Tag: السياسة العامة

  • مضاربة … | Speculation…

    حديث المساء: مضاربة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٤ نوفمبر ١٩٣٣

    يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربَح فلم يظفر إلا بالخسران، ولم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين استقال من رياسة الحزب، وحين عدل عن هذه الاستقالة، ولم يكن إلا مضاربًا حين فصل من الحزب من فصل، ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين وطلب إلى حزبه أن يرتاح.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يُقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خَصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ ممَّا كان يقدر شيئًا؛ لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين قبِل رياسة الوزراء؛ كان يقدر أنه سيجد بعد النهوض بأعباء الرياسة نفس القوة التي كان يجدها صدقي باشا قبل أن يستقيل، فلما انتهى إلى مكتب الرياسة لم يجِد قوة، وإنما وجد ضعفًا، ولم يكن الوزيران اللذان خرجا على صدقي باشا، وخالفا عن أمره، ودخلا الوزارة برغمه إلا مضاربَيْن؛ كانا يقدران أن تحديهما لرئيسهما سيضعف الرئيس، فلم يظفرا بشيء لأن رئيسهما لا حَظَّ له من القوة ما دام بعيدًا عن مناصب الحكم.

    كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب وقد يخسر، ما دام الربح ممكنًا، فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه، وليس الشر أن صدقي باشا ضارَبَ بأموال الدولة أو ضارب بأموال الفقراء والأحداث في سوق العقود، وليس الشر أن وزارة المالية ضاربت بأموال الدولة أو تضارب الآن بأموال الدولة، ليس الشر هو هذا وحده، وإنما الشر أبعد جدًّا من هذا مدًى، وأعمق جدًّا من هذا أثرًا، وأشد جدًّا من هذا خطرًا، الشر هو أن رجال هذا العهد يضاربون بالمصالح العامة كلها، لا يبتغون إلا أن يظفروا، ويستعلُوا، وينتصر بعضهم على بعض، ويقهر بعضهم بعضًا، وينتقم بعضهم من بعض، فأما تحقيق المنافع المصرية الخالصة، فأما أداء الواجبات الوطنية الخالصة، فأما خدمة الشعب؛ لأن الأحزاب والوزارات إنما تقوم لخدمة الشعب، فأما كسب الاستقلال، فأما اتِّقاء الإفلاس، فأما رد الجوع، وصد الفقر، وطرد البؤس عن هؤلاء المصريين الذين تقوم على أكتافهم الأحزاب والوزارات؛ فكل هذا شيء قد مضى وقتُ التفكير فيه منذ عهد بعيد، وسيأتي وقت التفكير فيه بعد وقت قريب.

    أما الآن فإلى المضاربة، وإلى المضاربة وحدها، أتثبُت الوزارة في مركزها أم تزول عنه؟ أتظفر الوزارة بتأييد الشعبيين، أم تبوء بخذلانهم؟ أيظفر صدقي باشا بكثرة الحزب، أم تُعرِض عنه هذه الكثرة، أيستطيع كل فرد من أفراد هذا الحزب أن يرضي الرئيسين المختصمين أم هو مضطر إلى أن يضحي بأحدهما ليعيش وبمن يضحي، أبمؤسس النظام الجديد صدقي باشا، أم بحامي النظام الجديد عبد الفتاح يحيى باشا؟

    الوقت الآن وقت مضاربة ليس غير، والحظ قائم غير بعيد ينظر إلى هؤلاء السادة جميعًا بعين ماكرة، وابتسامة ساحرة، ونية ليس إلى العلم بها من سبيل، ومصر قائمة غير بعيد تنظر إلى هؤلاء السادة محزونة القلب كاسفة البال، كئيبة الوجه، مقطبة الجبين، مصممة مع هذا كله على أن تكون كلمتها هي العليا، وكلمة الوصوليين هي السفلى.

    لم نكُن مخطئين حين طلبنا إلى المصريين منذ أيام أن يحتاطوا لأنفسهم، وأن ينتبهوا لأن باب المخزيات سيفتح على مصراعيه، ولأن الفضائح ستخرج من هذا الباب، سود الوجوه، كاشرة عن الأنياب، منكرة الصور، مسممة للجو، مفسدة حولها كل شيء.

    لم نكن مخطئين، فهذه الفضائح يتبع بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، لا تظهر قصة الكورنيش حتى تتبعها قصة القطن، وإن في حكاية القطن لعجبًا.

    رجلٌ قضى ثلاثة أعوام في الحكم يتهم الوفد بالإسراف في أموال الدولة، والعبث بهذه الأموال، واتخاذ القطن وسيلة إلى إفساد المالية وتبديد الاحتياطي، حتى إذا خرج من الحكم، وقد ملأ الدنيا صياحًا، وخيل إلى الناس وإلى نفسه أنه قد مَحَقَ سمعة الوفد محقًا، وسحق كفايته المالية سحقًا، ظهر أنه كان يقول كلامًا ويأتي من الأمر ما يعجِز عن تصويره الكلام، ظهر أن الوفد لم يتصرف إلا في حدود القانون والدستور، تحت مراقبة البرلمان وبإذن مجلس الوزراء، وبعد استشارة الفنيين، ومنفِّذًا لقرار قيدته به وزارة سابقة ومبتغيًا مصلحة لا شك فيها، ومتقيًا شرًّا لا شك فيه. ظهر هذا كله واضحًا جليًّا. وظهر أن هذا الرجل الذي كان يعيب الوفد بما لا يعاب، كان يأتي من الأمر ما يعاب، وما لا يمكن أن يجِد عنه دفاعًا مُغنيًا، أو تعليلًا مقنعًا، كان يضارب بأموال الدولة، وبأموال الشعب، والبرلمان قائم ولكنه لا يَسأله، ومجلس الوزراء قائم ولكنه لا يستأذنه، والفنيون قائمون ولكنه لا يستشيرهم. كان يضارب في السر ومن وراء ستار صفيق، وكان ينتهي بهذه المضاربة إلى ضياع الألوف الكثيرة من أموال الدولة على حين كانت الدولة في حاجة لا إلى الألوف، بل إلى المئات، بل إلى العشرات، بل إلى الآحاد من الجنيهات.

    ظهر هذا كله فإذا افتضح أمره للناس تقدَّم أعوان هذا الرجل وشركاؤه في التبعة يلومونه، ويُلِحُّون في لومه ويسألون الوزارة أن تفضح من سره ما كان مكتومًا، ويحكم أيها الناس! فما بالكم انتظرتم إلى الآن؟! وما الذي أغراكم بصاحبكم بعد أن أعرض عنه الحكم وجفاه السلطان؟! ثم يهم هذا الرجل أن يدافع عن نفسه فيتحدى ويتصدى ويعتب ويلوم، ويتهم وزير المالية القائم بأنه يصنع مثل ما صنع، ويضارب كما ضارب، ويخسر كما خسر، وإذا وزير المالية محرَج يريد أن يدفع عن نفسه، فيُكذب خصمه تكذيبًا، ويعلن أنه لم يُؤمر بالتدخل في سوق العقود قليلًا ولا كثيرًا، وينهض صدقي باشا فيرد على تكذيبه ردًّا، ويؤكد أنه لم يقُل إلا عن علم، ولم يروِ إلا عن ثقة، وأن لديه تفصيل القصة ودخائلها. ثم يفسر المفسرون، ويُؤَوِّل المؤَوِّلون فيقولون إن الوزير القائم لم يأمر بالتدخل، ولكنه وافق عليه، وفَرْقٌ بين من يقول لك افعل، ومن يقول لك لا بأس عليك. ولِمَ أنشئ الفقه؟ ولم اختُرِع الذكاء؟ ولم وُجِد البيان؟ إلا للتفريق بين الأمر والإقرار، أو بين الأمر والموافقة، لم آمُر، فلست مسئولًا، وإنما وافقت فالمسئول هو الذي طلب إلى هذه الموافقة.

    كذلك تعقدت الأمور أمس واشتد الاضطراب في وزارة المالية، وهَمَّ الوزير بمعاقبة بعض الموظفين، ثم اضْطُرَّ الوزير إلى أن يعدل عن هذا العقاب، والله يعلم كيف اضْطُرَّ الوزير، ومن اضْطَرَّ الوزير، ولماذا حمل الوزير على إلغاء ما هَمَّ به من عقاب، أرأيت إلى حكاية القطن هذه وإلى ما فيها من عجب، رجل يتهم الوفد بسوء التصرف في شئون القطن، فإذا هو يضارب في القطن. وقوم من أنصار الوزارة يتهمون صدقي باشا بأنه يضارب في القطن فإذا الوزارة نفسها تضارب في القطن. ماذا؟! أليس إلى فَهم هذه الألغاز من سبيل؟ أقُضيَ على هذا البلد التعس أن تطبق الظلمات عليه إطباقًا وأن يسمم الجو عليه تسميمًا، وأن تكون حياته ومصالحه كرة تتقاذفها الظروف والمنافع والأهواء؟

    وقصة أخرى ليست أقل من هذه القصة نُكرًا، وزير قائم يقذف وزيرًا سابقًا بما لا يليق بالوزراء، فلا تكاد تمضي الأيام حتى ينهض لهذا الوزير القائم، من يزعم له — أو يزعم عليه — أنه لم يؤدِّ الضرائب منذ ثلاثة أعوام، وأن بعض أمواله كانت قد حُجِزَتْ فرَفع عنها الحجز بأوامر مخالِفة للقانون. ثم ينهض من النواب من يسأل عن حقيقة هذا الأمر، وكما سكت الوزير السابق عمَّا أصابه من القذف، فما يزال الوزير القائم ساكتًا على ما يُوجَّه إليه من اللوم. ماذا؟! أكان جهاد مصر في عصرها الحديث، وما بذلت من ضحايا وما احتملت من أثقال، وما تكلفت من عناء، أكان هذا كله مقدِّمة لتظفر بما تظفر به في هذه الأيام، من هذا الجو الموبوء الذي يتراشق فيه الوزراء القائمون والسابقون بأقبح التهم وأشنعها؟! ومن الذي يستطيع أن يلوم الناس من عامة الشعب إذا فسدت بينهم الأمور، وساءت بينهم الصلات، ما دام وزراء الدولة وزعماء الحكم فيها يعيشون في هذا الجو المنكَر الذي أخذه الفساد من جميع نواحيه؟

