Tag: poverty

  • رجاء

    رجاء
    لا أحب التشاؤم، ولا أحب الاستماع إلى المتشائمين، بل أنا أكره أشد الكره هذه الأحاديث التي تلقي على الحياة المصرية في هذه الأيام لونًا قاتمًا حزينًا، أو تريد أن تتنبأ للحياة المصرية في الأيام المقبلة القريبة أو البعيدة بلون قاتم حزين. وكثيرًا ما أغلو في ذلك حتى أتهم نفسي في هذا التفاؤل، وأضطرها إلى موقف وسط بين الرضا والسخط، وبين حسن الظن وسوء الظن. فلست أشك في أن حياتنا المصرية لم تصل من السوء إلى مثل ما وصلت إليه في هذه الأيام. ولست أشك في أن الحياة السياسية الشاذة التي نحياها هي المؤثر الأول في هذه الحال السيئة التي نشقى بها، ولكني أعتقد أن هذه الحياة السياسية السيئة طارئ مهما يطل ومهما يثقل، فلا بد من أن يزول غدًا أو بعد غد.
    وأعتقد أن في الأمة المصرية قدرة على المقاومة والصبر، وعلى الثبات والاحتمال، ستعصمها من الاندفاع في هذا الفساد المنكر الذي لا يرجى له صلاح، والذي يتحدث به المتشائمون. فأنا إذن أقاوم الغلو في التفاؤل، وأقاوم الإغراق في التشاؤم، وأرجو أن يُكشف عن مصر هذا الضر الذي تلقاه، وتزال عنها هذه الغمة التي تشقى بها، ولكن علامات تظهر في جو مصر الاجتماعي مهما تفعل فلن نستطيع ولا ينبغي لنا أن نهملها أو نقصر في التفكير فيها والتنبيه إليها، فقد يظهر أنها نذر تنبئ بشر مستطير.
    زعموا أن رجلًا أخذته الشرطة عند مسجد من المساجد، وهو يحاول أن يعرض طفلة للبيع. فلما سُئل تبين المحققون أنه إنما كان يعرض هذه الطفلة للبيع متفقًا على ذلك مع أمها. فقد رأينا إذن في القرن العشرين، وفي مدينة القاهرة، وعند مسجد من مساجد الله رجلًا قد اتفق مع أمًّا من الأمهات على أن يبيع ابنتها بثمن بخس، بدراهم معدودة أو دنانير معدودة. ولكنه بخس على كل حال إذا قُدرت قيمة هذا الثمن مهما يكن بالقياس إلى عواطف الأمومة التي لم تمنع أمًّا من أن تبيع ابنتها بالمال.
    وزعموا أن الأمن قد وصل من الفساد والاضطراب، وأن السلطان قد وصل من العجز والضعف إلى حيث أصبح الناس يقضون لأنفسهم بأنفسهم ويثأرون لأنفسهم بأيديهم، ولا يكاد يختصم اثنان في أمر من الأمور حتى يدخل بينهما المسدس أو البندقية أو السكين، وبحيث أصبح الناس لا يأمنون أن يجلسوا في دورهم قد أُغلقت عليهم أبوابها، فقد يُطرق الباب فإذا فُتح دخل منه الموت، أو دخل منه اللص الذي يتخذ الإكراه وسيلة إلى ابتزاز المال، وبحيث أصبحت الطريق العامة مخوفة كطرق الصحراء في أيام البغي والعدوان بين أهل البادية، يمضي الرجل آمنًا مطمئنًا، أو خائفًا مروعًا، وإنه لفي طريقه وإذا رصاصة تصيبه من حيث لا يحتسب، أو هراوة تقع على رأسه من حيث لم يكن قُدّر. بل حدثني بعض الأجانب أمس أنهم خرجوا يتنزهون في طريق من طرق الضواحي قريب من القاهرة، فلم يكادوا يخرجون من سياراتهم ويمضون أمامهم قليلًا حتى أصابهم وابل من الحصى وصغار الأحجار، ومن الشتم والسب، وحتى أشفقوا من شر عظيم إن مضوا في الطريق. فعادوا إلى سياراتهم مسرعين، ورجعوا إلى القاهرة حيث الأمن فيما يظهر أكثر اطمئنانًا، وأشد استقرارًا.
    وزعموا أن في مصر مائتي ألف من الناس قد أصابهم السل وعُرضوا لنتائجه المهلكة بالطبع، وأن ليس في مصر إلا مستشفى واحد لعلاج من يلم بهم هذا المرض المهلك. وتحدثوا قبل ذلك وسيتحدثون بعد ذلك عن هذه الأوبئة الفاتكة التي تغشى المدن فتعصف بالفقراء والبائسين. ومهما تبحث عن العلل التي تثير هذا كله فتحمل أمًّا على بيع ابنتها، وتعرض الأمن لهذا الخطر المنكر، وتدفع السل والأوبئة إلى الفتك بالألوف من المصريين فأنت مضطر إلى أن تجد علة إن لم تكن هي الوحيدة في هذا كله فهي أعظم هذه العلل إثارا، وهي الجوع والحرمان.
    فأكبر الظن أن هذه الأم لا تبيع ابنتها كرهًا لها، وإنما تبيعها لتعيش. وأكبر الظن أن الجوع هو الذي يغري الآثمين باقتراف الآثام، وأكبر الظن أن الحرمان هو الذي يمكّن للسل والأوبئة ويُسلّطها على المصريين.
    وقد تكون هناك علل أخرى تظاهر هذه العلة، ولكن الفقر هو من غير شك أقوى هذه المؤثرات وأشدها نكرًا. فإذا أضفت إلى هذا أن إلى جانب هذا البؤس الذي يفسد كل شيء حتى العواطف المقدسة ترفًا لا يخلو من الوقاحة والاستهانة بكل حياء، ولا يتأثر بهذه النار المحرقة التي يصطليها البائسون والمحرومون، وإذا لاحظت أن هذا الترف لا ينعم به أغنياء الشعب، فأغنياء الشعب يشقون بالأزمة وتنوء بهم أعباؤها الثقال، وإنما ينعم بهذا الترف فريق من كبار الموظفين الذين أتاحت لهم الظروف السياسية أن يسعدوا برضى الوزراء وعطفهم ونيل المكانة منهم، وافقتني على أن من المعقول أن تثور الحفيظة في نفوس الناس، وأن يعرف المصريون شيئًا لم يعرفوه من قبل، وهو سخط البائس على صاحب النعمة، وبغض المحروم للمترف السعيد.
    والناس في مصر يقرؤون الصحف، أو تُقرأ لهم الصحف، وليس يخفى عليهم من أمر الوزراء وكبار الموظفين شيء. فهل يسأل كثير من الناس أنفسهم عن بعض الأنباء التي تنشرها الصحف كيف تقع من نفوس البائسين والمحرومين في المدن والقرى، وفي أقصى الريف؟ لا تسل عن موقع هذا النبأ الذي أُذيع بأن مدير الأمن العام سيُمنح علاوة قدرها ثلاثمائة جنيه في العام من نفوس الموظفين كبارًا وصغارًا، ومن نفوس الذين يشتغلون بالسياسة اليومية من المعارضين. فهذا الموقع معروف، لا غرابة فيه، ولكن سل عن موقع هذا النبأ من نفوس هؤلاء العمال والفلاحين الذين يلتمسون القوت لأنفسهم وأهلهم فلا يجدونه، أو يلتمسون العلاج لأنفسهم وأهلهم من مرض طارئ أو وباء مُلمّ فلا يظفرون به. ولا تسل عن موقع هذا النعيم الذي يستمتع به الوزراء المصطافون في أوربا، أو في الإسكندرية، وأمثال الوزراء الذين يصطافون هنا وهناك على حساب الدولة أو على حساب أنفسهم، لا تسل عن موقع هذا من نفس هذه الأم التي أرادت أن تبيع ابنتها، أو من نفس غيرها من الأمهات اللائي لا يردن بيع أبنائهن ولكنهن يلتمسن لهن أسباب الحياة فلا يظفرون منها بشيء.
    ما أجدر المصريين أن يفكروا في هذه العلاقات التي تظهر في جو الحياة الاجتماعية المصرية، فإنا نخشى في غير غلو ولا إسراف أن تكون هذه العلاقات مؤذنة بشر عظيم. ولعل من الممكن أن نستدرك هذا الشر بعض الشيء إن فكرنا فيه منذ الآن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه قد يطغى إذا أهملناه، وقد نجد أنفسنا في يوم من الأيام أمام داء عضال ليس إلى علاجه من سبيل.
    كوكب الشرق ٢٢-٨-١٩٣٣.

