عشرة أيام (٢)
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٠ يوليو ١٩٤٧
وتبلغ الإسكندرية متعبًا كالمستريح، ومستريحًا كالمتعب؛ لأن هذه الساعات القصار التي أنفقتها في القطار قد أراحتك من بعض الجهد المادي، ولكنها لم ترحك من الجهد المعنوي قليلًا ولا كثيرًا، فأنت سواء أردت أو لم ترد قد تركت القاهرة بشخصك، ولكنك تركت فيها قلبك، أو تركت فيها جزءًا من قلبك على أقل تقدير، لا لأنك كذلك العربي الذي قال:
هواي مع الرَّكْب اليَمَانين مُصعدٌ جنيب وجُثْماني بمكَّةَ مُوثق
فأنت لم تترك في القاهرة حبيبًا إليك أثيرًا عندك، وإنما تركت القاهرة نفسها وتركت معها الحياة المصرية كلها. والحياة المصرية كلها أنت جزء منها قد اتصلت بها نفسك اتصالًا وثيقًا دقيقًا، فأنت لا تتركها إلا لتعود إليها، وأنت لا تنصرف عن التفكير فيها إلا لتسأل نفسك بعد لحظات عمَّا يمكن أن يكون فيها من الكائنات، أو يُلمَّ بأهلها من الأحداث.
وأنت على كل حال قد أخذت صحف الصباح وجعلت تقرؤها وفي نفسك أنك ستنفق أيامًا وأيامًا وأسابيع دون أن تقرأها، وأنت من أجل ذلك تقرؤها مسرعًا وتقرؤها مبطئًا، وتستبقيها لتعيد قراءتها في السفينة، وتسخر من نفسك لهذا العبث الذي يلائم الأطفال أكثر مما يلائم الرجال، ولكنك تعود فتعتذر إلى نفسك، أو تعتذر عنها بأن الرجال ليسوا إلا أطفالًا كبارًا، ولا سيما في ساعات الفراق وما يحيط بها من توديع وتشييع، ثم أنت تبلغ الإسكندرية آخر الأمر في وقت تراه قصيرًا، وتراه مع ذلك طويلًا، هو قصير لأنك لم تؤدِّ فيه إلى القاهرة حقها من التفكير، وهو طويل لأنك مجهد مكدود تريد أن تخرج من هذا العناء كله إلى ما يسليك عنه، ويحط عنك ثقله.
وقد وجدت هذه التسلية حين بلغت الإسكندرية، فأنت مستقبل فيها قومًا كالذين غادرتهم في القاهرة قد أزعجوا أنفسهم عن هدوئها وراحتها ليودعك بعضهم في لقاء قصير، وليُشيِّعك بعضهم الآخر إلى السفينة! ومن هؤلاء المشيعين من يلقاك في محطة الإسكندرية، ثم يضرب لك موعدًا في السفينة، ومنهم من يلقاك ثم يقسم جهد أيمانه ليلزمنك حتى يؤديك إلى السفينة، يريد أن يستمتع بصحبتك، وأن يعينك على ما تجد من المشقة، وأن يسليك بما يحدثك من أحاديث، وما يروى لك من أخبار، وأن يدعوك إلى الغداء يكرهك على قبول دعوته إكراهًا؛ لأنك طارئ على الإسكندرية وهو مقيم فيها، ولأن للطارئين على المقيمين حقوقًا يجب أن تؤدى، وأنت من أجل ذلك تقضي هذه الساعات مقيمًا في الإسكندرية بعيدًا عنها.
وقد قسمت نفسك إلى ثلاثة أقسام: قسم سبقك إلى السفينة، فهو ينتظرك فيها، وآخر فارقك حين ركبت القطار وظل في القاهرة، والقسم الثالث ضئيل نحيل يقيم بينَ بينَ، يتعجل الوصول إلى السفينة، ويود لو عاد إلى القاهرة، ويسمع مع هذا كله من الذين يتحدثون إليك، ويرد عليهم رجع الحديث، ولكنه يسمع بجزء يسير من أذنيه، ويتحدث بأطراف اللسان والشفتين، وقد انقضت هذه الساعات كما استطاعت أن تنقضي، فهي أشبه شيء بالحلم البغيض تريد أن تخرجك اليقظة منه، وتود مع ذلك لو أمسكك النوم فيه، ثم أنت تركب آخر الأمر سيارة تحملك إلى السفينة، فتلقي بعد قليل هؤلاء البوابين الكرام الذين أقامتهم الدولة حراسًا على الثغر، يأذنون للخارج من مصر بالخروج، ويأذنون للداخل إلى مصر بالدخول، يرفقون ببعض الناس ويضيقون ببعضهم الآخر.
وهم على هذا كله يؤدون إلى الدولة والوطن خدمة جليلة، وواجبًا خطيرًا، ولست أدري كيف يودعونك حين تسافر، ولا كيف يستقبلونك حين تعود، ولكني أعلم أني لم ألق منهم إلا خيرًا لأنهم يرفقون، بل لأنهم يتجاوزون الرفق إلى ما هو أقرب إلى المودة والحب، فهم يودعونني فيضيفون بوداعهم الحلو حزنًا إلى ما أجد من حزن لفراق الوطن، وهم يستقبلونني فيضيفون بلقائهم الحسن فرحًا إلى ما أجد من الفرح بالعودة إلى الوطن، ثم أنت تقتحم هذه الجموع المحتشدة المزدحمة حتى ترقى إلى السفينة، ومنذ ذلك تشعر بأن بينك وبين الوطن سببًا ضئيلًا ستقطعه بعد قليل صلصلة الجرس، وهذا الصفير المدوي الذي ينتشر في الجو فيملأ قلوب المسافرين والمقيمين روعًا وأسًى.
وأنت من أجل هذا تلح في الحديث إلى من رافقك إلى السفينة أو لقيك فيها، كما تلح في الاستماع إليهم حين يتحدثون إليك كأنما تريد أن تأخذ بأعظم حظ ممكن من الحديث والاستماع، قبل أن تنقطع هذه الأسباب فلا يتاح لك الحديث ولا الاستماع، وأنت أشبه شيء بالظمآن الذي أتيح له الماء العذب، وقيل له: انقع غلتك فقد لا تجد الماء قبل وقت طويل، وأنت تعلم مع ذلك أنك لن تكون المصري الوحيد في السفينة، وإنما يصحبك فيها مصريون كثيرون تستطيع أن تقول لهم، وأن تسمع منهم، وتصل بذلك الأسباب بينك وبين مصر، ولكنك مع هذا تؤثر الحديث إلى هؤلاء المصريين الذين سيقيمون إذا سافرت؛ لأنهم سيعودون إلى مصر من فورهم، فأما الآخرون فهم مثلك يحتملون ما تحتمل، ويعانون ما تعاني؛ فالحديث إليهم والاستماع منهم لا يغنيان عنك شيئًا، وأنت بعدُ ستلقاهم حين تبحر السفينة، وستتحدث إليهم، وتسمع منهم أثناء الرحلة، فأذكر قول الشاعر القديم:
تزود من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
ثم تسمع صليل الأجراس، وهذا الصفير المدوي في الفضاء، فيكون الوداع، وما في الوداع من مرارة وثقل، والغريب أن بين الوداع في السفينة والوداع في محطة القاهرة فرقًا واضحًا جليًّا؛ فأنت في القاهرة تضيق بساعة الوداع ضيقًا شديدًا، وتود لو تعجل القطار موعده، أو تعجل الفلك دورته، فأعفيت من هذه الساعة الثقيلة.
وأنت تتنفس الصعداء حين يتحرك القطار، لا لأنك استرحت من المودعين والمشيعين؛ بل لأنك استرحت من الوداع والتشييع، فأما في السفينة فأنت لا تتعجل صليل الأجراس ولا الصفير المدوي، وإنما أنت مستقر هادئ تمد أسباب الحديث، وتود لو كانت مطاطة يمكن أن تمد إلى غير أمد. علل هذا الفرق بما شئت، ولكنه حقيقة واقعة، ومهما يكن من شيء فقد أقمت أنت في السفينة ونزل منها المشيعون ليقيموا هادئين مطمئنين في أرض الوطن.
وهذه السفينة قد أخذت تستدير في رفق لتستقبل البحر وتستدبر البر، وأنت ما تزال قائمًا تريد أن تأخذ من مصر أكثر ما تستطيع أن تأخذ، وقد جعل الساحل يستخفي قليلًا قليلًا، وجعلت السفينة تندفع بك إلى حيث تعلم وإلى حيث لا تعلم، فأنت تعلم أنها قاصدة إلى مارسيليا، ولكنك لا تعلم ما عسى أن تلقى في طريقك إلى مارسيليا، أيظل البحر هادئًا مطمئنًا أم يأخذه الاضطراب وتعصف به الثورة؟ أتثبت أنت لعبور البحر أم يأخذك هذا الدوار الذي لا سلطان لك عليه، والذي يستطيع أن يفسد عليك كل شيء؟ أتخلو إلى نفسك أم تلقى الناس؟ أتتاح لك الخلوة إلى نفسك أم يفرض عليك لقاء الناس؟
أما أنا فقد أخذت من الخلوة إلى نفسي ومن لقاء الناس بحظٍّ لا أدري أرضيت عنه أم سخطت عليه، ولكني وجدت فيه متاعًا عظيمًا، وليست الخلوة إلى النفس شيئًا يسيرًا، وأكاد أعتقد أني لا أظفر بها إلا نادرًا، وإنما الخلوة إلى النفس عندي هي أن أخلو إلى كتاب فأعاشر قومًا لا عهد لي بهم، وقد عاشرت أثناء هذه الرحلة قومًا أحب عشرتهم أشد الحب، وهم أولئك الذين نشروا في الأرض نور الإسلام، وأقاموا فيها مجد العرب، فقد كنت أقرأ كتابًا عن أمير المؤمنين عثمان — رحمه الله.
ولقيت الناس فاستمتعت بلقائهم، قلت لهم كثيرًا، وسمعت منهم أكثر مما قلت لهم، وكانت مصر هي الموضوع الوحيد لما قلت وما سمعت، وهدأ البحر حتى كاد ينسينا أننا نعبره، فلما كنا من فرنسا غير بعيد، ليس بيننا وبينها إلا ليلة واحدة، ثار البحر حتى أنسانا كل ما نعمنا به من الهدوء والاطمئنان، ولا نكاد ندنو من مرسيليا، ولا تكاد السفينة ترسو حتى يلقى إلينا النبأ الذي تضيق به الصدور، فقد كنا نريد أن نسافر إلى باريس من ليلتنا، ولكن الإضراب قد وقف سير القطارات واضطرَّنَا إلى أن نُوطِّن أنفسنا على الإقامة في مرسيليا يومًا ويومًا ويومًا.
Tag: السفر
-
عشرة أيام (٢) | Ten Days (II)
-
في الجو | In the Air
في الجو…
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934
النقد والطربوش وزجاج النافذة
للدكتور طه حسين
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
طه حسين
«مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934 -
لغو الصيف | Summer Idling
لغو الصيف
«من هنا يا آنسة؟ من هنا؟» ثم أشار إلى مائدة منعزلة كأنما هيئت لقوم يريدون الخلوة واعتزال الناس. فلما انتهيا إليها أعجبهما مكانها الجميل على شاطئ النيل في ظل هذه الشجرة الضخمة الباسقة، قد مدت أغصانها في قوة إلى أمام، حتى إذا تجاوزت بها الشاطئ حنتها نحو الماء، وغمستها فيه كأنما تريد أن ترتشف منه، ونظر الصديقان من حولهما فلم يريا أحدًا، ومد الصديقان بصرهما أمامهما وأطالا النظر إلى النيل وهو يجري من تحت أقدامهما في قوة الشاب وهدوء الحكيم، ثم جلسا، وقال الرجل لصاحبته: هنا يحسن الحديث. قالت: ويحسن الصمت أيضًا. وقد ظهرت على وجه صاحبها علائم تدل على أنه لم يفهم عنها ما أرادت إليه، وأحست هي منه السؤال الذي لم ينطق به، فقالت وكأنها تجيب: إن تحدثنا تساقينا موسيقى الحوار، وإن سكتنا تساقينا نجوى الضمائر ووحي القلوب. ولنا في كلتا الحالين لذة، ولنا في كلتا الحالين متاع، فخذ بأيهما شئت. قال: فأيهما تريدين؟ قالت: لا أريد شيئًا إلا أن نترك أنفسنا على سجيتها. فإن انطلقت ألسنتنا سمعتها آذاننا، وإن آثرت نفوسنا الحديث الصامت وعته قلوبنا. قال وهو يضحك: أيسر من هذا كله وأدنى إلى التناول أن نتساقى ما يبرد الغليل، ويرد عنا حر هذا القيظ. ثم دق يدًا بيد في شيء من الرفق. فأقبل الخادم وتلقى عنه أمره وانصرف.
وكان هو طويلًا نحيفًا، ظاهر النشاط، خفيف الحركة، مكتمل القوة، لا يظهر عليه ما يدل على سنه إلا خيوط بيض متفرقة قد انتثرت في شعر رأسه انتثارًا. وكان عذب الصوت، حازم اللهجة، معتدل الحديث، ولعله كان إلى الإبطاء فيه واصطناع الأناة أدنى منه إلى الإسراع والتعجل، وكان صوته يمتد من حين إلى حين، لا غضبًا ولا تحمسًا، ولكنه كان مقتنعًا بما يقول، فكانت حدة صوته ولينه يمثلان حظه من الإيمان والاقتناع بما يقول. وكانت هي ربعة، ممتلئة الجسم، مستقيمة القد، معتدلة القامة، وكان وجهها مشرقًا شديد الإشراق، منسقًا بديع التنسيق، تمر به من حين إلى حين سحابة رقيقة جدًا من حزن لا يكاد يتبينها إلا من اعتاد أن يلقاها ويطيل صحبتها والتحدث إليها. وكانت هذه السحابة الطارئة لا تمر بها وهي تتحدث، إلا قطعت عليها الحديث فجأة، ثم تلبث أن تزول فيتصل الحديث، ولا تمر بها وهي تسمع إلا لهت عن محدثها لحظة ثم تزول، وإذا هي ترفع إلى محدثها طرفًا فيه شيء كثير جدًا من الحياء والإشفاق، وتستعيد ما قال في صوت عذب، ولفظ حلو، يحسن مسه للآذان ووقعه في القلوب. وكان صوتها هادئًا عريضًا يمثل نفسًا هادئة غنية ممتلئة بالعواطف الخصبة والشعور الحي والعلم الغزير. وكأن الفرصة أرادت أن ترضي حاجتها إلى الصمت، وحاجة صديقها إلى الكلام، فقد أقاما صامتين لحظة غير قصيرة ينظران إلى سعي النهر أمامهما، كأنهما ينتظران شيئًا، وكأنهما يلهوان بالنهر وسعيه الهادئ القوي عما يضطرب في نفوسهما من الخواطر والآراء، ومن العواطف والأهواء، حتى إذا أقبل الخادم فهيأ المائدة وصف أكوابه وأطباقه، وانصرف راضيًا عن نفسه مبتسمًا لضيفيه، نظرت هي إلى صاحبها كأنها تسأله أن يبدأ الحديث، فقال، وقد فهم عنها ما كانت تريد: لسنا في حاجة إلى أن نبتدئ الحديث، وما علينا إلا أن نأخذه حيث تركناه حين انتهينا إلى هذا المكان الهادئ الجميل.