    لقد نحب أن نعلم لِمَ أُنشِئَت النيابة إذا لم تحقق مثل هذه التهم، ولِمَ أنشئت المحاكم إذا لم ترفع إليها مثل هذه الخصومات. لقد نحب أن نعلم متى تصلح الوزارات، وتستقيم أمورها، ويصرف الوزراء أعمال الحكم بالنزاهة والإخلاص والصدق في السر والجهر. إذن لِمَ يسأل الوزراء المخطئون عن خطئهم، ولِمَ يؤخذ الموظفون المسيئون بإساءتهم، لقد نحب أن نعلم من الذي جعل الوزراء فوق القانون يخطئون فلا يسألون، ويسيئون فلا يلقَوْن جزاءً على ما أساءوا. ثم لقد نحب أن نعلم كيف تُسمَّى الأيام التي تقع فيها هذه السيئات كلها فتمضي وكأن شيئًا لم يقَع، وتذاع فيها هذه المنكرات كلها، فتمضي وكأن شيئًا لا يذاع أن في المضاربة لذة للمضاربين، هذا شيء يُقال ويَتحدث به الناس، ولكنَّ للمضاربة أحكامًا في القانون يجب أن تُحترم، ويجب أن تُنفذ في كبار الناس كما تنفذ في صغارهم، وما الذي يعنيني أن ينتصر صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، إنما الذي يعنيني ألا يسيء أحد هذين الرجلين، فإن كان منهما السوء فيجب أن يكون القانون كفيلًا بدفع شرِّهما، وردهما إلى ما ينبغي من الإنصاف.

    ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يَطْهُرَ جوُّها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام.

  • محاولة | An Attempt

    محاولة
    أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه ، أو التي رُسمت له يوم ألّف الوزارة منذ ثلاثة أعوام ، فذلك شيء لا شك فيه ، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه ، بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه ، وبالقياس إليه هو .
    الذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم ، وفشله أمر لا بدّ منه ، لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي ، وإصغار شأن الأمة إلى حدّ لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا . ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا ، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة ، فهو مخفق من غير شك .
    وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ، ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ، ويبتسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ، ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان . فلا هم اغترّوا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُحشد ، ولا بالوفود التي كانت تُرسل ، ولا بتأليف ما سمّاه حزب الشعب ، ولا بإنشاء ما سمّاه جريدة الشعب ، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب ، ولا بأسفاره وإقاماته ، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها ، وزياراته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات ، بل للبابا .
    لم يغترّوا بشيء من هذا ، لأنهم قدّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظّ من الفطنة أن يقدّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب ، لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية .
    ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته ، ولم يبقَ بدّ من أن يتحوّل هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق . وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور ، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا ، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يخفِ شيئًا .
    وما هي إلا أن اعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك ليتخلّص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم . فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل ، وأي فشل أشدّ ، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ، ويضطرّ إلى أن يستقيل ليتخلّص منهم ، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة ؟
    وقد رقّع صدقي باشا وزارته كما استطاع ، ولكن لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا . فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير ، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام ، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق .
    وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء ، فهم يردّدون ما يقول ، ويكتبون ما ينطق به ، فيعلنون الفوز إن أعلنه ، ويلطّفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به . وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد ، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في المسلك المحرِج منه والتخلّص من أثقاله وآثاره .
    فأمّا رئيس الوزراء وأنصاره فيخيّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلّص من هذا الفشل ، فهم يرقّعون ويرقّعون ، وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام .
    وأمّا معارضوه وخصومه فيرون أن كل شيء قد دلّ دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء ، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء ، وأن من العبث أن تتحدّى طبيعة الأشياء وتقاومها . وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تؤيّدك القوى الظاهرة والخفية ، فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلّب عليها .
    وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطرّ إليه صدقي باشا ، وورّط فيه سياسة بلده ، إلا أن يستقيل ، ويدع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها . وحسبه أنه قد أخّر رقيّ وطنه ثلاثة أعوام ، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدّم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح ، وحسبه أنه قد امتحن بلاده ، وأسرف في امتحانها ، وقد فتن أمته وغلا في فتنها ، فأظهر مواضع للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوّهة قبيحة على هذه الحال .
    ولكن رئيس الوزراء يحبّ الحياة لوزارته ، كما يحبّ كل إنسان لنفسه الحياة ، فهو يماطل ويداور ، ولا يريد أن يتعجّل فيقصي نفسه عن الحكم ، وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا . وهو يعلّل نفسه بالأماني ، ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدّته في الحكم ، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ، ويقاوم معه طبيعة الأشياء ، ويدفعه إلى التعلّق بالحكم حتى يضطرّ إلى تركه اضطرارًا .
    وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه ؛ فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم ، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة ، وهو رغم ضعفه السياسي ، ورغم مرضه ، متعلّق بالمنصب ، حريص على البقاء فيه .
    والناس يقولون (ومن الكتاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرّج في إظهار شيء من الرضى والأمل بما يقولون) إن في الحركة الإدارية التي أحدثت أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان . فقد يظهر أن نقل المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا ، غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عنف صدقي باشا ، وإيثاره لإظهار القوة والبأس . فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ، ويخف بعد عنف ، دون أن يعرض كرامته وهيبته لدى الناس . وقد يكون الابتسام على ثغور الناس لا يصور دائمًا الاحترام ، وقد يصور ما هو نقيض الاحترام ، لذلك نقل إلى الغربية ليكون رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف . وأرسل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق ليظهر فيها من اللين والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق . وقل مثل هذا في سائر المديرين الذين شملهم التغيير والتبديل .
    وقد يكون هذا حقًّا ، وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُؤِيَ له أن من الخير أن تتغيّر السياسة في الأقاليم ، وأن يؤخذ الناس بالحسنى ، وتنجلي عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان ، لتهدأ ثورة النفوس ، وليخفّ ما أشعرته القلوب من بغض للحكام . ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ولمديريها منها لأهل الأقاليم . فهي تضنّ بمدير أسيوط على أن يكون رفيقًا بعد عنف ، ويلين بعد شدة ، وهي تؤثره بحبها وتحرص على كرامته وهيبته من الناس ، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ، ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا . هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ، ولا تخاف على الناس من عبوس المدير .
    كرامة موظفيها أعز عليها ، وآثرها عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها ؛ لا لتسخّرها لأنواع الذل ، ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين . ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس ، وينتظر الخير منه بعض الكتاب السياسيين ، أن الحكومة تعبث بعقول الناس ، وتلاعب الأمة كما يلاعب الرجل الطفل الصغير .
    كان أهل أسيوط يضيقون بمديرهم فينقل هذا المدير ، ويرسل إليهم مدير آخر ، ويخيّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط ، ولكن أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية ، لأن أسيوط جزء من أرض مصر . وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها . فانقلوه من أسيوط ، وضعوه حيث شئتم من الأرض ، فلن يغيّر ذلك من الأمر الواقع شيئًا ، والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم ، وإنما أساءوا إلى الأمة كلها ، لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه ، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته ، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته . وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرّق فيه بين الأقاليم ، وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره .
    ذهب هذا العصر ، وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصوّر الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية . ولم تبقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير . وأكثر من هذا أن نقل المديرين أو عزلهم أو محاكمتهم ، كل ذلك لا يغيّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بسط أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم ، قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى . فليس الذي يهدئ ثورة النفوس ويلطّف حدة القلوب هو أن ينقل مدير أو يعزل ، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال .
    إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا ، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بعد . فالشعب لا يُخدع من الآن بالصور والأشكال ، والشعب لا يرضى بأن يُنقل مدير مكان مدير ، وإنما يريد الشعب أن تجتثّ هذه السياسة من أصلها ، وأن تتخلّى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون ، لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير . وأغرب من هذا أن من الكتاب السياسيين من عظم حظهم من خصب الخيال وبعده ، فهم يقدّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ، ولإقامة وزارة مكان وزارة . وإذن فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه ، وما أحراه بالإعجاب والإكبار ، وما أقسى هؤلاء الذين يوحون إليه ويملون عليه ، ويدفعونه إلى أن يمهد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة .
    هذا كثير على رئيس الوزارة ، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المنتظر قوام آخر ، هو الذي أشارت إليه النيو إيست أخيرًا ، وهو توسيع الائتلاف وإضافة رؤوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة . وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا .
    قد تخطر في عقول الساسة حلول مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن ، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بدّ منه لأي حل يراد أن ينظر فيه نظر جد وتفكير هو أن يتنحّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن ، وما أشد حاجته إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح .
    كوكب الشرق ٢٤ – ٣ – ١٩٣٣

  • يومان! | Two Days!

    يومان!

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ أغسطس ١٩٢٤

    يومان؛ هما: يوم ١٢ يناير في مصر، ويوم ١١ مايو في فرنسا. وهما متشابهان تشابهًا شديدًا من وجوه كثيرة: هما قبل كل شيء يومان انتخابيان، انتُخِبَ في أحدهما مجلس النوَّاب المصري، وانتُخِبَ في الآخر مجلس النوَّاب الفرنسي. وهما متشابهان من وجه آخر؛ فقد كانا متأثرين تأثرًا شديدًا بهذه العاصفة الاجتماعية التي تعصف بالعالم الحديث منذ حين، والتي أخذ العالم الحديث يضطرب لها بلدًا فبلدًا حتى انتصرت أو كادت تنتصر.