  • إبطاء

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

  • جنون

    جنون
    هو فنون من غير شك، فمنه الهادي المطمئن، ومنه الهائج الحاد. ومنه الوادع الأنيس ومنه النافع الجامح. ومنه ما يكون في الصمت ومنه ما يكون في الكلام. ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب. ومنه ما يكون ضحكا، ومنه ما يكون بكاء. ومنه ما يكون فنونا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام.
    لا يعجب القراء، ولا يغضب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة. فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه لولا أني قرأت صحف الصباح فإذا بطل من أبطال النواب يخطب في الاستجواب، فيشدد الحساب، ويدخل من كل باب حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها وتلقى من أهوالها. وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن، إنما هم من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش. فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه. ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية وأضيافه ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام أن أقف عنده، وأتبين معناه وأدل الناس على خفاياه، وإلا فليحظر على الصحف أن تشهد المجلس وتنشر أخباره، وتذيع أسراره، ولتجعل مضابط المجلس أمورا مكتومة وكتبا مختومة، لا يظهر عليها إلا الأصفياء، ولا ينظر فيها إلا الأولياء. ومهما يكن من شيء فإن نائبا من
    النواب قد وصف نفسه وزملاءه ووصف الوزراء وأعوان الوزراء بهذا الوصف الذي أكبره وأنكره، وهو الجنون!
    ومهما يكن من شيءٍ، فالنائب بين أمرين، كلاهما شر، وأحلاهما مر. فهو إن يصدق، وأعوذ بالله من أن يصدق، كانت أمور مصر إلى قوم لا ينبغي أن تكون إليهم. وهو إن يقل غير الحق، وأرجو أن يكون قد قال غير الحق، جعل أمور مصر إلى قوم يسرفون في سوء الظن بأنفسهم حتى يصفوها بالجنون، ويقولوا فيها ما لو قاله خصومهم لتفتحت لهم أبواب السجون. وما كنت أحسب أن لهب الخطابة ولظى البيان يشتدان حتى يدمرا كل شيء، ويلتهما كل شيء، ويطوعا لنائب من النواب أن يصف الدولة ورجالها بالجنون من أعلى المنبر في مجلس النواب!
    والغريب الطريف أن الصحف لم تصور لنا مجلس النواب هائجا مائجا، ولا ثائرا فائرا لهذا الوصف، وإنما صورته هادئا مطمئنا، يسمع وكأنه لا يسمع، ويفهم وكأنه لا يفهم، ويمر بكلام هذا النائب، أو يمر به كلام هذا النائب فلا يفكر فيه، ولا يقف عنده، ولا يلتفت إليه مع أنه قد هاج وماج، وثار وفار، وقر ثم دار حين ذكر نائب آخر منذ أيام كلمة «الهمج» فلنسجل لمجلس النواب أنه قد عرف الحلم بعد الغضب، وآثر الأناة على الثورة والاضطراب، واصطنع العفو والصفح في مواضع كان قد تعود أن يصطنع فيها حب البطش، والرغبة في الانتقام. أفتراه قد استمع لنا، وانتفع بما قدمنا إليه وإلى غيره من موعظة فتجنب ضيق النفس وحرج الصدر، وصبر حتى على وصفه بالجنون؟! على أن من إنصاف المجلس أن تلاحظ أنه لم يصطنع هذا الصبر طوال جلسة أمس، فقد ضج وعج، وهم أن يثور حقا، ولكن لا غضبا لنفسه، بل غضبا للحكومة، ولا دفاعا عن نفسه، بل دفاعا عن الحكومة. فقد ضج المجلس حين ذكر بعض الخطباء أن الذين أدوا ما طلب إليهم من الضرائب إنما فعلوا تخلصا من هذه السياط التي كانت تعمل في ظهورهم، فقد أشفق النواب على الحكومة أن توصف بتعذيب الناس، وأخذهم بالسوط والعصا ليؤدوا إليها ما تقتضيه من الأموال. وكثير أن يكون للمعارضة صدى في مجلس النواب، وكثير أن يقول النواب أمس للحكومة ما تقوله صحف المعارضة
    في كل يوم من أنها تعمل السياط في الظهور، وتتخذ العذاب وسيلة إلى جمع الضرائب، وكثير أن يسجل هذا في محضر الجلسة، وليس غريبا أن يضج له النواب، وإنما الغريب أن يقفوا عند الضجيج، وألا يهموا بإسكات الخطيب، أو إخراجه، أو حذف كلامه من المحضر، وأغرب منه ألا يثور الوزراء، ولا يقول قائلهم للخطيب: اسكت، ولا يعلن معلنهم إلى المجلس أن الحكومة غاضبة فمحتجة فمنسحبة من الجلسة، إلا أن يكون الاعتذار.
    لم يحدث شيءٍ من هذا، بل أغضى المجلس عن وصفه بالجنون، وغضب المجلس للحكومة في اعتدال، وأغضت الحكومة عن اتهامها بالتعذيب. وكل هذا دليل واضح على أن صدر المجلس قد أخذ يتسع، وحدة المجلس قد أخذت تلين، وأكثر من هذا كله أن النائب الذي وصف الدولة ورجالها بالجنون قد التفت إلى الأمة فدعاها إلى الثورة، ولامها على الهدوء، وأنبها أشد التأنيب على الإخلاد إلى الدعة، والحرص على استقرار النظام مع هذه الشدة التي تلقاها، والنار التي تصلاها، فسكت له المجلس، وسكت له الوزراء، ومضى النائب حتى أنذر بالداهية، والنار الحامية، والثورة التي إن هبت لم تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وخوف النواب والوزراء من هذا الخطر الداهم، والشر المنكر، ومن يقظة الفلاح الذي ينام الآن ويوشك أن ينفجر كأنه البركان، ويوشك أن يزحف حتى إذا بلغ نوافذ النواب والوزراء صاح بهم كما كان يصيح الباريسيون في أول الثورة الفرنسية «الخبز، الخبز».
    كل هذا قيل أمس، وقاله نائب، وقاله في مجلس النواب، وسمعوا له النواب والوزراء فسكتوا له وصبروا عليه، ونشر في الصحف صباح اليوم، ولن ينقضي النهار حتى تبثه الصحف في أرجاء مصر كلها فيقرأه هؤلاء الفلاحون الذين يلامون على الهدوء، ويدعون إلى الثورة. والله وحده قادر على ألا يثيرهم هذا الكلام فيبعثهم على ما يدعوهم إليه النائب، ويغريهم به من خروج على النظام، وزحف على القاهرة، وتجمهر تحت نوافذ مجلس النواب يطالبون بالخبز الذي يحتاجون إليه ويستعدون على الجوع الذي يحرقهم تحريقا.
    كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن أغضوا عن شدة النائب وحدته، وأن صبروا على وصفه إياهم بالجنون، وعلى دعائه الشعب إلى الثورة وتخويفه إياهم عواقب هذه الثورة. كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن يسمعوا هذا كله فيصبروا عليه ويغضوا عنه، ولكن هناك شيئا آخر كان خيرا من هذا الإغضاء، وأنفع للشعب، وأجدى عليه من هذا الصبر، وهو أن يشعر النواب والوزراء شعورا صحيحا بحاجة الشعب إلى الرحمة له والرفق به، والترفيه عليه، فيقبلوا الاستجواب، ويحققوا ما كان يطلب المستجوبون، ويخفضوا الضرائب، ويرفعوا عن الشعب بعض ما يحتمل من الأثقال. كان هذا خير ألف مرة ومرة من الصفح والإغضاء، ومن الصبر والإعراض لأنه هو الذي يفيد حقا، وهو الذي يشعر الناس حقا بأن النواب والوزراء يرعون مصالحهم ويرثون لآلامهم، ويريدون أن يخففوا عنهم بعض ما يجدون من الآلام.
    نعم كان هذا خير ألف مرة ومرة من هذا الحلم الذي أظهره النواب والوزراء أمس، فإن الناس خليقون ألا يقدروا لهم هذا الحلم، ولا يسجلوا لهم فضله، فهم إنما يحلم بعضهم على بعض، ويعفو بعضهم عن بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، وماذا يعني الشعب التعس البائس أن يرفق النواب بالنواب، ويبر النواب بالنواب، وهو جائع يضنيه الجوع، وبائس ينهكه البؤس، ومريض يوشك المرض أن يقضي عليه.
    كان خيرا ألف مرة ومرة للشعب ألا يؤثر النواب حلما ولا صفحا، وأن ينتهي هذا الاستجواب بتخفيف شيءٍ من أعباء الحياة عن هؤلاء الناس الذين عجزوا عن احتمال الحياة، ولكن النواب والوزراء لم يفكروا في هذا، ولكن النواب والوزراء لم يقدروا هذا، وإنما كان الأمر بينهم حربا كلامية، اشتد فيها العنف الصادق أو المتكلف حتى بلغ أقصاه، ثم انتهى بانتصار الحكومة، وشكر النواب لها، وبقاء الشعب حيث هو كما هو، ترهقه الضرائب وتثقل عليه أعباؤها، وتسعى إليه جيوش المرض والجوع والحرمان. وتظلم في وجهه الحياة، وتتقطع به أسباب الأمل.
    فليهنأ النواب والوزراء بانتصار المنتصر، وانهزام المنهزم، وبراعة الخطباء، وحلم الحلماء، وصبر الصابرين. وليتعز الشعب البائس التعس، فلم ترفع عنه
    هذه الحرب ثقلا، ولم تحط عنه هذه الحرب عبئا، ولم تبسط له هذه الحرب أملا.
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس فستجبى منه الضرائب هذا العام كما جبيت منه في العام الماضي، وسيلقى في أدائها هذا العام أضعاف ما لقيها في العام الماضي، لأن عسره في هذا العام أضعاف عسره في العام الماضي.
    ليتعز هذا الشعب التعس البائس فما زالت المحنة محدقة به، ملحة عليه، والله يعلم أتُستخدم السياط هذا العام كما استخدمتها في العام الماضي. والله يعلم أتُفتح السجون هذا العام كما فتحتها في العام الماضي؟ والله يعلم أبقي في طاقة الشعب ما يمكنه من الصبر ويعينه على الاحتمال؟..
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزى وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر وحين يبلغ منه اليأس ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفوقون في الخصام، وينتهي الأمر إلى أن تظفر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رؤوس الوزراء!!
    كوكب الشرق ٦ — ٦ — ١٩٣٣