قالت: فإن هدوء هذا المكان وجماله قد أنسياني حدة ما كنا فيه من حوار، واضطراب ما كنا نتبادل من رأي، فلننظر القضية من أولها، فلعل هذا الهواء الطلق وهذا المنظر الحلو، وهذا السكون الساكن، أن تكون قد ردتك إلى شيء من الصواب وصددتك عما كنت فيه من جموح. فما أرى إلا أنك تظلم الأدب والأدباء جميعًا، وتقسو على الشبان والشيب. وكم أحب لك أن تكون سمح النفس، رضي الطبع، مستعدًا لشيء من التجاوز، تعذر طيش الشباب، وترفق بحدة الشيوخ. قال: فأحب أن أعلم أين الشباب وأين الشيب، ومتى يكون الأديب شابًا، ومتى يكون الأديب شيخًا. فهذا حديث طريف لم أسمع به في مصر قبل هذه الأيام، ولقد رأيت الأدباء منذ عرفت الأدب ينشئون النثر ويقرضون الشعر على اختلاف أسنانهم وتفاوت حظوظهم من القوة والضعف، فلا يختصمون في شباب ولا شيخوخة، وإنما يختصمون في الرأي ويختصمون في الفن، يعين بعضهم بعضًا، ويدافع بعضهم بعضًا، لا يعتز الشيخ على الشاب بتجاربه وكثرة ما أنتج من الآثار، ولا يعتز الشاب على الشيخ بحداثته وقوته، ونظرة شبابه، واتساع الأيام أمامه، وانبساط الآمال له. قالت: لم تر ذلك من قبل، ولكنك قد رأيته الآن. فأي غناء في أن تنكر شيئًا حدث الآن لأنه لم يحدث من قبل، وأي فرق بينك وبين عامة الناس الذين يضيقون بالجديد، لا لشيء إلا لأنهم لم يألفوه ولم يطيلوا عشرته؟ إن في الشباب نزوعًا إلى الفوز، وطموحًا إلى الظفر، وتعجلًا لاتساع الشهرة وبُعد الموت، وكل هذا طبيعي، وكل هذا مألوف لأنه يلائم فطرة الشباب وأخلاقهم. ولا تنكره عليهم، ولا تصرفهم عنه، فإني أخشى أن يفت ذلك في أعضادهم، وأن يضعف من نشاطهم، وأن يرد جذوتهم هذه الجميلة إلى الخمود.
قال: لقد كنا شبابًا كما كانوا. وكان لنا من رفاقنا في الأدب أساتذة قد سبقونا إلى الحياة وتقدمت بهم علينا السن، وأخذوا من التجارب العلمية والفنية بحظوظ لم نأخذ بمثلها. فما حسدناهم وما أنكرناهم، ولا جاهدناهم ولا قصدنا إلى المكر بهم والكيد لهم، وإنما كنا نقفو آثارهم ونسمع لنصائحهم ونستعذب أحاديثهم، ولعلنا كنا نحس ما بينهم وبيننا من خلاف، فلم يكن ذلك يغرينا بهم، ولا يصرفنا عنهم. وإنك لتذكرين كم كنا نستعذب أحاديث حفني ناصف، وكم كنا نحرص على أن نروي عنه كل ما كان يحدثنا به من هزل القول وجده. وإنك لتذكرين أنا كنا ننصرف عنه بعد الجلسة الطويلة معجبين به محبين له، ثم لا نلبث أن نستعيد ما سمعنا منه فننكر بعضه ونعرف بعضه الآخر، ولا يمنعنا ذلك من أن نتعجل عودته إلى القاهرة آخر الأسبوع لنلقاه ونسمع منه ونتحدث إليه. وما خطر لك ولا خطر لي ولا خطر لواحد من أصحابنا أن ينكر حفني ناصف لأنه كان شيخًا ولأننا كنا من الشبان، أو يلوم حفني ناصف، لأنه سبقنا إلى الحياة والإنتاج، فسبقنا إلى الشهرة وبعد الصوت، إنما كنا نستعينه على أن نكون خيرًا منه، وكان يعيننا على ذلك راضيًا به مبتسمًا له راغبًا فيه. قالت: فإني أحب لكم معشر الشيوخ أن تكونوا كحفني ناصف وأمثاله من أساتذتكم، لا تضيقون بأبنائكم إن ثاروا أو تمردوا أو لعبت برؤوسهم نزوات الشباب.
هنا قال صاحبها في شيء من الغضب الضاحك: ومن زعم لك أني شيخ؟ هذا شيء لا أقره ولا أرضاه. قالت وهي مغرقة في الضحك: وما يعنيني أن تقره أو لا تقره، وإن ترضاه أو لا ترضاه، فأنت شيخ سواء أردت أم لم ترد. ألست قد أنفقت أكثر من ربع قرن تنشئ الرسائل وتنشر الفصول وتذيع الكتب؟ أليس قد اختلف إليك أجيال من الشباب فقرؤوا ما كتبت، وسمعوا لما قلت، وتأثروا بهذا وذاك؟ فمنهم من ذهب مذهبك، ومنهم من ذهب مذهب فلان أو فلان من أصحابك. فكن شيخًا أو لا تكن، فأنت أب على كل حال، ماذا أقول؟ بل أنت جد. فلم يختلف إليك جيل واحد، وإنما اختلفت لديك أجيال، ولم تتخرج عليك طبقة من الكتاب، وإنما تخرجت عليك طبقات. ولست أدري ماذا يغيظك من الشيخوخة، وماذا يسوؤك منها؟ ولم تكره أن يراك الناس كما أنت؟ بل لم تكره أن ترى نفسك كما أنت؟ ولم تريد أن تطمع في غير مطمع، وتطلب ما لا سبيل إليه؟ فليس التصابي من الأشياء التي تحب أو يرغب فيها الرجل المحتشم، وقد عرفتك رجلًا محتشمًا، فأجعل نفسك حيث أراد الله أن تكون.
قال في لهجة ماكرة وصوت عابث: فأنت شيخة إذن، فقد كتبت الكتب وأذعت الرسائل ودبجت الفصول، منذ عشرين سنة. قالت: بل منذ خمس عشرة سنة. قال: بل منذ عشرين. قالت: لم أكن أكتب حين شبت الحرب. قال: بل كنت تكتبين، وإني لزعيم أن أذكرك بعض ما كتبت قبل أن تشب الحرب. قالت: فإني لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة. قال: لن أقول إنك شيخة في السن، ولو قلت ذلك لكذبني ما أرى وما أسمع. فعلا وجهها احمرار شديد، ومست يده في رفق كأنما تريد أن تضربه. وهي تقول: متى تدع هذا العبث؟ ومضى هو في الحديث.
فقال: أنت على نضرة شبابك شيخة في الأدب. قد كتبت منذ زمن طويل، وعلّمت أجيالًا مختلفة من الشباب، وتخرّجت عليك طبقات مختلفة من الكتّاب. قالت: تعال نتفق. لسنا شيخين ولا شابّين، وإنما نحن شيء بين ذلك، وأنت أدنى إلى الشيخوخة وأنا أدنى إلى الشباب. قال: ولا هذا، فلا بد من أن نتفق على معنى الشيخوخة في الأدب، فليس يكفي أن نكون قد اصطنعنا الأدب منذ زمن طويل، وأثرنا في أجيال مختلفة من الكتّاب لنكون شيوخًا، وليس من الحق أن كل أب شيخ، ولا أن كل جد شيخ. فقد نكون آباء، وقد نكون أجدادًا، ولكننا على ذلك لسنا شيوخًا. إنما الشيخوخة ضعف. وما أرى إلا أن الشيخ هو الذي أخذه الضعف، وبلغ منه العجز والفتور، فاضطر إلى العقم، وحيل بينه وبين الإنتاج. أفترين أنا قد انتهينا إلى هذه الحال؟ إنك تكتبين في كل يوم، وإني أكتب في كل يوم. والناس يقرؤون لك ويقرؤون لي، والناس يعجبون بك ويرضون عن بعض ما أكتب. قالت: بعض هذا التواضع. ولكنه مضى في الحديث فقال: وما زالت آمالك وآمالي في الأدب أبعد من أن تحد، وأوسع من أن تحصر، وما زلنا نتم الفصل أو الكتاب وإذا نحن نفكر في فصل جديد أو كتاب طريف، نريد أن نكتبه أو نذيعه. وما دمنا نجد هذه القوة، ونملك هذا النشاط، ونعرض آثارنا على الناس، ومنهم هؤلاء الشباب، فلسنا شيوخًا ولا قريبين من أن نكون شيوخًا. قالت: ليهلك هذا الشباب الذي تحبه وتحرص عليه، وتخشى أن يغتصبه منك الشبان. ولقد كدت أرضى منك بهذا الحديث وأحمد لك إحياء الأمل في نفسي، لولا أجد من الضعف ما لا تجده، وأحس من الهزيمة ما لا تحس. فأنت تكتب وتفكر في الكتابة، وأنت تنشئ وتتهيأ للإنشاء، أما أنا فلا أكتب ولا أفكر في الكتابة، وإن كتبت فلا أكتب للناس وإنما أكتب لنفسي، ولا أتحدث إلى الناس وإنما أتحدث إلى نفسي. ولعلي لا أذكر الناس في هذا الحديث وإنما أذكر نفسي. إنما أنا شيخة قبل أن أبلغ سن الشيوخ. أمحزونة أنا لذلك أم راضية أنا به؟ لا أدري، ولعلي أحزن له حينًا وأرضى عنه حينًا آخر. ولكني على كل حال لا أجد في نفسي هذا النشاط الذي يمكنني من رفض الشيخوخة. قال في صوت هادئ حار: كلا يا سيدتي، هذه أزمة من أزمات الشباب ليس بينها وبين الشيخوخة سبب، وأنا زعيم بأن هذا الصيف لن ينقضي حتى يتحدث الناس عنك فيطيلوا الحديث، ويعجب الناس بك فيكثروا الإعجاب. وسأكون أنا أحد هؤلاء المتحدثين وأحد هؤلاء المعجبين، ولكن حديثي عنك وإعجابي بك لن يقعا من نفسك إلا كما يقع منها حديث غيري من الناس وإعجابهم.
قالت: فأنت إذن تريد الثناء. قال: كلا، وإنما أريد شيئًا آخر خيرًا من الثناء، أريد أن أسبق الناس إلى قراءة شيء مما تكتبين. قالت: دعني ودع ما أكتب وما لا أكتب، وحدثني عن ظاهرة أخرى في الأدب المصري ظهرت عنيفة في هذه الأيام. قال: وما هي؟ قالت: ألست ترى غضب الأدباء من الشيوخ والشبان؟ قال: دعي لفظ الشيوخ. فليس في أدبائنا شيوخ. فضحكت وقالت: ألست ترى أن الأدباء جميعًا يضيقون بالنقد ولا يحتملونه، ولا يطيقون الصبر عليه؟ وكيف تفسر هذه الحدة؟ وأين تجد العلة لهذا الضيق؟ لقد كنت أريد أن أجد في هذه الحدة والضيق دليلًا على شيوخة الأدباء، ولكني أراهما شائعين حتى عند الذين لا أشك ولا تشك أنت في أنهم من الشبان. فهم أبغض للنقد والناقدين من كل إنسان.
ومهما أعجب فلن ينقضي عجبي من كاتب أو شاعر ينشر نثره أو شعره على الناس في كتاب مطبوع أو في صحيفة سيارة، فيخرجه بذلك عن ملكه الخاص، ويجعله بذلك ملكًا للناس جميعًا، ثم يأبى على الناس بعد ذلك أن يتصرفوا في ملكهم كما يريدون. قال: إن الكتاب والشعراء يسرفون على قرائهم ويكلفونهم شططًا، فهم يغضبون إن لم يقرأهم الناس، وهم يغضبون إن قرأهم الناس ونالوهم بشيء من النقد ولو خفيفًا. ولقد أتردد أحيانًا في أن أقرأ الكتاب أو الديوان يرسله إلي صاحبه، لأني واثق بأني قد أرى فيه غير ما يحب الكاتب أو الشاعر. فإن سكت عنه أثمت في حق الأدب وفي حق نفسي، ولم يرض مني صاحب الكتاب أو الديوان بهذا السكوت، وإن قلت ما أرى فتحت بابًا من أبواب الجدال ليس إغلاقه بالأمر اليسير، ولعله لا يغلق إلا على كثير من الموجدة. قالت: هذا اعوجاج في أخلاق الأدباء كنا ننكره على شيوخنا المتقدمين، وكنا نقدر أن أدباء الجيل الحديث سيقومونه في أنفسهم والناس، فأخلفوا الظن، وكذبوا الرأي، وأصبحوا خليقين أن يقومهم المقومون، سواء أرضوا بذلك أم كرهوه. فهم أن يتكلم، ولكنها مضت في الحديث قائلة: على أنهم لا يضيقون بالنقد فحسب، ولكنهم يتهالكون على الثناء، فما أشد ثورتهم على الناقدين! وما أحسن لقاءهم للمقرظين! قال ومع ذلك: فإني أتهم كل مقرظ، وأسيء الظن بكل تقريظ، وأعتقد اعتقاد الموقن أن النقد مهما يشتد ومهما يسرف صاحبه فهو أنفع وأجدى؛ لأن الكاتب إلى أن يعرف عيوبه ويتبين مواضع الضعف في آرائه وألفاظه وأساليبه، أحوج منه إلى أن يقال له أحسنت حين يحسن، وأصبت حين يصيب.
ومر فتى لم يبلغ السادسة عشرة، صبيح الوجه، رث الزي، حافي القدمين، يحمل سلة فيها باقات من زهر، فوقف على الصديقين وقدم إليهما أزهاره. قال الصديق لصاحبته: اختاري. قالت: أليس من الاختيار بد؟ قال الفتى: لا بد من ذلك يا سيدتي، فإني في حاجة إلى العشاء. هنالك اضطرب بصرها بين باقتين، في إحداهما ورد، وفي الأخرى قرنفل. قال الرجل للغلام: ضع هاتين الباقتين. ثم التفت إلى صاحبته وهو يقول: أما أنا فأحب لثم الورد وشم القرنفل.