    وإذا أردنا أن نميِّز هذه العاصفة تمييزًا صحيحًا، فأول وصف نستطيع أن نصفها به، هو أنها ترمي إلى شيءٍ واحد في جميع البلاد التي تمر بها، وهو تغيير الطبقات المشرفة على نظام الحكم إن لم يكن هدم النظام كله.

    وفي الحق أن هذه العاصفة الاجتماعية السياسية قد هدمت نظام الحكم في بلاد كثيرة، وعجزت عن هدمه في بلاد أخرى، فاكتفت بنقله من طبقة إلى طبقة. هدمته في روسيا وفي ألمانيا، وعجزت عن هدمه في إنجلترا، فأقرت العمال مكان الأحرار والمحافظين، وعجزت عن هدمه في فرنسا، فأقرت أحزاب الشمال مكان أحزاب الوسط. وتستطيع أن تقول إنها هدمت النظام في مصر، فأقرت الحكم الديمقراطي مكان الحكم الأوتوقراطي، كما تستطيع أن تقول إنها عجزت عن هدم النظام في مصر (لأن صورة الحكومة المصرية لم تتغير تغيرًا تامًّا)، ولكنها نقلت الحكم من طبقة هي التي كانت تختلف على مناصب الوزراء قبل يوم ٢٢ يناير إلى طبقة أخرى هي التي تألَّف منها مجلس النواب يوم ١٢ يناير، وهي التي لم يكن أحد من كثرتها المطلقة يحلم قبل الدستور بالوصول إلى مناصب الوزراء.

    مهما يكن من شيء، فإن هذه العاصفة الاجتماعية قد نقلت الحكم في جميع البلاد التي مرَّت بها من طبقة إلى طبقة، ومن فريق إلى فريق. وليس من غرضي في هذا الفصل أن أقدم إليك بحثًا اجتماعيًّا، أقارن فيه بين مظاهر هذه العاصفة في البلاد المختلفة التي مرت بها، فقد لا تتسع جريدة يومية لمثل هذا البحث، وإنما أذن الله لي بعد أن رأيت أعراض هذه العاصفة في مصر منذ انتُخِبَ البرلمان أن أرى أعراضها في فرنسا أثناء هذا الصيف. ورأيت بين هذه الأعراض في البلدين شيئًا من التشابه يدعو إلى التفكير، وعن هذا التشابه أريد أن أحدِّثك.

    أريد أن أحدِّثك وأريد في الوقت نفسه ألا أغضب أحدًا؛ فليس من الخير في هذه الأيام أن يُغضب الكاتب أحدًا ولا سيما إذا كان هذا (الأحد) من الذين أُتيح لهم الإشراف على الأمور العامة والقبض على ناصية الأحكام.

    وإذا كان الكتَّاب الفرنسيون لا يحفلون بإغضاب سادة اليوم، ولا يشفقون من سخط مجلس النوَّاب الفرنسي، فإن الفرق بين فرنسا ومصر لا يزال عظيمًا؛ لأن فرنسا قد تعودت الحرية والحياة الدستورية، فلا بدَّ من أن ينالها شيءٌ من الفساد عظيم قبل أن يشفق كتَّاب الوسط واليمين من غضب أحزاب الشمال. أمَّا مصر فعهدها بالحرية حديث، وعهدها بالحياة الدستورية أحدث، ومن هنا كان على كتَّاب الشمال في مصر أن يحتاطوا لأنفسهم من حزب اليمين وألا يكتبوا إلا في حذر وأناة.

    أول ما تشهد من وجوه الشبه بين يومَيْ ١٢ يناير و١١ مايو، أن الأحزاب التي فازت في هذين اليومين إنما فازت بالإسراف في الوعود إلى غير حد، وبالإسراف في النقد إلى غير حد أيضًا؛ حتى بهرت الجمهور وخلبت عقله، وأنسته نفسه وأنسته الحقائق الواقعة، وفتحت أمامه أبوابًا من الأمل الذي لا يكاد يُوصَف ولا يُصدَّق في الحياة العادية. وكانت هذه الجماهير قد سئمت الحكام الذين تعودتهم وكرهت طرائق حكمهم، ونقمت منهم محنًا لا يد لهم فيها ولا سلطان لهم عليهم؛ فما أسرع ما مالت إلى أن تتخلص من هؤلاء الحكَّام! وما أسرع ما نقلت الحكم إلى هؤلاء المسرفين في النقد من جهة وفي الوعد من جهة أخرى!

    وفي الحق أنها لم تنقل إليهم الحكم عن اقتناع ويقين في جميع الأحوال، وإنما كان البسطاء مقتنعين موقنين بحكم أنهم بسطاء، وكان غير هؤلاء لا مقتنعين ولا موقنين، وإنما كانوا يريدون أن يتخلصوا من هذه الحكومات التي ملُّوها، ومن هذه الطرائق الحكومية التي سئموها؛ فمشوا مع غيرهم، وصوتوا لهذه الأحزاب المنتصرة، على نحو ما فعل ذلك الفلاح اللاتيني حين اجتمعت جماعة الشعب لتنفي أحد الزعيمين المتنافسين «أرستيد» و«تميستوكل».

    كان أرسيتد أعدل الرجلين وأشدهما استقامة، وأحرصهما على الخلق والشرف، وكان اللاتينيون يحبونه ويكلفون به، ولكنهم كانوا يكرهون حكمه؛ لأنه لم يكن ماهرًا في تملق الجمهور.

    وبينما كانت جماعة الشعب تقترع على من يُنفَى من الزعيمين أقبل هذا الفلاح على أرستيد وهو يجهله، ودفع إليه قطعة من الخزف، وطلب إليه أن يكتب عليها اسم أرستيد، فسأله أرستيد: ولِمَ تريد أن تنفي هذا الرجل؟! وماذا تنقم منه؟! أجاب الفلاح: لا أنقم منه إلا أني سئمت وصفه بالعدل! …

    كذلك صوَّت كثير من الناس لسادة اليوم في مصر وفي فرنسا يوم ١٢ يناير و١١ مايو، وتم الفوز لأولئك وهؤلاء هنا وهناك، وأخذت الجماهير تنتظر من سادة اليوم هنا وهناك تنفيذ هذه الوعود الخلابة، وتحقيق هذه الآمال البراقة. ويظهر أنها ستنتظر كثيرًا هنا وهناك؛ ذلك لأن الوعد شيء والوفاء شيء آخر، ولأن الرجل الشريف وحده هو الذي لا يَعِد إلا إذا استوثق من أنه قادر على الوفاء، ولأن النظم الانتخابية والجهاد الانتخابي — ولا سيما في رأي بعض الأحزاب — تعفي المجاهدين في الانتخاب من أن يقيسوا وعودهم بمقدرتهم على الوفاء.

    ولم تفكر الأحزاب المنتصرة في مصر وفي فرنسا يومًا من الأيام قبل الانتخاب في أنها قد تعرض للحياة العملية، وفي أن من الحق عليها أن تقتصد في الوعد حتى لا تسيء إلى نفسها بعد الفوز من جهة، وحتى لا تسيء إلى الأمة فتفسد عقولها وتخلط لها بين الممكن وغير الممكن من جهة أخرى. فلما وصلت إلى الحكم وأخذت تعالج الحياة العملية سلكت سبلًا مضحكة إذا نظرت إليها غير متأثر بالعواطف الوطنية ولا بالمنافع الوطنية، ولكنها مؤلمة إذا نظرت إليها متأثرًا بحب وطنك والحرص على منفعته. سلكت سبل الأحزاب التي سبقتها في الحكم، ولكنها لم تستطع أن تعلن عجزها عن أن تسلك سبلًا أخرى، فكانت سيرتها في حقيقة الأمر سيرة الذين سبقوها، ولكنها تتحدث لغة غير لغتهم، وتتبجح بما لم يكن أولئك يتبجحون به؛ لأن أولئك كانوا متواضعين منصفين لأنفسهم وللناس، ولأن هؤلاء لا يعرفون التواضع، وإنما هم يخدعون الناس ويخدعون أنفسهم، ولعلهم يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا غيرهم. هذا في المسائل الجوهرية، فلعلك تذكر أن سادة اليوم في مصر ينفذون التعويضات والتضمينات وتصريح ٢٨ فبراير.

    ولعلك تذكر أن سادة اليوم دافعوا عن قانون الاجتماعات، وجزعوا حين همت الهيئة البرلمانية بإلغائه، ولكنهم مع ذلك يصفون أصحاب تصريح ٢٨ فبراير بما يصفونهم به، ويصفون أصحاب التعويضات والتضمينات بما يصفونهم به، ولعلك تعلم أن سادة اليوم في فرنسا يسلكون في السياسة الخارجية نفس السبل التي كان يسلكها من سبقهم، ويناقضون في مسلكهم هذا مذاهبهم السياسية والاجتماعية. فليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن ينزل عن شيء من حقوق فرنسا في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن يسلِّم بالجلاء عن الرور قبل أن تضمن فرنسا حقها في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية أن يهمل في تنفيذ نص من نصوص معاهدة فرساي.

    وكم صاحت أحزاب الشمال! وكم نقصت أحزاب الشمال! وكم سخطت أحزاب الشمال على معاهدة فرساي وسياسة الذين أشرفوا على تنفيذها! هذا من جهة.

    ولكن هناك جهة أخرى عملية وضعية — إن صح هذا التعبير — يتشابه فيها سادة اليوم في مصر وسادة اليوم في فرنسا، هذه الجهة هي السياسة الداخلية.

    فسيرة الحزبين في البلدين واحدة، لا يفرق بينها إلا أنها تمتاز بشيء من الظُّرف في فرنسا قد لا تتصف به في مصر. كلا الحزبين يعبث بالوظائف العامة وبالموظفين، فيؤثر من والاه قبل الانتخاب على من خاصمه أو لزم الحيدة.

