تأخذ من ذلك بما يلائم ظروف الحياة المصرية ومصلحة هؤلاء الصبية والشباب من المصريين. وفي مصر مدرسة أنشئت للمكفوفين منذ حين يقال إنها تريد أن تربيهم وتعلمهم كما ينبغي لمثلهم أن يربى ويعلم، وهذا حسن وخير من أن تنشأ مدارس أخرى غير هذه المدرسة وفي مدن مختلفة من الأقاليم. فليس كل الناس قادرًا على أن يرسل ابنه إلى هذه المدرسة وأكبر الظن أنها لن تتسع لكل من يحتاج إلى الالتحاق بها. فهم مع الأسف الشديد أكثر من ذلك عددًا وهم مع الحزن والأسى مفرقون في أرض مصر يجب أن تشملهم رعاية الدولة وأن تهيئهم للحياة الكريمة الخصبة المنتجة وعسى أن يكون من بينهم من أدخرت فيه الطبيعة كنوزًا لا ينبغي أن تضيع.
هذا حديث أوجهه إلى وزير المعارف وما أشك في أنه سيصل إلى قلبه الثائر الشاب وما أشك في أنه سيلقاه بما ينبغي له من العناية وسيشعر مواطنيه بأن الثورة التي هو من رجالها لن تغير الحياة السياسية والاقتصادية وحدها ولكنها ستغير الحياة المصرية كلها وستمنح الضعفاء من عنايتها أكثر مما تمنح الأقوياء. وستتيح للمصريين جميعًا مساواة كريمة في الحقوق والواجبات كل حسب ما ييسر له وستفتتح للمصريين جميعًا حياة لا يستأثر فيها بعضهم بالنعيم والرضا على حين يستأثر البؤس والشقاء والحزن ببعضهم الآخر، وأنا مطمئن إلى أن هذا العام لن ينقضي حتى تنشأ في مصر مدارس يلقى فيها هؤلاء المكفوفون ما يلقاه أترابهم في هذه المدرسة الوحيدة من العناية والرعاية.
الجمهورية ١٩ أكتوبر ١٩٥٤.
Tag: poverty
-
تقصير
-
كلمة
كلمة…
بقلم الدكتور طه حسين
ذهب كاتب فرنسي معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغي للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس. ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية في بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام.
ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف. ولست أدري أذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا في شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة التي يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتي تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
رأى وأنكره أشد الإنكار وصور ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدري الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيري من الناس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة وإنما الذي يعنيني وما أشك في أنه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئنٌ هو أم قلق، أباسمٌ هو أم عابس! أمتعبٌ هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعرف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم في الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة.
ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسي لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما في العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون.
نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارا. فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة أنه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمي الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذي يقرون النظام ويحفظون الأمن في أوقات السلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه، يعملون له في أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، و يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف و يستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التي يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة في البر والبحر وما أذكر أني آويت إلى فندق في السفر، أو آويت إلى داري في الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لي الراحة ويبتسمون ليعدوا لي شيئا من نعيم.
وما أكثر ما نقرأ في الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون في عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون في سيرتهم مع الناس بما يجدون في قلوبهم من
شعور وما يدبرون في عقولهم من تفكير، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذي ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدّى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعي فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.
فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي بل فكرت في أكثر من هذا كله وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتي أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسي أيتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدّوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما في أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا.
أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
طه حسين
البلاغ، ٤\٩\١٩٥٢ -
تفوق …
تفوق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ نوفمبر ١٩٤٧
أمَّا أننا متفوقون على شعوب الأرض كافة؛ فذلك شيء ليس فيه شك، ولا يمكن أن يُجادل فيه إلَّا الذين يحبون المكابرة ويكلفون بالمراء. وتفوقنا على شعوب الأرض مختلف الأشكال والألوان، منه القديم الذي ظهر في فجر الحضارة، ومنه الحديث الذي لم يظهر إلَّا في هذه الأيام، ومنه المقيم الذي يصاحبنا في حياتنا كلها على طولها، وعلى اختلاف العصور والأزمان. فنحن متفوقون في العصر القديم؛ لأننا سبقنا الإنسانية كلها إلى إنشاء الحضارة، فبنينا الأهرام تقاوم الزمان، وأقمنا أبا الهول شاهدًا على الأحداث متحديًا للخطوب، واستكشفنا العلوم والفنون والإنسانية غارقة في بحار من الجهل ليس لها قرار.
فمصر أم الحضارة ما في ذلك شك، وهي من أجل ذلك أم الإنسانية كلها، الإنسانية المتحضرة بالطبع. فأمَّا الإنسانية المتبربرة فليست من مصر، وليست مصر منها، ويجب عليها أن تلتمس أمًّا حيث تشاء. وأمَّا التفوق الحديث الذي نشأ في هذه الأيام الأخيرة، فقد كسبناه في مقاومة الوباء كما يقول الأطباء؛ فمصر هي البلد الوحيد الذي حُقِن أهله جميعًا — إن صدقت أنباء وزارة الصحة — بما يقيهم وباء الكوليرا، وهي بذلك تفوقت على الشرق والغرب، وعلى الشمال والجنوب، تفوقت على البلاد التي اتخذها وباء الكوليرا وطنًا مختارًا كالهند والصين؛ لأن أهل هذه البلاد أكثر من أن تحقنهم وزارات الصحة، وتفوقت على البلاد التي لا يحبها وباء الكوليرا، ولا يريد أن يستقر فيها؛ لأن جوها لا يلائمه ولا يواتيه.
فأهل أوروبا لم يُحقنوا؛ لأنهم ليسوا في حاجة إلى أن يُحقنوا، وهذا يكفل لنا التفوق عليهم دائمًا، فكل مصري متفوق على كل أوروبي؛ لأن المصري قد حُقن، ولأن الأوروبي لم يُحقن، ولا ينتظر أن يُحقن إلَّا إذا بُدِّلت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء. وكذلك أُتيح لنا تفوق قديم لا يعرف أوله وإن عرف آخره، وتفوقٌ حديث لا يعرف آخره وإن عُرف أوله. وليس هذا كل ما كُتِب لنا من تفوق، فنحن متفوقون في أشياء أخرى لعلها أن تكون أجلَّ شأنًا وأعظم خطرًا من إنشاء الحضارة، ومن الاحتقان بما يقاوم الوباء.
نحن متفوقون بإقامة الأعداء الثلاثة الذين أصبحوا الأصدقاء الثلاثة، والذين كنَّا نريد أن نحاربهم فأصبحنا حراصًا على أن نسالمهم، والذين أتحدث عنهم كما يتحدث الناس عن العقلاء، وإن لم يكونوا من العقل في شيء؛ وهم: الجهل والفقر والمرض، فقد أصبح هؤلاء السادة أصدقاء لنا؛ لطول ما ألفونا وألفناهم، وعاشرونا وعاشرناهم، وأصبحوا عاقلين راشدين يوجهوننا في تدبير أمورنا وإدارة شئوننا توجيهًا رائعًا بارعًا حقًّا. فنحن أجهل الأمم المتحضرة، لا يشك في ذلك إلَّا المدخولون، وتستطيع أن تقرأ كتب الإحصاء ومجلاته؛ فلن تجد بلدًا متحضرًا راقيًا يشاركنا فيما نمتاز به من الجهل، أو يقاربنا فيما نمتاز به من كثرة الجاهلين.
