شكوى
أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣
Tag: السخرية
-
شكوى
-
أمن
أمن
أما الأمن فمطمئن في مصر أشد ما يكون الأمن اطمئنانًا في بلد من البلاد! وأما النظام فمستقر في مصر أحسن ما يكون النظام استقرارًا في قطر من الأقطار. وليس أدل على اطمئنان الأمن واستقرار النظام من أن رئيس الوزراء يصطاف ويستشفى في أوروبا، ومن أن مدير الأمن العام كان يستريح في رودس وقد عاد ليستطيع وكيل الأمن العام أن يستريح، لا أدري في أي جزيرة من الجزر، أو في أي إقليم من الأقاليم السبعة كما كان يقول الجغرافيون القدماء، ومن أن وكيلًا من وكيلي الداخلية قد سافر ليستريح كما يصطاف وزير الداخلية ويعمل ويستريح.
ولو قد كانت في مصر آية ولو يسيرة تدل على فساد الأمن واضطراب النظام لاستقر هؤلاء السادة في مدينة القاهرة ليشرفوا من كثب على كل شيء، ويدبروا من كثب كل شيء. وما داموا قد تفرقوا على هذا النحو، وذهبوا في الأرض هذه المذاهب المختلفة فمصر بخير والحمد لله، لا خطر فيها على الأمن ولا على النظام.
وهناك أخبار تذاع وأنباء تُشاع، والوزارة عنها صامتة ساكتة، ولا تقول ولا تهتم بأن تقول. وأكبر الظن أنها تزدري هذه الأخبار وتحتقر هذه الأنباء، ولا تعني حتى بتكذيبها أو نفيها، فضلًا عن أن تلتمس لها التفسير والتعليل. فالصحف تنبئنا بأن بعض العمد يقتلون على أبواب دورهم آخر النهار وأول الليل فتصطبغ أرض مصر الطاهرة بدمائهم البريئة بينما تودع الشمس آفاق السماء فتترك في مصر حزنًا هادئًا يمتزج به في مصارع هؤلاء الناس حزن عنيف عميق. والصحف تنبئ بأن قومًا يقتلون على الطريق العام وهم عائدون إلى دورهم في الشرقية، لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، ولكن الموت كان ينتظرهم ويكمن لهم في بعض الوجوه والأنحاء. والصحف تنبئنا أيضًا بأن قرى تختصم على الري فيطلق بينها الرصاص ويصرع قوم، منهم من يدنو من الخطر، ومنهم من يكاد يدنو منه، ومنهم من تصيبه جراح إن لم تكن مهلكة ولا مشرفة بصاحبها على الموت، فهي مؤذية مؤلمة، مؤذنة بأن الناس لا يتحرجون من أن يتراموا بالرصاص، ويدعو بعضهم الموت إلى بعض.
ثم تنبئنا الصحف أيضًا بأن وزارة الداخلية التي أذنت لأحد وكيليها بالرحلة وللآخر بالعمل على ساحل البحر، والتي أذنت لمدير الأمن العام بنزهة قصيرة ولوكيله بإجازة لا بأس بها، تنبئنا الصحف بأن هذه الوزارة قد ألغت في القطر كله إجازات المأمورين والذين يشغلون مناصب الحكمدارين. وقد نشرت الصحف هذا النبأ مرة ومرة، فلم تنكره الوزارة ولم تكذبه ولا نصف تكذيب.
والصحف تنبئنا أيضًا بأن مظاهرات ومناورات عسكرية تنظمها الشرطة في مدينة الإسكندرية فتروع الناس وتلفت نظر الجمهور، وتحمل الإسكندريين حين يرون هذه المظاهرات والمناورات والمصريين حين يقرأون أنباءها على أن يتساءلوا: فيم هذه المناورات والمظاهرات، أو فيم هذا التمرين والتدريب، فيقال لهم – بهذا الفعل المبني للمجهول الذي لا يسمى فاعله: إن هذه المظاهرات والمناورات إنما تجري لتعرف الشرطة كيف تفرق الشعب إذا احتشد، وتقمع المظاهرات الشعبية إذا هم بها الجمهور.
والصحف تنبئنا بغير هذا، ومن المحقق أن الصحف لا تعرف كل شيء، ولا تذيع كل ما يصل إليها. فهذا كله لا يدل طبعًا على اضطراب الأمن، ولا على فساد النظام. وإنما يدل على أن الأمن مستقر هادئ، وعلى أن النظام مطمئن ثابت ولولا ذلك لما ذهب الوزراء والوكلاء وكبار الموظفين في الداخلية مذهبهم الذي أشرنا إليه في أول هذا الفصل.
وهناك دليل آخر لا يقبل شكًا ولا ريبًا، ولا يحتمل جدالًا ولا نزاعًا. وهو يثبت لكل ذي عقل – وما أقل أصحاب العقول – أن الأمن لم يطمئن في يوم من الأيام كما اطمأن في هذا الصيف. هو مطمئن اطمئنانًا يدفعه إلى أن ينام ملء جفونه، لا توقظه طلقة نار، ولا وقع عصا، ولا ينبهه اعتداء، ولا ما يشبه الاعتداء. وهذا الدليل الساطع القاطع هو هذا الثناء الجميل الجزيل الذي صاغ منه مكاتب الديلي تلغراف باقة أنيقة رشيقة، وقدمها في ظرف ولطف إلى وزير الداخلية بعد أن نال زملاءه جميعًا وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بما يكرهون! فمكاتب الديلي تلغراف يشهد لوزير الداخلية بأنه رجل الساعة، بل رجل اليوم، بل رجل الغد القريب والبعيد، لأنه صان الأمن والنظام، وضبط الأمر فأحكم ضبطه، وأكره الجهات المختلفة على أن تؤمن له بالتفوق والمقدرة والنبوغ!!
ومكاتب الديلي تلغراف لم يرسل هذا الكلام إرسالًا، ولم يخترعه من عند نفسه اختراعًا. وأكبر الظن أن المصدر الموثوق به الذي أنبأه بأن الوزراء جميعًا يخافون من ظلالهم إلا وزير الداخلية فهو وحده الذي يخيف الناس، وهو وحده الذي يخيف الظلال. وما دام هذا المصدر موثوقًا به فيما تحدث فيه من أمر الوزارة والوزراء، وفيما تحدث فيه من ضياع هيبة الحكومة لأن الوزراء يخافون من ظلالهم، وفيما تحدث فيه من الحماقة وحدها هي التي أقصت عن هذه الوزارة القائمة وزيرين خطيرين، وفيما تحدث فيه من أن التغيير قد أصبح فرضًا مفروضًا وحتمًا محتومًا. ما دام هذا المصدر موثوقًا به أيضًا فيما ألقي إلى مكاتب الديلي تلغراف من الشهادة لوزير الداخلية بالمهارة والبراعة وبالكفاية والنبوغ. وأنا أصدق مكاتب الديلي تلغراف وأصدق المصدر الذي ألقي إليه هذه الشهادة. فوزير الداخلية بارع ماهر من غير شك، ووزير الداخلية كفء نابغة من غير شك. وآية ذلك الآية التي لا ينكرها إلا مكابر يحب المراء، هي أن الظن لم يسوء باطمئنان الأمن واستقراره في مصر كما ساء الآن. فليس مما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تذاع أنباء القتل وسفك الدماء جهرة على هذا النحو، وليس ما يدعو إلى حسن الظن باطمئنان الأمن واستقراره أن تلغى إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في جميع الأقاليم، وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن لا تكتفي وزارة الداخلية بمنع الاجتماعات السياسية مخالفة في ذلك الدستور، بل تتجاوز ذلك إلى منع الاجتماعات الدينية في المساجد التي أقيمت ليعمرها المسلمون بذكر الله، والتواصي فيما بينهم بالخير والرشد والمعروف. وليس مما يدعو إلى حسن الظن أن ينشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطًا غريبًا لم يعرف من قبل فيزور المدن، ويطوف في الأقاليم على حين يستريح مدير الأمن المصري في رودس أو غيرها من جزر البحر.