من هنا، يا أستاذ، من هنا! وأذن لي في أن أسعى بين يديك، فلا بد لك من دليل. ثم سعت أمامه رشيقة أنيقة في طريق طويلة جميلة، يحفّها من جانبيها الشجر والزهر، وفيها قليل من ضيق، وشيء من التواء. وقد استمتعت الأشجار القائمة على جانبيها بشيء من الحرية عظيم لا يستمتع به الناس في هذه الأيام، فمدّت أغصانها كما شاءت في غير نظام، حتى اختلط بعضها ببعض والتفّ بعضها ببعض. وجعلت الآنسة تسعى أمامه رشيقة رفيقة، وتجدّ في التفريق بين هذه الأغصان الملتفّة المتعانقة لتشقّ طريقها وطريق صاحبها، وكأنها كانت تجد في ذلك شيئًا من العسر اللذيذ، فكانت تحاول أن تعتذر بهذه الجمل السهلة اليسيرة الفارغة التي تقال في مثل هذه الحال: ليست الطريق سهلة هنا، يجب أن تحتاط، وما رأيك في هذه الأغصان التي تريد أن تداعبنا وإن لم نطلب إليها المداعبة؟ حقًا لقد أسرفنا في إهمال هذه الأشجار فأسرفت في الانتفاع بحريتها. وكان صاحبها يجيب على هذه الجمل بضحك فارغ لا يدلّ على شيء إلا على أنه لم يكن يجد ما يقول، لأنه لم يكن يسمع لهذه الجمل التي تلقى إلا بإحدى أذنيه. وقد كانت نفسه كلها مفتونة بهذه الطبيعة الحرة المطلقة، وبما بينها وبين حياة الناس في هذه الأيام من تناقض واختلاف. ولعله كان يعجب بهذا القوام المعتدل الذي كان يسعى أمامه في رفق، ويجاهد هذه الأغصان في لباقة وظرف، ولكنه كان يخفي حتى على نفسه هذا الإعجاب الذي لو أحسّتْه صاحبته لضاقت به ضيقًا شديدًا. حتى إذا طال سعيهما في هذه الطريق الخفية الملتوية انتهيا إلى رقعة واسعة رحبة من الأرض، وقد فرشت ببساط ناعم كثيف من العشب، وانتثرت فيها قطع بديعة من الزهر، قد نسّقت أحسن تنسيق وأجمله، وقامت في وسطها مائدة قد نثرت عليها أوراق الورد في كثرة تلفت النظر. فلما انتهيا إلى هذا المكان الهادئ الباسم الجميل، أرسلت من صدرها زفرة ضاحكة وهي تقول: لقد انتهى الجهد وآن للمتعب أن يستريح، اجلس يا سيدي، فهنا يحسن الحديث فيما أظن.
قال: بل هنا يحسن الاستماع. قالت: الاستماع لمن! الاستماع لماذا؟ قال: الاستماع لك والاستماع لهذا الصمت الناطق من حولنا. قالت: دع عنك الاستماع لي، فما أحسب إلا أنك قد سئمته، أو ستسأمه، وما أحسب إلا أنك قد زهدت فيه أو ستزهد فيه حين يستأنف بيننا الحوار، فيستأنف بيننا الحوار من غير شك، ولكن حدّثني عن الاستماع للصمت كيف يكون؟ وحدّثني عن الصمت كيف ينطق أو كيف يصدر عنه الكلام؟ وكأنهما في أثناء هذا الحديث قد أخذا مكانهما إلى المائدة وجهًا لوجه. وكان صاحبها حائر النظر بعض الشيء يردّده بين السماء والأرض، ويردّده بين قطع الزهر المنتثرة من حوله وبين آنية الزهر القائمة على المائدة، وبين أوراق الورد المنثورة بين يديه. قالت: ألست قد زعمت لي منذ أيام أنك تحب لثم الورد وشمّ القرنفل؟ فهذا هو الورد تستطيع أن تمتع نفسك به كيف أحببت. انظر إليه مختلفًا ألوانه، مستويًا على سوقه؛ بعضه قد هام بالحياة والضوء، فانبسط لهما انبساطًا وأخذ يلتهمهما التهامًا، وبعضه قد أحبّهما، ولكنه يسمو إليهما في استحياء، فيتفتح لهما قليلًا قليلًا، وبعضه يحسّهما وينعم بهما، ولكنه لا يكاد يشعر بهذا الحس وهذا النعيم، فهو أكمام لم تتفتح بعد. وانظر إليه أسيرًا في هذه الآنية، لم يبق فيه من الحياة إلا ذماء يسير يمسكه عليه هذا الماء الذي تحتويه الآنية. وانظر إليه صريعًا قد فقد الحياة وتفرقت أوراقه، وانتثرت بين يديك غضة، ولكنها تسرع إلى الذبول أو يسرع إليها الذبول. وهذه زهرات من قرنفل قد هيّئت لك، وفرّقت في آنية الورد، تبعث إليك عرفها هادئًا قويًا. فماذا تريد فوق هذا؟
قال: لا أريد إلا أن تمضي في هذا الحديث الذي أخذت فيه منذ الآن، فإني لا أعرف ترجمة عن هذا الصمت الذي كنت أريد أن أسمع له أبلغ من هذه الألفاظ التي ينثرها حديثك العذب. قالت: وما زلت مشغوفًا بالعبث، لا تفرغ منه إلا لتعود إليه. لقد أنبأتني عن حبك للورد والقرنفل، فها أنت ذا بين الورد والقرنفل، فحدّثني أنت بحديثهما، فأنت أعلم به وأقدر عليه مني. قال: ما أعرف يا آنسة أن لهما حديثًا يحكى، فإن كان لهما حديث فما أعرف أن أحدًا يستطيع أن يحكيه غيرهما، فاستمعي لهما إن شئت، وغيرك فاسمعيني حديثهما إن شئت، فإنما أنت زهرة بين الزهر. قالت: كأنك تريد أن تحفظني. فاعلم أنك لن تبلغ ما تريد، ولن تثير حفيظتي، ولن تصرفني عما أزمعت من أن أسمع منك حديث الورد والقرنفل. فلا تلتوِ به، فلن ينفعك الالتواء. وأقبلت خادم تسعى وهي تحمل صينية عليها إبريق وأكواب. فوضعت إبريقها، وصفّت أكوابها، وانصرفت متثاقلة. وكانت عجوزًا شمطاء قد انحنت قامتها، وأسرف الذبول في وجهها، فلم تكد تبقى فيه قطرة من حياة. وكان منظرها في هذا الفناء مناقضًا أشد المناقضة لما يحيط بها من هذه الحياة القوية.
فهمّ أن يتكلم، ولكن صاحبته قالت وقد فهمت عنه ما كان يريد: ومع ذلك فهي أنشط منك للحياة، وأحرص منك على نعيمها ولذّاتها، لا يفوتها موسم، ولا يفلت منها عيد، ولا تقصّر عن فرصة إن سنحت لها لتشترك فيما يراه الناس سعادة ونعيمًا أو لهوًا وصفوًا. وهي بعد هذا كله صماء مغرقة في الصمم، تستطيع أن تتحدث إليها وتصيح بها فلن تسمع لك ولن تفهم عنك. وهي بعد هذا وذاك قد نيّفت على الستين. ولكن هات حديث الورد والقرنفل. ثم عمدت إلى الإبريق فملأت منه قدحين وهي تقول: لقد أنسيت، فهذا يوم الورد، تستطيع أن تراه وأن تشمه، وأن تلمسه، وأن تلثمه، وأن تشربه أيضًا. فليس في هذا القدح بين يديك إلا ماء الورد. والآن تحدّث، فقد يحسن الحديث. قال: أيّ حديث يحسن في مصر؟ وما أعرف بلدًا أفضح لسر الحديث، وأكلف بنشره وإذاعته من هذا البلد. أتذكرين؟
قالت: وكيف لا أذكر؟ إنك تشير إلى مجلسنا ذاك على شاطئ النيل، وإلى حديثنا هناك عن شيوخ الأدب وشبابه. فقد نشر هذا الحديث في الرسالة. قال: ومع ذلك فلم يكن في مجلسنا ولا قريبًا منه أحد. قالت: ولست أنت قد ألقيته إلى من أذاعه، هذا شيء لا شك فيه. قال: ولا أنت، هذا شيء لم يخطر لي. قالت: وإذن؟ قال: وإذن فهو طائر من هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا كان الأصيل ودنا الليل، فتسمع حديث الناس وتعيه، وتلقيه في روع الكتّاب والشعراء. أو هو جنيّ من هذه الجن التي تألف شاطئ النيل، فتقيم في ظل الأشجار التي تقوم عليه، أو تسكن تحت هذا الماء الذي يجري فيه، وتسمع أحاديث الناس والأشياء وتعيها، فتنقلها إلى الكتّاب والشعراء، وتنطق بها ألسنتهم، وتجري بها أقلامهم. ولهذا لست مسرفًا في حب الحديث، وفي حب الحديث عن هؤلاء الذين لا يحبون أن يتحدث الناس عنهم إلا بما يريدون، لا بما يريد الناس. قالت: من الظواهر التي لا تحتاج ملاحظتها إلى دقة ولا إلى ذكاء أن مصر مفشية للسر، قليلة الحرص على الكتمان. انظر إلى بيئاتها المختلفة، فلن ترى لها سرًا. أحاديث ساستها وقادتها وأدبائها وأصحاب الأعمال فيها ذائعة شائعة، يعرفها الناس جميعًا ويتناقلها الناس جميعًا. ومصدر هذا في أكبر الظن أن طبيعة مصر نفسها صافية واضحة، مسرفة في الصفاء والوضوح. سماؤها صحو دائمًا، لا يتكاثف فيها الغمام، ولا يتراكم فيها السحاب، وأرضها مبسوطة هينة، لا ترتفع فيها الجبال الشاهقة، ولا تنتثر فيها الكهوف والأغوار، ولا تنبت فيها الغابات الكثيفة الملتفّة. فأمرها كله ظاهر، وحديثها كله شائع، وشمسها المشرقة دائمًا لا تؤتمن على سر مصون. على أننا لم نقل في حديثنا ذاك شيئًا يسوء الأدباء أو يغضب أحدًا، فليس من إذاعته بأس، وإن كنت لا أحب ذلك، ولا أرتاح إليه. ولا أخفي عليك أني إنما آثرت أن يكون اجتماعنا الليلة عندي لأني واثقة أن لنا من العزلة ما نحب، وبأن أحدًا لن يستطيع أن يندسّ لنا، أو يتسمّع علينا.
قالت: إلا هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا أقبل الأصيل ودنا الليل، وإلا هذه الجن التي تستظل بالأشجار وتتضاءل أحيانًا حتى تتخذ لنفسها منازل في ثنايا العشب وبين أوراق الأزهار. في هذه الطير، وفي هذه الجن، وفيما يحيط بنا من الزهر والشجر من يسمع لنا وينمّ بما نتساقى من ماء الورد، وما يجري بيننا من لغو الحديث. قالت: وأيّ بأس بأن يذاع ما يجري بيننا من لغو الحديث؟ إنما يكره الناس جدّ الحديث ويخافونه، فأما لغو الحديث فالناس مزدرون له، أو راغبون فيه. قال: وهل تظنين أنا نستطيع أن نأخذ بالجد حين نعرض للحديث عن الأدب والأدباء في مصر؟ وأين تجدين الجد في حياة الأدب والأدباء؟ أتجدينه في هذا الحوار الذي يطول ويطول حتى يثقل ويملّ حول ألفاظ وقعت في كتاب، أو حول رأي رآه ناقد في كتاب، أو حول حديث كان بين كاتبين، أو مناظرة يسيرة كانت بين أديبين؟ أليس هذا كله دليلًا على فراغ البال واحتياج الأدباء إلى ما يشغلون به أنفسهم عن هذه الأحاديث الطوال الثقال التي تضيّع الوقت، وتفني الجهد دون أن تنفع أو تفيد؟ قالت: هذا حق، ولكن الأدباء أصحاب كلام، وما داموا يتكلمون فهم يؤدون حق الناس عليهم. فالناس لا ينتظرون منهم إلا أن يكتبوا لهم ما يقرؤون. قال: لا، كل ما يقرؤون، بل ما ينتفعون به إذا قرؤوه. قالت: هنا نختلف، فقد ينبغي أن نتفق أولًا على معنى الانتفاع بما يقرأ. أنت تريد إذا قرأت كتابًا أو فصلًا أن تفيد شيئًا جديدًا، أو أن تضيف علمًا إلى علم، وأن تنمي حظك من الثقافة، أو أن يثير ما تقرأه في نفسك عاطفة أو لونًا من ألوان الشعور، وأنت لا ترضى من القراءة دون هذا. فأنت عسير، ليست السبيل إلى إرضائك سهلة ولا يسيرة. وأنت لذلك تلتمس قراءتك عند قليل جدًا من أدباء الشرق، وعند عدد غير كثير من أدباء الغرب. ولكنك تخطئ كل الخطأ حين تزعم أن القراء جميعًا يطلبون إلى الكتّاب مثل ما تطلب إليهم. ولو قد فعلوا لكان الأدباء شر الناس حالًا وأدناهم إلى العجز والإفلاس. أنت وأمثالك تشقّون على الأدباء فيما تطلبون، ولكني أنا وأمثالي لا نطلب إليهم كل هذا، أو لا نطلبه إليهم في كل وقت. فنحن نحب أن ننتفع إذا قرأنا، ولكنا نكتفي من القراءة بما دون ذلك. نريد منها أن تلهينا إذا ركبنا الترام أو القطار، وأن تعيننا على إنفاق الوقت إذا لم يمكّننا نشاطنا من العمل، وأن تدعو إلينا النوم إذا أبطأ علينا. ولا تغضب إن زعمت لك أننا قد نضيق بالقراءة الخصبة الغنية، ونؤثر عليها هذه القراءة السهلة الفارغة التي لا تنفع ولا تضر، ولكنها تعين على إنفاق الحياة. وأنت تستطيع أن تنكر على أدبائنا ما شئت، ولكنك لن تستطيع فيما أعتقد أن تنكر عليهم أنهم يكتبون لنا من الكتب، وينشرون لنا من الفصول، ويثيرون بيننا من ألوان الخصومة والحوار ما يمكننا من أن نركب الترام والقطار، ومن أن نقرأ إذا أجهدنا العمل، ومن أن نتعجل النوم إذا طال انتظارنا له. وأنت تظن أن هذا قليل، وأؤكد لك أن هذا كثير. فليس الأمر ذو الخطر في الحياة هو أن نتعلم ونثقف أنفسنا، وإنما الأمر ذو الخطر حقًا هو أن نحتمل الحياة، وأدباؤنا يعينوننا على احتمال الحياة حقًا بما يكتبون ويذيعون.
قال: قد يكون هذا حقًا، ولكنه مؤلم. ثم سكت وأطال السكوت. وسكتت هي فأطالت السكوت. ثم مد يده إلى قدحه فاستنفد ما كان فيه من ماء الورد. وأراد أن يعود إلى صمته، ولكنها سألته باسمة:
فيم هذا الصمت الطويل؟ أمستمع أنت لحديث الزهر؟ أم مشفق أنت من الطير والجن أن تنمّ عليك بما تقول؟ هنالك ابتسم ابتسامة شديدة المرارة وقال في صوت حزين: كلا، لست أستمع للزهر، ولا أخاف الطير والجن، وإنما أستمع لنفسي وأخافها. فهل تعلمين أنك قد بغّضت إليّ الكتابة والإنتاج الأدبي منذ اليوم؟ قالت وهي مغرقة في الضحك: أنا! ولماذا؟ قال: من يدري؟ لعلي لا أكتب ولا أنشر إلا لأعين القراء على أن يركبوا الترام والقطار، وينفقوا الوقت إذا أضناهم العمل، ويتعجلوا النوم إذا أبطأ عليهم النوم. قالت: لم أقل هذا. وهبني قلته، أليس كذلك يكفيك أن تكون عونًا لقرائك على احتمال الحياة؟ قال: لا. قالت: إنك لواسع الطمع عظيم الكبرياء. ثم مدت يدها إلى إناء من آنية الزهر، فأخذت منها قرنفلة وضعتها في صدره، ووردة أدنتها من فمه. وقالت: لتلتمس عزاءك عند هذه الوردة وهذه القرنفلة، فما أرى إلا أنهما قادرتان على هذا العزاء. ولكنك مخطئ أن ظننت أنك قد أنسيتني بهذا الحديث قصة الورد والقرنفل، فما زلت أذكرها وأنتظرها. فتحدث.