ونحن كذلك أفقر الأمم، ونحن أشدُّها مرضًا، وأشدُّها تعرضًا للمرض، وأشدُّها استبقاءً للمرض حين يلم بها أو يستقر فيها. كل هذه خصال نمتاز بها من الأمم، ونتفوق بها على الشعوب، والناس يلتمسون وسائل التفوق والامتياز حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها. فإذا استطاعت أمة أن تمتاز بالعلم فذلك شأنها هي وما تريد من ذلك. فأمَّا نحن فقد أردنا وأرادت لنا الظروف أن نمتاز بالجهل، وقلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى الفقر، وقل مثل ذلك بالقياس إلى المرض، وإلى كثيرٍ من الخصائص التي ننفرد بها ولا يشاركنا فيها غيرنا من الناس.
وليس المهم هو أن يكون ما نمتاز به خيرًا أو شرًّا، ونافعًا أو مضرًّا، وإنما المهم هو أن نمتاز بشيءٍ لا يشاركنا فيه غيرنا، وإلَّا فأي فخرٌ لنا في أن نكون الشعب الوحيد بين شعوب الأرض الذي حقن أهله جميعًا بما يقاوم وباء الكوليرا. أمَّا أنا فأفضِّل أن نكون من الشعوب المتواضعة التي لا تُحقن كلها ولا يُحقن بعضها؛ لأنها ليست في حاجة إلى أن تُحقن.
على أننا لا نمتاز بهذه الخصال وحدها، وإنما نمتاز بخصال أخرى ليست أهون منها شأنًا، نمتاز بالنسيان، والنسيان السريع المسرف في السرعة، فلولا أننا نسينا وباء الكوليرا الذي ألمَّ بنا في أول هذا القرن لما تعرضنا لوباء الكوليرا الذي يعود إلينا قبل أن ينتصف هذا القرن. ووزارة الصحة تحتاط فيما يُقال حتى لا يعود الوباء مع الربيع أو مع الصيف، ولكني أراهن من شاء على أن مصر ستنسى هذا الوباء حتى قبل أن يمضي عام أو عامان، بل نحن نتفوق في شيء أشدَّ خطرًا من النسيان؛ وهو السأم، فقد قيل لنا حين عظم شر الوباء أن المنكوبين في حاجة إلى المعونة، وأن من الخير أن يتبرع الموسرون بمعونة المعسرين؛ فقد لا تجد الدولة في خزائنها ما يُمكِّنها من مقاومة الوباء ومعونة ضحاياه.
وقد أقبل الموسرون على التبرع متثاقلين متباطئين، ولكن وزارة الصحة جعلت تنشر بلاغاتها الرسمية، وجعلت هذه البلاغات تدل على أن الوباء قد أخذ يخف، وإذا الموسرون ينسون حاجة المعسرين إلى المعونة، وإذا أكثرهم يسأمون الإنفاق قبل أن ينفقوا شيئًا، وإذا نحن ننسى الكوليرا أو نكاد ننساها، لا يذكرنا بها إلَّا ما تنشره وزارة الصحة من البلاغات.
والشيء الذي تستطيع أن تؤكده وأنت واثق بأنك مصيب غير مخطئ هو أن المثقفين من المصريين قد عنوا في هذا الأسبوع بقصة التعديل الوزاري أكثر مما عنوا بقصة الوباء. ولا تقل: إن التعديل الوزاري لن يقدِّم ولن يؤخِّر، ولن ينفع مصر ولن يضرها، وإن الوباء ينكب الناس في أنفسهم وأموالهم ومرافقهم؛ فقد يكون هذا حقًّا، ولكن الحق ليس هو المهم، وإنما المهم هو أننا متفوقون في الإسراع إلى النسيان، وفي الإسراع إلى السأم، وفي العناية بالسخيف من الأمر، وفي الإهمال للخطير من الأمر. كما أننا متفوقون في إنشاء الحضارة، وفي تلقي الكوليرا مرتين في أقل من نصف قرن، وفي حقن الشعب كله لمقاومة الكوليرا، وفي الجهل والفقر والمرض، وفي حب الكلام الفارغ الذي لا يفيد، وبُغض العمل المنتج الذي ينفع الناس.
وأغرب شيء نتفوق به على الأمم جميعًا هو حبُّنا للمتناقضات، فنحن لا نكتفي بتفوقنا وامتيازنا، ولكننا مع ذلك نريد أن نشبه الأمم المتحضرة الراقية التي نمتاز منها ونتفوق عليها، ونحن من أجل ذلك نأخذ بأسباب الحضارة الحديثة في السياسة والإدارة، وفي الاقتصاد والتعليم، وفي كل شيء؛ فنحن نتفوق ونمتاز من جهة، ونحن نتهالك ونقلد من جهة أخرى، ونحن نبالغ في التهالك والتقليد حتى لقد قرأت في بعض الصحف منذ وقت قريب اقتراحًا بأن يكون لنا جندي مجهول كما أن للأمم الأوروبية والأمريكية جنودًا مجهولين. وما أشك في أننا نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جنودًا مجهولين لا جنديًّا واحدًا، نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جاهلًا مجهولًا، وفقيرًا مجهولًا، ومريضًا مجهولًا، وما شئت من هذه الرموز التي تصور هذه الخصال الرائعة التي نتفوق بها على الناس جميعًا، أو نشارك فيها الناس جميعًا.
وفي مصر مثلٌ عاميُّ بارعٌ حقًّا، ما أرى إلَّا أنه يلائمنا أشد الملائمة، ويطابق حياتنا أحسن المطابقة، وهو قول العامة: إن أصحاب العقول في راحة، إلَّا أن نكون قد تفوقنا على غيرنا من أمم الأرض كلها بهذه الخصلة التي تكفل لأصحابها السعادة كل السعادة، وهي قلة العقول. وهل تظن أن المتنبي أخطأ حين قال:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم -
جوع وأحاديث
جوع وأحاديث
طه حسين
مجلة المصور
٢١ نوفمبر ١٩٤٧
جوع وأحاديث! … فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض، والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! …
لا يغضب المواطنون الأعزاء أن نشق عليهم في القول، ونُعنِّف بهم في الحديث؛ فقد يجب أن يُقال الحق وإن لم يبلغ من نفوسهم موضع الرضا، وقد يجب أن يُقال الحق وإن بلغ من نفوسهم موضع الغضب وأثار في قلوبهم موجدة وغيظًا.