  • اصطياف

    اصطياف
    أما الشعب فسيقضى فصل الصيف كما تعود أن يقضيه في كل عام، جادا في العمل، جاهدا في احتمال للأثقال، متكلفا ألوان العناء المرهق والشقاء المضنى، لأنه محتاج إلى أن يعيش، ولأن العيش في هذه الأيام ليس قريب المتناول. وليس يكفي أن تمد إليه يدك لتظفر منه بما تريد، فلا بد من أن تجد في طلبه بياض اليوم، ولا بد من أن تقضي في تدبيره سواد الليل، ولا بد من أن تزدري الألم لتتقي الجوع، ولا بد من أن تعرض جسمك كله لحرارة الشمس المحرقة، ولا بد من أن تحمل نفسك أضعاف ما كنت تحتمل من الأثقال لتصل إلى بعض ما يجب أن تصل إليه من قوت نفسك وأهلك.
    لا سبيل إذن إلى أن يفكر الشعب في اتقاء الصيف، ولا في الفرار منه إلى ساحل البحر حيث النسيم العليل، وحيث الاستمتاع بالراحة، والتذوق للذات الحياة، وحيث التخفف من أثقال العمل طوال السنة، والاستعداد لاحتمال هذه الأثقال إذا أقبل الخريف. لن يفكر الشعب في شيء من هذا لأنه لم يتعود أن يفكر فيه، ولأن الحياة لم تعوده أن تمنحه من المهلة والفراغ وسعة ذات اليد ما يمكنه أن يفكر فيه. ولأن الحياة في هذه الأيام تقتضيه أضعاف ما كانت تقتضيه من الجهد، وتكلفه أضعاف ما كانت تكلفه من العناء ولا تعفيه بعد ذلك من ألم الجوع والحرمان.
    وإذن فستمشي أقدام حافية على أرض ملتهبة حتى تدمي، وستصلى وجوه كالحة وهج الشمس حتى تحترق، وستخترق أشعة من نار الشمس ثيابا ممزقة مخرقة حتى تبلغ الأجسام فتعمل فيها عملا لا يشبهه إلا عمل السياط التي قد تمسها بالضر إذا كان التقصير في أداء الضرائب، وسيعود الرجال والنساء، والشبان والشيب إلى بيوتهم آخر النهار حيث ينتظرهم أطفال جياع، ومنهم من ظفر بالقليل، ومنهم من لم يظفر بشيء! وسيقنع الظافرون بقليل من الخبز وشيء من البصل وما يشبه البصل! وسيقنع المحرومون بالصبر على الجوع، لعل نهار الغد أن يجزيهم من هذا الصبر خيرا.
    وأما رئيس الوزراء فيصطاف مستشفيا في باريس وفرسايل، وسيتنقل من باريس وفرسايل إلى حيث يشير عليه الأطباء من مدن الجبل، أو مدن البحر أو مدن المحيط حيث العيشة الناعمة والحياة الباسمة، حيث الطبيعة المبتهجة والصفو المقيم. ومن حول رئيس الوزارة جماعة ليسوا مرضى، وليس بهم ما يشبه المرضى ولكنهم متصلون بالرئيس، يهونون عليه حياته الهينة، ويسهلون عليه عيشة السهل، ويخففون عليه عبئه الخفيف، ويريحونه حتى من الراحة، ويسلونه حتى من الفراغ!!
    وأما الوزراء فسيدعون دواوينهم الفخمة المترفة، وبيوتهم الجميلة الوثيرة، لأن القيظ فيها شديد، ولأن الصيف فيها مرهق للعقول، مضن للأجسام، وسينتقلون إلى الإسكندرية حيث البحر وساحله الجميل، وهواؤه الطلق وما يضطرب قريبا من أمواجه من أنواع اللذات والسرور، وصنوف البهجة والحبور إذا أشرق النهار وأظلم الليل. وسينتقل معهم جماعة من الموظفين يريحونهم من راحتهم، ويسرون لهم أعمالهم اليسيرة، ويتيحون لهم الاستمتاع بهذه الحياة الجميلة، حياة الصيف في الإسكندرية، وسينتقل مع الوزراء والموظفين جماعة من الخدم والأتباع يهيئون لأولئك وهؤلاء ما يحتاجون إليه ليذوقوا هذه العيشة الراضية ولينعم بالهم أشهرا من سنة بعد أن ضاقوا بحياة الجد والعمل في القاهرة.
    وستنفق الدولة على أولئك وهؤلاء جميعا. تنفق على المصطافين في الإسكندرية، والدولة ملزمة أن تنفق على أولئك وهؤلاء لأنهم وزراؤها وموظفوها. ومتى عرفت الدولة تقصر في ترفيه الوزراء والموظفين وخدام الوزراء والموظفين؟!
    ولكن شيئاً واحداً لن يفكر فيه أحد، ولن يلتفت إليه أحد، ولن يقف عنده أحد، ولن يرضى عنا هؤلاء الوزراء والموظفون وأتباعهم لأننا نفكر فيه الآن، ونريد أن نذكرهم به ونلفتهم إليه، لعله أن يثير بينهم وبين ضمائرهم شيئاً من الحديث الذي لا يخلو من عظة وعبرة، والذي قد يثير عاطفة الحياء أحياناً!!