قال: إنها يا آنسة قصة طويلة، وليس هذا وقت البدء فيها. فإذا عدت من رحلتك السعيدة إلى أوروبا فسأحدثك بها، وأنا زعيم بأنك ستجدين في الاستماع لها لذة ورضى.
سمعت طرقًا خفيفًا، فرفعت رأسها وصوتها آذنة بالدخول، ومدّت عينها إلى الباب، فلما فتح لم يرعها إلا صديقها الأديب يسعى إليها مشرق الوجه، باسم الثغر، مبسوط اليد، مرتبكًا مع ذلك شديد الحياء. قالت، وقد غشي وجهها احمرار رقيق زاده جمالًا وحبًّا إلى النفوس، مصدره الدهش لهذا المقدم غير المنتظر، أو مصدره زيّه المهمل وثوبها الذي لبسته لنفسها لا للناس، ولم تكن تقدر أن الطارق أحد غير الخادم التي تعودت أن تطرق عليها الباب في رفق إذا كانت الساعة الخامسة من كل يوم لتحمل إليها الشاي. فلما رأت صديقها ارتاعت لمرآه، وقالت في دهش وخجل واضطراب: أنت من أين أقبلت؟ أنجمت من الأرض أم هبطت من السماء؟
قال، ولم يكن أقل منها ارتباكًا واضطرابًا: نعم، أنا أقبلت من حيث تريدين، ولكن لي إليك حاجة يا آنسة أعرضها عليك قبل التحية، وأتمنى لو تجيبينني إليها قبل السؤال والجواب. فسيكون السؤال طويلًا دقيقًا، وسيكون الجواب ملتويا مرتبكًا، ولكن حاجتي يسيرة، فاسمعيها مني واقضيها لي، ثم لنأخذ بعد ذلك فيما تحبين. قالت، وقد أخذت تثوب إلى نفسها وإلى ثوبها: من أين أقبلت؟ وكيف أراك في نيس وقد تركتك في القاهرة على أنك ستقضي فيها الصيف؟ قال: ثقي يا آنسة أني قد سمعت سؤالك ووعيته، ووعيت ما يحيط به من عجب وإنكار. إني سأجيب، وسأحاول أن أزيل هذا العجب وأمحو هذا الإنكار، ولكن حاجتي اسمعيها واقضيها قبل كل شيء.
قالت: لا، قبل أن نجلس. ثم عادت إلى كرسيها وقد حولته شيئًا عن المائدة، وأشارت إليه أن يتخذ هذا الكرسي، وأخذت تجمع صحفًا كانت منثورة على المائدة، ثم قالت مبتسمة: وما عسى أن تكون هذه الحاجة التي تقدمها بين يدي تحيتك، وقد بعد العهد بينك وبيني والتقينا من وراء البحر، فقد تركتك منذ أسبوعين. قال: بل منذ عشرة أيام إن لم أخطئ الإحصاء، فقد زرتك قبيل السفر… فقطعت عليه الحديث قائلة: نعم، قد ذكرت، فهات حاجتك، فإني لم أتعود أن أنتظر تحيتك وعبثك كل هذا الوقت الطويل.
قال: حاجتي يسيرة، وهي ألا تلومني ربة الدار، فقد مكرت بها واحتلت عليها، وما زلت أخدعها عنك وعني حتى تركتني أطرق الباب وأدخل عليك في غير استئذان سابق. فأغرقت في الضحك حتى استلقت إلى كرسيها وهي تقول: إنها لحاجة عسيرة، لست أدري كيف أقدر على إرضائها، وقد أذنت لك فيما كنت تريد، وطرقت الباب وفاجأتني بغير إذن سابق مني بذلك. وفيم كان كل هذا المكر؟ وفيم كان كل هذا الاحتيال؟ ومتى استباح أمثالك أن يفاجئوا أمثالي على هذا النحو، وفي مثل هذا الوقت من النهار؟ هنالك اشتد ارتباكه حتى بلغ الاضطراب أو كاد يبلغه، فلم يكن يقدّر أنها ستلقاه هذا اللقاء، ولا أنها ستنكر هذه المفاجأة، ولعله كان يظن، بل كان يوقن، أن سرورها بلقائه سيكون أشد من حاجتها إلى الاستطلاع، وسيكون أشد من إنكارها لهذه المفاجأة. فلما رأى منها هذا الإلحاح في السؤال والتشدد في النكير، فقد ما كان يملك من الأسباب، واختلط عليه الأمر، فلم يدرِ ماذا يصنع، ولم يعرف كيف يقول.
ولو أنه كان على شيء من البصر بصاحبته والعلم بدخيلة نفسها، لرأى أنه لم يكن مخطئًا حين قدّر أنها ستبتهج بلقائه، ولكنه كان شديد الذكاء، قوي الفطنة، واسع الحيلة، ما بعد عن النساء وعن صاحبته هذه خاصة. فإذا لقي واحدة منهن، أو لقي صاحبته هذه، فهو رجل ساذج أول الأمر، لا حظ له من ذكاء ولا من فطنة، ولا قدرة له على ثبات أو فهم، حتى إذا اتصل الحديث وتنوع استرد ملكاته قليلًا، حتى يعود كدأبه في الحياة العادية، ذكي القلب، قوي الفطنة، متصرفًا في ألوان الحديث. فلما رأت ارتباكه واختلاط الأمر عليه واضطراب لسانه في فمه دون أن يبلغ الإفصاح عما كان يريد، رقت له وأخرجته من حيرته بإجابتها إلى ما كان يريد، وإعلانها إليه أنها لن تلوم صاحبة الدار، ولن تظهر لها سخطًا ولا إنكارًا. ثم قالت: والآن حدثني من أين أقبلت وكيف أراك هنا اليوم، وقد تركتك في القاهرة منذ عشرة أيام؟ أنجمت من الأرض أم نزلت من السماء؟
قال: إن عشرة أيام تكفي لقطع الأمد من القاهرة إلى الإسكندرية، ولعبور البحر إلى مرسيليا وطولون، ولبلوغ مدينة نيس حيث تقيمين، قبل أن تستأنفي السفر إلى تلك المدينة الصغيرة الجامعية من مدن فرنسا الوسطى لتسمعي دروس الصيف. قالت: فإني لا أشك أن عشرة أيام تكفي لهذا كله، ولا أكثر من هذا كله. ولكن تركتك في القاهرة غضبان أسفًا، لأنك ستقضي الصيف حيث لم تكن تعودت أن تقضيه، ولعلك تذكر أنك كنت تحسدني وتسرف في الحسد على هذه الرحلة الجامعية التي كنت أزمعتها، ولعلك تذكر أنك ما زلت تصور لي حزنك ويأسك حتى رحمتك وأشفقت عليك. فكيف استطعت أن تفارق القاهرة وترحل عن مصر تظفر بزيارة باريس؟ فأنت ذاهب إلى باريس من غير شك. قال: نعم، أنا ذاهب إلى باريس. وماذا تكون فرنسا بدون باريس، وبدون الحي اللاتيني ومونبارناس ومونمارتر؟ وقد زعموا أن الحركة الأدبية والفنية قد أخذت تنتقل الآن من مونبارناس إلى…
قالت: حسبك، قد علمت هذا كله وعرفت رأيك فيه، وسنعود إليه. ولكن كيف تركت القاهرة؟ وكيف أتيت إلى باريس؟ قال: وأي شيء أيسر من ذلك يا آنسة؟ إنما يستغرب هذا من رجل كانت تمسكه الأزمة في مصر، ويعجز أجر السفينة أو نفقات الإقامة في فرنسا. فهذا الرجل إذا أتيح له السفر بعد امتناعِه عليه يمكن أن يسأل: أنّى لك هذا في مثل هذه الأيام الشداد؟ فأما إذا كان الذي يحول بين الرجل وبين السفر إرادة وزير من الوزراء، أو عناد رئيس من الرؤساء، فما أيسر أن يريد الوزير وقد كان لا يريد، وما أسهل أن يلين الرئيس وقد كان متأبيًا عنيدًا. وهذه قصتي: فما زلت برئيسي حتى رقّ لي، وما زلت بوزيري حتى عطف عليّ. قالت: صنع الله للرئيس وللوزير معًا، فلولا ظرف أحدهما وعطف الآخر لما أتيح لك أن ترى باريس. قال: بل لما أتيح لي أن أسعد بلقائك في نيس، وأن أسعد باصطحابك ساعة أو ساعات على ساحل البحر، هذا الساحل الجميل الهادئ القوي معًا، حيث نستطيع أن نرى البحر والجبل وقد دنا كلاهما من صاحبه في مودة وألفة، وحيث نستطيع أن نرى الطبيعة الحرة القوية والحضارة البديعة المترفة، وهذه القصور الشاهقة تشرف على البحر وتشرف عليها الجبال، وحيث نستطيع أن ننشد قصيدة بودلير، هذه القصيدة الرائعة التي كنت تغنينها في القاهرة أجمل غناء، أتذكرين؟ لقد عشت دهرًا طويلًا تحت أروقة واسعة تضيفها شمس البحر. قالت: نعم، كل هذا أذكره، وكل هذا أفهمه، وكل هذا لا تفسير له إلا أنك قد رجعت إلى صوابك واسترددت قواك موفورًا، واستأنفت ما ذهب من العبث والمزاح. فقد آمنت أنك سعيد بلقائي، وقد آمنت أنك ستسعد وسأسعد معك بقضاء ساعة أو ساعات على هذا الساحل الجميل.
وقد آمنت بأن رئيسك خليق بالشكر، لأنه رقّ لك بعد أن قسا عليك، وأن وزيرك حريّ بالثناء عليك، لأنه لطف بك بعد أن كان شديدًا عنيفًا. ولكني لن أتحدث إليك الآن، ولن أسمع منك الحديث عن الجبل والبحر ولا عن الصخور والقصور، فقد يتاح لنا الحديث عن هذا كله بعد حين. إنما أحب أن أسمع منك أنباء مصر. قال: إنهما لخليقان بالشكر والثناء حقًا، ولا سيما حين تعلمين… قالت: لا أريد أن أعلم شيئًا. قال، وهو يضحك ضحكًا ملؤه المكر والإلحاح: بل يجب أن تعلمي لتضاعفي الشكر وتجزلي الثناء، فإني لم أرحل للسياحة ولا للراحة ولا لرؤية باريس، وإنما رحلت… قالت: لأمر من أمور الدولة، فتدرس شأنًا من شؤون التعليم، أو فنًا من فنون النظام، أو لونًا من ألوان الإدارة، أو شيئًا من هذه الأشياء التي يرحل الموظفون لدرسها في أوروبا أثناء الصيف، فيسرحون ويمرحون ويلهون ويلعبون، ويكتبون في آخر الصيف تقريرًا يرفعونه إلى الرئيس أو إلى الوزير، فيتلقى الوزير أو الرئيس هذا التقرير ويتلقى صاحبه كلمة شكر وثناء، وقد فهم الرئيس عن صاحب التقرير وفهم صاحب التقرير عن الرئيس ما يريد كل منهما أن يفهم عن صاحبه. وأؤكد لك أني أضاعف شكري لصاحبيك وثنائي عليهما، ولكن أرحني من حديثهما كما أرحتني من حديث البحر والجبل والساحل، وعد بي إلى مصر.
قال: ما أشد شوقك إلى مصر وتلهفك إلى الحديث عنها! ألم تشبعي من مصر وقد أقمت فيها سنة كاملة منذ رحلتك الأخيرة؟ أمشتاقة أنت إلى مصر ولما يمض على فراقك إلا عشرة أيام؟ قالت: فإني لا أريد أن تحاسبني على ما أجد أو لا أجد من الشوق إلى مصر، وعلى ما أحس أو لا أحس من الضيق بمصر، وإنما أريد أن تحدثني عنها. كيف تركتها؟ وكيف تركت أهلها؟ ثم مست هذا الزر الكهربائي الذي لا تخلو منه غرفة من غرف الفنادق، فما أسرع ما أقبلت الخادمة، فهمّت أن تطلب إليها الشاي، ولكنه اعترض دون ذلك وقال: ماذا تريدين؟ أجُننا حتى نتناول الشاي في غرفة مغلقة والجو صحو، والماء صفو، والشمس توشك أن تنحدر إلى مغربها فترسل على الجبل والبحر…
قالت: حسبك، فإني أستطيع أن أتم ما تريد أن تقول. قال: وإذن فهلمّ نتناول الشاي حيث نستطيع أن نستمتع بهذا الجمال الذي لا نجده في مصر. وكان حازمًا ملحًّا، فلم تجد بدًا من أن تسمع له وتستجيب لدعائه، فصرفت الخادم ونهضت، فغابت عنه قليلًا في غرفة مجاورة متصلة بالغرفة التي كان فيها. ثم عادت إليه وقد اتخذت زيها المنظم المنسق الذي عرفه في القاهرة، فلما رآها اطمأن إلى هذا الزي الذي كان يألفه، ولعله أسف على ذلك الزي المهمل الذي كان أعجبه والذي كان قد أخذ يطمئن إليه. وما هي إلا لحظات حتى كانا يسعيان معًا في هذه الطريق الجميلة على ساحل البحر، تلك التي يسمونها في نيس طريق الإنجليز. وكان طرفه حائرًا بين البحر وهذه الفنادق الضخمة المشيدة، وهؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يذهبون ويجيئون في هذه الطريق، وقد اتخذوا للرياضة والشاي زينتهما. لكنها لم تتح له الاستمتاع بهذه الحيرة، فما أسرع ما ردته إلى مصر وحديثها، وعادت تسأله عن المصريين، كيف تركهم. قال، ولم يخف شيئًا من الضجر الباسم العابث: تركتهم من خمسة أيام كما تركتهم أنت منذ عشرة أيام، وكما سيتركهم كل مسافر ويلقاهم كل عائد، وكما يترك كل رجل من الناس أي جيل من الأجيال. تركتهم قومًا كرامًا يكرمون آباءهم وأمهاتهم، ويؤثرون أبناءهم وبناتهم، ويشفقون من الآلام، ويسرعون إلى اللذات، ويكثرون القول، ويقصدون في العمل، ويفرون من الدور، ويستقرون في الأندية، ويطيلون الحوار في الأدب والسياسة، ويقرؤون الصحف ويعبثون بكتابها…
قالت: يا له من سيل جامح لا يقف ولا يهدأ ولا يتئد، ولا يتخير ما يحمل! ما عن هذا أسألك، وما طلبت إليك أن تصور لي المصريين كما تراهم أنت بهذا الرأي المظلم القاتم، الذي لا يعجب بشيء ولا يرضى عن شيء، بل ينكر كل شيء. إنما سألتك… قال: يا له من جدول هادئ متئد، عذب ظريف، لا يحمل غثاء ولا جنادل، وإنما هو صافي الصفحة نقي الأديم، كله رضى وكله ابتهاج، وكله أمل. إنما تسألينني عن الأدباء، أليس هذا ما كنت تريدين؟ قالت: هو هذا، ومتى رأيتني أتحدث إليك عن غير الأدباء؟ قال: فقد تركت الأدباء في شغل شاغل وهم مقيم، يقولون فيطيلون، ويعملون فلا يبلون، وكأنهم هذا القطار الذي يهم بالحركة فيكثر فيه الضجيج والعجيج والقعقعة والاضطراب، وهو ثابت في مكانه لا يريم، لأن الله لم يأذن له بالحركة بعد، أو لأن أداة من أيسر أدواته لم يتح لها أن تشترك في العمل مع أخواتها.