والمواطنون الأعزاء قد تعودوا أن يُكال لهم المدح كيلًا، ويُهال عليهم الثناء هيلًا؛ حتى رضوا عن أنفسهم أعظم الرضا، وسخطوا على غيرهم أشد السخط، وناموا ملء جفونهم والأحداث لا تنام، وعاشوا ساهين لاهين تتخطفهم النوائب وتعبث بهم الخطوب، فلا يُغيِّر ذلك من رأيهم في أنفسهم وحياتهم شيئًا؛ لأنهم قد أَلِفوا الرضا عن أنفسهم، والاطمئنان إلى حياتهم؛ فأصبح من أعسر العسر أن نخرجهم من هذا الرضا أو نزعجهم عن هذا الاطمئنان …
ولا بدَّ مع ذلك من أن يبصروا بحقائق الأمر، ومن أن يُخرَجوا من رضاهم، ويُزعَجوا عن اطمئنانهم، ويعلموا أنهم يعيشون أبغض العيش، ويحيون أبشع الحياة. وإن هذا المثل العربي القديم الذي اتخذته عنوانًا لهذا الحديث لم يُوضَع إلَّا لهم، ولم يُضرَب إلَّا فيهم، ولم يُصوِّر إلَّا ما دأبوا عليه وتورطوا فيه من كلامٍ كثيرٍ لا يغني، وعملٍ قليلٍ لا يفيد!
ولعل المواطنين الأعزاء قد فطنوا ليومين من أيام الأسبوع الماضي، كان أحدهما عيد الجهاد والآخر عيد الهجرة، وكان من قبلهما يوم له في حياتهم خطره الخطير وشأنه العظيم، وهو يوم افتتاح البرلمان!
ولعل المواطنين الأعزاء قد لاحظوا أن هذه الأيام الثلاثة قد انقضت كما تنقضي غيرها من أيامهم المتصلة التي يتبع بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا كما تشبه قطرة الماء قطرة الماء، حتى كأن أيامهم على اختلافها وتعاقبها يومٌ واحدٌ!
مضت هذه الأيام الثلاثة كما يمضي غيرها من أيامهم: كلامٌ كثيرٌ، وعملٌ قليلٌ، واضطرابٌ في غير حركة، ونشاطٌ في غير إنتاج، وجعجعةٌ في غير طحن، ورضا بعد ذلك عن النفس، واطمئنان بعد ذلك إلى هذه الحياة المطردة المملة التي لا تنفع الناس ولا تنفع أصحابها، والتي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا!
كانت رائعةً بارعةً خطبة العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان، صوَّرت لنا الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم: حكومة جادة لا تنام ولا تُنيم، وشعب عامل لا يريح ولا يستريح!
وقد رضيت الحكومة عن نفسها فأثنت على نفسها، ورضي البرلمان عن الحكومة فصفق للحكومة، وسمع الشعب للحكومة تقول وللبرلمان يصفق؛ فرفع الأكتاف وهزَّ الرءوس، وترك الخلق للخالق. وأقبل المترفون على ترفهم ينعمون بغير حساب، وأقبل المحرومون على حرمانهم يألمون بغير حساب، وتذبذب بين أولئك وهؤلاء فريقٌ من أوساط الناس يأكلون في غير شبع ويشربون في غير رِي، وكلهم راضٍ بما كان، مطمئن لما هو كائن، مستعد لما سيكون، واثق بأن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي جنة الدنيا، وزينة العالم، وقائدة الشعوب العربية إلى المجد المؤثل الذي لا يشبهه مجد، والفخار الذي لا يدانيه فخار!
وفي أثناء هذا كله كان المواطنون يموتون مئات، ويمرضون مئات، يتخطفهم هذا الموت الطارئ، ويصرعهم هذا المرض الطارئ، ومن حولهم ألوف وألوف يتخطفهم الموت العادي الذي لا يحمله الوباء، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يحمله الوباء أيضًا … وفي أثناء هذا كذلك كانت ملايين من المواطنين تنعم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ترى ما هي فيه، ولا توازن بين حياتها وحياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى … وكانت هذه الملايين في أثناء ذلك أيضًا تنعم بفقرها الذي يشغلها بالتماس القوت وإطعام العيال وكسوتهم دون أن تجد ما تسعى إليه، ولكنه يشغلها على كل حال بذلك عن التفكير في حياتها، والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى!
كان هذا كله يحدث في الصحف من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر، بينما كان رئيس الوزراء ينبئ البرلمان بما فعلت الحكومة وبما ستفعل، موفقةً في الماضي والمستقبل لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة من أن ترفع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تبلغ ولن تبلغ ما بلغت مصر من المجد والفخار!
«جوع وأحاديث» — كما يقول المثل العربي القديم — في يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر! و«جوع وأحاديث» في يوم الخميس الثالث عشر من شهر نوفمبر، حين استراح الموظفون من العمل احتفالًا بعيد الجهاد الوطني! وأي احتفال بالجهاد يعدل الراحة — لا من الجهاد؛ فقد انقضت أيام الجهاد! — ولكن من العمل اليومي اليسير الذي يتيح لهم أجورهم آخر الشهر؟! وأي احتفال بالجهاد يشبه الحصول على الأجر من غير عمل، وإن كان هناك قوم آخرون تُفرَض عليهم الراحة احتفالًا بالجهاد، ثم يُحرَمون أجورهم في ذلك اليوم؛ لأنهم أُكْرِهوا على الراحة احتفالًا بالجهاد؟!
في ذلك اليوم، خطب الخطباء وتكلم الزعماء، وذُكِرت الثورة وأُثْنِيَ على الشهداء! وفي أثناء هذا كله كان الجيش البريطاني مرابطًا في أماكنه المقسومة له، لا يحتفل بعيد الجهاد لأن الجهاد لم يرزأه فتيلًا!
و«جوع وأحاديث» يوم الجمعة الأول من شهر المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة … في ذلك اليوم كُتِبت المقالات المدبجة والفصول المنمقة، وأُقيمت الحفلات الرائعة، وذكر المسلمون هذا الحدث الإنساني الخطر الذي تغير له التاريخ، وهو الهجرة، وذكروا ما في الهجرة من موعظة وعبرة! بكى بعضهم وتباكى بعضهم الآخر، واصطنع سائرهم الوقار فلم يتكلفوا تباكيًا ولا بكاءً!
ثم لم يَنْقَضِ يوم الجمعة إلَّا كما تعودت الأيام أن تنقضي: خمود وجمود، وكسل وركود، ونوم عميق، وإمعان فيما تعوَّد الناس أن يمعنوا فيه من هذه الحياة الفارغة، التي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا.
«جوع وأحاديث» في هذه الأيام الثلاثة، وجوع وأحاديث فيما سبقها وفيما سيتلوها من الأيام!
صحف لا تُحصَى، ولا يُحصَى ما فيها من الكلام، تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تُحصَى في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يُحصَى يشغل الناس عن أنفسهم، وعن حياتهم، وعن آمالهم، وعن آلامهم. لا يصرفهم عنه النوم، بل هم إذا ناموا وألمَّتْ بهم الأحلام لم يخرجوا من هذا الهراء!
جوع … وأحاديث، فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! والله يعزي الناس عن آلامهم، ويسليهم عن مصائبهم بالعمل الذي يزيل الآلام ويكشف المصائب، كما يسليهم بالقول الذي لا يمحو ألمًا ولا يكشف ضرًّا ولا يجلي خطبًا، وإنما يجعل أصحابه ضحكة الضاحكين وهزء الهازئين!
فلنبتهل إلى الله في أن يبرئنا من علة الكلام الكثير، فلعلنا إن برئنا من هذه العلة أن نجد العزاء عن آلامنا وكوارثنا في العمل الذي يزيل الآلام، ويمنع الكوارث، ويُجلي الغمرات. -
نذير!