    هذا الشيء هو أن الأموال التي ستنفقها عليهم الدولة لينعموا بلذة البحر وهوائه الطلق ونسيمه العليل إنما تجبى من أولئك الذين ستحرقهم الشمس من غير رحمة، وستدمي أقدامهم على أرض قد ألهبها القيظ، وستكلح وجوههم بهذا الوهج الذي يأخذها من كل مكان، وستداعبهم هذه الأشعة الملتهبة مخترقة إلى أجسامهم المتجمدة — ثيابهم الممزقة البالية. فمن الحق على الوزراء والموظفين إذا انغمسوا في الماء مع الصباح أو مع المساء، وإذا جلسوا إلى مكاتبهم في الدواوين، وأقبل عليهم هذا النسيم الخفيف فداعب وجوههم، ونفذ إلى أجسامهم فبعث فيها لذة خفيفة تدعو إلى النشاط، أو جلسوا إلى موائدهم في الأندية والقهوات ينعمون بما يحمل إليهم من أنواع الطعام والشراب، ونظروا إلى البحر والشمس تغمره بأشعتها أول النهار، أو تحسر عنه هذه الأشعة عند الأصيل، والقمر يداعبه إذا تقدم الليل. وإذا رأوا رقص الراقصين والراقصات، وسمعوا عزف العازفين والعازفات، وملأوا عيونهم بهذه الصور الجميلة الخلابة التي تنشط مع المساء على ساحل البحر فتملأ الجو فتنة والنفوس اضطرابا، وتثير في القلوب نارا، منها البريء ومنها الآثم!
    من الحق عليهم إذا لهوا بهذا كله، ووجدوا لذة هذا كله أن يذكروا أولئك المساكين الذين تدمي أقدامهم وتحترق وجوههم، ويتنفسون هواء مزاجه اللهب، يعودون بعد طول الجهد وشدة العناء، ولعل كثيرا منهم لا يجدون ما يطعمون!
    نعم من الحق عليهم أن يذكروا هؤلاء فقد تنفع هذه الذكرى، وقد تثير في نفوسهم شيئاً من الحزن للبائسين، والرحمة للأشقياء، والعطف على المكروبين. وقد تدفعهم إلى أن يعرفوا لهؤلاء الناس بعض حقهم، ويذكروا لهم بعض فضلهم، ويأخذوا أنفسهم، لا بأن يردوا عليهم أموالهم، ولا بأن يشاركوهم في آلامهم، ولا بأن يحملوا عنهم بعض أثقالهم، بل أن يعنوا بمصالحهم وينظروا إليها في رعاية وعناية، لعل ذلك أن يشعرهم بأنهم لم يتركوا نهبا للضر وسوء الحال، ولكن لهم وزراء وموظفين يرثون لهم بعض الرثاء، ويؤثرونهم ببعض العطف، وينظرون إليهم نظرة لا تخلو من إشفاق!!
    أين نحن وفي أي عصر نعيش؟ نحن في مصر التي هي جزء من أوربا، وإذن ففي أي بلد من بلاد أوربا يترك الوزراء عواصمهم ليصطافوا على حساب الدولة؟! نحن في القرن العشرين الذي ثبتت فيه شخصية الشعوب، وجعلت تزول فيه الفروق بين الطبقات، وخضعت فيه أعمال الحكومات لأشد ألوان المراقبة وأعسر ضروب الحساب؟ وإذن فأين الاعتراف بشخصية الشعب الذي سيصلى العذاب في الصيف ليستمتع وزراؤه وموظفوه على حسابه بفنون النعيم؟
    وفيم ينتقل الوزراء والموظفون إلى الإسكندرية على حساب الدولة؟ هم بين اثنتين: إما أن يكونوا قادرين على العمل وإذن فليبقوا في القاهرة. وإما أن يكونوا عاجزين عن العمل وإذن فليستقيلوا أو ليستريحوا بالإجازات على حسابهم هم، لا على حساب الشعب البائس المحروم.
    سيقولون إنما ينتقل الوزراء ليكونوا قريبا من جلالة الملك، وإنما ينتقل الموظفون ليكونوا قريبا من سادتهم الوزراء والموظفين، ولكن الملوك ورؤساء الجمهوريات يصطافون في أوربا، ويبقى الوزراء في العواصم حتى إذا احتاج إليهم رؤساء الدول، سافروا إلى حيث يلقونهم في مصايفهم، ثم يعودون بعد ذلك إلى حيث يعملون.
    وليست القاهرة بعيدة عن الإسكندرية حيث يصطاف جلالة الملك، فمن أيسر الأشياء وأهوانها أن ينتقل الوزراء إلى حيث يتشرفون بالمثول بين يدي جلالته ليتلقوا أوامره السامية وليرفعوا إلى سدته العلية ما يريدون رفعه من الأعمال.
    ليست مصلحة الدولة إذن هي التي تقتضي انتقال الحكومة إلى الإسكندرية، وإنما هو الترفيه على رؤساء الحكومة من الوزراء والموظفين. وقد كان ذلك ميسورا على ثقله ومجانبته للحق قبل أن تشتد هذه الأزمة المنكرة. فأما الآن فهو أمر أقل ما يوصف به أنه ليس إلى الدفاع عنه من سبيل.
    زعموا أن رئيس الوزراء بالنيابة فكر في إلغاء رحلة الصيف هذه، ثم زعموا أنه عدل عن هذا التفكير، فليفكر رئيس الوزراء مرة أخرى، وليفكر معه الوزراء، وليفكر معهم الموظفون، وليفكر معهم البرلمان في أن هذه الأيام ليست أيام ترف ولا سرف، وإنما هي أيام احتمال وحرمان، وليست حياتهم التي يحيونها في القاهرة بالسيئة ولا الرديئة، وإنما هي حياة يحسدهم عليها كثير من وزراء الدول الكبرى.
    فليبقوا إذن في القاهرة، فإن ذلك أقل ما يجب عليهم من إظهار تضامنهم مع الناس ومشاركتهم ولو من بعيد فيما يلقون من مكروه.
    كوكب الشرق ٢٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • شقاء