قالت: وما ذاك؟ قال: إنهم يذكرون حافظًا، فقد دار العام على وفاته، ولم يصنع له أحد شيئًا. فهم يلومون أنفسهم وهم يلومون غيرهم، وهم يلومون مصر كلها؛ يلومون الشعب لأنه قصّر غير عامد، ويلومون الحكومة لأنها تعمدت التقصير. حتى إذا أسرفوا في اللوم وأعياهم الإسراف، عزوا أنفسهم وعزوا الشعب الذي قصّر عن غير عمد، والحكومة التي قصّرت عن عمد، بأن حافظًا كان أديبًا حقًا، فلا غرابة في أن تدركه حرفة الأدب. وقد كان حافظ رحمه الله حسن الحظ، ميسّرًا له في الأمر بالقياس إلى زميله في حرفة الأدب منذ أكثر من ألف سنة. فأنت تذكرين أنها قد أدركت ابن المعتز، فانتزعته من الخلافة، ولما يقم فيها يومًا، ولم يكفها أن تنتزعه من الخلافة، فانتزعته من الحياة على شر الأحوال وأشدها نكرًا. أما حافظ فقد كان بائسًا في حياته، لم يعرف النعيم، والبؤس أيسر من الخلع، والبؤس الدائم أيسر من البؤس الطارئ بعد طول النعمة وحسن الحال، وقد مات حافظ على فراشه، والموت الهادئ أيسر من الموت العنيف. وحافظ بائس بعد موته؛ لم يجتمع له الناس، ولم تمتلئ له الأوبرا، ولم تُلقَ فيه الخطب المدبجة، ولا القصائد المنمقة، وقبر حافظ مجهول أو كالمجهول. ولكن هذا البؤس كله ليس شيئًا بالقياس إلى بؤس آخر أشد وأمض، وهو هذا الثناء المتكلف، وهذا الإكبار المصنوع، وهذه الخطب والقصائد التي لا يراد بها وجه الله، ولا وجه من قيلت فيه، وإنما يراد بها وجه الذين يصرفون السياسة ويسيرون أمور الناس كما يحبون، وإلى حيث يحبون. فقد كان حافظ وما زال بائسًا، وكان حافظ وما زال شقيًا، ولكن شقاء حافظ سعادة، وبؤس حافظ نعيم. وما كان أحق شوقي رحمه الله وأجدره بأن يشارك حافظًا في هذا البؤس المجيد! فقد كان شوقي كما كان حافظ مجدًا لمصر وللشرق وللأدب العربي، ولكن السياسة استأثرت بشوقي فازدردته ازدرادًا، وعجزت عن أن تستأثر بحافظ. وأي غرابة في هذا؟ لقد كان شوقي رحمه الله هينًا لينًا رفيقًا رقيقًا، وكانت في حافظ صلابة الشعب وغلظته، وخشونة الشعب وشدته. قالت وهي محزونة: ولكن بؤس حافظ مهما يكن مجيدًا بالقياس إليه فهو عار على مصر، ومن حق مصر لنفسها أن تكشف هذا العار. وكانا قد بلغا ناديًا من هذه الأندية التي يكون فيها الرقص مع المساء والتي يؤخذ فيها الشاي، فاتخذا مكانًا منزويا فيه دون أن يتفقا على ذلك، إنما هي رغبتهما في اتصال الحديث، وزهدهما في هذا المتاع الذي يتهالك عليه الناس. ولم ينقطع حديثهما وقتًا طويلًا، إنما هي لحظة طلبا فيها إلى الخادم ما كانا يريدان، ثم اتصل بينهما الحديث، ولكنه لم يمس أمير الشعراء ولا شاعر النيل.
قال: ومع ذلك فلم تسأليني عن مصر والمصريين، وأنت ترين مصر وأدباءها في فرنسا كأحسن ما تحبين أن تريهم؟ قالت: في فرنسا؟ وأين ذاك؟ قال: ماذا تصنعين إذن منذ تركت السفينة؟ ألا تقرئين؟ قالت: لا. قال: بل تكتبين، وقد كان ينبغي أن أفهم هذا، ولعلي قد فهمته حين رأيت تلك الصحف المنثورة على المائدة، والتي أسرعت إلى جمعها وإخفائها حين رأيتني مقبلًا عليك، كأنك خفت أن أمد إليها يدًا، أو أن أختلس إليها نظرة.
قالت: لا تقل هذا، ولا تسرف في التجني، فما كنت أستطيع أن أمضي في الكتابة وقد أقبلت، وما كان ينبغي لي أن أدع المائدة مختلطة كما كانت. قال: فإذا سألتك أن أقرأ بعض هذه الصحف التي كانت منثورة، فهل تأذنين؟ قالت: هذا شيء آخر. دعنا من هذه الصحف المنثورة، فستقرأها يومًا ما. ولكن حدثني أين وكيف أستطيع أن أرى مصر والمصريين في فرنسا؟ قال: تستطيعين أن تري مصر والمصريين في فرنسا الآن، وفي هذا المكان، وعلى هذا النحو. ثم أخرج لها صحيفة **النوفيل ليترير** ونشرها، وقال: انظري.
فنظرت فدهشت، فسكتت، ثم قالت: هذا غريب! صفحة أدبية عن مصر لا يكاد يكتب فيها مصري! قال: ولو تُرجم ما فيها للمصريين لرأوا أنفسهم كما يرونها في المرآة الصافية الناصعة. أليس قد صوّر لهم كاتب أمير شعرائهم العظيم تصويرًا لا يصفه من قريب ولا من بعيد؟ أليس قد زعم هذا الكاتب أن قد كان لأمير الشعراء خصوم كلهم بغيض؟ أليس قد أذاع هذا الكاتب بين الفرنسيين والأوروبيين الذين يقرؤون هذه الصحيفة صورة عن شاعر مصر وعن أنصاره وخصومه لا تلائم رأي مصر ولا حاجتها، وإنما تلائم رأي السياسة القائمة؟ قالت: سأقرأ هذا الفصل. ولكن انظر. قال: وما تريدين أن أنظر؟ قالت: أتظن أني لم أقرأ هذه الصفحة قبل الآن؟ ماذا تنكرين؟ فصل لصديقنا الأستاذ أنطون الجميل عن المجمع اللغوي الملكي. أي غرابة في هذا؟ قالت، وهي تضحك ضحكًا حزينًا: الغرابة أن يعلن عن هذا المجمع في فرنسا ولما يوجد في مصر بعد!
قال: لم يوجد الآن فسيوجد بعد عام! قالت: فقد كنت أحب من صديقنا، بل كنت أحب لصديقنا أن ينتظر حتى يوجد هذا المجمع بالفعل قبل أن يكتب عنه فيطيل، فقد أرى أن فصله غير قصير. وما عسى أن يكتب بعد أن يوجد المجمع؟ قال: ليس على صديقنا بأس من أن يكتب عن مجمع إن لم يوجد بالفعل فهو موجود بالقوة، ولا سيما إذا طلبت إليه الكتابة وأثقلت عليه في الطلب. وليس إسراعه إلى الكتابة في شيء هو إلى الوهم أقرب منه إلى الخيال، فضلًا عن الحقيقة الواقعة، هو الذي أنكره عليه أو ألومه فيه، إنما أنكر عليه فهمه للمجامع اللغوية وتصويره لتاريخها عند العرب. أترين إلى أسواق الجاهليين؟ لقد كانت مجامع لغوية عند الأستاذ أنطون الجميل. ثم أترين إلى مدارس اللغة والنحو والأدب في البصرة والكوفة وبغداد، وفي حلب ودمشق والقاهرة وقرطبة؟ لم تكن من المجامع اللغوية في شيء عند الأستاذ أنطون الجميل. هذا كثير، ألا ترين ذلك؟ قالت: وأكثر منه أن يستجيب صديقنا لدعوة السياسة، وأن يرضى صديقنا لنفسه أن يضع الأدب من السياسة هذا الموضع. وقد كنت أرى أنه يجب إخضاع السياسة للأدب. لأكتبن إليه. قال: لا تفعلي، فليس هو الآن في القاهرة، إنه يطوف في لبنان. فانتظري حتى تعودي ويعود، ثم خذي معه في هذا الحديث. ولكن اقرئي هذا الفصل وفكري فيه، فهو فصل من فصول الصحف السيارة في مصر لا أكثر ولا أقل. ولكن حدثيني: أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟
قالت: وأنت حدثني كيف وقعت إلى نيس وأنت تقصد إلى مدينة النور؟ قال: وهل يكون النور إلا حيث أنت يا آنسة؟ قالت، مغيضة: هل تعلم أنك تثقل عليّ أحيانًا بهذا العبث السخيف؟ قال: ما أردت هذا ولا فكرت فيه، وما أرى أني ألام إن كنت ثقيلًا، فلعل الثقل أن يكون بعض طبيعتي. فخذيني كما أنا. قالت: فإن لم يعجبني منك هذا؟ قال: فاحتمليه على أي حال، فلعل عندي ما يهون عليك احتماله. أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟ قالت: سأقيم أيامًا، وأنت؟ قال: سأقيم فيها ما أقمت إن لم يثقل عليك ذلك، وسنرتحل معًا، حتى إذا كنا في بعض الطريق تخلفت أنت في مدينتك الجامعية الصغيرة، فاصطليت فيها حر الصيف ونار العلم والأدب، ومضيت أنا إلى باريس. ومن يدري، لعل نار الأدب والعلم أن تستهويني فأتخلف وقتًا طويلًا أو قصيرًا. وهل أنا فراشة تستهويها النار، ولا تكره أن تحترق بها؟ قالت، في شيء من التفكير: أنت مقيم في نيس ما أقمت، مرتحل عن نيس إذا ارتحلت عنها، متخلف حين أتخلف، مصطلٍ للنار التي أريد أن اصطليها. قال: هذه خطة مرسومة. وكيف تريدين يا آنسة أن تغيري ما رسم القضاء؟
أيهما خير يا آنسة؛ أن نفترق الآن لنلتقي غدًا، أم أن نظل كما نحن رفيقين في السفر والإقامة؟ قالت: بل أن نفترق لنلتقي بعد شهرين في القاهرة أو بعد شهر في باريس. وحسبنا أن قد أقمنا معًا أسبوعًا كاملًا في هذه المدينة من مدن البحر، نلتقي إذا أصبحنا، ونلتقي إذا أمسينا، ولا يفرق بيننا إلا الليل. قال: فإنك إذا قد سئمت هذا اللقاء وطال عليك أمده، وأخذت تودين لو فرقت بيننا النوى دهرًا طويلًا أو قصيرًا! وما رأيك في أني بعيد كل البعد عن هذا السأم، كاره كل الكره لهذا الفراق الذي تحبينه وتطمحين إليه؟ قالت: لك أن تفهم رأيي كما أحببت، وأن تقدره كما شئت، وأن ترضى عنه أو تسخط عليه، فمن المحقق أني لم أره لك وإنما رأيته لنفسي، ومن المحقق أني لم أعلنه إليك إلا وأنا محتملة لنتائجه، عالمة بموقعه من نفسك وتأثيره فيها، ولن يغير من رأيي ما تبدى وما تعيد. فقل لي: إلى اللقاء، ودعني أهيئ أمري فقد دنت ساعة السفر.
قال: ما شككت في أن ساعة السفر قد دنت، ولكن الذي أشك فيه هو أن دنو هذه الساعة يضطرنا إلى أن نفترق، فقد نستطيع أن نسافر معًا كما أقمنا معًا. قالت: فإني لا أريد. قال: ما رأيت كاليوم ظرفًا ولا رفقًا ولا حسن مودة للأصدقاء! سنفترق يا آنسة، ما دمت حريصة على هذا الفراق، فهل تأذنين في أن أصحبك إلى القطار؟ قالت: ولا هذا، فإني لا أحب هذا الوداع السريع البطيء في وقت واحد. ولا أحب أن يفترق الناس لأن قوة غريبة عنهم تكرههم على أن يفترقوا. فلنفترق منذ الآن واكتب إليّ، ولعلنا نستطيع أن نلتقي في باريس، فإن أعيانا ذلك ففي القاهرة متسع للقاء المتصل والحديث الطويل. ثم صافحته في قوة، وعلى وجهها ابتسام يشبه العبوس، وفي وجهه عبوس يشبه الابتسام.
ولم يكد يقبل المساء حتى كانت ماضية في قراءتها لا يصرفها عنها شيء، كما كان قطارها السريع ماضيًا في سيره لا يقفه عنه شيء، وكانت حركة الناس من حولها لا تسكن، وحديث الناس من حولها لا ينقطع، وأصوات الناس من حولها لا تهدأ. ولكن شيئًا من ذلك لم يكن ليلهيها عن هذا الكتاب الذي غرقت فيه. حتى إذا انتهت بها القراءة إلى شيء من الجهد والإعياء، ووضعت كتابها لتستريح، ورفعت رأسها تجيل الطرف فيما حولها، لم يرعها إلا صديقها الأديب جالسًا أمامها جلسة المتأدب الخاضع الذي ينتظر أن يفرغ سيده له ويلتفت إليه. فلما رأته لم تدهش ولم تنكر، ولكنها أظهرت ضيقًا به وغضبًا عليه، وقالت في لهجة حازمة: أتعلم أني أكره هذا النوع من اللعب، وأنك توشك أن تغيظني وتحفظني وتصرفني عنك إن مضيت فيه؟ قال في صوت خافت غير مطمئن: أعلم ذلك حق العلم، وآلم له أشد الألم، ولو استطعت أن أكون عندما تحبين ما أثقلت عليك، ولا ترددت في طاعتك، ولا تحولت عما يرضيك. ولكن ما رأيك في أني لا أحب أن أموت؟
قالت، ولم تملك نفسها من ضحك غالبته فغلبها: لا تحب أن تموت؟ قال: نعم، لا أحب أن أموت، ألم تفهمي بعد؟ قالت: ومتى رأيتني أحل الألغاز؟ قال: والغريب أنك قد عاشرت الفرنسيين فأطلت عشرتهم، وأتقنت لغتهم وآدابهم الرفيعة والشعبية حتى كأنك واحدة منهم. فكيف يغيب عنك ما يتحدثون به كلما هموا برحيل أو فراق؟ وهل تعلمين شعرًا وجد عددًا ضخمًا من الرواة، تختلف طبقاتهم وتتفاوت منازلهم، كهذا الشعر الذي ينشده الفرنسيون كلما هموا أن يفترقوا؟ إنما السفر ضرب من الموت بالقياس إلى المحبين. قالت: وقد نسيت غضبها، واطمأنت إلى طبعها، وخرجت من التكلف، ولاءمت بين حديثها ومظهرها، وبين ما وجدت من الغبطة بلقائه الذي كانت ترجوه، والتي كانت تغضب وتحزن لو لم تظفر به: فأنت إذا تريد إلى هذا اللغو من الحديث؟ قال: أنت تزعمين أنه لغو، أما أنا فأراه الجد كل الجد، والحق كل الحق. ولولا أن السفر ضرب من الموت لما كرهه المحبون، ولا سخط عليه الشعراء، ولا تغنوا بآلامه وأحزانه. ولولا أن السفر ضرب من الموت حين يفرق بين الناس لما رأيتني الآن في هذا المكان بعد أن افترقنا على أن لا نلتقي حتى يمضي شهر أو أكثر من شهر. ولكني فكرت بعد أن افترقنا، فرأيت أني ميت بالقياس إلى كل الأصدقاء الذين تركتهم في مصر، مهمل بالقياس إلى كل هؤلاء الناس الذين كانوا حولي في نيس، والذين سألقاهم في باريس، وأني لا أحتفظ من الحياة إلا بشعاع ضئيل، هو هذا الذي أحسه حين أصحبك وأسمع لك وأتحدث إليك، فشق علي أن أجود بهذا الشعاع، وأن أسلم نفسي للموت المطبق والإهمال المطلق شهرًا وبعض شهر. ولولا خوف الموت والضيق بالإهمال ما خرجت عن طاعتك، ولا خالفت عن أمرك، ولا عرضت نفسي لهذا الغضب اللاذع وهذه الثورة المهينة.