نذير!
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ نوفمبر ١٩٤٧
صنع الله للشعب المصري، فقد أخذته الكوارث من كل وجه، وجاءته النوائب من كل صوب؛ حتى أصبح لا يدري كيف يتَّقيها ولا كيف يثبُت لها ولا كيف يخلص منها. كان إلى أمس القريب شقيًّا بهذه الآفات التي تصيب الشعوب حين لا تأخذ بحظها الموفور من الحضارة، فيفتك بها البؤس على اختلاف مظاهره البشعة من فقر وجهل ومرض. وكان من أجل ذلك يشقى في سياسته وحريته واقتصاده أبشع الشقاء وأشنعه. وكانت الأمم المتحضرة تتخذه مثلًا يُضرب لسوء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي جميعًا. ولكن الأيام لم تَقنَع بما صُبَّ عليه من هذا البلاء العظيم المتصل، فصَبَّت عليه في هذه الأشهر الأخيرة ألوانًا أخرى من الشرِّ، وامتحنته ضروبًا أخرى من الامتحان. خذلان في السياسة، وإخفاق في الاقتصاد يوشِك أن يَبلُغ الإفلاس، وفتنة في الحرية توشِك أن تبلغ الاستعباد. ثم لم تكتفِ الأيام بهذا كله فسلطت عليه الوباء، يشيع في مدنه وقراه، ويلتهم أبناءه التهامًا، لا بالعشرات بل بالمئات في كل يوم وبالألوف في كل أسبوع؛ حتى أصبحت حياته كلها معرَّضة للخطر المنكر الذي لا يشبهه خطر، والذي لا يَعرِف الآن كيف يدفعه أو يرفعه أو يجِد لنفسه منه مخرجًا.
ثم لا تكتفي الأيام بهذا كله، وإنما تَصُب عليه نكرًا آخر لعله أن يكون أشد من آلامه جميعًا إيذاءً للنفوس وتمزيقًا للقلوب وتفطيرًا للأكباد. فالشعب فيما يظهر هو المسئول عن كل هذه الآلام التي تُصَبُّ عليه، وعن كل هذه الآثام التي تُساق إليه، وعن كل هذه المنكرات التي تُفسِد عليه حياته إفسادًا، وتجعله بين الشعوب الحية مضرِب المثل فيما يجب أن يتقي من الشر ويتجنب من العدوى. فلبنان يقطع المواصلات بينه وبين الشعب المصري مخافةَ أن تصيبه العدوى ويلم به الوباء. والعراق يصنع صنيع لبنان أو ما يشبه هذا الصنيع. واليونان تصنع صنيع العراق ولبنان أو ما يشبه صنيعهما. والدول الكبرى تضيق ما بينها وبين مصر من أسباب الاتصال، وتحتاط في إرسال أبنائها إلى مصر، وفي تلقي أبناء مصر في بلادها مخافة أن يصيبها الوباء.
وما من شك في أن هذه الدول كلها معذورة في كل ما تفعل. فحياة الناس أقوم من أن يضحَّى بها في سبيل المجاملات الدولية. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعب المصري قد أصبح شعبًا أجرب، لا ينبغي أن تتصل الأسباب بينه وبين الشعوب الأخرى؛ مخافة أن ينتقل إليها الجرب أو تنتقل إليها الكوليرا التي هي شرٌّ من الجرب وأسوأ منه عاقبةً وأبغض منه أثرًا.
وقد أصبحت مصر الجميلة التي كانت تروق الشعوب وتشوقها سجنًا يُحصر فيه أبناؤها جميعها، فلا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن، ولا يطرأ عليهم أحدٌ إلا بإذن. ثم قُسِّم هذا السجن الكبير إلى سجون صغار، لا يجوز لأهلها أن يتواصَلُوا أو أن يلتقوا إلا بعد كثير من التحرُّج والتشدُّد، وفي كثير من الإشفاق والخوف. والظاهر أن الشعب المصري هو المسئول عن هذا كله. فلولا جهله وإمعانُه في الجهل لما ألمَّت به المحن ولا نزلت بساحته الخطوب. هؤلاء الذين يَفِرُّونَ بمرضهم من الطبيب، ويفلتون من الحصار المضروب حول مدنهم وقُرَاهُم، وينقلون الوباء إلى غيرهم من المواطنين؛ مسئولون بالطبع عن هذا الفرار وعن آثاره المنكَرة، فلو لم يكونوا جُهَّالًا مُمْعِنِين في الجهل لما فرُّوا من الطب ولما أشاعوا الوباء في الأصحاء.
وأنت تستطيع أن تقرأ أحاديث الوزراء والمشرفين على شئون الصحة، فسترى أن نصيب الشعب من التبِعة أعظم جدًّا من نصيب الحكومة ومن نصيب الأطباء، حتى حين يُقصِّر رجال الشرطة أو الجيش في أداء واجبهم؛ ففي هذه الظروف لا يقع اللوم على الحكومة ولا على قادة الشرطة والجيش، وإنما يقع على هذا الشعب الجاهل الذي أفسد الجهلُ خُلُقَه وضميره، وألغى من نفسه كل شعور بالواجب وكل تقدير للتبِعة، وحبب إليه أن يُحصِّل المال من أي طريق، وألَّا يتردد في تمكين الهاربين من الهرب ما دام ذلك يغل عليه كثيرًا أو قليلًا من المال.
فالشعب هو المسئول أولًا، والشعب هو المسئول آخرًا، والشعب هو الآثم قبل كل شيء وبعد كل شيء. وهذا العذاب الذي يصب على الشعب إنما يصب عليه جزاء لما اقترف من سيئات وما قارف من آثام. لقد أحب الجهل فليذُقْ عاقبة الجهل. ولقد آثر الفقر فليستمتع بمغبة الفقر. ولقد رضِيَ المرض فلينعم بفنون المرض التي تفتنَّ في إرساله إلى الموت، تبطئ بذلك حينًا وتسرع به أحيانًا. والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. فليس على هذا الشعب المصري إلا أن يَظَلَّ في شقائه وبلائه ووبائه، أو يغير ما هو فيه من جهل وفقر ومرض؛ ليُكشف عنه الضر، ويُذاد عنه الشقاء والبلاء والوباء.
نعم، كذلك يتحدث المثقفون وأشباه المثقفين، وكذلك يتحدث الساسة وأشباه الساسة. وأولئك وهؤلاء يعتقدون أنهم أشقياء بهذا الشعب الجاهل الغافل الفقير المريض. وبأنهم يائسون يبذلون ما يملكون من جهد، ويحتملون أكثر ممَّا يطيقون من المشقة والعناء لحماية هذا الشعب من نفسه، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون ولا بعض ما يريدون؛ لأن الله قد امتحنهم بهذه المحنة المنكرة البغيضة، وهي أن يسوسوا شعبًا جاهلًا فقيرًا مريضًا، لا يريد أن يخلص من جهله وفقره ومرضه، كأن بينه وبينه هذه الآفات أسبابًا من المَوَدَّةِ والحب ليس إلى قطعها من سبيل.