    ومن اللذيذ أن تقرأ في فرنسا حركة نقل المديرين والمحافظين وإحالة بعضهم إلى المعاش، وتقارن بينها وبين الحركة التي سبقتها في مصر. وكلا الحزبين يفتح تكايا يؤوي إليها أنصاره وأولياءه، لا ينظر في ذلك إلى مقدرتهم وكفاءتهم وحاجة الأمة إليهم، وإنما ينظر في ذلك إلى شيءٍ واحد؛ هو أنهم أولياؤه وأنصاره، وأنهم جدُّوا في الحركة الانتخابية، فلا بدَّ من مكافأتهم على ما أبلوا في الحركة الانتخابية.

    وكلا الحزبين يبيح لأوليائه وأنصاره ما يحظر على خصومه ومخالفيه، فكما أن سادة اليوم في مصر أطلقوا الحرية لأنصارهم بعد أن تولوا الحكم في أن يتظاهروا ويهتفوا ويعبثوا حتى بدا لهم أن ذلك قد يكون خطرًا عليهم أنفسهم، فأخذوا يقيِّدون هذه الحرية ويلحون في هذا التقييد؛ فإن سادة اليوم في فرنسا يبيحون لأنصارهم وأوليائهم من المظاهرات وألوان الهتاف ما لم يكن ينتظر الفرنسيون أن يروه في فرنسا؛ فقد منحت الحكومة الفرنسية القائمة طائفة من قطر السكك الحديدية للمتظاهرين من الشيوعيين، وأباحت لهم أن يؤاخوا بين أطفال الفرنسيين وأطفال الألمان في ظل الأعلام الحمراء.

    ويجب أن نقول الحق، فقد تجاوز الحزب الفرنسي المنتصر في فرنسا ما وصل إليه الحزب الفرنسي المنتصر في مصر. وتعليل ذلك يسير؛ وهو أن فرنسا مستقلة حقًّا، لا يحتلها الإنجليز، ولا تحفل بمراقبة الأجانب.

    ومن هنا، كانت حكومتها أوسع حرية من الحكومة المصرية. ومن يدري لو أن للبرلمان المصري والحكومة المصرية من الاستقلال والسيادة الفعلية ما للبرلمان الفرنسي والحكومة الفرنسية، من يدري ماذا كان يصنع البرلمان المصري والحكومة المصرية بالأولياء والأعداء؟! …

    بين يدي البرلمان الفرنسي مشروع للعفو العام، تجاوز فيه الحزب المنتصر كل حد؛ فهو يريد أن يعفو عفوًا تامًّا شاملًا عن جميع الجرائم التي اقتُرِفَتْ أثناء الحرب، سواء منها ما يقبل العفو وما لا يقبله، سواء منها ما لا يتجاوز الآثام العادية، وما هو خيانة عظمى للوطن.

    وهو لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يمحو هذه الجرائم محوًا كأنها لم تكن، وأن يعوِّض المجرمين عما خسروا بحكم إدانتهم وبحكم بقائهم في السجون. يريد أن يرد إلى الموظفين منهم وظائفهم، وأن يحتسب لهم المدد التي قضوها في السجون، فلا يضيع عليهم منها شيئًا في المعاش مثلًا ولا في الدرجات ولا في نحو ذلك من حقوق الموظفين.

    وقد أقرَّ مجلس النوَّاب هذا المشروع، ويجب أن يتعزى نائبنا المحترم أبو سمرة ونائبنا المحترم عبد الرحمن الرافعي؛ فإن زملاءهما من المعارضين الفرنسيين لم يستطيعوا أن يناقشوا ولا أن يدافعوا عن آرائهم لنفس الأسباب التي تشقى بها المعارضة في مصر؛ وهي: المقاطعة، والتهويش، واستبداد الكثرة بالقلة.

    والآن وقد رأينا هذا التشابه بين هذين اليومين وبين الحزبين اللذين انتصرا فيهما على ساحِلَي البحر الأبيض المتوسط، فقد يكون من الخير أن نتساءل عن مصدر هذا التشابه بين هذين الحزبين اللذين يختلفان الاختلاف كله في الجنس والخلق والعادة واللغة والأطوار، ولكنهما يتشابهان التشابه كله في الطرائق السياسية.

    وهنا أريد أيضًا ألا أُغضب أحدًا، وإن كان الكتَّاب الفرنسيون يقولون مثلما سأقول وأكثر مما سأقول دون أن يحفلوا بمن يغضب أو لا يغضب.

    مصدر هذا التشابه في جملته يرجع إلى شيءٍ واحد، وهو حظ هذين الحزبين من الرقي العقلي؛ فلست أظلم أحدًا ولا أتجاوز الحق إذا قلت إن حظَّ الكثرة البرلمانية القائمة في مصر وفي فرنسا من الرقي العلمي ليس مما يمكن الافتخار به، فقد يكون بين هذه الكثرة أفراد نابهون، ولكن الكثرة نفسها لا تمتاز بالعلم، ولا سيما بالعلم المتقن الذي يرسخ في النفس فيميزها ويرقى بها عن الصغائر، ويؤهلها لفهم الأشياء كما هي وكما يجب أن تكون، ويؤهلها للمقارنة بين الحقيقة الواقعة وبين المثل الأعلى.

    ولو استطعت لقلت إن عقول هاتين الكثرتين ينقصها شيء كثير جدًّا من العمق والحدة؛ فهي قريبة المدى جدًّا، لا تسع كثيرًا من الأشياء، وإنما تَسَع طائفة قليلة جدًّا من الحقائق البسيطة، وهي قليلة الحدة لا تستطيع أن تهضم هذه الحقائق ولا أن تسيغها. ومن هنا كان فهمها للأشياء قاصرًا كل القصور؛ فهي تتشدق بالألفاظ الجوفاء دون أن تفهم معناها حقًّا، ودون أن تقتنع بمعناها حقًّا.

    ومن هنا تتورط في طائفة من الأغلاط المنكرة، ليس مصدرها سوء النية، وإنما مصدرها العجز والقصور. وأريد أن أضرب لذلك مثلًا، ومن الغريب أنه واحد في مصر وفي فرنسا الآن، هذا المثل هو التعليم.

    من الغريب أن كثرتنا البرلمانية تزهد في التعليم العالي ولا تحفل به، وأخشى أن أقول إنها تكرهه وتمقته، لا لأنها تريد أن تكون مصر جاهلة، بل لأنها لا تقدِّر التعليم العالي كما ينبغي. وهي معذورة؛ فهي تجهل التعليم العالي، ومن هنا سمحت لرئيس الوزراء أن يعلن أنه لا يفهم معنى الجامعة ولا فائدتها للأمة، وابتلعت ذلك كما تُبتلَع قطعة من الحلوى.

    ومن هنا، سمحت لوزارة المعارف أن تأتي ما أتت من العبث؛ فتنيم مشروع الجامعة، وتلغي المجلس الأعلى، وتشل المكتب الفني، وتنشئ هذه اللجنة الفنية التي لا خطر لها ولا نفع.

    وعلى نحو هذا سارت الكثرة البرلمانية الفرنسية، فبدأت سياستها التعليمية بإلغاء النظام الذي كانت قد وضعته وزارة يوانكاريه لتعميم اللاتينية واليونانية، وهي الآن تعد ألوانًا من المشروعات لا ترمي إلى شيء أقل من الهبوط بالتعليم الثانوي إلى أبسط درجاتها.

    ومن أبدع ما قرأته من السياسة التعليمية للحزب المنتصر في فرنسا، هذا القرار الذي أصدره مؤتمر رجال التعليم الأولي الذي انعقد في هذه الأيام في مدينة ليون. أصدر هذا المؤتمر قرارًا لا يبعد أن تأخذ به وزارة المعارف الاشتراكية؛ وهو أن يُلغَى تعليم التاريخ الفرنسي في المدارس الأولية، وأن تقوم مقامه دروس في تاريخ الإنسانية … ذلك لأن التاريخ الفرنسي يذكِّر بمجد فرنسا وسلطانها الحربي والعسكري، وهذا الحزب المنتصر يريد أن يمحو الحرب؛ فيجب أن يمحو ذكرى المجد الحربي لفرنسا من نفوس الفرنسيين.

    ولست أناقش هذا المذهب السياسي، ولكني ألاحظ أن الذين وضعوا هذا القرار لو لم يكونوا من أنصاف المتعلمين؛ لاستطاعوا أن يوفقوا بين مذهبهم السياسي وبين المنفعة الوطنية، وأن يتصوروا طريقة لدرس التاريخ الفرنسي لا ينسى معها الفرنسيون مجدهم الوطني، ولا يميلون معها إلى الحرب، ولكنهم أنصاف متعلمين ينقص عقولهم العمق والحدة؛ فهي لا تسع أشياء كثيرة، وهي لا تهضم ما تسع من هذه الحقائق القليلة البسيطة.

    ولقد أستطيع أن أمضي في هذا البحث إلى أبعد من هذا الحد الذي انتهيت إليه، ولكني أقف عند هذا الحد وأسجل حقيقتين؛ إحداهما: خاصة؛ وهي أن يوم ١٢ يناير في مصر و١١ مايو في فرنسا متشابهان، والأخرى: عامة؛ وهي أن الويل كل الويل لبلد يحكمه أنصاف المتعلمين.

    بوليجين في ١٣ أغسطس ١٩٢٤

  • في وزارة المعارف حول مدارس البنات | At the Ministry of Education: On Girls’ Schools

    في وزارة المعارف
    حول مدارس البنات
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ ديسمبر ١٩٢٣

    لا أعرض اليوم لتعليم البنات في نفسه، وإنما أعرض لمسألة ليست منه ولكن تمسه في جوهره؛ فقد يُقال إن وزارة المعارف اعتزمت أن تُقيل الأجنبيات اللاتي يُدِرْنَ بعض مدارس البنات، وتقيم مكانهن لإدارة هذه المدارس سيدات مصريات، ويظهر أن هذا الأمر قد تجاوز العزم وأوشك أن يُنفَّذ ويصبح أمرًا واقعًا. فمن الحق أن نفكر فيه قليلًا وأن نتحدث فيه إلى وزير المعارف بما نرى قبل أن تتورط الوزارة في تنفيذه فتسيء إلى هذه المدارس وتسيء إلى التعليم فيها.