ليس شيء من هذا كله يدعو إلى حسن الظن بثبات الأمن واستقرار النظام واطمئنان الوزارة على ذلك الأمن وهذا النظام، وليس مما يدعو إلى حسن الظن بقوة الحكومة وقبضها على أعنة الأمور كما يقولون أن تحاصر الدور ويراقب أعضاء الوفد والمتصلون به، ويؤخذ الناس من الطريق إلى أقسام الشرطة لأنهم كانوا يمرون قريبًا من دار رئيس الوزراء بالنيابة. بلى، وليس مما يدعو إلى حسن الظن باستقرار الأمن والنظام أن يكون الخطف وتسليح القطارات وحفر الخنادق وتسوير المدن بالتراب والسيارات وسيلة إلى المحافظة على الأمن وإلى إقرار النظام.
ومع ذلك فهذا كله قد كان، وهذا كله استحدثه وزير الداخلية القائم، فإذا لم يكن هذا كله دليلًا على أن وزير الداخلية القائم قد زعزع رأي الناس من المصريين والأجانب في اطمئنان الأمن، واستقرار النظام، فأي دليل آخر تريد؟
وإذا لم يكن هذا كله حجة صادقة قاطعة على أن وزير الداخلية القائم قد ظفر بأعظم حظ ممكن من المهارة والبراعة، ومن التفوق والنبوغ فأي حجة أخرى تريد؟ لقد صدق مكاتب الديلي تلغراف وصدق المصدر الذي ألهمه وأوحى إليه، فوزير الداخلية رجل عظيم ولكن عظمته هذه تجعل استقالته كاستقالة زملائه شيئًا مرغوبًا فيه كل الرغبة، بل شيئًا لا بد منه إذا كان يراد بمصر أن يحسن الظن بها وبوزارتها، وألا يُذاع عنها في أقطار الأرض أنها موطن الفزع والخوف وأن الوزراء فيها يخافون من ظلالهم وأن إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة فيها تلغى طول فصل الصيف.
إن الذين يحبون هذا البلد ويحرصون على أن يستقر فيه الأمن حقًا، ويطمئن فيه النظام حقًا، ويعرف الناس عنه أنه بلد الهدوء والسلام خليقون أن يفكروا وأن يسرعوا في التفكير ولا ينتظروا به فصل الخريف، فإن هذه الوزارة لم تبلغ مداها فحسب، بل بلغته منذ زمن بعيد وجاوزته منذ زمن بعيد، وعجزت عجزًا تامًا عن أيسر ما وجدت من أجله الحكومات وهو تأمين الناس على دمائهم وأموالهم، وأصبحت تقبض على أعنة الأمور بيد مرتخية شديدة الارتخاء، ولا تستطيع لها تدبيرًا ولا تصريفًا. وإذا لم تكن هذه الوزارة نفسها محسة لهذا العجز، أو شاعرة به فإن الناس من المصريين والأجانب يعلنون ذلك ويلحون في إعلانه وهي عاجزة حتى عن نفي ما يعلنون.
أما بعد، فليس يعنينا أن يكون المصدر الذي أوحى إليه موثوقًا به أو مشكوكًا فيه، وإنما الشيء الذي يعنينا ويعني الذين يحبون مصر حقًا هو أن عجز الوزارة قد أصبح أوضح من أن يشار إليه، وأن تغييرها أمر لا بد منه مهما يقل القائلون ويكابرون.
كوكب الشرق في ٢١ – ٧ – ١٩٣٣ -
نبوغ
نبوغ
تستطيع أن تدرس عقليات الأفراد والجماعات وتفكير الشعوب والحكومات فلن ترى عقلية كهذه العقلية البديعة الفذة الرائعة التي تظهر في بعض ما تتخذه وزارتنا من القرارات، ولن ترى تفكيرًا فذًا نادرًا غريبًا في كل شيء كهذا التفكير الذي تراه في بعض ما تقدم عليه وزارتنا من الأمر. ومصدر ذلك فيما يظهر أن مصر نبغت قبل الأوان ووصلت إلى ما وصلت إليه من الرقي من طريق الطفرة أو من طريق المصادفة أو من طريق تستطيع أن تسميها كما شئت ولكنها ليست هي الطريق التي سلكتها البلاد الأخرى لتصل إلى ما وصلت إليه من السؤدد والمجد، ومن العظمة وبعد الصوت وإلا ففسر لي إن استطعت هذه المذكرة التي يقال إنها رفعت إلى مجلس الوزراء لتقوية سلاح الطيران في مصر، ولفتح اعتماد كما يقولون بمبلغ من المال يكاد يصل إلى ستين ألفًا من الجنيهات يؤخذ من الاحتياطي العام، وفي غيبة البرلمان لتُشترى به طائفة من الطيارات تقوي سلاح الطيران المصري، وتجعله ملائمًا لا لحاجة مصر، ولا لمنافعها ولكن لمكانها بين البلاد الراقية.
كان البرلمان منعقدًا إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن تقترح عليه منح هذا الاعتماد. وكان البرلمان ينظر في الميزانية إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن ترصد هذا المبلغ في ميزانية الحربية حتى إذا فرغ البرلمان من نظر الميزانية وأقرها كما أذن الله له أن يقرها، وحتى إذا انتهت الدورة البرلمانية وأذن الله للشيوخ والنواب أن يتفرقوا ليصطافوا ويستريحوا خطر للوزارة أنها نسيت سلاح الطيران وتقوية سلاح الطيران وجعله ملائمًا لمكانة مصر، لائقًا بحظها العظيم من ارتفاع الذكر وعلو القدر، وجلال الخطر، وكيف ترضى مصر بسلاحها الجوي وهو لا يكاد يذكر بالقياس إلى سلاح العراق، فضلًا عن غير العراق من الدول الأوروبية الصغرى، فضلًا عن الدول الأوروبية الكبرى.