فالمثقَّفُون وأشباه المثقفين والساسة وأشباه الساسة والسادة وأشباه السادة؛ جديرون بالرحمة خليقون بالرثاء لأن الله ابتلاهم بهذا الشعب الذي لا سبيل إلى إصلاحه … لا يحب الإصلاح ولا يبتغيه.
نعم، بهذه الأحاديث الآثمة تجري الألسنة، وإلى هذه الأحاديث الآثمة تُصغي الآذان، وفي هذه الأحاديث الآثمة تجد القلوب والضمائر والنفوس كثيرًا من الراحة والرَّوْح والعزاء. والغريب أن شيئًا من الحياء ولو قليلًا لا يصِل إلى نفوس هؤلاء المثقفين وأشباه المثقفين، ولا إلى قلوب الساسة وأشباه الساسة، وإلى ضمائر السادة وأشباه السادة. فالحياء فيما يظهر ليس من الخصال التي تُتاح للممتازين وأشباه الممتازين، وإنما هو من الخصال التي تُتاح للدهماء، وأين الخاصة من الدهماء.
ويُخيَّل إليَّ أن مصر البائسة قد شبعت من البؤس حتى أصابتها التخمة التي ليس وراءها إلا ما نرى من هذا الوباء الذي أخذ يريحها من آلامها وآثامها، ويريح صرعاه من آلام وطنهم وآثامه. ويخيل إليَّ كذلك أن قد آنَ لمصر أن تأخذ أمرهم بالجِدِّ والحزم، وأن تراجع نفسها وضميرها عمَّا قدَّمتْ، وأن تسأل نفسها وضميرها عمَّا أعدت لمستقبل أيامها. أمستعدة هي للانتحار؟ فليس عليها إذن إلا أن تمضي فيما مضت فيه إلى الآن، فقد بلغ الكتاب أجلَه، وأخذ المنتحر يعالج سكرات الموت. فليس تهافُت أبناء مصر في الموت الآن كما تتهافت الفراش في النار إلا أول الانتحار العام. أم حريصة هي على أن تحيا وعلى أن تحيا حياة لها حظٌّ من قوة وصحة وعافية، فسبيلها إلى هذه الحياة هي أن تغيِّر ما في نفسها ليغيِّر الله ما بها.
وقد آنَ للمثقَّفِين وأشباه المثقفين وللساسة وأشباه الساسة وللسادة وأشباه السادة أن يجِدُّوا منذ الآن؛ فإن الهزل قد أشرف بهم وبوطنهم على الموت والفَنَاء. ولست أستعمل هاتين الكلمتين استعمالًا مجازيًّا كما كُنَّا كلنا نصنع إلى وقت قريب، وإنما أدلُّ بهما على معناهما الحقيقي الذي نشهده في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. فالمصريون يموتون مئات في اليوم وألوفًا في الأسبوع وعشرات من الألوف في الشهر، ولم يستطِع المثقَّفُون والساسة والسادة أن يقِفوا الوباء إلى الآن.
فليسأل المثقفون والساسة والسادة أنفسَهم عن جهل الشعب وفقره ومرضه؛ فالشعب لم يلتمِسْ لنفسه الفقر والجهل والمرض، وإنما تركه سادته وقادته وساسته يتورط في هذه الآفات. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أنهم قد نعِموا بالكلام الفارغ أعوامًا وأعوامًا، وأن لهم أن يعملوا ولا يتكلموا. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أن الاستقلال والدستور والحكم كلها وسائل لا غايات، وهي وسائل إلى تمكين الشعب من أن يحيا حياةً سعيدة فيها شيء من النعمة والعزة والرخاء. ولتعلم الأحزاب السياسية كلها أن ظروف الحياة قد تغيَّرت، وأن الواجب يُحَتِّم عليها أن تسلك طريقًا غير الطرق التي سلكتها إلى الآن، وأن تأخذ نفسها قبل كل شيء حين تحكم وحين تعمل، بعيدة عن الحكم بإنقاذ الشعب من الجهل والفقر والمرض. بإنقاذه إنقاذًا محقَّقًا لا بكلام تجري به الألسنة وتنشره الصحف ويُخدع به المغرورون، كل حزب يتولَّى الحكم أو يريد أن يتولى الحكم، ثم لا يجعل من أغراضه الأولى تعميم التعليم في جميع طبقات الشعب بغير أجر قليل أو كثير؛ فهو حزب آثم لا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يطمع فيه ولا أن يُعان عليه. وكل حزب يتولى الحكم أو يريد أن يتولاه يجب أن يجعل من أغراضه الأساسية محاربة البؤس بالعمل لا بالقول ومحاربة المرض بالعمل لا بالقول، فإن لم يفعل فلا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يُعان على الوصول إليه.
إن الصحف الأجنبية تتحدث الآن في جميع أقطار الأرض بأن هذا الوباء سيلفت المصريين إلى الإصلاح الاجتماعي الذي أهملوه، فيجب أن نلقي هذا الدرس على أنفسنا قبل أن تلقيه علينا الأمم الأخرى. فصحة مصر لا تعني وحدها ولكنها تعني العالم كله لمكان مصر بين الشرق والغرب.
فليفكر المثقفون والساسة والقادة والسادة، وليستقبلوا أمرهم في حزم وفي كثير من الإسراع والجد؛ فإنهم إن أبطَئوا أو تهاونوا لم يُتَحْ لهم التفكير، وهم خليقون أن ينظروا ذات يوم، فإذا العالم الخارجي يفرض على مصر سلطانه لينقذها من الوباء مخلِّصًا في ذلك أو متكلِّفًا. أليس العالم الخارجي قد فرض سلطانه على مصر لينقذها فيما زعم من الألمان والإيطاليين … فما يمنعه إن قصَّرنا أن يتدخل لينقذ مصر ولينقذ نفسه من الوباء الذي ليس هو أقل شرًّا ونكرًا من هتلرية الألمان وفاشية الإيطاليين! -
مجانية التعليم
مجانية التعليم
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٥ أغسطس ١٩٤٦
رئيس وزارتنا يستريح في ضيعة من ضياعه في كفر الدوار، واللورد ستانسجيت يستريح في ضيعة من ضياع الإمبراطورية البريطانية في جزيرة قبرص، وهذه الغانية الحسناء التي تسمى المفاوضات قد استعارت من إله الأساطير اليونانية القديمة نعليه المجنحتين، فهي تطير بهما حائرة بين الإسكندرية ولندرة وباريس. أمَّا الشعب المصري فهو لا يستريح؛ لأنه لا يملك ضيعة يستريح فيها، وهو لا يستريح؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن الشكوى من الألم، ولا أن يمتنع من المطالبة بالحق.
وما أحب أن أزعج رئيس الوزراء في اعتكافه وراحته ومحاسبته لنفسه. وما أحب أن أزعج المفاوض البريطاني في تروضه واستمتاعه بما في قبرص من مناظر رائعة في القمم والسفوح. وما أحب أن أنغص على الغانية الحسناء المفاوضات تنقلها في أجواء السماء وتنزلها من السماء مرة بعاصمة الإنجليز ومرة بعاصمة الفرنسيين. وما أحب أن أدعوها إلى أن تعود إلينا، فأنا أشفق عليها من قيظنا المحرق وصيفنا المرهق، وأشفق على المصريين من هذا الإلحاح الذي لا يلائم كرامة الرجال، وهذا الإلحاف الذي لا يلائم عزة الشعوب العزيزة مهما تكن الغانية حسناء ومهما يكن حظها عظيمًا من رقة الشمائل وخفة الروح وسحر الجمال.