    ولقد نعلم أنَّا سنغضب قومًا، ولكننا نعتذر إليهم، ونعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فلن يغضبوا، بل نعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فسيشاركوننا في الرأي وسيشجعوننا عليه؛ فالمنفعة فوق العاطفة ولا سيما في أمور التعليم.

    حسن أن يترك الأجنبي مكانه للمصري في جميع مناصب الحكومة على اختلافها، ولكن على شرط أن يكون المصري الذي يخلف الأجنبي أشد منه كفايةً أو مساويًا له في الكفاية على أقل تقدير؛ فإن المنصب من حيث هو ليس غاية وطنية، ولا ينبغي أن يكون غاية وطنية، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة الوطنية العامة. وإذا كان وسيلة إلى تحقيق المنفعة فينبغي ألَّا يُوضَع فيه إلَّا من هو أهل لتحقيق هذه المنفعة، قادرٌ على احتمال أعبائها. وواضح أنه إذا تساوى المصري والأجنبي في الكفاية، فالحق والإنصاف والمنفعة أيضًا كل ذلك يقضي بأن يكون المنصب للمصري دون الأجنبي، لا نزاع في ذلك ولا معنى للمناقشة فيه. ولكن ما تقول في أجنبي كيف يُقال من منصبه؛ لأنه أراد أن يُقال أو لأن الحكومة أرادت أن تقيله ثم يوضع مكانه مصري أقل منه كفاية وأضعف منه قدرة على احتمال أعباء المنصب؟ قد يكون في وضع المصري مكان الأجنبي إرضاءٌ لهذه العاطفة العامة التي نريد أن تكون أمورنا إلينا، والتي هي في نفسها حق، والتي شغف بها الجمهور شغفًا شديدًا. ولكن إرضاء هذه العاطفة لا ينبغي أن يكون في نفسه غاية، وإنما يجب أن يُحتاط فيه الاحتياط كله، وأن يُنظر إليه من حيث هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة كما قلنا، فالحكومة ومناصبها لم تنشأ ليختص بها المصري دون الأجنبي أو الأجنبي دون المصري قبل كل شيء، وإنما أُنشِئَت لتدبير أمور الدولة ومنافعها. فإذا كان المصريون قادرين على هذا التدبير فهم أحق الناس بالحكم ومناصبه، وإلَّا فهم مكلَّفون أن يستعينوا بالأكْفاء من الأجانب مهما يكونوا. وليست الغضاضة على العاطفة الوطنية أن يقوم الأجنبي مقام المصري، وإنما الغضاضة حقًّا أن تفسد الأمور العامة وأن تفسد بنوع خاص تحت إشراف بعض المصريين الذين ليس لهم من الكفاية حظٌّ موفور. هذه هي الغضاضة حقًّا، بل هي شرٌّ من الغضاضة؛ لأن فيها ضياع المنفعة من جهة، وإقامة الدليل للخصم على سوء تصوُّرنا للأمور من جهة أخرى. فالوطني المخلص لا يُطالب بأن يقوم كل مصري مقام كل أجنبي في تدبير الأمور العامة ومنها التعليم، وإنما يُطالب بأن يقوم المصري مقام الأجنبي كلما كان لهذا المقام أهلًا، فإذا لم يكن المصري أهلًا لهذا المقام، فالوطني المخلص يستعين بالأجنبي ويُلِحُّ في الاستعانة بالأجنبي حتى يبلغ المصريون حظهم من الكفاية. نظن أن هذه القضايا واضحة بَيِّنَة، ونظن أن المصريين جميعًا يقدِّرونها ويريدون أن تُتَّخَذَ أساسًا في إسناد المناصب إلى المصريين وغير المصريين.

    وإذن فلنرجع إلى أنفسنا ولنتساءل عن مدارس البنات وعن حظ المصريات من الكفاية لإدارتها والإشراف عليها، ولنطالب وزارة المعارف بألا تتعجل في وضع السيدة المصرية في هذه المدارس مكان السيدة الأجنبية لترضي هذه العاطفة العامة التي أشرنا إليها، دون أن تفكر في المنفعة تفكيرًا دقيقًا صحيحًا، ودون أن تتبين بعد البحث الطويل والأناة الشديدة أن لهؤلاء السيدات المصريات اللاتي يرشحن للقيام مقام الأجنبيات من حسن الخلق ومن الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية، ما يجعلهن أهلًا لهذه المناصب التي ستسند إليهن. نعم! نطالب وزارة المعارف بأن تفكر وتمعن التفكير في هذا كله. فوزارة المعارف تعلم أن تعليم البنات والإشراف على مدارسهن في مصر من أدق المسائل وأشدها حاجة إلى الروية والأناة وحسن الاختيار، وإذا كان حسن الخلق شرطًا أساسيًّا للعمل في أي منصب من المناصب، فهو أهم الشروط الأساسية للعمل في مناصب التعليم، وفي تعليم البنات بنوع خاص، وفي الإشراف على مدارسهن بنوع أخص. وقل مثل هذا في الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية. فهل من اليسير حقًّا على وزارة المعارف أن تجد سيدات مستوفِيَات لهذه الشروط استيفاءً يمكِّنهن من الإشراف على مدارس البنات؟ نرجو أن يكون ذلك يسيرًا، ولكننا نخشى ألَّا يكون من اليسر بحيث تظن وزارة المعارف. ولسنا مسرفين في هذه الخشية؛ فنحن نعلم أن تعليم البنات في مصر ليس من الجودة والإتقان، بل لم يكن في يوم من الأيام من الجودة والإتقان بحيث يستطيع أن يُخرِج سيدات قادرات حقًّا على الإشراف على مدارس البنات، وحل ما يعرض فيها من المسائل الدقيقة في التربية والتعليم.

    لم يكُن تعليم البنات في مصر جيدًا ولا متقَنًا في يوم من الأيام، ونحن نريد أن يكون جيدًا وأن يكون متقنًا في المستقبل القريب. فليس مما يسهُل الوصول إلى هذا الغرض أن ننصب لإدارة مدارس البنات سيدات تنقصهن الخبرة أو تعوزهن الكفاية. وعندنا أن مصر تستطيع أن تحتمل راضية إشراف الأكفاء من الأجنبيات على مدارس البنات؛ حتى يتم لها إصلاح هذا النوع من التعليم، والوصول بمدارسه إلى تخريج سيدات يضارعن الأجنبيات التي أخرجتهن جامعات أوروبا.

    نعم، تستطيع مصر أن تحتمل هذا راضية، بل هو أهون عليها من هذا الانخداع بالمظاهر الذي يُخيِّل إلينا أن أمورنا في أيدينا، ثم لا يلبث أن يثبت لنا وللناس أننا طمِعنا فيما لا نستطيع أن نحسنه، وتكلفنا الاستقلال بأمورنا فلم نوفَّق إلى إحسان تدبيرها.

    وإذن فقد يصح أن نطلب إلى وزير المعارف ألَّا يتعجل في مثل هذا الأمر، فإذا لم يكُن له بُدٌّ من أن يرى المصريات مستأثرات بأمور التعليم، فليهيئ لذلك أسبابه، وليسارع إلى تهيئة هذه الأسباب، وليبدأ منذ الآن في إصلاح ما لدينا من تعليم البنات، ولا سيما في مدارس المعلِّمات، وإيجاد ما ينقصنا من هذا التعليم؛ فهو إن يفعل يمهِّد السبيل حقًّا لإشراف المصريات على أمور التعليم، يمهِّد هذه السبيل بما يُصلِح من الأخلاق وبما يوسِّع من الاطلاع وبما يقوِّي من الكفاية الفنية. وكل هذه كما قدمنا شروط لازمة لإدارة مدارس البنات، وهي — فيما نعتقد — لا تزال تنقصنا إلى الآن.

  • في وزارة المعارف تنظيم التعليم العالي | At the Ministry of Education: Organizing Higher Education

    في وزارة المعارف: تنظيم التعليم العالي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢١ نوفمبر ١٩٢٣

    يُقال إن وزير المعارف يلقي ممانعة شديدة فيما يحاول من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته؛ فقد أنكرت ذلك وزارة الزراعة، وسعت في أن تحتفظ بمدرسة الزراعة العليا وبمدرستين متوسطتين للزراعة، ويُقال إن رئيس الوزراء يرى في ذلك رأي وزير الزراعة ويعينه، أو يستعد ليعينه عليه، ثم يُقال إن أساتذة مدرسة الحقوق كلهم أو بعضهم يكرهون أن تضم مدرسة الحقوق إلى وزارة المعارف، ويرون في هذا خطرًا على هذه المدرسة.

    وقد تحدثت أنا إلى أستاذين من أساتذة المدرسة، فأظهرا شيئًا من الإشفاق غير قليل، وقال أحدهما: إنه إذا فكَّر رأى أن وزير المعارف محق، فإذا سأل إحساسه وشعوره وجد شيئًا من النفور شديدًا يُبغِّض إليه الانضمام إلى وزارة المعارف، فهو إذن يمانع استجابة لشعوره، ويؤيد إذعانًا لعقله. وربما لم أفهم أحدًا من الناس كما أفهم هذا الأستاذ، فأنا أقف نفس الموقف الذي يقفه؛ أسأل العقل فيجيبني بأن وزارة التعليم يجب أن تشرف على التعليم مهما تختلف فروعه ومعاهده ودرجاته، ثم أسأل الماضي فيجيبني بأن وزارة المعارف كانت بغيضة إلى العلم والمعلمين والمتعلمين؛ لأنها كانت ثقيلة الظل على هؤلاء جميعًا، ولأنها كانت تُحكِّم في أمور العلم والمعلمين والمتعلمين قومًا هم أقل الناس درايةً بهذه الأمور، ولأنها كانت تذهب بالتعليم مذاهب ليس من شأنها إحياؤه أو تقويته أو ترقيته، وإنما كان من شأنها إفساده حتى يصبح سبيلًا إلى إفساد العقول والملكات، وإلى إخراج طائفة من الشبَّان يجهلون كل شيء، ويعتقدون أنهم يعلمون كل شيء.