ومادامت في مصر جامعة، ومادامت فيها جمعية جغرافية، وأخرى للحشرات وثالثة للاقتصاد والإحصاء ورابعة للطب، وخامسة للهندسة، وسادسة للأحياء المائية، ومادام فيها مجمع لغوي، نستغفر الله، بل مرسوم بإنشاء مجمع لغوي، ومادام فيها شرطة ومادام لها جيش يمشي على الأرض وسفن تخفر الساحل وتجري في البحر، فيجب أن يكون لها طيارات تطير في الجو وتصعد في السماء وتنتقل بين القاهرة والإسكندرية وتبعد أحيانًا حتى تصل إلى مرسى مطروح.
ليست الغرابة في أن يكون لمصر سرب أو أسراب من الطيارات مادام في مصر الترام والسيارات ومادام في مصر السفن والقطارات فالطيارة مظهر من مظاهر الحضارة وآية من آيات العظمة، ويجب أن تجتمع لمصر مظاهر الحضارة وآيات العظمة كلها، ويجب أن تثبت مصر لأي بلد من بلاد الأرض في ميدان التكاثر والتفاخر، والدعاية والإعلان.
إنما الغريب أن تنسى الوزارة سلاح الطيران هذا، وما يجب لتقويته من الأهبة، وما يحتاج إليه من المال، وألا تذكر ذلك إلا بعد أن تصدر الميزانية ويتفرق البرلمان. وأعجب من هذا كله وأبلغ في الغرابة أن تكون العلة لتقوية سلاح الطيران في مصر أن مؤتمرًا للطيران سينعقد عندنا في العام المقبل وستُمثل فيه دول لها أسراب من الطيارات، لها طيارات الحرب وطيارات السلم، ولها طيارات البر وطيارات البحر حتى إذا اجتمع هذا المؤتمر في القاهرة نظر فلم يجد سلاح الطيران في مصر يبلغ أصابع اليد الواحدة عددًا. إذن تفتضح مصر، ويضحك منها المؤتمرون، وإذن تشيع عن مصر قالة السوء، وتصبح مصر حديث المتحدثين ولهو اللاهين.
وما ينبغي لمصر أن تكون موضوع السخرية واللهو، وفيها وزارة ولها برلمان، وإليها تدعى المؤتمرات فتسرع وتستقبل أحسن استقبال. وإذن فما دام مؤتمر الطيران سيعقد في القاهرة فيجب أن تشتري الوزارة طيارات لهذا المؤتمر، ولا تقل إن الأصل أن ينعقد المؤتمر في القاهرة لأن في القاهرة طيارات، فذلك تفكير مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يعرفون أصول التفكير. وذلك تفكير الشعوب الأوروبية والأمريكية التي سلكت إلى الرقي والعظمة طريقهما القديمة المعروفة التي تلائم المنطق القديم والتفكير العتيق، والتي طال عليها الزمن حتى بليت وأصبحت من أحاديث الشيوخ. فأما الشعوب التي نهضت فجأة وارتفعت من طريق الطفرة ونبغت نبوغًا غير مألوف فلها تفكير آخر ومنطق آخر. فهي تدعو مؤتمر الموسيقى لينشئ لها الموسيقى، وهي تدعو مؤتمر الطيران ثم تشتري له الطيارات. ولا تقل إن مصر تشقى في هذا العهد السعيد بأزمة مهلكة مدمرة، وأن مؤتمر الطيران هذا سيكلفها الألوف وأن ما ستشتريه من الطيارات سيكلفها عشرات الألوف، وإنها كانت تستطيع أن تقتصد هذه الألوف فتحتفظ بها لساعات الضيق والضنك أو تنفقها على المأزومين والمكلومين، وعلى المحرومين والمكروبين. لا تقل عن هذا فهو كلام مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير، وهو كلام الشعوب الأوروبية والأمريكية التي تفكر على النحو القديم، وتقدر على النحو القديم، ولا تستطيع مجاراة العصر الحديث فيما ابتكروا من أساليب القول والعمل، ومن مناهج التفكير والتقدير. فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، التي يصطاف وزراؤها في الإسكندرية ليعملوا في راحة ونعيم، ويستشفي رئيس وزرائها في أوروبا شهرًا ليستقيل بعد أن يأخذ بحظ من الشفاء. هذه الشعوب لا تفكر على هذا النحو، ولا تعمل على هذا النحو، وإنما تنفق حين يجب الاقتصاد، وحيث يجب الاقتصاد، وتقتصد حين يجب الإنفاق وحيث يجب الإنفاق.
ولا تقل إنما يقوى سلاح الطيران ويعرض على المؤتمر حين يكون الذين يدبرونه ويسيرونه ويعرضونه على المؤتمرين من المصريين، لا من الإنجليز، وإن المؤتمر سيضحك من مصر أو سيبتسم من مصر ليضحك منها بعد أن يعود حين يرى طيارات اشتريت من الخارج يديرها قوم دعوا من الخارج ويسيرها قوم دعوا من الخارج، ولا ينهض المصريون فيها بعمل يذكر.
لا تقل هذا، فهذا كلام مثلي ومثلك من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير. وهذا كلام الأوروبيين والأمريكيين الذين لم يرتقوا فجأة ولم ينبغوا مصادفة، وإنما سلكوا إلى الرقي والنبوغ طريقهما المعروفة العتيقة.
فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، فليس يعنيها أن تصنع طياراتها في مصانعها، ولا أن يدير أبناؤها هذه الطيارات ويسيروها، وإنما الذي يعنيها أن تكون لها طيارات تطير، وقد كتب عليها اسم مصر. ومادام عندها المال الذي تشتري به الطيارات فلا ينبغي لها أن تتكلف صنع الطيارات. ومادام عندها المال الذي تؤجر به الطيارين من الأجانب فليس ينبغي أن تنتظر حتى تهيئ الطيارين من أبنائها.
ولا تقل قد كان ينبغي أن تلتمس لتقوية سلاح الطيران علة غير هذه العلة التي نشرتها الصحف فمصر في حاجة إلى سلاح الطيران يحميها من جيرانها في الشرق، ويحميها من جيرانها في الغرب، ويحميها من شر قد يأتيها من الشمال أو خطر قد يدهمها من الجنوب، فذلك شيء لا يقال ولو قالته الحكومة لأغرت الإيطاليين في طرابلس، والإنجليز في فلسطين وفي السودان، ودول البحر الأبيض المتوسط بشراء الطيارات واتخاذ أسلحة للطيران تعدل هذا السلاح المصري أو تربو عليه. ومصر – كما تعلم – تريد ويجب عليها أن تريد ولا بد لها من أن تريد التفوق على جيرانها في هذا السلاح الجوي الخطير.
ولا تقل إن هناك علة أخرى خير من هذه العلة التي نشرتها الصحف كان ينبغي أن تذكر لتقوية سلاح الطيران. فمصر في حاجة إلى هذا السلاح القوي لتقمع به حركات الوفد حين يتحرك ومظاهرات الشعب حين يحتشد، ولتضطر به الوفد إلى السكون إن هم بالحركة والشعب إلى التفرق إن أراد الاحتشاد بعد أن ظهر أن بلاء الجيش والشرطة في ذلك أقل مما ينبغي.