ونحن قوم لا نحب التهالك حتى حين يكون الجمال رائعًا، ولا نحب التذلل حتى حين يكون الحسن بارعًا، ولا نحب إراقة ماء الوجوه حتى حين تكون الفتنة ساحرة للقلوب فتَّانة للعقول مستهوية للألباب. وإنما نحن كشاعرنا العربي القديم حين يقول في صاحبته الحسناء القديمة:
أَرَثَّ جَديدُ الحَبْلِ مِنْ أُمِّ معبدِ بعاقِبَةٍ وأخْلفَتْ كلَّ موْعِدِ
وبانَتْ ولَمْ أَحْمَدْ إليْكَ لِقَاءَهَا ولَمْ أَرْجُ منها رَجْعَةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ؟
فلتبن أم معبد إذن إلى غير رجعة، ولتقم في ربوع أوروبا ما شاء الله لها أن تقيم، وليسترح رئيس وزرائنا في ضيعته ما أعجبته الراحة، وليتروض المفاوض البريطاني في قبرص أيامًا تقصر أو تطول، فليس في شيء من هذا كله غناء، وليس في شيء من هذا كله نفع، وإنما هي أيام تلهو وقوم يلعبون. ولنتحدث إلى وزير المعارف في شيءٍ غير هذا كله، في شيء لا يتصل بهذه الغانية الحسناء النافرة من قريب ولا بعيد، وإنما يتصل بغانية أخرى ليست أقل منها جمالًا باختلاف الناظرين إليها: فهو رائع بارع حين ينظر إليها الشعب، وهو سمج شائه حين ينظر إليه المترفون. وهذه الجميلة القبيحة والخفيفة الثقيلة والحبيبة البغيضة تسمى مجانية. قد تعلقت بها نفس الشعب منذ وقت بعيد، فسعى إلى ودِّها جادًّا في السعي، وطلب القرب منها ملحًّا في الطلب، وتجشَّم في سبيل ذلك أهوالًا، واحتمل في سبيله أعباءً ثقالًا. ونغَّص عليها حبها نهاره المشرق، وأرَّق عليه حبها ليله المظلم. ولم يكن في ذلك بدعًا من الشعوب، فالشعوب كلها مشغوفة بهذه الفتاة، هائمة بحبها، قد ضحَّت في سبيل الوصول إليها بالراحة والأمن، واحتملت للوصول إليها المشقة والخوف، وظفرت منها آخر الأمر بما كانت ترجو، ونالت منها آخر الأمر ما كانت تريد. ولم تكن الشعوب ترجو منها إلَّا ابتسامة راضية، ونظرة مرضية، وعطفًا يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا. وقد خُيِّل إلى الشعب المصري ذات يوم أنها قد أخذت تنظر إليه باسمة، وتلحظه مترفقة، فشاع في نفسه الرضا واستقر في قلبه الأمن. ولكن نظر فإذا هذه الغادة الحسناء الشوهاء تُزجر عنه زجرًا، وتُطرد عنه طردًا، وتُنفى من أرضه نفيًا مهينًا. وإذا هو يستأنف حزنه المهلك، وجرعه المضني، ويشكو همه وبثه إلى الله، ويطلب إلى الكتَّاب القادرين على أن يتوسطوا بينه وبين السادة الحاكمين أن يمنحوه المعونة ويؤثروه بالمعروف، ويرفعوا شكواه إلى الوزراء، لعل قلوبهم القاسية أن تلين، ولعل نفوسهم الصلبة أن ترق، ولعلهم أن يخلُّوا بين الشعب وبين هذه الغادة الحسناء الشوهاء التي سحرت لُبَّه سحرًا وفتنت قلبه فتونًا! وقد حدثني هذا الشعب البائس وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه الوزراء بأنه لم يشقَ قط بحب هذه الحسناء الشوهاء كما شقيَ به في هذه الأيام الشداد. فالحياة عسيرة، والضيق شديد، والبؤس جاثم على الصدور، والعين بصيرة واليد قصيرة، والنقد في مصر كثير، ولكنه لا يتاح إلا لقلة قليلة وجماعة ضئيلة من الناس. وفي قدرة هذه الغادة الحسناء الشوهاء إن أُتيحت لها الإقامة في مصر أن تسلي الشعب عن بعض همه، وأن تحط عن الشعب بعض ثقله، وأن تبسم له فيبسم له الدهر، وأن تعطف عليه فتعطف عليه الأيام، وأن يمسه بيدها الناعمة الخشنة فتنجلي عنه الغمرات وتنجاب عنه الخطوب.
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أتحدث إلى الوزراء بأنه يستقبل شهر الصوم محزونًا كئيبًا. وكلما مضى يوم من هذا الشهر الكريم ازداد حزنه واشتدت كآبته وتكاثفت أمامه الهموم واثَّاقلت عليه الخطوب؛ لأن هذا الشهر الكريم يحب الإنفاق والتوسعة على العيال، ولأنه لا ينتهي كما تنتهي الشهور إلى يوم من الأيام اليسيرة البسيطة، وإنما ينتهي إلى يوم معلوم قد جعله الله عيدًا للأغنياء والفقراء والموسرين والمعسرين على السواء. والأعياد تحب الإنفاق أكثر مما يحبه شهر الصوم، وتقتضي من التوسعة ما لا يقتضيه شهر الصوم، فلا بدَّ من كسوة النساء والأطفال وإمتاعهم القليل أو الكثير من الطرف. فإذا لم يفعل الآباء ذلك؛ عبست وجوه من حقها أن تبسم، وحزنت قلوب من حقها أن تفرح، وامتلأت بالدموع عيون من حقها أن تمتلئ بهجةً وسرورًا.
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن الآباء حائرون، لا يدرون كيف يوسعون على عيالهم في شهر الصوم، وكيف يرفهون عليهم حين يقبل العيد؛ لأن كثيرًا منهم لا يجدون ما ينفقون. وهم حائرون لا يدرون أيحتالون لنفقات رمضان، أم يحتالون لنفقات العيد، أم يحتالون لنفقات التعليم؛ لأن المدارس ستفتح أبوابها بعد العيد بقليل!
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن قد كان له حظٌّ من أمل حين أُتيحت للأطفال والصبية مجانية التعليم الابتدائي. وكان يظن، بل كان يعتقد واثقًا أن ستُتاح لهؤلاء الأطفال والصبية مجانية التعليم الثانوي، ولكنه ينظر فإذا ظنه يكذب وإذا أمله يخيب وإذا المجانية تُلغى إلغاءً ويُضيَّق عليها حتى لا تستطيع أن تتنفس. وإذا أضيق الناس يدًا وأشدهم بؤسًا مخير بين اثنتين: إمَّا أن يرد ابنه عن التعليم، وإمَّا أن يدفع لوزارة المعارف أكثر من سبعة جنيهات ثمنًا للغذاء والأدوات والعناية بصحته، وأجرًا للعبه أيضًا. وأين يريد وزير المعارف وزملاؤه أن تجد كثرة الشعب البائس هذا المقدار من المال لتؤديه إلى الدولة التي نيفت مصروفاتها على المائة من الملايين.