قالت: فقد عدت إلى ذكر الغضب والثورة، كأنك تريد أن أنكرهما أو أعتذر منهما أو أنبئك بأني تكلفتهما تكلفًا واصطنعتهما اصطناعًا. قال: لا تنكري شيئًا ولا تعذري من شيء. فأنا معترف بأني ملح، وأنا معترف بأني مثقل في الإلحاح، ولكنك تعودت احتمالًا لهذا الثقل، وتجاوزًا عن هذا الإلحاح. فدعي حديثهما وحديث الغضب والثورة، وحدثيني عن هذا الكتاب الذي لم تكادي تقبلين عليه حتى ألهاك عن كل شيء، وصرفك حتى عن هذه المناظر البديعة الخلابة التي تعرضها عليك الطبيعة عرضًا سريعًا أثناء سير القطار. قالت: هذا كتاب تعجب إن عرفت أني أقرأه للمرة الخامسة. فأنا لا أعرف كتابًا أهون ولا أيسر ولا أمتع ولا ألذ من هذا الكتاب أثناء السفر الطويل، أو حين يلح على الحزن الثقيل. هذا كتاب من كتب كورتلين.
قال: هو كتاب «قطار الساعة الثامنة والدقيقة السابعة والأربعين». قالت: هو ذاك. قال: فإني لم أقرأه خمس مرات، لكني قرأته ثلاثًا، ولولا أني علمت أني سأصحبك في القطار لقرأته للمرة الرابعة! فأنا مثلك معجب بهذا الكتاب إعجابًا لا حد له، والغريب أني لا أدري بماذا أعجب من هذا الكتاب! بمعانيه أم بألفاظه أم بأسلوبه، أم بهذه الصور الرائعة التي يعرضها علينا في غير انقطاع؟ أم بهذا كله مما أعرفه، وما أحسه دون أن أعرفه؟ فهذا الكتاب عندي آية من آيات الأدب الفرنسي. قالت: وعند كثير من الفرنسيين أيضًا، وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد كان أناتول فرانس مشغوفًا به شغفًا عظيمًا، لست أدري أكان يعده بين آيات الأدب أم لا. وإني لأرجو أنه لم يضعه بين هذه الآيات، فقد كان أناتول فرانس يضيق بآيات البيان ويرى أنها ثقيلة مملة، وليس في هذا الكتاب شيء من الثقل ولا الإملال. قال: ومع ذلك فإن في هذا الكتاب ألفاظًا لا تكاد تحصى، وجملًا لا يكاد يبلغها العد، وكلها خارجة على النحو الفرنسي، مخالفة لأساليب البيان المألوف. قالت: فهذا مظهر من مظاهر الجمال في هذا الكتاب، ومصدر من مصادر الإعجاب به، وسبب من هذه الأسباب التي تضطرنا إلى مراجعة النظر فيه. وما رأيك لو أن كورتلين أنطق أبطاله بهذه اللغة الفرنسية الفصحى، وأجرى على ألسنتهم هذه الجمل الأدبية الرائعة التي تجدها في كتب كورتلين نفسه وفي كتب غيره من الأدباء؟ إذا لما وجدت في الكتاب لذة كهذه اللذة التي أجدها الآن، ولعلي أن أعجز عن المضي في قراءته إلى آخره، فضلًا عن أن أقرأه مرات. إن للغة الفصحى خطرها وقيمتها، وهي مقياس البيان وظرف الأدب، ولكنها قد تسخف وتسمج إذا جرى بها لسان هذا الجندي الذي اتخذه كورتلين بطلًا لقصته. قال: هذا حق، ومهما أنس فلا أستطيع أن أنسى هذه الجملة الطريفة التي يرددها جندي كورتلين كلما وقف موقف الحرج أمام الكابتن: «فلولا هذه اللحنة الظريفة الشائعة، التي تجري بها ألسنة العامة من الفرنسيين، والتي أذاعها كورتلين حتى تفكهت بها الخاصة، لما كان لهذه الجملة موقع في النفس حسن، ولا منزل من القلب عجيب.»
قالت: وكل كلام الجندي وكلام رفاقه ظريف محبب إلى النفوس؛ لأن ما فيه من اللحن والتواء الأسلوب يصور روح الشعب كما هي، صريحة مستقيمة، لا غموض فيها ولا التواء. قال: فأنت إذا من أصدقاء اللغة العامية وأنصارها، وماذا لو عرف أعلام البيان في مصر عنك هذا الرأي؟ قالت: لا أصنع شيئًا، فليس يعنيني أن يعرفني أو ينكرني أعلام البيان في مصر أو في غير مصر. وما تعودت قط أن أرى الرأي فأسأل نفسي عن حظه من رضى الناس أو غضبهم. قال: قد علمت ذلك حق العلم، وجربته حق التجربة، ولم تمض ساعات على هذه التجربة اللذيذة الأليمة معًا. قالت: لم أزعم لك شيئًا! فلا تعبث ولا تفسد علينا بهذا الاستطراد ما نحن فيه من الحديث. لست من أصدقاء اللغة العامية، ولكني لست من أعدائها. وما أذكر أني كتبت شيئًا باللغة العامية، وما أظن أني سأكتب بها شيئًا؛ لأني لا أحب ذلك، ولو أحببته ما قدرت عليه. ولست أرضى أن تصبح اللغة العامية لغة البيان الأدبي، ولا أعطف على كاتب يتعمد الكتابة بها ويتخذها ترجمانًا لما يريد أن يعرضه من الخواطر والآراء، ولكني على هذا كله لا أستطيع أن أمحو هذه اللغة، ولا أستطيع أن أنكر أن لها جمالًا تنفرد به أحيانًا وتعجز عنه اللغة الفصحى. ولا أستطيع أن أمحوها من قلوب الأشخاص الشعبيين وأضع مكانها اللغة الفصحى، وأوفق مع ذلك إلى تصوير هؤلاء الأشخاص الشعبيين تصويرًا صادقًا كل الصدق، جيدًا كل الجودة، متقنًا كل الإتقان. قال وهو يبتسم ابتسامة ملؤها المكر والخداع: ألا تعجبين أن ينتهي بنا الحديث عن كورتلين إلى الحديث عن توفيق الحكيم؟
قالت: ومن توفيق الحكيم؟ ما سمعت به قبل اليوم! قال: فأنت إذا من أهل الكهف. قالت: وأي عجب في أن أكون من أهل الكهف، ومتى زعمت لك أني أعرف الناس جميعًا أو أقرأ للناس جميعًا؟! قال: فإن أهل الكهف عنوان قصة لتوفيق الحكيم، هذا الذي لم تعرفيه ولم تسمعي به، وأؤكد لك أني أكره لك هذا الجهل. فتوفيق الحكيم شاب خليق أن يُعرف، ومن العيب كل العيب أن يجهله أديب شرقي. ولكنك قد أقررت على نفسك بأنك من أهل الكهف، فلا لوم ولا تثريب. قالت: قد أقررت، وأنا خليقة أن ألام، فأنبئني عن توفيق الحكيم، وكيف انتهينا من حديث كورتلين إليه، وأي سبب بين هذا الشاب المصري وهذا النابغة الفرنسي؟ قال: بينهما سبب لا أدري الآن ما هو، ولعله، إن صدقت الظنون وتحققت الآمال، أن يكون التفوق والنبوغ، ولعل الله قد أذن لمصر أن يكون فيها كورتلين كما كان في فرنسا.
قالت: فإني لا أحب الإطالة، ولا أحب الالتواء، فأوضح وأبن عما تريد. قال: توفيق الحكيم يا آنسة شاب مصري، ظهر فجأة بقصة تمثيلية أنت أحد أشخاصها. قالت: أنا أحد أشخاصها! ماذا تقول؟ قال: نعم! لأن أشخاصها أهل الكهف، ولست أريد أن أطيل في تقريظ هذه القصة. وإنما أقول إني قرأت في هذا العام قصصًا تمثيلية كثيرة، ظهر بعضها بالفرنسية، وبعضها بالإنجليزية، وبعضها بغير هاتين اللغتين، وترجم إلى إحداهما أو إلى إحداهما، فكانت قصة أهل الكهف هذه خير ما قرأت من هذه القصص كلها وأحسنها موقعًا من نفسي، وأشدها إثارة لإعجابي. ولست أدري أمعجب أنا بموضوعها أم بأسلوبها السهل، أم بألفاظها الساذجة، أم بتحليلها الدقيق، أم بهذا كله. ولست أشك في أن إعجابي بها سيضاعف منذ اليوم؛ لأنك أحد أشخاصها. ومن يدري لعلك برسكا التي صورها توفيق الحكيم! قالت، وقد ضاقت بهذا المزاح: لو كنت برسكا لما جهلت مبدعي! قال: كم بين الناس يعرفون مبدعهم؟ قالت: وقد كتب صاحبك هذه القصة باللغة العامية؟
قال: لا، بل بلغة لا تبعد كثيرًا عن العامية. وليست هذه القصة هي التي ذكرت حين تحدثنا عن كورتلين، فإن لتوفيق الحكيم قصة أخرى غير تمثيلية سماها عودة الروح. والغريب أن أهل الكهف ظفرت أول الأمر بإعجاب الشباب والشيوخ جميعًا. فلما ظهرت عودة الروح تنكر لها بعض أعلام البيان في مصر، ودعا هذا التنكر بعضهم إلى أن يراجعوا إعجابهم بأهل الكهف، فيخففوا منه ويقتصدوا فيه. أما الشباب فأضافوا إعجابًا إلى إعجاب، ورضى إلى رضى، وبدءوا يتخذون هذا الكاتب الشاب قدوة لهم ومثالًا. قالت: وماذا ينكر أعلام البيان من عودة الروح؟ قال: لغتها، فهي ككتاب كورتلين، أبطالها شعبيون، فينطقهم المؤلف بلغة الشعب. ولعله يغرق في ذلك بعض الشيء، وأعلام البيان يكرهون ذلك ويحرصون على ألا تظهر آيات البيان إلا في اللغة الفصحى، وهم يضنون بهذا الشاب على أن ينفق جهده الخصب ويضيع وقته العزيز في هذه اللغة المبتذلة. قالت: ولكن القصة نفسها ما رأيهم فيها؟ فليست القصة ألفاظًا خالصة ولا معاني خالصة، وإنما هي قوام من الألفاظ والمعاني، ولا بد من أن يستقيم لها جمال اللفظ وجمال المعنى. فهب ألفاظها رديئة عند أعلام البيان، فما حكمهم في معانيها؟ قال: قرأها بعضهم فلم يظهر رضى ولا سخطًا، ولم يستطع بعضهم الآخر أن يقرأها، فعابها؛ لأن لغتها العامية صرفته عن قراءتها. قالت: فهذا بخل بالإنصاف وتجاوز للقصد، وقد شوقتني إلى أن أقرأ هذين الكتابين، ولكن هلا حدثتني عنهما حين كنا في القاهرة؟ قال: ومتى حدثتك في القاهرة عما كنت أريد أن أحدثك عنه؟ إنما نلتقي فتمضي الأحاديث بيننا كما تريد هي لا كما نريد نحن، ولولا أني سألتك عن هذا الكتاب الذي تقرئين لما جرى بيني وبينك ذكر لتوفيق الحكيم. وهل فرغنا من الحديث عن أنفسنا لنتحدث عن هذا الأديب الجديد؟ قالت: كم كنت أحب أن أظفر بكتابيه لأفر إليهما منك ومن نفسي، فقد يخيل إلي أننا نسرف في الحديث عن أنفسنا ونغلو في الإعراض عن غيرنا. وقد يخيل إلي أن بين هؤلاء الكتاب الناشئين من هم أحق بعنايتك وعنايتي من هذا اللغو الذي نخوض فيه كلما التقينا. قال: وعلى ذكر كورتلين وتوفيق الحكيم، ما رأيك في هذا الكتاب الفرنسي الجديد الذي كثر الكلام فيه، واختلف فيه أدباء فرنسا كما اختلف أدباء مصر في كتاب توفيق الحكيم؟
قالت: وما ذاك أيضًا؟ قال: ماذا، ألم تقرئي كتاب سيلين الذي سماه سياحة في آخر الليل؟ ألم تقرئي ما كتب النقاد حول اللغة التي أُلّف فيها هذا الكتاب؟ قالت: لا. قال وهو يضحك: معذرة، فقد أنسيت أنك نائمة، وأنك من أهل الكهف. قالت، وقد رمته بكتابها مغيظة منه محنقة عليه: هبني نائمة، فما لك لا توقظني؟ وما اختلافك إلي في القاهرة؟ وما لزومك لي في نيس؟ وما مرافقتك لي في هذا القطار على كره مني؟ قال وقد أغرق في الضحك: إنما رافقتك في القطار يا آنسة لأوقظك، ولأخرجك من الكهف، ولأنبئك بأن في مصر شابًا يقال له توفيق الحكيم، كتب قصة يقال لها أهل الكهف، وأخرى يقال لها عودة الروح. وبأن في فرنسا أديبًا جديدًا يسمي نفسه سيلين، وقد أظهر كتابًا أسماه «سياحة في آخر الليل»، اختلف الناس فيه اختلافًا كثيرًا.
قالت: فيم اختلفوا؟ قال: في لغته، فهو أيضًا مسرف في حب العامية، وأنا معجب بكتابه إعجابًا شديدًا، مبغض للغته بغضًا شديدًا؛ لأنه يتعمدها تعمدًا، ولا تدفعه إليها الحاجة ولا الضرورة ولا الرغبة في التصوير الصادق والتعبير الصحيح. وكل هذه الكتب عندي، أستطيع أن أعيرك إياها لتقرئي وتحكمي، ثم لنتحدث بعد ذلك. قالت: فابدأ بقصة أهل الكهف، فأعرني إياها منذ الآن، فسأنفق ليلتي بينها وبين كورتلين. قال: ولكن أليس خيرًا منها ومن كورتلين أن ننفق ساعة أو بعض ساعة؛ لا أقول في الحديث، فقد يظهر أنك سئمته وضقت به؛ وإنما أقول في العشاء، فإني أسمع جرس الخادم يدعو إليه؟!
