جنون
هو فنون من غير شك، فمنه الهادي المطمئن، ومنه الهائج الحاد. ومنه الوادع الأنيس ومنه النافع الجامح. ومنه ما يكون في الصمت ومنه ما يكون في الكلام. ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب. ومنه ما يكون ضحكا، ومنه ما يكون بكاء. ومنه ما يكون فنونا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام.
لا يعجب القراء، ولا يغضب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة. فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه لولا أني قرأت صحف الصباح فإذا بطل من أبطال النواب يخطب في الاستجواب، فيشدد الحساب، ويدخل من كل باب حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها وتلقى من أهوالها. وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن، إنما هم من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش. فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه. ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية وأضيافه ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام أن أقف عنده، وأتبين معناه وأدل الناس على خفاياه، وإلا فليحظر على الصحف أن تشهد المجلس وتنشر أخباره، وتذيع أسراره، ولتجعل مضابط المجلس أمورا مكتومة وكتبا مختومة، لا يظهر عليها إلا الأصفياء، ولا ينظر فيها إلا الأولياء. ومهما يكن من شيء فإن نائبا من
النواب قد وصف نفسه وزملاءه ووصف الوزراء وأعوان الوزراء بهذا الوصف الذي أكبره وأنكره، وهو الجنون!
ومهما يكن من شيءٍ، فالنائب بين أمرين، كلاهما شر، وأحلاهما مر. فهو إن يصدق، وأعوذ بالله من أن يصدق، كانت أمور مصر إلى قوم لا ينبغي أن تكون إليهم. وهو إن يقل غير الحق، وأرجو أن يكون قد قال غير الحق، جعل أمور مصر إلى قوم يسرفون في سوء الظن بأنفسهم حتى يصفوها بالجنون، ويقولوا فيها ما لو قاله خصومهم لتفتحت لهم أبواب السجون. وما كنت أحسب أن لهب الخطابة ولظى البيان يشتدان حتى يدمرا كل شيء، ويلتهما كل شيء، ويطوعا لنائب من النواب أن يصف الدولة ورجالها بالجنون من أعلى المنبر في مجلس النواب!
والغريب الطريف أن الصحف لم تصور لنا مجلس النواب هائجا مائجا، ولا ثائرا فائرا لهذا الوصف، وإنما صورته هادئا مطمئنا، يسمع وكأنه لا يسمع، ويفهم وكأنه لا يفهم، ويمر بكلام هذا النائب، أو يمر به كلام هذا النائب فلا يفكر فيه، ولا يقف عنده، ولا يلتفت إليه مع أنه قد هاج وماج، وثار وفار، وقر ثم دار حين ذكر نائب آخر منذ أيام كلمة «الهمج» فلنسجل لمجلس النواب أنه قد عرف الحلم بعد الغضب، وآثر الأناة على الثورة والاضطراب، واصطنع العفو والصفح في مواضع كان قد تعود أن يصطنع فيها حب البطش، والرغبة في الانتقام. أفتراه قد استمع لنا، وانتفع بما قدمنا إليه وإلى غيره من موعظة فتجنب ضيق النفس وحرج الصدر، وصبر حتى على وصفه بالجنون؟! على أن من إنصاف المجلس أن تلاحظ أنه لم يصطنع هذا الصبر طوال جلسة أمس، فقد ضج وعج، وهم أن يثور حقا، ولكن لا غضبا لنفسه، بل غضبا للحكومة، ولا دفاعا عن نفسه، بل دفاعا عن الحكومة. فقد ضج المجلس حين ذكر بعض الخطباء أن الذين أدوا ما طلب إليهم من الضرائب إنما فعلوا تخلصا من هذه السياط التي كانت تعمل في ظهورهم، فقد أشفق النواب على الحكومة أن توصف بتعذيب الناس، وأخذهم بالسوط والعصا ليؤدوا إليها ما تقتضيه من الأموال. وكثير أن يكون للمعارضة صدى في مجلس النواب، وكثير أن يقول النواب أمس للحكومة ما تقوله صحف المعارضة
في كل يوم من أنها تعمل السياط في الظهور، وتتخذ العذاب وسيلة إلى جمع الضرائب، وكثير أن يسجل هذا في محضر الجلسة، وليس غريبا أن يضج له النواب، وإنما الغريب أن يقفوا عند الضجيج، وألا يهموا بإسكات الخطيب، أو إخراجه، أو حذف كلامه من المحضر، وأغرب منه ألا يثور الوزراء، ولا يقول قائلهم للخطيب: اسكت، ولا يعلن معلنهم إلى المجلس أن الحكومة غاضبة فمحتجة فمنسحبة من الجلسة، إلا أن يكون الاعتذار.