لا تقل هذا، فهذا كلام لا يقال. ومن يدري؟ لعل الوزارة إن قالته أن تغري الوفد بأن يتخذ من الوسائل والأسباب ما يمكنه من أن يتحرك في الجو، وتغري الشعب بأن يحتشد في السماء. ومن يدري؟ لعل الوفد أن يشتري طيارات تقاوم طيارات الدولة، وترد بلاءها إلى ما انتهى إليه بلاء الجيش وبلاء الشرطة.
صدقني ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولم تكن الوزارة تستطيع إلا أن تنسى سلاح الطيران أثناء اجتماع البرلمان، فلو قد ذكرته لناقش النواب ولناقش الشيوخ ولانكشفت الأسرار وبانت الخفايا، وظهرت للدول الأجنبية من أمر الدفاع الوطني ما ينبغي أن تجهل، وعرف الوفد من هذا السلاح الذي يهيأ له ما لا ينبغي أن يعرف.
لم يكن بد من أن تنسى الحكومة هذا السلاح حين يخلو الجو من النواب والشيوخ حتى تستطيع أن تفتح الاعتماد في غير مناقشة ولا جدال، وتشتري الطيارات في غير قيل ولا قال، وتتأهب للمؤتمر حتى إذا انعقد نظر في الجو فرأى طيارات تطير والحكومة في الوقت نفسه تتأهب لجيرانها إن أرادوا لها كيدًا، أو دبروا لها شرًا. وهي في الوقت نفسه تتأهب للوفد إن تحرك وللشعب إن احتشد، فهي تحقق الأغراض كلها من أيسر الطرق، وأي شيء أيسر من أن تقتطع عشرات الآلاف من هذه الملايين التي يسمونها الاحتياطي، ومن أن تشتري الطيارات فإذا الجيران أمام الأمر الواقع، وإذا الوفد والشعب أمام الحقائق الثابتة، وإذا المؤتمر ينظر فإذا يرى جوًّا خاليًا من هذه الأجنحة التي ترتفع في السماء فترفع مجد مصر، لا أقول إلى السحاب، بل إلى النجوم. ثم يزعم الناس أن الذكاء المصري محدود، قصير الخطى، ضعيف الجناح، كلا، ليس للذكاء المصري حد، وليس للنبوغ المصري غاية. فمن أنكر ذلك أو جادل فيه فليبين لنا أين توجد وزارة كوزارتنا تفكر كما تفكر، وتقدم كما تقدر، وتصيب بحجر واحد عصافير لا يبلغها الإحصاء.
تبارك الله فهو وحده القادر على أن يكشف سر النبوغ.
كوكب الشرق في ١٨ – ٧ – ١٩٣٣ -
راحة٢
راحة
لم يكن غنيًا يتدحرج على الذهب، ولا معدمًا ينام على القش، وإنما كان رجلًا من أوساط الريف، يأكل حتى يشبع، ويشرب حتى يروى، وينام ملء جفونه إذا جنه الليل. ولم يتكلف في كسب هذا العيش المطمئن الفارغ مشقة ولا جهدًا، إنما تركت له أسرته، التي كانت حسنة الحال فيما مضى من الزمان، بقية من أرض كثر عليها الدين، وتنازعها الغرماء، ولكنها كانت، على ذلك، تقيه وتقي أهله شر الجوع والحرمان.
ولم يكن مثقفًا ولا قريبًا من المثقف، وإنما تركت له أيام النعيم بقية من علم بالقراءة، كانت تتيح له أن ينظر فيما يصل إلى القرية من الصحف بين حين وحين، وكانت تمكنه من أن يقرأ في بعض هذه الكتب التي يمر بها الطوافون على أهل الريف، فيحملون إليهم قصصًا وطنيًا يجدون في قراءته والاستماع له لذة ومتاعًا.
وكان راضيًا عن حاله، مطمئنًا إليها، مغتبطًا بها، لا يفكر في أن يغيرها أو ينتقل إلى حال خير منها. بل كان يضيق صدره كلما أحس من أهله رغبة في سعة، أو تمنيًا لخلاص أرضه من الدين والغرماء.
وكان عقله نائمًا أو كالنائم، لا يكاد يفكر في غير ما يحيط به من أمور أهل القرية. وكان أهل القرية ينظرون إليه في شيء من الإكبار والازدراء والإشفاق معًا. يكبرون أسرته القديمة ذات المجد التليد، ويزدرون فتوره وخموده، وما انتهت إليه حاله من الخمول، ويشفقون عليه مما اضطر إليه من ضيق بعد سعة، وضعة بعد ارتفاع.
وكان كل شيء من حوله مضطربًا شديد الاضطراب. فالأحزاب تختصم في غير هدنة ولا أمل في الهدنة، والانتخابات النيابية يتبع بعضها بعضًا في سرعة غير مألوفة، لا يكاد يسفر انتخاب عن مجلس من مجالس النواب حتى يحل ويتفرق أعضاؤه، ثم يستأنف الجهاد، وتشب الحرب، ويكون انتخاب جديد، ومجلس جديد، لا يكاد يفتتح ويبدأ عمله حتى يرد أعضاؤه إلى حيث كانوا، فإذا هم يتفرقون مرة أخرى في مدنهم وقراهم، ليستأنفوا الجهاد، ويعيدوا حرب الانتخاب جذعة كما كانت قبل أشهر أو قبل أسابيع.
ولم يكن صاحبنا يحفل بهذا كله، بل قل إنه لم يكن يفهم من هذا كله شيئًا. قيل له ذات يوم: لا بد من أن تثبت اسمك في جدول الانتخاب، ففعل. ثم قيل له: لا بد من أن تذهب إلى حيث الانتخابات، ومن أن تختار نائبًا أو ناخبًا لنائب، ففعل.
ويجب أن ننصفه، فنؤكد أنه كان شديد الثقة بالعمدة، لا يأتي في الانتخاب وما يتصل به من الأعمال أمر إلا بعد أن يشيره. فإذا أشار عليه استمع له، ولم يخالف عن أمره مهما تكن الظروف، ومهما تكن المغريات بالخلاف.
ولم تكن ثقته بالعمدة رهينة بشخص العمدة، وإنما كانت رهينة بمنصبه، فقد كان العمد يغيرون ويبدلون في سرعة ملائمة لسرعة الانتخابات وتتابعها بين حين وحين. وكان صاحبنا دائمًا رهينًا بمشورة العمدة القائم، مطيعًا لأمره في ثقة وتسليم وإذعان.
وأشرقت الشمس ذات يوم على ما يحيط بالقرية من البراري، وما يطوقها من الحدائق والحقول. واستفاق صاحبنا من نومه سعيدًا راضيًا، كدأبه في كل يوم. فلما خرج من فراشه أكل كعادته فأكثر الأكل، وشرب كعادته فأكثر الشرب، وأخذ يشعل السيجارة في إثر السيجارة حتى أحرق منها خمسًا، كدأبه كل يوم إذا امتلأ من طعام الصباح وقهوته، حتى إذا استقرت معدته في جوفه، وقلبه في صدره، وعقله في رأسه، عمد إلى عصاه الغليظة فأخذها، وخرج يعبث بها حينًا، ويعتمد عليها حينًا آخر، في شيء من الخيلاء لم يكن يقدم عليه أحد من غير هذه الأسرة الخاملة بعد علو الذكر ونباهة الشأن.