ليس يعنيني أن تكون الوزارة القائمة قد سارت سيرة الوزارة الوفدية أو انحرفت عنها. وأمَّا الذي يعنيني هو أن الوفد قد وضع أساسًا لتيسير التعليم للمصريين جميعًا، وكان يجب البناء على هذا الأساس، وكان يجب أن تخطو الحكومات التي جاءت بعد حكومة الوفد خطواتٍ جديدة واسعة، ولكن الشيء المحقق أن هذه الحكومة لم تبنِ وإنما تأخرت. وليس يعنيني أن يكون مجلس التعليم الأعلى قد أقرَّ أو لم يقرَّ خطة وزير المعارف، فليس المجلس الأعلى معصومًا من الخطأ، وليس بين أعضائه من يضيق بسبعة جنيهات، وليس بين أعضائه من يعرف لذة الجوع، وليس بين أعضائه من يعرف انكسار النفس حين يُردُّ ابنه عن المدرسة؛ لأنه لم يدفع المصروفات، فيعود إليه باكيًا تغسل الدموع الغزار وجهه الصغير. فإقرار المجلس الأعلى لهذا النظام لا يجعله صالحًا، ورفضه لهذا النظام لا يجعله فاسدًا. والأصل الوحيد الذي ينبغي أن يرجع إليه وزير المعارف هو أن التعليم حق للناس جميعًا، وأن على الدولة أن تيسره لهم، بل أن تكفله لهم، وأن تزيل من طريقهم العقبات. وأن مصر هي البلد الوحيد في هذا العصر بين بلاد العالم، البلد الوحيد الذي يشقى الشعب فيه بنفقات التعليم. ولا ينبغي لوزير المعارف ولا لوزير المالية ولا لرئيس الوزراء أن يحتجوا بضيق الميزانية، فالميزانية الضيقة يمكن أن تتسع، بل يجب أن تتسع حين تقتضي ذلك مصالح الشعب. ولست أدعو إلى الشيوعية ولا إلى الاشتراكية، بل لست أتجاوز حدود الديمقراطية الضيقة المعتدلة الملحة في الاعتدال حين أطالب الحكومة بأن تعفي المصريين، لا من نفقات التعليم وحده، ولكن من نفقات الغذاء أيضًا. فإن ضاقت الميزانية فعلى الدولة توسيعها بفرض ما تقتضيه المصلحة من الضرائب، فإن لم تفعل الدولة فهي مقصِّرة، والحكومة التي تحتمل هذا التقصير ليست خليقة بالبقاء في مناصب الحكم.
ليصدقني وزير المعارف وزملاؤه أنهم يزعمون أنهم يريدون محاربة الجهل والفقر والمرض. فالخطوة الأولى في سبيل محاربة هؤلاء الأعداء الثلاثة، إنما هي أن نعلم الصبية والفتية ونكفل لهم طعامًا مريئًا ولعبًا هنيئًا وصحةً موفورة، دون أن نتقاضى من آبائهم على ذلك أجرًا يعجز أكثرهم عن أدائه.
فليتوكل وزير المعارف على الله، وليستقبل أمره حازمًا، وليهدِ إلى الشعب بقرارٍ من مجلس الوزراء هذه الهدية القيمة التي لا تكلفه ولا تكلف زملاءه شيئًا، وإنما تكلف الشعب نفسه أعباءً جديدة يحملها راضيًا. وهذه الهدية هي المجانية الشاملة الكاملة للتعليم. فإن لم يستطع — ولست أدري لماذا لا يستطيع — فلا أقل من أن يُعفى الناس من هذه النفقات الإضافية، فإن لم يفعل فليثق بأنه لا يحارب الجهل والفقر والمرض، وإنما يمنحها قوةً إلى قوةٍ وانتشارًا إلى انتشارٍ. -
وعود …
وعود …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مارس ١٩٤٦
يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.
وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.
ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.
وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.
وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.
وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.
وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.
ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.
وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.
ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.
ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.
فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.
ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.
وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.
فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.
فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.
كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.
وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.
ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.
فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.
ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.
يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة. -
خطوب
خطوب
طه حسين
جريدة البلاغ
١٧ مارس ١٩٤٦
خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:
فات ما فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.
كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.
لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.
الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.
الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.
الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.
والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.
لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.
ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.
أمَّا غدًا زعموا أو لا فبعد غدٍ
وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.
وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.
كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.
أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.
ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك — الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.
أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.
اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب. -
لو كنت عضوا في البرلمان
وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا
لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
طه حسين
المصري، ١ أبريل ١٩٤٤. -
جوع
جوع
أما وزارتنا شفيقة على الفقراء، رفيقة بالبائسين، تتولاهم بالبر الذي لا حد له، وتشملهم بالعطف الذي لا ينتهي إلى غاية، وتذود عنهم ألم الجوع، وترد عنهم المشقة والضر، وتغمرهم باليسر والنعيم، فشيءٌ ليس إلى الشك فيه من سبيل، إلا أن تكون مكابراً تحب المكابرة، أو محارباً تتهالك على المراء. وفي أي بلد من بلاد الأرض ترى الفقراء والبائسين رغم هذه الأزمة العنيفة ينعمون بخفض العيش ويأخذون من لذات الحياة ما يريدون وفوق ما يريدون كما تراهم في مصر الآن تستطيع أن تطوف في المدن والقرى وأن تجوب أقطار الريف فلن ترى مفلساً ولا مأزوماً. ولن ترى شقياً بالحياة ولا يائساً منها، ولا زاهداً فيها. إنما الناس جميعاً في صفو لا يشوبه كدر، ولين لا تشوبه قسوة. كلهم فرح مرح، وكلهم سعيد مبتهج، وكلهم باسم للحياة، مقبل عليها، مستزيد منها. وتستطيع أن تطوف في القاهرة فترى من مظاهر السعادة واليسر، ومن آيات النعيم وصفو العيش ما يضطرك إلى أن تسأل نفسك: كيف أعرض الفقراء والبائسون من أهل الأرض عن مصر؟ وكيف لم يرحلوا إليها، ولم يتساقطوا عليها وقد أصبحت مصر في هذه الأيام السود جنة الله في الأرض من غير شك ولا مراء؟ لقد كان يسخر فولتير حين صور في قصة من قصصه المشهورة قطراً من الأقطار الأمريكية يمشي الناس فيه على الذهب، ويعبث الأطفال فيه بالأحجار الكريمة وتنحط فيه قيمة المعدن والجوهر حتى يأنف الناس أن يتخذوهما أساساً للتعامل أو ثمناً للبيع والشراء.
كان فولتير يسخر حين صور هذا القطر. فلو قد عاش فولتير إلى هذا العهد السعيد الذي نحن فيه لعلم أن سخريته قد أصبحت حقاً وأن هزله قد أصبح جداً، وأن مصر إذا لم يمش الناس فيها على الذهب ولم يعبث الأطفال فيها بالدر والياقوت فإن الناس فيها لا يعرفون ألماً ولا ضراً، ولا يخافون أن يصيبهم ألم أو يمسهم ضر.