لم يحدث شيءٍ من هذا، بل أغضى المجلس عن وصفه بالجنون، وغضب المجلس للحكومة في اعتدال، وأغضت الحكومة عن اتهامها بالتعذيب. وكل هذا دليل واضح على أن صدر المجلس قد أخذ يتسع، وحدة المجلس قد أخذت تلين، وأكثر من هذا كله أن النائب الذي وصف الدولة ورجالها بالجنون قد التفت إلى الأمة فدعاها إلى الثورة، ولامها على الهدوء، وأنبها أشد التأنيب على الإخلاد إلى الدعة، والحرص على استقرار النظام مع هذه الشدة التي تلقاها، والنار التي تصلاها، فسكت له المجلس، وسكت له الوزراء، ومضى النائب حتى أنذر بالداهية، والنار الحامية، والثورة التي إن هبت لم تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وخوف النواب والوزراء من هذا الخطر الداهم، والشر المنكر، ومن يقظة الفلاح الذي ينام الآن ويوشك أن ينفجر كأنه البركان، ويوشك أن يزحف حتى إذا بلغ نوافذ النواب والوزراء صاح بهم كما كان يصيح الباريسيون في أول الثورة الفرنسية «الخبز، الخبز».
كل هذا قيل أمس، وقاله نائب، وقاله في مجلس النواب، وسمعوا له النواب والوزراء فسكتوا له وصبروا عليه، ونشر في الصحف صباح اليوم، ولن ينقضي النهار حتى تبثه الصحف في أرجاء مصر كلها فيقرأه هؤلاء الفلاحون الذين يلامون على الهدوء، ويدعون إلى الثورة. والله وحده قادر على ألا يثيرهم هذا الكلام فيبعثهم على ما يدعوهم إليه النائب، ويغريهم به من خروج على النظام، وزحف على القاهرة، وتجمهر تحت نوافذ مجلس النواب يطالبون بالخبز الذي يحتاجون إليه ويستعدون على الجوع الذي يحرقهم تحريقا.
كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن أغضوا عن شدة النائب وحدته، وأن صبروا على وصفه إياهم بالجنون، وعلى دعائه الشعب إلى الثورة وتخويفه إياهم عواقب هذه الثورة. كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن يسمعوا هذا كله فيصبروا عليه ويغضوا عنه، ولكن هناك شيئا آخر كان خيرا من هذا الإغضاء، وأنفع للشعب، وأجدى عليه من هذا الصبر، وهو أن يشعر النواب والوزراء شعورا صحيحا بحاجة الشعب إلى الرحمة له والرفق به، والترفيه عليه، فيقبلوا الاستجواب، ويحققوا ما كان يطلب المستجوبون، ويخفضوا الضرائب، ويرفعوا عن الشعب بعض ما يحتمل من الأثقال. كان هذا خير ألف مرة ومرة من الصفح والإغضاء، ومن الصبر والإعراض لأنه هو الذي يفيد حقا، وهو الذي يشعر الناس حقا بأن النواب والوزراء يرعون مصالحهم ويرثون لآلامهم، ويريدون أن يخففوا عنهم بعض ما يجدون من الآلام.
نعم كان هذا خير ألف مرة ومرة من هذا الحلم الذي أظهره النواب والوزراء أمس، فإن الناس خليقون ألا يقدروا لهم هذا الحلم، ولا يسجلوا لهم فضله، فهم إنما يحلم بعضهم على بعض، ويعفو بعضهم عن بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، وماذا يعني الشعب التعس البائس أن يرفق النواب بالنواب، ويبر النواب بالنواب، وهو جائع يضنيه الجوع، وبائس ينهكه البؤس، ومريض يوشك المرض أن يقضي عليه.
كان خيرا ألف مرة ومرة للشعب ألا يؤثر النواب حلما ولا صفحا، وأن ينتهي هذا الاستجواب بتخفيف شيءٍ من أعباء الحياة عن هؤلاء الناس الذين عجزوا عن احتمال الحياة، ولكن النواب والوزراء لم يفكروا في هذا، ولكن النواب والوزراء لم يقدروا هذا، وإنما كان الأمر بينهم حربا كلامية، اشتد فيها العنف الصادق أو المتكلف حتى بلغ أقصاه، ثم انتهى بانتصار الحكومة، وشكر النواب لها، وبقاء الشعب حيث هو كما هو، ترهقه الضرائب وتثقل عليه أعباؤها، وتسعى إليه جيوش المرض والجوع والحرمان. وتظلم في وجهه الحياة، وتتقطع به أسباب الأمل.
فليهنأ النواب والوزراء بانتصار المنتصر، وانهزام المنهزم، وبراعة الخطباء، وحلم الحلماء، وصبر الصابرين. وليتعز الشعب البائس التعس، فلم ترفع عنه
هذه الحرب ثقلا، ولم تحط عنه هذه الحرب عبئا، ولم تبسط له هذه الحرب أملا.
ليتعز هذا الشعب البائس التعس فستجبى منه الضرائب هذا العام كما جبيت منه في العام الماضي، وسيلقى في أدائها هذا العام أضعاف ما لقيها في العام الماضي، لأن عسره في هذا العام أضعاف عسره في العام الماضي.
ليتعز هذا الشعب التعس البائس فما زالت المحنة محدقة به، ملحة عليه، والله يعلم أتُستخدم السياط هذا العام كما استخدمتها في العام الماضي. والله يعلم أتُفتح السجون هذا العام كما فتحتها في العام الماضي؟ والله يعلم أبقي في طاقة الشعب ما يمكنه من الصبر ويعينه على الاحتمال؟..
ليتعز هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزى وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر وحين يبلغ منه اليأس ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفوقون في الخصام، وينتهي الأمر إلى أن تظفر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رؤوس الوزراء!!
كوكب الشرق ٦ — ٦ — ١٩٣٣
جنون
Share:
Leave a Reply