    شقاء
    جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس يريدون أن يستجوبوا الحكومة حول الضرائب لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له أنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملاك بعد المشقة والجهد، وبعد الكد والعناء.
    ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يوما ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمس الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تجبى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتر فيها، فإذا أداها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق السجون عبثا، وإنما خلقها لتؤوي فيمن تؤويهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دين، والله ـ عز وجل ـ لم يخلق الشرطة عبثا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.
    وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزما سواء قدر أم عجز بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائما، وليشكو ويشكو دائما، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.
    وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي، لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظفين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد، فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع لأن الله إنما خلق الناس ليمتص بعضهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض، وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتؤجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضا لتؤدي الدين، ولتؤديه ذهبا إن لم توفق إلى تأديته ورقا. والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدين، لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمأه، وتعرض الفلاح للأوبئة المهلكة، والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.
    ولم لا! هذا شعور طبيعي يجده كل إنسان، إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائما أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبا إذا لم نوفق إلى إرضائه بالدفع ورقا.
    يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يشبهه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظن بنا القدرة فله أن يطالب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر وما دامت لنا سمعة يجب أن تحفظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتحط بجميع أشكالها ومظاهرها.
    وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيا إلى أوروبا، ولتحط به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تليق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.
    هذه أشياء يجب أن تبقى سرا مكتوما بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يحس الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!
    ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلد مستقل كريم أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضورون جوعا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.
    ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعية محفوظة أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليه من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!
    هذه أسرار يجب أن تظل مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونئن من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويئن؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينا متصلا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!
    ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين أن يعدلوا عن استجوابهم فهم يحاولون شيئا لا سبيل إليه، ولا أمل فيه!
    أين هي الشجاعة التي تمكن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ.
    لا أمل في أن تمس الضرائب ولا في أن تخفض، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رئاسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا. وإذن فشيئا من الرفق، وشيئا من المجاملة، وشيئا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!
    وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعواما، فليصبر أشهرا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئن الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!
    أما أنا فليس يعنيني أن تخفض الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يغنيني هو أن يشعر الفلاح بما يحيط به من شقاء.
    كوكب الشرق ١٢ = ٥ = ١٩٣٣