ليتك لم تأمري وليتني لم أطع. فمن صواب الناس ما يكون خطأ، ومن خطأ الناس ما يكون صوابا. والمرء بخير ما عرف لنفسه قدرها ولم يعد بها حقها، ولم يكلفها الحياة في النجوم، وقد خلقت لتحيا في الأرض. ولقد حاولت في غير طائل أن أعرف ماذا كنت تنكرين من صحبتنا في بلاد الغربة. فقد كنا نلتقي ونفترق لا يكون بيننا إلا حديث نقي بريء فيه ذكر للأدب والأدباء، فما زلت تحبين ذلك وتظهرين كرهه، وما زلت تسرين الرغبة فيه، وتعلنين الضيق به حتى ملأت صدري ضيقا بنفسي، وحرجا بمكاني منك، وخيلت إلي أني أثقل عليك، وأكلفك من صحبتي مالا تطيقين، حتى إذا كان ذلك اليوم وليته لم يكن تقدمت إلي في الرحيل فامتنعت عليك وأسرفت في الامتناع، وألحت أنت وأغرقت في الإلحاح، ولم أجد بدا من الطاعة وان كنت لها لكارها، ولم تجدي بدا من المضي في الأمر، وان كانت نفسك لتحدثك في العدول عنه. ولم أكد أستقر في باريس، ولم تكادي تستقرين في مدينتك الجامعية الصغيرة حتى اتصلت بينك وبين هذه الكتب والرسائل التي لا أستطيع أن أصفها بأقل من أنها برهان قوي ساطع.
على أننا نخدع أنفسنا عن أنفسنا. ونتكلف في إرضاء الناس وأوضاعهم ما لا يحفل به الناس، ولا يلتفتون إليه، وما لا نحتمله نحن إلا في جهد جاهد وعسر لا حد له.
الآن وقد أضعنا من حياتنا أياما طوالا كنت تترددين فيها على حجرات الدرس الجامعة، وكنت أتردد فيها على الأندية وملاعب التمثيل أكتب إليك وقد آن لي أن أعود إلى القاهرة. لعلك تأذنين في أن نلتقي مرة قبل أن أعبر البحر. ولست أدري أيقع هذا الكتاب منك موقع الرضى أو موقع السخط؟ ولكني أعلم أن الأيام معدودة علينا في هذه الحياة وان من الحمق أن يستطيع الأصدقاء التلاقي ثم لا يلتقون، ينتظرون أن يتاح لهم ذلك في يوم آخر قريب أو بعيد. فمن يدري لعل هذا اليوم ألا يجيء. ولعل الأحداث والخطوب أن تحول بين الأصدقاء وبين ما كانوا يقدرون من اللقاء فيه. ولو عقل الناس لما تفرقوا إلا حين لا يكون من الفراق بد، ولكن الغرور يغرهم بأنفسهم ويطمعهم في الأيام، فيخيل إليهم أنهم مخلدون وأنهم ليمرون بالحياة كما يمر الطيف بالنائم المغرق في النوم وقد تعجبين حين تعلمين إني لا أكتب إليك من باريس، وإنما أكتب إليك وقد دنوت منك حتى لم يبق بينك وبيني إلا مسير دقائق على الأقدام. فقد وصلت إلى مدينتك الجامعية مع المساء وأنا أكتب إليك وستقرئين كتابي مع الصباح فان أردت لقائي فهذا رقم التلفون، وإن أبيت فان القطار يبرح مدينتك إلى مرسيليا مع الظهر، ولن أراك حتى أعلم بأن رؤيتي لا تؤذيك ولا تثقل عليك، ولا تخيل إليك أنك تخرجين على ما ألف الناس من أوضاع وأطوار.
عجبت للأذكياء وكبار العقول انهم ليأخذون أنفسهم أحيانا بما لا يلائم الذكاء ولا تسيغه العقول.
وكانت تختلف على وجهها الناصع وهي تقرأ هذا الكتاب مظاهر الوفاق والخلاف وآيات الرضى والسخط. فكان وجهها يشرق حينا، وتغشيه ظلمة رقيقة حينا آخر. حتى إذا فرغت من قراءة الكتاب وضعته في رفق أمامها على المائدة ومدت بصرها كأنما تريد أن تبلغ به أقصى الآفاق. لولا هذه الجدران التي تقوم غير بعيد وتقف عينها عند حد محدود وأرسلت نفسها الحرة إلى أبعد مما استطاعت أن ترسل إليه بصرها السجين، وظلت على هذه الحال وقتا لم تعرف أطال أم قصر ثم عادت إلى نفسها وثابت إلى غرفتها من الفندق، وأخذت كتابها برفق، وأعادت النظر فيه، وظلت كذلك تنظر في الكتاب ثم تدعه، ثم تعود إليه. حتى أدارت رأسها عن غير عمد فرأت التلفون، فقامت من غير عمد، وسعت إلى التلفون، ثم تحدثت فيه عن غير عمد، وعادت إلى مكانها، فأخذت الكتاب ونظرت فيه، ثم نظرت فيه، ثم طوته ثم أخفته، ثم ظهر عليها تردد شديد، كأنها تنبهت لأنها أتت أمرا عظيما وكأنها تراجع نفسها في استدراك ما فات، وإلغاء ما قدمت من الأمر، وكأنها تفكر في أن تتحدث إلى التلفون بغير ما تحدثت به إليه منذ حين.
ولكنها لم تبلغ من ذلك ما تريد لأن طرقا خفيفا على الباب قد ردها عنه، واضطرها إلى أن تصلح من شأنها على عجل وترفع صوتها آذنة بالدخول.
ولم يكد ينفرج الباب عن صاحبها الأديب حتى أقبلت عليه باسمة تحييه وتقول في جرأة متكلفة، واستحياء ظاهر، إن كنت أقبلت للوم والعتاب فعد أدراجك وارجع من حيث أتيت، وخذ قطار الظهر. فإن في كتابك من اللوم والعتب والفلسفة والتشاؤم ما يغني عن إضاعة الوقت.
قال فإن ما أضيعه من الوقت في اللوم والعتب لن يكون شيئا بالقياس إلى هذه الأسابيع الطوال التي أضعتها أنت حين أبيت إلا أن تقيمي هنا، وأذهب أنا إلى باريس. قالت فذلك شيء قد كان، وقد مضى بأثقاله وأوزاره وليس إلى استدراكه من سبيل فلست أرى خيرا في ذكره، ولا نفعا لإعادة الحديث فيه، قال أما أنا فأرى في ذلك الخير كل الخير والنفع كل النفع، لأنك لم تستفيدي بما مضى ولن تنتفعي بذلك الفراق الطويل الأليم، قالت وما يدريك؟ قال أرأيتك لو أنبأتك بأني سأقيم معك في هذه المدينة وسأختلف معك إلى دروس الجامعة حتى ينقضي الصيف ونعود معا إلى القاهرة، ماذا تصنعين؟ قالت أو قادر أنت على ذلك وقد انتهت إجازتك، ولم يبق لك بد من القفول. قال فإن الإجازات تمد وإن الحيل أوسع من أن تضيق وإن رسالة برقية قد ذهبت إلى القاهرة خليقة أن تمنحني من الوقت ما يتيح لي أن اختلف إلى حجرات العلم بعد أن اختلفت إلى معاهد اللهو والفراغ. قالت كالواجمة أو فعلت هذا؟ قال نعم قالت فعد إلى باريس أو أذهب أنا إليها. قال محزونا البأس عليك فلن نلتقي في هذه المدينة إلا بياض هذا اليوم، ولكن كيف تريدين أن تقضيه؟ وأين تريدين أن تقضيه؟ فما أظن أن غرفتك هذه الضيقة تسع أحاديثنا وخواطرنا التي لا حد لها والتي ينبغي أن تكون حرة كالطبيعة الحرة. ومطلقة كالهواء الطلق. وإني لأعرف من هذه الأرض أكثر مما تعرفين. قالت فإني لا أعرف منها إلا الجامعة والفندق والطريق بينهما. قال أما أنا فلا أعرف الجامعة وإنما أعرف الجبل والسهل وأعرف الربى والوديان، وأعرف الغابات الملتفة والرياض النضرة، والغدران الجارية، ذات الصفحات النقية، والصوت الجميل، وأعرف بنوع خاص ربوة بديعة يجرى من تحتها جدول بديع لا تقع القدم فيها إلا على عشب. ولا ترى العين فيها إلا جمال الشجر والزهر، ولا تسمع الأذن فيها إلا هفيف النسيم وحفيف الورق وغناء الطير، وقد دارت حولها طائفة من الشجر الباسق الذي ارتفع في الجو كأنه يريد أن يبلغ السماء، والذي مد أغصانه في كل وجه حتى التفت واشتبك بعضها ببعض، وهيأت فوق هذه الربوة الجميلة الهادئة غرفات جميلة هادئة تصلح لتفكير المفكرين، وحديث المتحدثين، والرأي عندي أن نقصد إلى هذه الربوة فننفق فيها بياض هذا اليوم فإني مشوق إلى أن أراها بعد أن فارقتها منذ أعواما وأن أراك فيها بعد أن فارقتك منذ أيام تعدل أعواما وأعواما. قالت لا أرى بهذا بأسا ولكن على أن يسبق منك الوعد باثنتين أما أولهما فأن تكف عن اللوم والعتب وما يشبه اللوم والعتب من هذا التجني الذي تحسنه أكثر مما تحسن أي شيء آخر، قال زعموا أن قيمة كل امرئ ما يحسن، فإذا كنت ترين أني ممتاز في التجني لا أكاد أحسن شيئا غيره وتطلبين إلي مع ذلك إلا اقصد إليه ولا أخوض فيه فأنت إذا تريدين أن تضعيني موضع الذي يقول فيما لا يحسن، ويخوض فيما لا علم له به. قالت ذهابنا إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة رهين بهذا الوعد. فلك أن تختار بين الجد الخالص الذي لا عبث فيه ولا دعابة، ولا لوم فيه ولا عتب، ومعه ربوتك الجميلة الهادئة وغرفتك البديعة التي تصلح للتفكير والحديث، وبين ما تحب من العبث والخلط تذهب فيهما كل مذهب، وتندفع فيهما إلى غير الطريق، قال أوحرنا في الاختيار، فإني إذن أختار الثانية وأوثر أن نطوف بالعبث والخلط في شوارع هذه المدينة الصغيرة الهادئة، لا يضيق بنا مكان إلا تركناه إلى مكان آخر، ولا نستنفد فنا من فنون السخف إلا عدلنا عنه إلى فن آخر. فإني أصبحت أرى السخف أقوم ما في الحياة. قالت لقد أفسدتك باريس قال بل أفسدتيني أنت حين أكرهتيني على الذهاب إلى باريس، قالت فإني لا أدع لك حرية الاختيار وإنما أفرض عليك الربوة الجميلة الهادئة وحديثها البريء من العبث والتجني فرضا، قال لقد أطعتك حين نفيتني إلى باريس فأحرى أن أطيعك حين تذهبين بي إلى هذه الجنة الخضراء، وأكبر الظن أن طبيعة هذه الربوة الجميلة الهادئة ستكون أقوى منك ومني وستوجه عقلينا وقلبينا إلى حيث تريد هي لا إلى حيث تريدين، ولا إلى حيث أريد. قالت ما دمت واثقا بالطبيعة إلى هذا الحد، مؤمنا لها إلى هذا الحد، فلنذهب إلى ربوتك ولنحكم جمالها وهدوءها فيما ستفيض به قلوبنا من شعور، وفيما ستضطرب به عقولنا من تفكير، وفيما ستجري به ألسنتنا من حديث.
وانتصف النهار وإذا هما في هذا المكان الجميل الذي خلت فيه الطبيعة إلى نفسها فاتخذت زينتها حرة طليقة لا متكلفة ولا خاضعة لعبث الناس. وإذا هما ينظران ويسمعان ويتنسمان هذا النسيم الهادئ القوي وقد أزيلت الحجب بين نفسيهما وبين ما في هذه الربوة من جمال هادئ قوي خصب مختلف الألوان. ولو قد خلي بينهما وبين ما كان يغرقان فيه من هذا الصمت الحلو الذي كان يمزجهما بهذه الطبيعة الحلوة لظلا صامتين هادئين حتى تزعجهما ظلمة الليل، فتخرجهما عما كانا فيه من صمت وهدوء، ولكن الطبيعة نفسها أبت عليهما ما كانا فيه كأنها أحبت أن تسمعهما وكأنها أحبت أن تمتزج أصواتهما بأصواتها. فما هي إلا أن يحسا نبأه تخرجهما من نعيم الصمت والذهول إلى شقاء الحديث والتفكير. أحسا نبأه فريعا لها، وهما أن يتعرفا مصدرها فلم يصلا مما أرادا إلى شيء ولكنهما تساءلا، وسمع كل منهما صوت صاحبه فأغري به واشتدت رغبته فيه، وعادا إلى ما كانا فيه من حوار، قبل أن يبلغا هذا المكان الجميل.
قال، وإذا فأنت تجدين من المشقة في قراءة القصص التمثيلي ما يرغبك عن هذه القراءة، وينفرك منها، ويحبب إليك قراءة هذا القصص اليسير الذي لا أخذ فيه ولا رد ولا جدال فيه ولا حوار. قالت نعم وان كرهت ذلك ورأيته آية من آيات الضعف ومظهرا من مظاهر القصور. قال وكيف يكون ضعفا ما تحبين، وكيف يكون قصورا ما تكلفين به من الأمر؟ قالت تنبه فإني أراك مقدما على إخلاف الوعد الذي سبق. قال فإني لم أعد بشيء على أني لا أدري أين يكون هذا الإخلاف. لست عابثا، ولا متجنيا، إنما أقول ما أعتقد، وأصور ما أرى. وإني لأشعر بالنفور من قراءة التمثيل، وبالرغبة في الاكتفاء بهذا القصص اليسير. قالت فإنك تكبر التمثيل إكبارا أراك تسرف فيه، فلست أجحد قدره ولا مكانه بين مظاهر التعبير الأدبي، ولكن التمثيل خلق للملاعب لا للمكاتب. وخلق لينفذ إلى النفس من طريق الأذن والعين، لا من طريق العين وحدها. وخلق لينفذ إلى النفس ممتزجا بأصوات المتحاورين وحركات اللاعبين، لا لينفذ إليها كلاما غير منطوق، وعملا لا يأتي به أحد من الناس. قال حجة قوية هذه لا أريد ولا أستطيع أن أنقضها وليس من شك في أني أوثر أن أرى التمثيل في الملاعب على أن أخلو إليه في مكتبي، وأوثر أن أرى أشخاص القصة يذهبون ويجيئون، وأسمعهم يجادلون ويحاورون، ولكن ماذا أصنع إذا حيل بيني وبين الاختلاف إلى الملاعب، لأن ظروف الحياة لا تريد ذلك أو لأني أعيش في بلد لا يزهر فيه التمثيل، ولا يكاد يزوره إلا لماما أو لأن آيات من القصص التمثيلي قد قطعت الطريق بينها وبين الملاعب. أأجهل هذا الفن من فنون الأدب جهلا، وأهمله إهمالا، وأنسى أنه موجود وأن فيه للنفوس الراقية متاعا، وللعقول الراقية غذاء، وللقلوب الراقية لذة. قالت وقد أخذها شيء من الدهش كأنما رفع عنها حجاب فرأت نورا باهرا لم تكن تنتظر أن تراه. ماذا تقول! وأين ذهب بي الجدال! وإلى أي حد انتهى بي حب الخصومة. قال إلى حيث تأتين ما لم يستطع الدهر أن يأتي وتصدرين أحكاما عجز النسيان وعجزت الأيام وعجزت المحن والخطوب، وعجز الجهل والجمود عن أن تصدرها، إلى حيث تمحين من سجل التاريخ الأدبي أعلام الأدب القديم والحديث، إلى حيث تعتبرين إيشيل، وسوفوكل، وأوربيد، وأرستوفان، وشكسبير. قالت في شيء من الجزع لا تقل هذا، وكيف السبيل إلى قبر هؤلاء الأعلام ومحو هذه الأسماء، وإهمال لهذه الآيات وإن أصحابها لأبقى من الدهر كله وأقوى من الناس كلهم، وأحق بالعناية ممن شئت وممن لم تشأ من أبطال العلم والأدب والفلسفة جميعا. ثم انحدرت من عينيها دمعتان وقالت بصوت رقيق تقطعه العبرة، كيف يمكن أن ينسى قول سوفوكل على لسان انتيجون في حوار الملك: ولدت للحب لا للبغض.