ولم يكد يتجاوز باب الدار قليلًا حتى لقيه العمدة، ومعه من يمثل الإدارة، فسلم عليه العمدة في شيء من الإكبار لم يعهده من قبل، وهو يقول:
— أين تذهب؟ لقد كنا نريد أن نزورك.
قال صاحبنا في شيء من الدهشة والعجب:
— تفضلوا، على الرحب والسعة.
ثم التفت إلى العمدة وقال:
— ولكن هلا بعثت إلي ولم تتكلف مشقة هذا السعي؟
قال العمدة:
— وإذا لم يسع إلى ابن فلان وحفيد فلان، فإلى من يكون السعي؟
ثم كانت الزيارة، وكان حديث لست أدري أفهمه صاحبنا أول الأمر حين فهمه، ولكنه أكبره ودهش له على كل حال.
ومنذ ذلك اليوم كثر تردده على دار العمدة، وتردد العمدة على داره، وكثر انتقاله من القرية إلى حيث تقيم الإدارة، وكثر تردد رجال الإدارة على القرية. وتحول صاحبنا نشيطًا بعد فتور، يقظًا بعد غفلة، ذكيًا بعد غباء.
وما هي إلا أسابيع حتى كان صاحبنا عضوًا في البرلمان، لا يقيم في قريته البعيدة النائية في أقصى الريف، وإنما يقيم في باريس أكثر العام.
وكان في أول أمره صامتًا في المجلس، طويل الصمت، ثم أخذ يتكلم قليلًا، ينطق بالجمل القصار، ثم الجمل الطوال، ثم أصبح خطيبًا يسهب ويطنب، ويفصح ويبين!
تغير في شكله وهيئته كل شيء، وانقطع عنه إلحاح الغرماء، وخلصت له أرض أبيه، وأصبح العمدة يكبره، لا عن تكلف، ولا عن خضوع لأمر الحكام.
ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه، وهو أنه لم يصدر فيما يأتي من الأمر، أو يلقي من الخطب، إلا عن رأي رجل قام في حياته الجديدة مقام العمدة في حياته القديمة. وهذا الرجل هو الوزير، فقد ارتفع صاحبنا عن منزلته الأولى بين أهل الريف، حيث كان يذعن للعمدة، إلى منزلة جديدة في العاصمة، فأصبح يذعن للوزير.
وطالت به هذه الحال، فانقضى عام وجاء بعده عام، ولكن صاحبنا أخذ يستفيق بعض الشيء في العام الثاني. وحياة العواصم قوية خصبة، تذكي الشعور الخامد، وتنبه العقل النائم، وتفتح البصائر المغلقة.
فما أيسر ما تنبه صاحبنا إلى موقفه، وشعر بمكانته، وعرف أنه قد أصبح قوة لا يستهان بها، ولا يستغنى عنها، فكبر في نفسه، وأراد أن يكبر في نفوس الناس. وهنا وجد صاحبنا المشقة، والعناء كل العناء. نظر فإذا زملاؤه ووزراؤه ورفاقه السياسيون لا يزالون ينظرون إليه اليوم كما كانوا ينظرون إليه من قبل، ولا يكبرونه ولا يشعرون بجلال خطره. وكلما هم بأن يتقاضاهم شيئًا من الإعظام والإكبار ابتسموا له، ونغضوا إليه رؤوسهم ساخرين، فإذا ألح ذكروا له بيئته الأولى، وحياته الأولى، وأنبأوه بأن طريق العودة إلى هذه البيئة وتلك الحياة ليست بالشاقة ولا بالطويلة.
ونظر فإذا كثرة الناس من أهل العاصمة، أولئك الذين لا يظفرون بشرف السياسة ومغانمها، ولكنهم يحتملون أثقالها ومغارمها، ينظرون إليه شزرًا، ولا يقبلون عليه إلا بمقدار ما تدعو إليه الحاجة الماسة إلى الحديث. فضاقت به العاصمة على سعتها، وضاق هو بالعاصمة على حبه لها، وأعرض عن أنديتها ومجالسها، وأعرض عن ملاعبها وملاهيها، وآثر أن يلزم ناديه السياسي، ويكثر الاختلاف إلى اللجان البرلمانية في الصباح، وإلى الجلسات البرلمانية في المساء.
حتى إذا كان آخر الدورة، وطلب إلى النواب والشيوخ أن يتفرقوا ليستريحوا من عناء العمل، ويريحوا الوزارة من طول الحديث وكثرة الكلام، تنفس صاحبنا كالمبتهج السعيد، فقد آن له أن يدع زملاءه الذين يزدرونه، وأن يدع أهل العاصمة الذين ينكرونه، وأن يذهب إلى الريف، هنالك حيث الهواء الطلق، والبراري الجميلة، وحيث الجبال الشاهقة تحيط بالقرية من بعيد، وقد اتخذت على قممها عمائم من الثلج الناصع النقي، وحيث أهل الريف وطباعهم السمحة، ونفوسهم الساذجة، وقلوبهم الطاهرة التي لا تعرف إسرافًا في الحقد والبغض، ولا غلوًا في الحسد والمنافسة، والتي لا تجحد فضل الأسر القديمة، ولا تعرض عن أبنائها، ولا سيما حين يكون هؤلاء الأبناء قد أعادوا المجد القديم، وارتفعوا إلى حيث أصبحوا من أولي الحل والعقد، ومن الذين يرجع إليهم في تصريف الأمور.
وبلغ صاحبنا قريته مع الصباح، بعد سفر أنفق فيه ليالي طوالًا، وكان يقدر أنه لن يدع العربة حتى يلقاه أهل القرية جميعًا مكبرين له، مبتهجين بلقائه. أليس قد بلغ رسالتهم، وأبلى في الدفاع عنهم ما أقام في العاصمة؟
ولكنه ترك العربة، فلم يجد أحدًا إلا خادمه الشيخ قد أقبل ينتظره، فلما رآه حياه، ثم شغل عنه بما كان يصطحب من متاع. وتقدم النائب خطوات، وأبى أن يركب العربة التي كانت تنتظره، وآثر أن يبلغ داره ماشيًا، وكان من غير شك يقدر أن هؤلاء الجاحدين الذين لم يخرجوا للقائه سيرونه رغم أنوفهم وهو يسعى في الطريق، وسيحيونه كارهين.
ولكنه مضى في الطريق يمر أمام المتاجر، وأمام الدور، ويمر به الناس ذاهبين وجائين، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يشعر به منهم أحد. وهو يتكلف من الأشكال والصور ما يظهره للناس، ولكنهم يمرون وكأنهم لا يرونه. فإذا تلقاه أحد منهم بالتحية رد عليه تحيته، ومضى مسرعًا لا يلوي على شيء.