  • أحاديث

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣

  • تنبيه

    حديث المساء: تنبيه
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ أبريل ١٩٣٣
    لا أعرف شعبًا كهذا الشعب المصري يلقى أشد ما تلقى الشعوب من عناء، ويبذل أقصى ما تبذل الشعوب من جُهد، ويحتمل أثقل ما تحتمل الشعوب من أعباء، مبتسمًا لهذا كله، راضيًا بهذا كله، مُخلِصًا في هذا كله، ثم هو بعد ذلك لا يُكافأ على ما يلقى ويبذل ويحتمل، إلا بالعقوق والجحود، وإلا بالاستهانة والازدراء!
    يهبط الأجنبي إلى مصر فقيرًا معوزًا، فما هي إلا أن يغنى بعد فقر، ويُثري بعد عَوَز، ويهبط الأجنبي إلى مصر غنيًّا موسرًا، فما هي إلا أن يضاعف ثروته، ويعظم حظه من اليسار، ويهبط الأجنبي إلى مصر جاهلًا، فما هي إلا أن يصبح عالمًا، أو عالمًا فما هي إلا أن يصبح من كبار العلماء وأفذاذهم. قَلَّمَا ينزل أجنبي أرض مصر فتضيق به سبل الحياة أو تُغلق دونه أبواب الرجاء، أو ترده مصر عنها قانطًا خائب الأمل، والمصري يبذل ما يستطيع وما لا يستطيع ليغني الأجنبي بعد فقر، ويؤمنه بعد خوف، ويرضيه بعد سخط، ثم هو لا يجِد من الأجنبي إلا عقوقًا وجحودًا، وإلا ازدراءً وامتهانًا، هذا الأجنبي يضيق بمصر؛ لأن جوها يؤذيه في الصيف، وإن استمتع به في الشتاء، وهذا الأجنبي يضيق بمصر لأن حاجتها إلى الجمال الصناعي، والزينة المتكلَّفة، والعناية بأمور الصحة، ما زالت شديدة ماسَّة، وإن كان قد استأثر فيها بالخير، وإن كان قد استبدَّ فيها بإدارة الأموال والأعمال وإن كان قد أشرف فيها على تدبير كل شيء، فعليه التبِعة فيما يشكو منه، قبل أن تكون على أي أحدٍ آخَرَ من الناس، وهذا الأجنبي يضيق بجهل مصر وإن كان قد دُعِيَ إلى أن ينهض فيها بأمور التعليم، ومُنِحَ على ذلك أجرًا لم يكن ليحلم ببعضه في بلاده، فلما هبط إلى مصر لم يُخلِص في عمله، ولم يبذل للمصريين من علمه القليل أو الكثير إلا بمقدار، ولم يَكُفَّ في لحظة من اللحظات عن التفكير في أن بذل العلم للمصريين خطر؛ لأنه يزيل عنهم الجهل، ويكشف عنهم الظلمة، ويجعلهم مثله، وقد يغنيهم عنه، وقد يدفعهم إلى أن يضيقوا به ويشعروا بما يتعمد من إهمال وتقصير. وابحث عن حياة الأجنبي في مصر من أي ناحية من أنحائها، وفي أي سبيل من سُبُلِهَا، فستراها قائمة دائمًا على هذه القاعدة: خُذْ من المصريين أكثر ما تستطيع، وأعطهم أقل ما تستطيع. أظهر للمصريين مودةً وعطفًا، وأضمر لهم ازدراءً واستخفافًا، حتى إذا انقطعت حاجتك إليهم فأظهر لهم ما كنت تُضمِر، وأَبِن لهم عمَّا كنت تخفي! وكذلك نلقى الأجنبي في مصر، فتحس منه ظرفًا ومودةً وإيناسًا، ثم تنقطع الصلة بينك وبين هذا الأجنبي، وتسنح له فرصة الحديث عنك، فلن يقول إلا شرًّا …!
    كذلك حال مصر مع الأجنبي، وليست حال مصر مع بعض المصريين بخير من حالها مع الأجانب، يُظهر المصري شيئًا من الكفاية والمقدرة، فما أسرع ما تفتن به مصر، وما أسرع ما تحوطه بألوان العناية والرعاية، وضروب التشجيع والتأييد، حتى يصبح رجلًا ذا خطر، وينزل منزلة اجتماعية ظاهرة ممتازة، وإذا هو ينسى الذين رعوه وعُنُوا به، والذين أيَّدوه وشجعوه، والذين رفعوه إلى مكانته الظاهرة، وأنزلوه منزلته الممتازة، وإذا هو يفكر في نفسه قبل أن يفكر فيهم، ويعنى بنفسه قبل أن يعنى بهم، ويصبح أثرًا من الطراز الأول، لا يعرف إلا نفسه، ولا يعمل إلا لنفسه، ولا ينظر إلى الشعب إلا على أنه وسيلة تنبه الخامل، وترفع الوضيع، وتوصل الناس إلى ما يبتغون من المنافع والمآرب والآمال، وإذا هو لا يتحرَّج إن أتيح له شيء من السلطان، من أن يتخذ السلطان وسيلة إلى المنفعة، وإن اضطره ذلك إلى العقوق والجحود، وإذلال الشعب الذي رفعه بعد ضعة، ونبَّه من شأنه بعد خمول. وتستطيع أن تبحث عن حياة كثيرين جدًّا من كبار الموظفين، فسترى أنها تقوم على هذه القاعدة: خادِع الشعب ما احتجت إلى خداعه، فإذا بلغت غايتك وحققت أملك، فأفد لنفسك ما تستطيع من منفعة، وحقق لنفسك ما تستطيع من مآرب، واحذر أن يقوم وفاؤك للشعب عقبة بينك وبين شيء مما تريد …!
    وهذه وزارات لم يكُن أعضاؤها شيئًا قبل أن تُلقَى إليهم أَعِنَّةُ الحكم وأَزِمَّتُه، فما هي إلا أن يختلف أعضاؤها هؤلاء إلى مكاتبهم، ودواوينهم، حتى يتبيَّن ماضيهم القريب، ومستقبلهم المحتوم، ويُلهيهم المنصب عن كل شيء إلا لذة المنصب والجاه والسلطان، وإذا هم ينعمون بهذه اللذة، ويتهالكون عليها، ويُضَحُّونَ في سبيلها بأشياءَ كثيرة، أيسرها منافع هذا الشعب الذي إنما رفعهم إلى مناصِبِ الوزارة ليكونوا له خُدَّامًا لا أكثر ولا أقل.
    وكذلك يريد الله لهذا الشعب الهادئ الوادع في نشاط وقوة، أن يكون ألعوبة للذين يحسن إليهم، ويُسدي إليهم الصنيعة والمعروف، وهو يحس هذا العقوق أحيانًا فينكره ويضيق به، ثم لا يلبث أن ينساه ويُعرِض عنه، وهو حين ينكر رفيق في الإنكار، وهو حين يضيق متسامح في الضيق، فلا يحفل بإنكاره ولا بضيقه هؤلاء الذين يعقونه ويجحدون فضله ويجزون إحسانه إليهم بالإساءة إليه، وهو حين ينسى مُغرِق في النسيان، قَلَّمَا يتذكر وقلما يتفكر، ويستغل خصومه قِصَرَ ذاكرته وسعة مغفرته، فيَغْلُون في الإساءة إليه، ويُغرِقون في ازدرائه وإهماله والانصراف عن التفكير فيه.