قال مهلا، فإنا لم نأت إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة، ولم ننزل ضيفا على هذه الطبيعة النضرة الباسمة لنسفح الدموع. ونثير في نفوسنا عواطف الحزن، وقد وعدتك أو قد وعدت نفسك بألا نعبث هنا ولا نلهو، ولكني لم أعدك، ولم تعدي نفسك بأن نبكي ونرسل الزفرات ونسفح العبرات. قالت والهدوء يثوب إليها وإشراق الابتسامة الهادئ الخفيف يذود عن وجهها ما غشيها من ظلمة الحزن، والبكاء، لولا شغفك بالجدال وكلفك بالحوار واحتيالك في خلق الخصومات التي لا تنتهي، ولما اضطررت إلى أن أتورط في هذا الكلام الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه فن من فنون السخف أو لون من ألوان الجحود، قال لست جاحدة، ومعاذ الله أن تكوني جاحدة، ولكني قلت لك أني أصبحت أرى أن السخف أقوم ما في الحياة. قالت فكن سخيفا ما شئت. فإني لا أحب السخف. لا أحب أن أسمعه ولا أحب أن أخوض فيه، ولولا إننا هنا بعيدان عما أحب من الكتب لفرضت عليك عقوبة. . . قال وهي أن أقرأ لك فصلا من فصول التمثيل، لأقيم لك الدليل على أن التمثيل يمكن أن يقرأ فيثير اللذة والإعجاب بعيدا عن الملعب، قالت ولمن تريد أن تقيم الدليل وقد عرفت أني أشاركك في الرأي، وإني لم أقل ما قلت ولم أذهب إلى ما ذهبت إليه، إلا حين اضطررتني أنت إلى هذا الحوار الذي لا ينقطع، والذي لا خير فيه. قال ماكرا، ومن يدري لعلك إن حاورتك في الشعر أن تقولي إنه لا يقرأ. وإنما يسمع من المنشدين. ولعلي إن حاورتك في الموسيقى أن تقولي إنها لا تقرأ، وإنما تسمع من الموقعين. قالت ومن يدري لعلك إن حاورتني في أي شيء أن تسيء رأيي في كل شيء، وان تردني إلى حيث كان أسلافنا في العصور الأولى، لا يعرفون الترف العقلي ولا يبتغون لذة العقل والشعور إلا من أقرب الطرق وأيسر الوسائل. فقد كانوا يسمعون الشعر ويسمعون الموسيقى ويسمعون التمثيل، لأنهم لم يكونوا يقرؤون فأما الآن فقد نستطيع نحن أن نسمع فإن فاتنا الاستماع فقد نستطيع أن نقرأ. وأني لأفكر في هذا فأعجز عن إحصاء نعمة الله على الناس حين ألهمهم الكتابة وعلمهم القراءة. فهذه النعمة هي التي حفظت لنا ما بقي في أيدينا من آيات البيان في العصور القديمة وأتاحت لنا أن نعجب بما كان يعجب به الناس من سحر الشعر والنثر، منذ القرون الطوال. وهذه النعمة هي التي تتيح لنا دائما أن نستبقي آيات التمثيل التي لم يبق بينها وبين الملعب من سبيل، لأن الأذواق قد أصابها من التغير والتبدل ما جعل تمثيل هذه الآيات أمرا لا مطمع فيه، فلولا أنها قد حفظت لنا بالكتابة ولولا أننا نستطيع أن نحييها في نفوسنا بالقراءة. لماتت موتا لا نشور بعده وكيف ترى تمثيل أرستوفان، وأي قصصه يمكن أن يظهر في الملاعب الآن وأين الآذان التي تستطيع أن تسمع لحواره وما فيه من تجاوز الذوق الاجتماعي ومخالفة الأدب المألوف. ومع ذلك فكيف يستطيع مثقف أن يجهل تمثيل أرستوفان، إني لأكره كل ما يشذ عن الأدب الذي تواضع عليه الناس ولأرفض كل الرفض أن أقرأ على أحد، أو أسمع من أحد كثيرا من قصص أرستوفان، بل إني لأكره أن أقرأ هذه القصص كما كان القدماء يقرؤون بصوت عال تسمعه الأذن، ولكني على ذلك أعترف بأني أطيل النظر في هذه القصص وأقرأه المرة بعد المرة وأقرأه كلما ضقت بالحياة أو ضاقت بي الحياة، أقرأه بالعين لا بالشفتين واللسان. قال ومالك تقفين عند أرستوفان وإن في آيات سوفوكل وصاحبيه لما يعجز الملعب عن إخراجه للناس الآن، لأن فن التمثيل نفسه قد تغير وتبدل، ولكن أي حرمان يصيب المثقفين لو قضي عليهم ألا يقرؤوا غناء الجوقة في شعر هؤلاء الأعلام. وشكسبير أيجب أن يحرم المصريون مثلا لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل في بلادهم، بل أيحرم الإنجليز أنفسهم لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل عندهم إلا بمقدار. قالت بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا فقد نستطيع أن نؤمن بأن القصص التمثيلي فن من فنون التعبير الأدبي يمكن أن يقصد إليه من حيث هو، وأن يكتب الكاتب قصة تمثيلية لتقرأ لا لتمثل، قال فإنك لا تذهبين إلى شيء مستحدث وهل كانت كتب أفلاطون كلها إلا فنا من فنون التمثيل كتبت لتقرأ لا ليلعبها الممثلون أمام النظارة، قالت بل أنا أجد القراءة تمنحني قوة لا أجدها حين اختلف إلى الملاعب فأنا أخلق الممثلين وأصورهم لنفسي وهم يذهبون ويجيئون ويجادلون، وأخلع عليهم من الصور الفنية ما يعجبني ويلائم طبيعتي، ومزاجي، وفهمي كما أقرأ. قال ولست أخفي عليك إني أكره أن أرى قصة تمثيلية قبل أن أقرأها، ولعلي أقرأ القصة التمثيلية فأعجب بها إعجابا، وأفتن بها فتونا. ثم أشهدها في الملعب فيدركني شيء كثير من خيبة الأمل لأن الممثلين لم يؤدوها كما كنت أريد أن تؤدى، أو كما كنت أنتظر أن تؤدى. قالت وكذلك آيات الجمال الفني كلها ترتفع في النفوس حتى تبلغ المثل الأعلى أو تدنو منه فإذا اشتملتها الحياة الواقعة وأخرجها الإنسان إلى الوجود الفعلي نزلت عن مرتبتها لأن طبيعة الجمال الفني فيما يظهر لا تحب الحدود التي يفرضها الزمان والمكان.
قال في رفق مهلا فقد يخيل إلي أنا نصعد في السماء، ولو مضينا في هذا الحوار لبلغنا هذا السحاب الذي يوشك أن يفسد جمال هذه الطبيعة النضرة الباسمة. قالت ليس إلى إرضائك اليوم من سبيل، لقد كنت تراني منذ حين مقصرة مسرفة في التقصير، وأنت تراني الآن محلقة مسرفة في التحليق. قال أنا معجب بك على كل حال، ولكن ارفقي بي فقد أعجز عن أن أرتقي معك في الجو إلى حيث تريدين، عيشي مع أصدقائك من سكان النجوم إذا خلوت إلى نفسك فإذا لقيتني، فاذكري قول باسكال واعلمي إني مهما أقوى فلن أستطيع إلا أن أكون إنسانا يمشي على الأرض وينظر إلى السماء. قالت ما أبرعك في إفساد الحديث ها أنت ذا تعود بنا إلى عبثك الذي لا ينقضي، ألست ترى أن خيرا منه أن ننظر فيما حولنا وأن تتحدث نفوسنا إلى نفس هذه الربوة التي لقيتنا فأحسنت لقاءنا. وهيأت لنا ضيافة لم نكن نقدر أن نلقاها. قال لا أرى بذلك بأسا ولا سيما في يوم وداع فمن يدري لعلنا لا نلقاها بعد اليوم. قالت وما يمنعنا أن نعود إليها غدا وبعد غد فإن الإجازات تمد، ورسالة برقية تستطيع أن تذهب إلى القاهرة مساء اليوم فتكفل لك الإذن بالبقاء هنا إلى آخر الصيف. قال وقد استأثرت بنفسه غبطة لا حد لها أو تأذنين؟
مجلة الرسالة، الأعداد ١٢، ١٣، ١٤، ١٥ (١ يوليو – ١٥ أغسطس ١٩٣٣)، والعدد ٢١ (١٥ نوفمبر ١٩٣٣) -
مدينة سبأ | The City of Sheba
مدينة سبأ
للدكتور طه حسين
كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئاً من الغرابة؛ فنوم الأدباء البارعين يقظة؛ لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم؛ لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.
كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة؛ أحدهما مختلط مضطرب شاحب وهو لون الحياة الواقعة، والآخر واضح جلي ناصع وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وإنه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم يرَ مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس وفاتنات غير باريس من المدن الأوروبية التي زارها، بل لم يرَ مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن.
وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد؛ فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفاً لم يحسّ مثلهما قط فيما أحسّ من الأعطار المصنوعة ومن الأعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات؛ وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق.
ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة – فيما يظهر – تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي يُنيم الأيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين؛ فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين: مملكة اليقظة ومملكة النوم، مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء.
وظل في مكانه يرى هذه الجنية ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقي من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه؛ وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان! ولكن الأديب الفرنسي ملرو كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار.
وأكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما أجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، وإلى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى؛ وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالاً جداً ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.
ظل الكاتب الأديب ملرو في حالته هذه بين الحالين، وفي مقامه هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدّقت فيه تحديقاً طويلاً لو حدّقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعباً ولدفعته إلى الجنون دفعاً، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل وتحديقها الطويل، مبتسماً في هدوء ينظر إليها ولا يقول لها شيئاً.
وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجيّ، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط، ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تُلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة وفي ابتسام ليس أقل منها غرابة قائلة:
"مَن تكون؟ لقد عرضتُ لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون فروّعتهم ترويعاً على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذتُ ترويع الناس لذة من أهون اللذات إذا فرغتُ مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيراً من الألم والعناء. حدثني مَن تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها واستنباط قواعدها وأصولها مشقة. حدثني مَن تكون أيها الفتى الذي عجزتُ عن ترويعه والعبث به؟".
قال الأديب الفرنسي ملرو وهو ينظر هادئاً مبتسماً إلى هذه الجنية:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين؟ فإني لم أعرض لكِ وإنما عرضتِ لي، وإني لم أحفل بكِ وإنما حفلتِ بي، وإني لم أدنُ منكِ وإنما دنوتِ مني، وإني لم أحاول سحركِ بلحظ ولا لفظ ولا حركة ولا عبير؛ فما ينبغي لكِ أن تسأليني وإنما ينبغي لي أن أسألكِ. ومع ذلك فإني لم أسألكِ حتى بدأتِني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيكِ من الجواب وعلى أن أدعكِ تمضين في طريقكِ؛ فما أكثر مَن يعرض لي من أمثالكِ، وما أكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ! ولئن فاتني أن أعرفكِ وأسمع من أنبائكِ فقد عرفتُ من قبلكِ خيالات أخرى أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئتُ، وأن أقصّ عليها من أنباء الأحياء وتقصّ عليّ من أنباء الأموات".
قالت الجنية أو قال الخيال:
"ما أشد طغيانكم أيها الناس! إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علماً. حدثني يا فتى مَن تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك".
قال:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين، واستيقني أنكِ لا تقدرين من الإساءة إليّ على شيء، بل أنا قادر إن شئتُ على أن أغلق بيني وبينكِ الباب، وأقطع بيني وبينكِ الأسباب. وأي شيء أيسر من أن أمضي إلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيها ولا خيال، وإلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلاً".
قالت:
"فإني أراكَ على قوتك ذكياً ماهراً، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى إلا أنك جني قد اتخذتَ شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق فنعبث بالناس جميعاً، ونكيد لهم جميعاً، ونخدعهم جميعاً ساعة من نهار أو يوما من أسبوع".
قال:
"بل أشهراً كاملة من عام كامل، بل عاماً كاملاً من أعوام طوال؛ فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون. واعلمي منذ الآن إني أكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فإن الرجل الممتاز حقاً هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فإن استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم فهو الرجل العبقري حقاً. فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون؛ فقد يُخيَّل إليّ أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن".
قالت وهي تبتسم ابتساماً عريضاً:
"وأنا أيضاً أرى هذا. فهل سمعتَ شيئاً من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟".
قال:
"أي مملكة تريدين؟ فما أكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ".
قالت في شيء من الدل:
"وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك لولا أنك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلاً، ألا يدلك على شيء؟".
قال:
"بلى! إنه يدلني على أنكِ قد سريتِ من الشرق؛ فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلتِ من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟".
قالت:
"قد عرفتَني، فأنا جنية من أرض اليمن، أقبلتُ أعبث ببعض أهل الغرب، وأبحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس فظفرتُ بكَ".
قال:
"بل وقعتِ في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلتِ؟".
قالت:
"من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة".
قال:
"ملكة سبأ؟".
قالت:
"هي هي!".
قال:
"وعلامَ نستطيع أن نتفق؟".
قالت:
"على أن نعبث بالناس شيئاً، ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث أحسن تعويض".
ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم أصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أُنشئت له، فيقيم في القاهرة يوماً وبعض يوم ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في أقل من تسع ساعات! طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعداً في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسماً دقيقاً صادقاً.
فلما انتهى إلى موعده صوّر من المدينة ما صوّر؛ لم يهبط إلى الأرض ولكن جنيته صعدت إليه ودلته على أجمل المناظر وأجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من أمره بين الشك واليقين؛ فكتب المقالات وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور؛ فأما العلماء فأنكروا – وأي شيء أيسر على العلماء من الإنكار؟ – وأما غير العلماء فصدقوا – وأي شيء أيسر على غير العلماء من التصديق؟
ثم تنتقل الأنباء من أوروبا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطراباً، وإذا البرنامج كله قد تحقق؛ دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال، ثم بالأيدي، ثم بالجيوب. فإذا كان شهر نوفمبر فإن البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضاً، ثم تمضي في الصحراء. وما أكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها.
ومن يدري! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو أن تبرّ بالوعد وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضاً حسناً.
لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم؛ فإن هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة؛ تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه، وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.
الرسالة ٢١ – ٥ – ١٩٣٤