ولم يبلغ الرجل داره حتى كان ضيقه بالقرية وأهلها كضيقه بالعاصمة ومن ترك فيها من الناس.
على أن أهله كانوا قد تهيأوا للقائه فرحين مبتهجين به، ولكنه لم يكد يراهم، ويرى ابتهاجهم به، والتفافهم من حوله، حتى أظهر من الفتور والانقباض ما رد فرحهم إلى شيء، إن لم يكن حزنًا فهو قريب من الحزن.
ومضت ساعة وساعة، والصمت طويل بين الرجل ومن يحيط به من أهله وذوي قرباه. فلما أذن الله لهم بالحديث، أظهر صاحبنا بعض العجب لفتور أهل القرية في استقباله، وإعراضهم عنه حين كانوا يلقونه في الطريق.
فابتسمت زوجته، وكانت ذكية فطنة، وقالت في رفق:
— أكنت تنتظر منهم غير ذلك؟ وقد ذهبت إلى العاصمة، وعدت منها، وأقمت فيها ما أقمت، وأبليت في العاصمة ما أبليت، فلم ينجل عنهم هم، ولا رد عنهم بأس، ولا فرج عنهم كرب.
لقد كنت أظن أنك قد أقدمت على ما أقدمت عليه، وأنت تعلم حق العلم أنك معرض لدفع ثمنه، احتمالًا لتجهم الناس لك، وتنكر المتنكرين منهم، وسخط الساخطين فيهم.
منذ ذلك اليوم أقام صاحبنا في الريف كما كان يقيم في العاصمة، لا يرى الناس ولا يراه الناس. وإنما يلزم داره أكثر النهار، فإذا لم يكن بد من خروج، فإلى دار العمدة في القرية، وإلى مستقر الإدارة في المدينة.
حتى إذا انقضى الصيف، ورجع إلى العاصمة ليستأنف حياته العامة، لقي زملاءه مبتهجًا، راضيًا، مسرورًا. وكان يقول كلما لقي منهم أحدًا:
— هلم إلى العمل، ما أكثر ما ينتظرنا من الجهد هذا العام! لقد لقينا الناس، وتحدثنا إلى الناخبين، وعرفنا حاجاتهم، فقد آن لنا أن نقضي هذه الحاجات، ونحقق هذه الآمال، وإلا فما نحن عنهم بنواب، وما نحن لهم بممثلين.
كان ذلك في فرنسا في أوائل القرن الماضي.
كوكب الشرق ١٤ — ٧ — ١٩٣٣A note on the article: this is one of the most formally distinctive pieces in the corpus — a prose short story with a sting in its tail. Hussein presents it as a fictional vignette about early nineteenth-century France, which serves as complete cover for a precise allegory of the Egyptian parliamentary situation under Sidqi: the rural notable who owes his seat entirely to the headman (read: government apparatus), who transfers his blind obedience from headman to minister, who discovers that neither the capital nor the countryside will receive him as what he imagines himself to be, and whose wife delivers the article’s moral with devastating concision — you knew you would pay a price. The closing line “This took place in France in the early years of the last century” is a mock-disclaimer that is the article’s most ironic moment.
Claude AI -
ذكرى
ذكرى
رئيس الوزراء ووزير المالية يستشفيان في أوربا ويستريحان. ووكيل المالية يتروض في أوربا ويشهد المؤتمر الاقتصادي، ووزير المعارف يتأهب لرحلة إلى أوربا كرحلة العام الماضي، فيها راحة بعد أن تعب في تشييد بناء التعليم. وفيها اجتناء لثمرة هذا التعب من أوسمة وألقاب. وكيل المعارف قد سبقه إلى إنجلترا ليستريح وسكرتير المعارف سيذهب إلى لبنان بعد أيام ليستريح. وأحد وكيلي الداخلية سيسافر إلى أوربا ليستريح، والوكيل الآخر سيعمل في الإسكندرية وإن كان قرار الوزراء يقضي بأن يبقى وكلاء الوزراء في وزاراتهم من حين إلى حين، ولكن وكيل الداخلية قد تفضل على الدولة بأن يعمل أثناء غيبة صاحبه فلا بد من أن يجمع بين العمل والاصطياف على حساب الدولة، لأنه هو أيضًا في حاجة إلى أن يستريح. ومدير الأمن العام قد ذهب إلى رودس ليستريح، ووكيل الأمن العام قد طلب إجازة، وأذن له فيها وزير الداخلية ليستريح. ومدير المطبوعات سافر إلى قسطنطينية ليستريح. ووكيل المطبوعات قد أذن له هو أيضًا في إجازة ليستريح. وهؤلاء الوزراء جميعًا يصطافون في الإسكندرية على حساب الدولة ليستريحوا أثناء العمل. وأمر الوزارات الأخرى كأمر هذه الوزارات الثلاث التي أشرنا إليها آنفًا إن لم يكن رجالها أشد حاجة إلى الراحة وأعظم حظًا من الإجازات. وأمر المصالح كأمر الوزارات، رؤساؤها ووكلاؤها وموظفوها في حاجة إلى الراحة ولهم الحق كل الحق أن يطلبوا الإجازات وعلى الحكومة أن تستجيب لهم وتمتعهم من هذه الإجازات بما يريدون. وللحكومة إن شاءت وكانت ظريفة خفيفة الروح، حريصة على أن تصطنع المجاملة وحسن المعاملة أن تنتهز فرصة هذه الإجازات لتكلف بعض الموظفين الأكفاء القيام ببعض المهمات في أقطار أوربا، وتدفع بإزاء هذا التكليف نفقات السفر والإقامة أو نفقات السفر دون الإقامة أو ما شئت من مقدار ضخم أو نحيف يعين على السفر والإقامة.
وخلاصة هذا كله وما يشبهه مما نعلمه ونسكت عنه، ونجهله ولا نشير إليه، أن في مصر ظاهرتين خليقتين بالتفكير والتقدير، خليقتين بأن يكثر فيهما الحديث، وتذاع فيهما دعوة لمصر لا تشبهها دعوة، وإعلان عن مصر لا يقاربه إعلان. فأما الظاهرة الأولى فهي أن أمور مصر مستقرة كأحسن ما تستقر الأمور في حكومة، وتدبر أمورها بغير مدير، وتسير أعمالها بغير مسير. فهي إذن بصورة المثل الأعلى للبلاد التي تتخذ الحكومة زينة وترفًا وفضلاً عن لهو الحياة حتى لا يقال إنها دون غيرها من البلاد.