    بهذا وحدَه تستطيع أن تفسر هذه الحياة المنكرة التي نحياها، والتي يسعى إلينا الشر فيها من كل سبيل، وتهجم علينا الكوارث فيها من كل وجه، فلو أن الذين إليهم أمورنا السياسية يقدرون أنهم حين نهضوا بأمورنا السياسية، لم ينهضوا بها لأنفسهم وإنما نهضوا بها للشعب، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم ليسوا سادتنا وإنما هم خُدَّامنا، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم لا ينبغي أن يستذلونا ولا أن يستغلونا، وإنما ينبغي أن يستذلوا أنفسهم لمصلحة أمتهم، وأن يستغلوا جهودهم لمنفعة بلادهم، لو أن الذين إليهم أمور سياستنا يقدرون هذا لَمَا طغى منهم طاغٍ، ولا بغى منهم باغٍ، ولما أُهدِرَت حقوق، وامتُهِنَتْ كرامات، ولقيت الحرية ما تلقى في هذه الأيام، ولو أن ذاكرة الشعب لم تكن قصيرة، ولو أن تسامُح الشعب لم يكن مسرفًا، لاضْطُرَّ هؤلاء الساسة أن ينكروا الشعب، ويحسبوا له حسابًا، فيردوا نفوسهم عن شهواتها، ويضطروها إلى القصد، والعدل، والإنصاف، والاعتراف بالجميل. ولو أن الأجانب الذين يَفِدُون إلى مصر يقدرون حقهم وواجبهم في مصر كما يقدرونهما في بلادهم، ويستمعون لضمائرهم في مصر كما يستمعون لضمائرهم في بلادهم، لما لقيت منهم مصر ما تلقى من هذه المودة الظاهرة والعقوق الخفي، ولو أن مصر لم تكُن مُغرِقة في التسامح، ولا مسرفة في النسيان، ولا غالية في التهاوُن بحقها وكرامتها، لما طمع فيها الأجنبي، ولا وجد إلى خداعها والمكر بها سبيلًا. ولو أن مصر إذا جاعت أَمَضَّهَا الجوع، ولو أن مصر إذا ظمئت أضناها الظمأ، لما كانت فيها هذه الحوادث التي أخذت الأزمة الاقتصادية تحدثها، والتي أخذت تبدو الآن يسيرة، ولكنها على ذلك مروعة مخيفة، تُنذِرُ بِشَرٍّ لا يعلم نتائجه المنكرة إلا الله. هذه الأعراض الخطرة للجوع والبؤس، قد أخذت تظهر في القاهرة بشكل مفزع مخيف، هذه حُمَّى التيفوس تسعى بين الفقراء المعدمين بشرها ونكرها، وهؤلاء الفقراء المعدمون يسعون بهذه الحمى فيحملونها إلى أطبائهم في القصر العيني ليردوا عنهم شرها، فإذا الشر أقوى من الأطباء، وإذا الأطباء أنفسهم يسقطون في شباك هذه الحمى، وينقلون إلى المستشفى مع مرضاهم، وإذا طلاب كلية الطب لا يخلصون من هذه الحمى، فيسقطون في شباكها أيضًا، هذا هو المرض يغزو قلعة الطب ويَضطرها إلى الدفاع، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي الغازِيَة، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي التي ترسل جيوشها إلى أحياء الفقراء والمعدمين، لتكافح فيها الشر والضُّرَّ، وترد عنها جيوش الأوبئة والأمراض، ولكن أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم تدبير ثروة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم حماية صحة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ وإنما يفكر أولئك وهؤلاء في مناصبهم أولًا، ثم في تمكُّنهم من هذه المناصب ثانيًا، ثم في استمتاعهم بلذَّات هذه المناصب وجاهها، ثم في الشعب بعد هذا وهذا وذاك، كيف السبيل إلى ذلك والمصري قد تعوَّد أن يجوع فيحتمل الجوع وأن يظمأ فيحتمل الظمأ، وأن يعدم فيألف الإعدام، تقصير من أولي الأمر في ذات الشعب، وتقصير من الشعب في ذات نفسه، والحمى تستفيد من تقصير أولي الأمر، ومن تقصير الشعب فتفتك بالفقراء، وتغزو الأطباء، كما يستفيد الأجنبي من تقصير أولي الأمر في ذات الشعب، ومن تقصير الشعب في ذات نفسه، فيعبث بحقوق الشعب وحرياته وثروته، ومقومات حياته الوطنية كلها، ويسخر بعد ذلك من المصريين جميعًا …!
    فكرت في هذا كله حين قرأت في الصحف صباح اليوم أن رئيس الوزراء المريض قد حدَّد موعد سفره للاستشفاء، فسيسافر في منتصف الشهر المقبل فيقضي في أوروبا أربعة أشهر أو نحوها، ومن قبل ذلك مرض رئيس الوزراء شهرين، لم يعمل فيهما شيئًا، وبين مرض الرئيس وسفره أخذ يختلف متباطئًا متثاقلًا بحكم المرض إلى ديوانه، فلا يكاد يعمل شيئًا، ومن قبل هذا كله أقام في أوروبا ثلاثة أشهر أو نحوها مستشفيًا متروِّضًا، وهو في أثناء هذا كله يحتفظ برياسة الوزارة، ويقبض مرتب رياسة الوزارة، ويعطل مصالح البلاد لأنه مسافر يتروَّض، أو لأنه مريضٌ، أو لأنه في دور النقاهة، أو لأنه مسافر يستشفي.
    لو قدر رئيس الوزراء حق بلاده عليه لما أذن لنفسه أن يحتفظ بمنصبه هذا، وهو عاجز عن النهوض به، ولو قدر المصريون حقهم على أنفسهم لما قبلوا من رئيس وزرائهم أن يحتكر رياسة الوزراء، ولا يعمل فيها إلا ثلاثة شهور أو أربعة في سنةٍ كاملة، ولكن مصدر الشر كله في مصر أن الشعب متسامح مسرف في التسامح، وأن حكام الشعب يغلون في استغلال هذا التسامح، فلا يحفلون بالشعب ولا يلتفتون إليه …!
    متى يتنبه الشعب إلى حقه، فيَجِدَّ في المطالبة به والحرص عليه؟ ومتى تتنبه ضمائر الحكام فتردع أصحابها عمَّا يتورطون فيه من اعتداءٍ أو إهمالٍ؟