لهذا كله عجبت أشد العجب حين أقبل على جماعة من الناس قد أضناهم الجوع وأنهكهم الحرمان، وظهرت عليهم آثار السوء وضعفت أصواتهم لأنهم لا يجدون ما يقيم أودهم ويمكنهم من أن يتحدثوا إليك في صوت ظاهر ممتلئ مستقيم. ولم أشك حين رأيت هؤلاء الناس البائسين المحرومين في أنهم جماعة من الأجانب الذين مسهم الضر في بلادهم، وضاقت بهم الحياة في أوطانهم، فأقبلوا إلى مصر يلتمسون فيها اليسر والسعة، ويفزعون إلى ما فيها من النعيم والرخاء. ولكني لم أكد أتحدث إليهم وأسمع منهم حتى اشتد عجبي وانتهى إلى أقصاه، لأني علمت أن هؤلاء الناس مصريون، نعم مصريون! أسمعت؟ إنهم مصريون يلذعهم الجوع، وتحرقهم الفاقة، لا يستطيعون أن يأووا إلى بيوتهم لأن لهم نساء وأطفالاً يقضون اليوم الكامل لا يصيبون فيه طعاماً ولا يظفرون فيه بالنوم. وهم مع ذلك مصريون يعيشون على ضفاف النيل. أتستطيع أن تفسره أو تجد إلى تعليله سبيلاً؟ بؤس في مصر يجوع له الناس ويأرقون، ورئيس الوزراء صدقي باشا، هذا الذي تولى وزارة مصر فعاهد النعيم واليسر على أن يقيما فيها ما أقام هو رئيساً للوزراء.
بؤس في مصر، وهذه الوزارة القائمة مشرفة على أمور مصر، وهي التي مست وادي النيل بعصا سحرية فتحول كل شيء جدب فيه إلى خصب وأصبحت مصر زينة الدنيا وبهجتها، ومطمع الأماني والآمال. نعم في مصر بؤس، وفي مصر قوم يشقون بالجوع، لا بالجوع الذي يحسونه هم وحدهم، بل بالجوع الذي يحسه النساء والأطفال. لم أكن أصدق ذلك ولا أطمئن إليه، فأخذت أسأل القوم وألح عليهم وآخذهم بالأيمان المحرجة حتى لم يبق لي سبيل إلى الشك في أنهم صادقون، وفي أنهم مصريون، وفي أنهم جماعة من العمال الذين كانوا يعملون في شركة السيارات، فلما كان الإضراب وقصة الإضراب حيل بينهم وبين العمل لما شئت من هذه الأسباب التي تقبل أو لا تقبل والتي تجوز أو لا تجوز، فهم الآن عاطلون وهم الآن جائعون، وهم الآن يصلون نار البؤس والشقاء. أهم قليلون؟ قد يكون ذلك وقد لا يكون، فهم بين المائتين والثلاثمائة. وفي عنق كل واحد منهم زوج وصبيان، وكلهم بائس فهم يبلغون الألف أو يزيدون. وألف جائع في مدينة القاهرة كثيرون إن كنت تحب العدل والبر والرحمة. وألف جائع في مدينة القاهرة قليلون إن كنت تريد الإحصاء. وقياس هؤلاء الألف الجائعين إلى عشرات الآلاف ومئاتها وأولئك الذين لا يجدون جوعاً ولا حرماناً. وسواء كانوا قليلين أم كثيرين فهم ألف وهم ألف من المصريين لا ينبغي بحال من الأحوال أن يمسهم الضر إلى هذا الحد، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تحرقهم نار البؤس إلى هذا الحد. فإذا تبينت أنهم لا يجوعون ولا يرون جوع أهلهم، لأنهم قصروا في العمل أو رغبوا في الكسل، وإنما هم يشقون بجوعهم وجوع أهلهم لأنهم طلبوا الإنصاف فردوا إلى القسوة والجور. وإذا تبينت هذا كله عرفت أن لهؤلاء الناس وعلى وزارتنا، ووزارة الثروة والرخاء، ووزارة البهجة والصفاء حقاً محتوم الأداء. لهم علينا الحق أن يشبعوا بعد جوع وأن يرتووا بعد ظمأ، وأن تستقر قلوبهم في صدورهم وألا يسمعوا أنين النساء لأنهم اختلفوا مع شركة السيارات فأضربوا مع المضربين فطاولتهم الشركة ولم تسعفهم الحكومة، وكان من الحق على الحكومة أن تسعفهم فترفع عنهم الظلم وتحفظ عليهم كرامة المصريين، حتى إذا بلغ بهم الجهد ما أعياهم وتجاوز طاقتهم عادوا إلى العمل فتلقتهم الشركة مزدرية لهم ملتوية عليهم. وأخذت تفصل منهم من تفصل وتهمل منهم من تهمل حتى انتهى أمرهم من السوء إلى هذه الحال.
وكانت الحكومة أثناء الإضراب تريد أن تحمي منهم الشركة وتحمي منهم العمل. وهذا حق الحكومة وواجب عليها، ولكنها أسرفت في الاستمتاع بهذا الحق، وأسرفت في أداء هذا الواجب حتى استحالت حماية الشركة إلى تعقب المضربين، واستحالت حماية العمل إلى إرهاق للعمال. ونظر الناس فإذا الحكومة تقبض على العمال في كثرة غريبة وتحول بينهم وبين الاجتماع والتشاور في أمورهم. ونظر الناس فإذا الحكومة تمهل الشركة وتعجل العمال. وإذا الحكومة تظهر للشركة ليناً لا يشبهه إلا ما كانت تظهر للعمال من شدة، ونظر الناس فإذا الحكومة لا تأخذ الشركة بتنفيذ العقد الذي كان بينها وبين الدولة حين احتكرت هذا النوع من أنواع العمل. والناس ينظرون الآن فيرون مئات من المصريين جياعاً، لا يعرفون كيف يردون الجوع عن أنفسهم وعن أهلهم. أليس من الحق على الحكومة أن تنظر إلى هؤلاء الناس نظرة عطف ورفق وبر وإشفاق؟ بلى ولكن زعموا لنا أن الشرطة ما زالت تتبعهم وتراقبهم، وأنهم معرضون في كل لحظة لتلقي الإنذار الذي يتلقاه المتشردون. يجب أن يفكر وزير الداخلية في هؤلاء الناس وأن يراجع في أمرهم شركة السيارات. فإذا كان الإنجليز يحمون الأجانب في مصر ومنهم أصحاب هذه الشركة، فلا يقصرون في حمايتهم بل يغلون. فقد يكون من الحق على المصريين أن يحموا مواطنيهم، لا نقول في غلو وإسراف، وإنما نقول في غير تفريط ولا تقصير. وإذا كان للأجانب من مدير الأمن الأوروبي ركن شديد يأوون إليه، فمن الحق أن يكون للمصريين من وزير الداخلية ركن شديد يأوون إليه. إن من العار أن يجوع ألف من أهل القاهرة لا لشيء إلا لأن خلافاً شجر بين العمال المصريين وبين شركة أجنبية فليفرغ وزير الداخلية لأمر هؤلاء الناس ساعة من نهار، وليكن في هذه الساعة صاحب حزم وعزم وإنصاف، ولعله يستطيع.
كوكب الشرق ١٠-٧-١٩٣٣