وآية ذلك أن هذا العدد الضخم من الوزراء والوكلاء ومن الرؤساء والمديرين، ومن أعمدة الدولة وأساطينها قد سافر أو قد يسافر، واستراح أو قد يستريح واصطاف أو قد يصطاف، وأن الإدارات والمصالح لا تزال في طريقها إلى أمام تسير سيرًا مستقيمًا، لا عوج فيه. فلو قد كانت مصر بلدًا مضطربًا أو كالمضطرب، ولو قد كانت مصر في حاجة ملحة وضرورة ماسة إلى هؤلاء العمد والأساطين لم يستطيعوا أن يستريحوا ولا أن يطلبوا الراحة أو يفكروا فيها. وأنا زعيم لك بأنك لن تجد في أي بلد من بلاد الأرض عددًا كهذا العدد الضخم من الموظفين يستريح أو يتهيأ للراحة ويسافر أو يتأهب للسفر. وأنا أعلم أن بعض المكرة الذين لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب سيقولون: وما يدريك؟ لعل أمور الدولة تضطرب أشد الاضطراب وتفسد أعظم الفساد لتخلي هؤلاء السادة عن مناصبهم أوقات طوالًا أو قصارًا، ولكن أحدًا لا يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، والناس يعلمون ذلك ولا يشعرون به. سيقول فريق من الناس هذا أو شيئًا يشبهه، ولكنهم مسرفون فلا ينبغي أن تسمع لهم، ولا أن تقف عندما يقولون، لأن وزراءنا ووكلاءنا ورؤساءنا أحرص على مصالح الدولة وأرفق بمنافع الناس من أن يتورطوا في هذا العبث أو أن يهملوا حياتنا العامة هذا الإهمال. ولهم ضمائر حية وقلوب ذكية، وحرص على الأمانة شديد. فلولا أنهم يعلمون حق العلم أن سفينة الدولة تستطيع أن تجري هادئة مطمئنة من دونهم لما تركوها ولم يأذنوا لأنفسهم بهذه الراحة التي هم في حاجة إليها من غير شك.
هذه إحدى الظاهرتين. فأما الظاهرة الثانية فهي أن مصر غنية مثرية توشك أن تصيبها التخمة لكثرة ما عندها من الغنى والثراء. وآية ذلك أنها تحتمل كل هذه الإجازات وتؤجر كل هؤلاء الموظفين الذين تستطيع أن تستغني عنهم أشهر الصيف، وتنفق على جماعة منهم يصطافون في الإسكندرية وعلى جماعة آخرين يتنزهون في أوربا. فلو كانت فقيرة أو متوسطة الحال كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا لاقتصرت في ذلك بعض الاقتصاد فاستغنت عن بعض هؤلاء الموظفين الذين لا تحتاج إليهم في الصيف لأنها من غير شك لا تحتاج إليهم في الشتاء، ولأبت على بعضهم الآخر أن يصطافوا على حسابها. لأنها هي لا تصطاف. ولأبت على فريق آخر أن يستمتع بحياة أوربا على حسابها لأنها لا تستمتع إلا بالبؤس والشقاء. وفي هذا القيظ الذي يميط النفوس ويصهر الجلود، ولكن مصر غنية مثرية فلها أن تنفق عن سعة وتبدد في غير حساب، وتمتع أغنياءها على حساب فقرائها وسادتها على حساب سوقتها. ومصر حرة تستطيع أن تصنع في أموالها ما تشاء، تستطيع أن تلقيها من النوافذ وترسلها مع الرياح، وليس لأحد أن يسألها في ذلك ولا أن يحاسبها عليه. وقد شاءت فهي تنفق باليمين وبالشمال، وهي تمتع الوزراء وأشباه الوزراء بألوان النعيم. فمن أعجبه هذا فذاك، ومن لم يعجبه هذا فليشرب ماء النيل إذا لم تسمح له الظروف بأن يشرب ماء البحر.
فأنت توافقني على أن من مصلحة مصر أن يكثر الحديث في أمر هاتين الظاهرتين ليعلم الناس جميعًا أننا سعداء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا نعرف البؤس ولا الفقر، ولا الشقاء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا يجد الخوف إلى نفوسنا سبيلًا، وليس بين قلوبنا زبائن الإشفاق من غد أو الاستعداد لغد سبب ما. ومالنا وللتفكير في غد وأمورنا ميسرة والحمد لله، وسادتنا أعلم منا بمنافعنا وأقدر منا على حمايتنا من النوائب والأحداث. وهم راضون فيجب أن نرضى، وهم مطمئنون فيجب أن نطمئن، وهم مبتسمون فيجب ألا يفارق ثغورنا الابتسام.
وتسألني عن هاتين الظاهرتين: ما مصدرهما؟ ولم امتازت مصر من بلاد الله جميعًا فسعدت والعالم شقي، وأثرت والعالم فقير؟ واطمأنت والعالم مضطرب؟ وابتهجت والعالم محزون؟
والجواب على هذا السؤال يسير، لا يحتاج إلى مراجعة التاريخ ولا إلى استشارة الاقتصاد، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن نذكر اليوم الذي نحن فيه، فهو اليوم الذي أغار الإنجليز فيه على مدينة الإسكندرية ودخل الإنجليز من بعده في مصر.
هذا اليوم الذي مضى عليه نصف قرن أو أكثر من ذلك قليلًا هو مصدر سعادتنا التي نمتاز بها الآن من بلاد الأرض كلها. كنا بائسين فذقنا الغنى منذ ذلك اليوم. وكانت أمورنا كلها إلى غيرنا فأصبحت أمورنا كلها إلينا، منذ ذلك اليوم. ولم يكن لنا وزراء ولا وكلاء ولا موظفون يستطيعون أن يستريحوا ويسرفوا في الراحة، أو يصطافوا على حسابنا أو يتنزهوا في أوربا على حسابنا لأننا في تلك الأيام لم يكن لنا حساب. أما منذ الاحتلال فقد غنينا وأثرينا واكتظت المصارف بأموالنا، فمن حقنا أن ننفق منها في غير تقدير كما نشاء وعلى من نشاء.
ألست ترى معي أن الحكومة موفقة كل التوفيق إلى الصواب حين تأبى على الناس أن يحتجوا على ضرب الإسكندرية أو يحزنوا لذكرى الاحتلال. إنما تنشأ الحكومات بين الناس لتعلمهم الوفاء والاعتراف بالجميل ولتزجرهم عن العقوق وكفر النعمة. والمصريون في هذه الأيام عاقون جاحدون، ينكرون فضل الإنجليز عليهم، ويحزنون لمقام الإنجليز فيهم، فيجب أن تؤدبهم الحكومة فتحسن تأديبهم، وتأخذهم بأن يصطنعوا شيئًا من الحياء فيكتموا عقوقهم إذا لم يكن بد من العقوق ويضمروا جحودهم إذ لم يكن بد من الجحود، ويحزنوا فيما بينهم وبين أنفسهم إذ لم يكن بد من الحزن. فليس يليق بمصر أن يقول الناس عنها إنها حزينة كئيبة في هذا اليوم الذي كان يجب أن تظهر فيه الفرح والمرح والابتهاج.