  • قصة فيلسوف عاشق

    قصة فيلسوف عاشق
    في الأدب الغربي
    للدكتور طه حسين
    واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
    وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
    ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
    وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
    وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
    ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
    ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
    وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
    ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
    وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
    وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
    أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
    فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
    ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.

  • من باريس

    من باريس
    العلم والثروة
    هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم أغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيراً ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم فإن وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه. تمس العجبة والخيلاء. لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين. لا ينتفعون بثروتهم أحياءً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل. يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر أبناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال.
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم في الحق فقراء معوزون!
    وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر. وأدناهم إلى الغنى حقاً لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم. فهم يتمتعون بالثروة حقاً، يجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل. بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون. ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة. وإنما هم، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعاً كل على القدر الذي يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب. وإنما يشترون بها أيضاً الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت. ليسوا أنعاماً ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه.
    أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلاً أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم. وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر مليوناً. وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه. وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه. وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنكاً في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب. وإن رجلاً ترك لها نصف مليون. وأن أستاذاً في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكاً لإعانة طلبة التاريخ الحديث. وأن امرأة تركت مليوناً لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي. وأقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءاً من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية المختلفة. بل أقرأ ما هو أغرب من هذا. أقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم في جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها. وأقرأ في الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى. وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا بعد.
    كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضي فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون. هذا في فرنسا. أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء. ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر. فليس لمصر علم وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء. وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ما هي في حاجة إليه أو جزءاً موفوراً مما هي في حاجة إليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة إليه لتعيش. أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحُليّ وإلى اللباس وبديع الأداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل. هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها. نعم. نحن أغنياء أجوادٌ إذا احتجنا إلى متاع الدنيا. فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يُعدّ له فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في مصر إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا. ولكني واثق بأن لوناً من ألوان البدع في الحُليّ أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه. والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخرَ لباساً وزينةً من أغنياء باريس ونيويورك ولندن فإذا رآنا الأوروبي خُيّل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيراً مما يلبس ونزدان كما يزدان بل خيراً مما يزدان، ونتصرف في فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئاً يشبه الفناء. وماذا تريد من قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فإذا ذُكر العلم والأدب والفن هزوا الرؤوس والأكتاف. بل هم يفعلون شراً من هذا. فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه. لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر في باريس أو لندن أو برلين يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا!!!.
    لقد قلنا هذه الأشياء وقلنا وسنقولها ونقولها. فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد. اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون. فأما القادرون على أن ينفعوا. فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل. وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلاناً على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها. رأيت ثوب فلان فراقني ولأصطنعن مثله. فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالماً مصرياً أو أديباً مصرياً أو فنياً مصرياً يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لأغنيائنا على بال. ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيراً من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعي لأنه يحدثهم بما لا خير فيه.
    لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت. ولقد أظهر أغنيائنا ميلاً شديداً إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها لأن ذلك كان بدعاً يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر الحرب فإن الحرب لم تُسئْ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيماً منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حباً للعلم وتشجيعاً للعلم وإعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيءٍ فقد أتاح لها العلم أن تنتصر. أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافاً مضاعفةً فلم يزدهم ذلك إلا ضَنّاً وحبساً للمال عن وجوه الخير وتهالكاً على اللذات المادية. والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات. أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليوناً ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة! وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قُبل النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه. ولست أدري افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال نزعم أن ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به. وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحُليّ وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا إليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه. يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن يئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان. ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة. لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه حال التعليم في مصر من ضعف وفساد. ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب.
    طه حسين
    باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
    السياسة، 22\5\1923.

  • حزم

    حزم
    أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
    ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
    فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
    هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
    جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
    ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
    أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
    نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
    يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
    لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
    أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
    كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