    ذلك إلى أن أمر وزارة المعارف كان في أيدي قوم من الإنكليز، وأولئك الإنكليز غلاظٌ شدادٌ مستكبرون، لا يقدِّرون للعلم حرمة، ولا يرعون للعلماء كرامة، فكانوا يعبثون ببرامج التعليم ومناهجه، وبأساتذة المدارس على اختلافهم كما يعبث أحدهم بالسبحة في يده، لا يفكر في عبثه، ولا يلتمس له علةً أو وجهًا.

    كانت هذه حال وزارة المعارف، فكرهها العلماء ومقتها المتعلمون، فمن المعقول أن يشفق صاحبي الأستاذ في مدرسة الحقوق من أن يعود إلى نظام كهذا النظام، أو إلى عِشْرة قوم كهؤلاء القوم. ولو أن وزير المعارف يريد أن يجمع إليه طائفة من المدارس ليردها إلى هذا العهد القديم؛ لكنت أشد الناس خصومةً له، وإنكارًا عليه، ولكن الرجل يفكر في إصلاح، ومن المعقول أن تفهم معه هذا الإصلاح الذي يكفر فيه، فإن يكن حسنًا أعنَّاه عليه، وإن يكن سيئًا دللناه على موضع السوء فيه.

    وهناك مسألة يجب أن تُحل قبل كل شيء؛ وهي أي الوزارات أحق بالإشراف على التعليم، وأقدر على هذا الإشراف وأنفع يوم تصل إلى هذا الإشراف: أهي وزارة التعليم، أم وزارة الداخلية، أم وزارة الأوقاف، أم غيرها من الوزارات؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق بالإشراف على حماية الأمن والنظام؛ أهي وزارة الداخلية أم وزارة المعارف؟ وبعبارة أخرى: أي الوزارات أحق أحق بالإشراف على توزيع الصدقات وإعانة البائسين: أهي وزارة الأوقاف، أم وزارة الأشغال، أم وزارة المواصلات؟

    كل هذه المسائل تشتمل على أجوبتها، فلكل وزارة من وزارات الحكومة عمل موقوف عليها، يفسد أو يتعرض للفساد إذا تدخلت فيه وزارة أخرى. ومن المعقول أن يكون التعليم موقوفًا على وزارة التعليم، غير أن التعليم ينقسم أقسامًا مختلفة، ومن هذه الأقسام ما يتصل بوزارات غير وزارة المعارف؛ فمدرسة الحقوق مثلًا تخرِّج قومًا يعملون في وزارة الحقانية، أو تشرف على أعمالهم وزارة الحقانية، ومدرسة القضاء الشرعي كذلك، ومدرسة الزراعة تخرِّج قومًا يتصلون بوزارة الزراعة، ومدرسة الطب تخرج قومًا يتصلون بمصلحة الصحة؛ أي بوزارة الداخلية، ومدرسة الهندسة تخرج قومًا يتصلون بوزارة الأشغال.

    وإذن فهناك وزارات تُنازع وزارة المعارف اختصاصها في الإشراف على هذه المدارس، ويخيل إلينا أن هذه الوزارات تسأل نفسها أي الأمرين خير: أن أستورد عمَّالي من وزارة المعارف، أم أن أكوِّن هؤلاء العمال بنفسي؟ هذه هي المسألة التي تلقيها الوزارات المختلفة على نفسها بالقياس إلى وزارة المعارف.

    ويظهر أن بعض هذه الوزارات آثرت أن تكوِّن عمَّالها وتستغني عن معونة وزارة المعارف، فاستأثرت وزارة الحقانية بمدرسة الحقوق ومدرسة القضاء الشرعي، واستأثرت وزارة الزراعة بمدرسة الزراعة. ولسنا ندري لِمَ لم تستأثر وزارة الداخلية بمدرسة الطب، ووزارة الأشغال بمدرسة الهندسة؛ حتى لا يبقى لوزارة المعارف من المدارس العليا إلَّا المدرسة الوحيدة التي لا تشاركها فيها وزارة أخرى، وهي مدرسة المعلمين. لو تم لكان نتيجة طبيعية لهذه القاعدة التي تسير عليها الوزارات في فهم التعليم وتصوُّره والانتفاع به.

    فهذه الوزارات تنظر إلى المدارس كما ينظر الفرد إلى منجم يستغله أو أرض يستثمرها، فهو يفكر في نفسه ومنفعته لا في المنجم ومعدنه، ولا في الأرض وثمراتها، مع أن الأمر على غير ذلك من كل وجه فيما يتعلق بالتعليم؛ فليست مدرسة الحقوق معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الحقانية، وليست مدرسة الزراعة معهدًا قُصِد به تغذية وزارة الزراعة، وليست مدرسة الطب معهدًا قُصِد به تغذية مصلحة الصحة، وإنما هي كلها مدارس أُنشئت للعلم قبل أن تنشأ للوزارات، أو قل إنه يجب أن تنشأ للعلم قبل أن تُنشأ للوزارات. أرأيت الفرق بين التصور الجديد الذي يدعو إليه زكي باشا أبو السعود حين يريد توحيد إدارة التعليم العام، والتصور القديم الذي تستمسك به وزارة الزراعة حين تريد أن تحتفظ بمدرسة الزراعة؟

    يريد وزير المعارف أن تكون المدارس العليا معاهد للعلم لا معامل لصنع الموظفين كما كان يريد الإنجليز أيام الاحتلال. هذه المسألة بسطتها من غير تكلف ولا تلكؤ. ولعلي كنت عنيفًا في هذا البسط، ولست أدري أيشاركني وزير المعارف إذا كان يقدر موقفه وواجبه حقًّا، ويشعر بالفرق بين عصر الاستقلال وعصر الخضوع للأجنبي؛ فإن الواجب الوطني يكلفه أن يجعل توحيد إدارة التعليم العالي من المسائل الأساسية لحياته الوزارية، ذلك أننا نرى أن ضم هذه المدارس العليا إلى غير وزارة المعارف إساءة شديدة إلى العلم؛ لأن هذه الوزارات الأخرى لن تحفل، ولا ينبغي أن تحفل، بغير ما أُنشئت له من الأعمال. وإذن فهذه المدارس لن تكون، ولا ينبغي أن تكون، تحت سلطانها إلَّا مدارس فنية عملية، لا مدارس علمية، أي إن الطالب في مدرسة الحقوق سيتعلم كيف يكون قاضيًا أو كاتبًا أو عضوًا في النيابة، لا كيف يكون فقيهًا بعلوم القانون من وجهتها النظرية الخالصة.

    هناك اعتراض يخيِّل إلى أصحابه أنه قوي، وهو أن هذه المدارس محتاجة إلى معونة الفنيين، وهؤلاء الفنيون إنما يوجدون في هذه الوزارات لا في وزارة المعارف. وكل هذا صحيح، ولكني لا أعلم أن يأجوج ومأجوج قد أقامت بين وزارة المعارف وغيرها من الوزارات سدودًا محكمة منيعة تقطع الصلة بينها، وتحظر على إحداها أن تستعين بالأخرى. فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تستعين بالحقانية في أمر الحقوق، وبوزارة الزراعة في أمر مدرسة الزراعة، وبمصلحة الصحة في أمر مدرسة الطب، وبالأشغال في أمر الهندسة؟

    بل نحن نعلم أن وزير المعارف يريد — بعد أن يوفَّق إلى ما يحاول — أن يضم إلى مكتبه الفني رجالًا من هاتين الوزارتين، ونعلم أن المجلس الأعلى للمعارف لا بدَّ من أن يتغير نظامه اليوم أو غدًا ليصبح ملائمًا حقًّا لحاجات التعليم، ثم نعلم أن وزير المعارف يريد أن ينشئ إدارة للتعليم العالي، لن تتألف إلَّا من الفنيين، ثم نعلم أن الجامعة الأميرية ستنشأ فتستقل بأمورها التعليمية، بحيث تكون الصلة بينها وبين وزارة المعارف صلة إدارية خالصة، ثم نعلم — فوق هذا كله — أن مدارسنا العليا مستقلة منذ الآن استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا. فماذا تخاف وزارة الزراعة؟ وممَّ يشفق أساتذة الحقوق؟

    وزير المعارف منصفٌ محقٌّ، والمنفعة العلمية والواجب الوطني يُحتِّمان على كل مصري أن يؤيده فيما يحاول حتى يبلغ التوفيق، وإذا كان لنا أن نرجو من رئيس الوزراء شيئًا في هذا الأمر؛ فإنَّا نتوسل إليه أن يؤيد وزير المعارف، أو أن يلزم الحياد.