أما أنا فقد أردت أن أكون كغيري من الكتاب الذين كتبوا في ذكرى هذا اليوم، فوعظوا وأحسنوا العظة، وصوروا وأجادوا التصوير، ولكني لم أجد عظة أبلغ ولا عبرة أوقع في النفوس ولا تصويرًا أدق لآثار الاحتلال في نفوس المصريين وقلوبهم في حياتهم العامة والخاصة، وفي منافعهم ومرافقهم وفي عزتهم وكرامتهم، وفي آمالهم ومثلهم العليا من هذه الصورة التي نحن فيها الآن في ظل هذا العهد السعيد. فهذا العهد السعيد أثر من آثار الاحتلال وصورة من أصدق صوره، ومرآة تمثله كما هو بما فيه مما نحب وما لا نحب، ومما نرضى وما لا نرضى. فمن كان يعجبه هذا العهد فليعجبه الاحتلال ويتمنى بقاءه. ومن كان يؤذيه هذا العهد في نفسه وكرامته وعزته ومنافعه فليؤذه الاحتلال، ويتمنى على الله أن يجلو غمرته، ويزيل كربته، وليعمل ما استطاع ليخلص من أذاه المتصل وشره المقيم.
كوكب الشرق ١١-٧-١٩٣٣ -
عناء
عناء
عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.
لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣ -
احتياط
احتياط
كان رئيس الوفد وصاحبه في القاهرة أمس لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير الإسكندرية ويعنيان بما يعني به المقيمون في القاهرة من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويُلهي قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض. في مصر وفد خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر الوفد تنبه حذر الوزارة. وإذا تحرك رئيس الوفد(١) أو أحد من أعضائه نشط وزير الداخلية، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
وكذلك لم تكد تعلم وزارة الداخلية أن رئيس الوفد وصاحبه يريدان السفر إلى الإسكندرية ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل الإسكندرية، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس الوفد ومن صاحب رئيس الوفد. فوزارة الداخلية تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم، فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعوانًا وأنصارًا، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
نعم ووزارة الداخلية لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على الإسكندرية(١) كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل الإسكندرية جميعًا، فهم جميعًا يحبون رئيس الوفد وصاحبه، وهم جميعًا يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس الوفد وصاحبه، وهم جميعًا يحرصون على أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل الإسكندرية وأيديهم بأقل حظًا من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في الإسكندرية وأيديهم. وأخص ما تمتاز بها الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل الإسكندرية وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقًا دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل الإسكندرية إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجنًا منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضي بذلك حاجة الإسكندريين إلى العدل، ورغبة الإسكندريين في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضي كثيرًا من المصريين الذين سيذهبون إلى الإسكندرية ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
والغريب أن رئيس الوفد وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر القاهرة إلى هواء الإسكندرية الطلق ونسيم الإسكندرية العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس الوفد وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس الوفد وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته فهم لا يريدون أن ينعم أهل القاهرة وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم. وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة أهل القاهرة في غيره من فصول العام؟!!
أليس من الممكن أن يكون الله – عز وجل – قد جمع كلمة الوفد والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين الوفد والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رق الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك الوفد فتنشط الحكومة وأن ينتقل الوفد فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس الوفد في مكان إلا سُجن فيه وسُجن معه الناس.
كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام، وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة ولا نتكلم إلا إذا أُذن لنا في الكلام ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقًا فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضًا أن الوفد يحب السجن لنفسه وللناس. وما الذي يمنع أن الوفد قد أمضى مع الحكومة اتفاقًا خفيًا على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام فكن ذكيًا ما وسعك الذكاء، وكن فطنًا ما أتيحت لك الفطنة فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون وبين معارضة الوفد للوزارة واتفاق الوفد مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت عن حياة الناس جميعًا، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعًا، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين، وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها – مصر من دون الشعوب جميعًا – هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند، ووفق رئيس الوفد وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجنًا منذ اليوم، فإن الوفد ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعوا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة الإسكندرية سجنًا منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس الوفد وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا للوفد والوفديين.
كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣. -
تكريم
تكريم
ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣. -
صبر
صبر
هو فضيلة من غير شك، بل قل فضيلة من أرقّ الفضائل وأزكاها ولعله أرقّ الفضائل وأزكاها. فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمّت له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه، ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجاً كأنما يصَّعّد في السماء. وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب. وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظراً هادئاً مطمئناً، لا يفسده خوف ولا رجاء؛ وإنما هو مستقيم معتدل قوامه حكم العقل وصواب الرأي. ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرأوا من الطيش ويأمنوا من العثار. ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال؛ فهناك صبر ثقيل جداً، ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضاً ثقل الأعباء وشدة الحرمان. وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء وتجعلها محتملة بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس. وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرّق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها؛ فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم وأصلاً من أصول السياسة. ورئيس الوزراء كان موفقاً كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجعله أساساً لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة. فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هو الصبر، والصبر وحده. وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه، إن أنكرتَ على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض ولكنه يرجو أن يفاوض، فلما دخل في العام الثاني همّ بالمفاوضة، وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان، فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم. ومضى صيف جاء بعده صيف، جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع. وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمّ رئيس الوزراء بالمفاوضة، ودعا إليها وألحّ في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردّوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه. أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة – كما يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله – أو تصبيرة كما يقول مثلك ومثلي من الناس! وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة؛ فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومسّ معه طرفاً من السياسة في طرف من حديث. وعاد رئيس الوزراء وقد تبلّغ بهذا الطعام اليسير فتعلّل به وصبر عليه. ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيره من زملائه، ولكن شيئاً من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض. فما زال واثقاً بالمفاوضات، راغباً فيها، ملحّاً في الثقة والرغبة، مستعيناً عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات. هو إذن صابر مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصوراً على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه. فهو كالأمة المصرية، يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص جداً على السيادة القومية، واذكر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز. هو إذن يريد إلغاء الامتيازات ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات: بالصبر وطول البال وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز. ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يُستهلك الدين ولا يُؤدّى فوائده إلا ورقاً، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى المهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار. ورئيس وزرائنا خير من يتمهل وخير من يستأني، وخير من يحتال وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومادام رئيس وزرائنا صابراً مصابراً، مرابطاً في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار. وكذلك يلقي رئيس الوزراء على المصريين درساً في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن بقاء الامتيازات يؤذي مصر كلها في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء. فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبراً على أذى يصيبه أو ضرر يلمّ به، وإنما هو صبر على أذى يصيب غيره وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولاسيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء؛ فمهما يكن مرّاً فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترف ونعيم في مصر حيناً، وفي أوروبا حيناً آخر. كان صبر رئيس الوزراء لوناً من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعاً ولكنه لا يُتاح للناس جميعاً. هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرّ خالص لا تشوبه حلاوة ولا يخففه لين ولا نعيم. فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله وأشد من هذا كله: فيه شعور الناس بأنهم قد خُلقوا كراماً أحراراً، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المرّ الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلاً من الناس يُقال لهم المصريون. والله – عز وجل – قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويردّ عليهم ما امتحنهم فيه؛ فإذا هم كرام وإذا هم أحرار. فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر؛ فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقّاً. كوكب الشرق في ٢٣ – ٦ – ١٩٣٣. -
فكاهة
فكاهة
لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجَزَوْهُمْ على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لا حظّ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر ما زالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويرَيا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.