  • في وزارة المعارف عند الوزير | At the Ministry of Education: With the Minister

    في وزارة المعارف: عند الوزير

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٥ نوفمبر ١٩٢٣

    لم يكن من المعقول أن أبطئ عن السعي إلى وزير المعارف بعد أن استحدث في وزارته هذه الحركة النافعة التي طالما دعوت إليها وألححت فيها، والتي كنت أدعو إليها وأُلِحُّ فيها دون أن يكون لي في تحقيقها أملٌ عظيم؛ لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف أشد الوزارات جمودًا وأقلها ميلًا إلى التطور؛ ولذلك قلت في أول كلمة كتبتُها عن هذه الوزارة إني لا أرجو من هذه الحملة خيرًا عاجلًا، وإنما أعتمد الاعتماد كله على البرلمان، وأكتب ما أكتب تمهيدًا للبرلمان وإعدادًا للرأي العام قبل أن يتناول البرلمان مَسَائِلَ التعليم. كنت أدعو إذن إلى الإصلاح في وزارة المعارف يائسًا من هذا الإصلاح، وجاءت أعمال الوزارة مؤيدة لهذا اليأس. فقد كان يكفي أن تُدعى الوزارة إلى الخير لتعدل إلى الشر أو لتضع أصابعها في آذانها فلا تسمع. وكان إعراض الوزارة عما تُدعَى إليه من الخير لا يزيدنا إلَّا قوة وإلحاحًا في الدعوة، إلى أن جاء وزير المعارف القائم الآن. فكأن في يده عصًا سحرية مسَّ بها هذه الوزارة، فإذا الأمر فيها قد تغير، وإذا الحال فيها قد استحالت، وإذا اليأس منها قد تحوَّل إلى أمل قوي مبتسم. لم يكَد هذا الوزير يصل إلى وزارته حتى انفكت عنها الأغلال، وفتحت أبوابها ونوافذها على مصاريعها؛ فإذا الهواء فيها طلق، وإذا الناس يستطيعون أن يتنفَّسوا دون أن يخشَوْا الاختناق إذا المكتب الفني قد أُنشئ، وإذا مدرسة اللغات القديمة قد أُجِّلت إلى أن يُستشار الفنيون، وإذا الكفايات المضمومة قد أُنصفت، وإذا لجنة التعليم الأولي قد أُضيفت إليها العناصر النافعة القيمة، وإذا المدارس العليا قد ظفرت باستقلالها العلمي، وإذا المدارس العليا التي لا تتبع وزارة المعارف يُراد أن تضم إلى وزارة المعارف، وإذا الأقسام الليلية في المدارس العليا قد أُنشئت وإذا مدرسة المعلمين الثانوية قد أُنشئت أيضًا. كثيرٌ جدًّا كل هذا الإصلاح يقع في أقل من ثلاثة أشهر، ويقع في غير ضوضاء ولا جلبة، وفي غير إعلان ولا خداع للجمهور. أحسن وزير المعارف إلى وزارته، فلم نبخل عليه بالمدح والثناء، كما أننا لم نبخل على غيره بالنقد واللوم. وكنت أشعر بأني مدين لهذا الرجل بعد أن يعود من الإسكندرية، بأن أسعى إليه فأهنئه وأشكر له إقدامه وحرصه على الخير. وقد سعيت إليه صباح اليوم، ولست أريد أن أصِف لطف مقابلته وحُسن حديثه كما يفعل الصحفيون حين يتحدثون إلى الوزراء وأصحاب المكانات، فلم أذهب إلى وزير المعارف صحفيًّا، وإنما ذهبت إليه كما يذهب إليه أستاذ لزيارة وزير التعليم، ولقيني كما يلقى وزير التعليم أحد الأساتذة.

    لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أهنئه أو أشكر له حسن سعيه، فهو يعتقد أنه لم يعمَل بعدُ إلَّا قليلًا، وأنه مهما يعمل فلن يتجاوز الواجب، وإذن فلا حاجة إلى تهنئة ولا حاجة إلى شكر.

    ولِمَ ننفق الوقت في التهنئة والشكر، ونحن نستطيع أن نتحدث في غيرهما ممَّا هو أنفع وأجدى؟ نعم لم أكَد أستقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتح لك الحديث، وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني الآن بنوع خاص، وأظنها تعنيك بنوع خاص أيضًا، وهي مسألة الجامعة. فأنت تعلم أن وزارتنا تسعى في أن تضم إليها المدارس العليا التي تتبع وزارة الحقَّانية ووزارة الزراعة، وقد صرَّح المجلس الأعلى في جلسته الأخيرة بأنه إنما يسعى في هذا الضم توطِئةً لإنشاء الجامعة الأميرية التي تحتاج إليها البلاد حاجة شديدة جدًّا، وكلفني أن أعمل لإنشاء هذه الجامعة. وأنا بحكم النظام مضطر إلى تنفيذ قرار المجلس الأعلى. فليست الجامعة الأميرية أملًا ولا خيالًا، وإنما هي فكرة نبدأ في تحقيقها، وأنا أريد أن أشارك رجال الفن في كل ما يمس الفن. وليس إنشاء الجامعة شيئًا قليل الخطر، فلا بدَّ من أن أستعين فيه بالفنيين. وأين أجِد الفنيين القادرين على فَهم هذا الموضوع والمشورة فيه إلَّا في الجامعة المصرية. ففيها أساتذة خبروا الجامعات وعرَفوا نظامها وتعلَّموا فيها وأقبلوا يعلِّمون على نحو ما يعلم أساتذة الجامعات. فليس لي بدٌّ من أن أستشيرهم، وليس لي بدٌّ من أن أستعين بهم.

    وقد تحدثت في هذا الموضوع إلى زميلك الأستاذ الدكتور ضيف، وأنا سعيد بأن أتحدث فيه إليك الآن. ثم لم يدع لي وزير المعارف من الوقت ما يُمكِّنني من أن أشكر له حسن ظنِّه بالجامعة وأساتذتها، بل أسرع فسألني: أتظن أن من العسير أن نتخذ الجامعة المصرية كما هي الآن نواة للجامعة الأميرية؟ فأنت تعلم أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل، فنحن مضطرون إلى إنشاء الجامعة الأميرية، وإذا لم نتعاون مع الجامعة المصرية فسيكون تنافس طبقي بين الجامعتين.

    وأحسب أن جامعة الحكومة أقدر على المنافسة من الجامعة المصرية، وعزيز علينا أن يتعرض عمل وطني كالجامعة المصرية لخطر هذه المنافسة. فهل تظُنُّ أن هناك ما يمنع من التعاون بين الجامعة والوزارة حتى يصبح قسم الآداب القائم في الجامعة المصرية الآن نواةً للجامعة الأميرية التي نريد إنشاءها؟

    – لا أظن أن هناك ما يمنع من هذا. فأعضاء إدارة الجامعة وأساتذتها لا يريدون إلَّا نشر العلم وتأييده، وهم يطلبون المعونة من كل قادرٍ عليها، فإذا تقدمت إليهم وزارة المعارف بهذه المعونة فضمنت لتعليمهم العالي أن يُنشر وينتج، فلن يتقدموا إلى وزارة المعارف إلَّا بالشكر والثناء.

    – وعلى أي نحو تظن أن من الممكن هذا التعاون؟

    – على نحو سهل، وهو أن تحتفظ الجامعة باستقلالها العلمي كما تحتفظ به المدارس العليا في عهدكم، وأن يكون لها مجلس إدارة تشترك فيها وزارة المعارف، وأن تعترف الوزارة بشهادة الجامعة، أو على أن تصبح شهادة الجامعة شهادة من الوزارة.

    قال الوزير: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن تحقيقه ميسور، وسأمضي في الاستشارة حتى إذا فرغت منها عمدت إلى العمل.

    ثم سألت الوزير كيف يتصور الجامعة الأميرية؟ وإنما ألقيت عليه هذا السؤال لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف كانت تتصور الجامعة الأميرية تصوُّرًا عقيمًا، فنرى أنها تستطيع أن تتكونها بجمع المدارس العالية من حيث مدارس عالية. فلما أجابني الوزير لم يزِدْني جوابه إلا اطمئنانًا وإعجابًا، فهو يتصور الجامعة كما يتصورها الناس في البلاد الحرة الراقية التي تفهم التعليم حقًّا. يتصوَّرها مؤلَّفة من أقسام أربعة: قسم الآداب، وقسم العلوم، وقسم الطب، وقسم الحقوق. وهو يعتزم أن ينشئ قسمي الآداب والعلوم، ولا يفكر في أن يضم مدرسة المعلمين إلى الجامعة؛ لأن مدرسة المعلمين بطبيعتها كمدرسة الهندسة ومدرسة الزراعة، مدارس خاصة يُقصد بها إلى الحياة العملية أكثر ممَّا يُقصد بها إلى العلم النظري الخالص. ثم انتقلت من موضوع الجامعة إلى موضوع آخر هو موضوع مجلس المعارف الأعلى. لم أكَد أذكر له مجلس المعارف الأعلى حتى قال: أنا أعرف رأيك فيه، وقد أخالفك بعض المخالفة، فأنت تريد أن يكون عدد الأعضاء في هذا المجلس أربعين، ولست أدري لِمَ تستمسك بهذا العدد!

    قلت: إني لا أستمسك بعدد معين، وإنما أستمسك بنظرية أعتقد أنها صحيحة، وهي أن يكون هذا المجلس ممثَّلًا تمثيلًا صحيحًا لطبقات التعليم على اختلافها من جهة، ولرجال الفن المشتغلين بالتعليم من جهة أخرى. فإذا تحققت هذه النظرية فسواء عليَّ أبلغ عدد المجلس خمسين أم ثلاثين.

    قال الوزير: إذن فنحن متفقون، فليس من شك في أن مجلس المعارف الأعلى على صورته الحاضرة قد أدَّى للتعليم خدمات عظيمة جدًّا منذ أُلِّف إلى الآن، ولكن الحياة المصرية قد تغيرت، ولم يبقَ بدٌّ من أن يكون هذا المجلس ملائمًا للحياة الجديدة والحاجات العلمية الجديدة، بحيث يمثل التعليم وفروعه أكثر مما يمثل فروع الحكومة ومصالحها. ولست أتردد في أن أعلن إليك أني سأجتهد في أن يكون مجلس المعارف الأعلى كما نحب جميعًا صورة صحيحة لفروع التعليم على اختلافها.

    ثم انتقلت من هذا الموضوع إلى موضوع آخر طالما ألححتُ فيه، وهو إنشاء إدارة في وزارة المعارف للفنون، تجمع إليها المتحف المصري ودار الآثار العربية ومدارس الفنون على اختلافها والأوبرا الملكية، وتشرف على الموسيقى والتمثيل وغيرهما من الفنون الجميلة. فإذا الوزير يرى هذا الرأي ويعمل له، ويرى أن هذا الرأي لا بدَّ من تحقيقه؛ لأن الشعور بالحاجة إليه قوي ظاهر، وهو قد أحس قوة هذا الشعور غير مرة، ولكنه لم يتجاوز التمهيد لهذا الأمر. فقد أوفدت وزارة المعارف أستاذًا يدرس حال الفنون الجميلة في أوروبا، وعاد هذا الأستاذ وسيرفع تقريره إلى الوزير، فإذا قرأ الوزير هذا التقرير واستشار أهل العلم في هذا الموضوع، فسيبدأ في تحقيقه دون بطء.

    قلت: وهل تسمح بأن أذيع عنك كل ما تحدثت به إليَّ؟ أجاب الوزير: وكيف لا أسمح به وقد تحدثت به إليك؟ وأنا أعتقد أن قد انقضى في وزارة المعارف عصر التكتُّم والتحفُّظ، فإن أعمالنا كلهم تهم الجمهور وتعنيه. وما دام البرلمان لم ينعقد بعدُ فنحن مكلَّفون أن نُظهِر الجمهورَ على ما نعمل وعلى ما نريد أن نعمل، لنشعر بإرشاده ومراقبته. والصحف هي الواسطة الوحيدة بيننا وبين الجمهور، فلك إذن أن تذيع هذا الحديث، وأن تتناوله بما شئت من نقد. وللناس جميعًا أن يتناولونا بما يشاءون من النقد، وأن يقدموا إلينا ما يشاءون من النصيحة والاقتراح، فسنقدِّر هذا كله حق قدره.

    أعترف بأني لم أحسن شكر الوزير على هذا التصريح الأخير؛ لأني اعتقدت — وما زلت أعتقد — أن نشر هذا التصريح هو أحسن شكر لقائله.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد ١ | Educational Policy, for That Critic (I)

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (١)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢ سبتمبر ١٩٢٣

    وهل للتعليم عندنا سياسة؟ ذلك شيء كنَّا نرجوه وكنا نعتقد أننا غير مخطئين في هذا الرجاء، حين كانت وزارة المعارف في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، تسلك سبيلًا معينة واضحة تدل على أن المشرفين على الأمر فيها يفهمون التعليم، ويقدِّرون حاجة البلد إلى إصلاحه، ويحاولون أن يحققوا من هذا الإصلاح ما يستطيعون. حين كان زكي باشا أبو السعود ينشئ المكتب الفني، ويعد لإنشاء مدرسة الآثار، ويمهِّد لإنشاء الجامعة الأميرية، ويفكر في طائفة أخرى من مشروعات الإصلاح في وزارة المعارف.

    في مثل هذه الأيام من السنة الماضية كنَّا نظن أن لمصر سياسة تعليمية أو أن مصر ستنتهي إلى أن تكون لها سياسة تعليمية. وكنا نعتقد ونكرر أن البرلمان المصري الذي لم يكن قد نشأ بعدُ سيُعين على تكوين هذه السياسة التعليمية، وسيطبعها بالطابع القومي متى انعقد، ونذكر أن موظفًا من الذين كان لهم سلطان عظيم على هذه الوزارة في وقت من الأوقات عاتبنا ذات يوم؛ لأننا قلنا وألححنا في القول إن البرلمان سيهدم هذا البناء العتيق الذي قام عليه التعليم في وزارة المعارف.

    نعم، كنَّا نرجو رجاءً قويًّا أن تظهر لنا شخصية في التعليم، وأن ننتهي إلى سياسة تعليمية تلائم حاجاتنا وآمالنا. ولكن الله أراد أن يكذِّب ظننا في هذا الأمر، كما أراد أن يكذِّب ظننا في أمور أخرى، فلم تظفر مصر بسياسة تعليمية، ولم يظهر للبرلمان المصري أثرٌ في التعليم، ولم يكن لهذه الحياة الدستورية ولهذه الوزارة الدستورية القائمة من التأثير في وزارة المعارف إلا ما شهدنا وما نشهد من محو آثار زكي باشا أبو السعود، والعودة بأمور التعليم إلى ما كانت عليه من الفساد والاضطراب أيام الإنجليز.

    نخطئ الخطأ كله إذا قلنا إن مصر لم تكن لها سياسة تعليمية في وقت من الأوقات، فالحق أن قد كانت لمصر في التعليم سياستان مختلفتان اختلافًا شديدًا: إحداهما سياسة قومية في أغراضها ووسائلها، وهي سياسة الأمراء المصريين الذين سبقوا الاحتلال، والأخرى سياسة أجنبية سيئة الأثر في حياتنا القومية، لا ترمي إلا إلى نشر الجهل من جهة وإلى إفساد العقول المتعلمة من جهة أخرى، وهي السياسة الإنجليزية التي أقامها «دنلوب» معتزًّا بسلطان اللورد كرومر. فلم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال محو هذه السياسة الإنجليزية في وزارة المعارف، والرجوع إلى السياسة القومية القديمة التي كانت تعتمد على محاربة الأمية من جهة، وعلى إيجاد طبقة من المتعلمين الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي ليشرفوا على الأمور العامة من جهة أخرى، والتي كانت لولا الاحتلال منتهية من غير شك إلى إزالة الأمية وإلى إيجاد التعليم الصحيح في مصر، وإلى جعل أمور المصريين العامة بين أيدي المصريين. لم يكن بدٌّ من أن تكون النتيجة الأولى للاستقلال الرجوع إلى سياسة محمد علي وإسماعيل في أمر التعليم.

    ومهما يجادل أنصار الوزارة القائمة، ومهما يقل أنصار الكثرة البرلمانية الحاكمة، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن هذه النتيجة التي كنَّا نتمناها قد بدأت تتحقق شيئًا فشيئًا بعد إعلان الاستقلال. فقد استأنفت وزارة ثروت باشا التفكير في الرجوع إلى تلك السياسة، بل رجعت إليها بالفعل وأخذت في تنفيذها، فكثرت البعثات العلمية إلى أوروبا وأمريكا في عهد هذه الوزارة. ثم تبعتها في هذا وزارة يحيى باشا إبراهيم، وأرسلت مصر إلى أوروبا من الطلاب الذين تعلِّمهم الحكومة عددًا غير قليل يتخصَّص في ضروب مختلفة من العلم والفن. وظهر من هذا الفرق بين السياسة التعليمية لبلد مستقل والسياسة التعليمية لبلد يحكمه الأجنبي.

    ثم نظن — ونعتقد أن أنصار الوزارة لا يستطيعون أن ينكروا هذا — نظن أن وزارة ثروت كانت قد استعدَّت استعدادًا جديًّا لإنشاء طائفة أو قل لإنشاء مئات من المدارس الأولية، الغرض منها محاربة الأمية، حتى إذا جاء البرلمان وأقرَّ تعميم التعليم الأولي كانت الوزارة قد مهَّدت لذلك تمهيدًا لا بأس به. ونظن أن وزارة ثروت باشا كانت قد دبرت المال اللازم لإنشاء هذه المئات من المدارس الأولية، ولكن وزارة ثروت استقالت وجاءت وزارة نسيم، فنامت هذه المدارس أو نسيتها وزارة المعارف ونسيتها الميزانية أيضًا. ولكن وزارة يحيى باشا لم تهمل سياسة البعثات العلمية، فمضت فيها على سُنَّة الوزارة الثروتية، بينما لم تلتفت إلى التعليم الأولي إلا التفاتًا ضعيفًا جدًّا، ولكنه التفات. فقد أنشأت لجنة لدرس مشروع التعليم الأولي، وأصلح زكي باشا أبو السعود تكوين هذه اللجنة، ولكن وزارة يحيى باشا سقطت، والله يعلم إلى أين انتهت هذه اللجنة.

    على أن هناك جهدًا قدمته وزارة يحيى باشا إبراهيم، أو قدمه زكي باشا أبو السعود على كرهٍ من وزارة يحيى باشا إبراهيم لتحقيق هذه السياسة التعليمية المستقلة. وهو هذا الجهد الذي بُذِل لإكثار عدد المتعلمين استعدادًا لما لم يكن بدٌّ من إنشائه من المدارس. فقد أنشئت مدرسة المعلمين الثانوية، وأنشئت الأقسام الليلية في مدرسة المعلمين العليا، وكل هذا يدل على أن هاتين الوزارتين اللتين توصفان بالإثم وتتهمان بالتقصير تستطيعان أن تتقدما إلى أي برلمان منصف وفي يدهما عمل قيم في ترقية التعليم. فماذا صنعت الوزارة الدستورية القائمة على سلطة الشعب وحب الشعب وتأييد البرلمان؟ لم تصنع شيئًا، أو قل إنها مَحَتْ ولم تثبت، وهدمت دون أن تفكر في البناء، أو قل إنها عدلت عن هذه السياسة القومية، لا نقول إلى السياسة الإنجليزية، فنحن أحرص على الإنصاف من هذا، بل نقول عدلت عن هذه السياسة القومية إلى سياسة فردية لا ترمي إلا إلى شيءٍ واحد، هو أن يستمتع بالسلطان المطلق في وزارة التعليم فردٌ بعينه، لم يكن بدٌّ من أن يقبض على الأمر في هذه الوزارة؛ لأن السياسة السعدية كانت في حاجة إلى هذا.

    ولو أن وزارة الدستور وقفت عند هذا الحد فنقضت ما أبرم أسلافها، وأرادت أن تستمتع بالسلطان المركزي المطلق لقلنا سياسة سيئة، ولكنها موقوتة تزول متى نزلت الوزارة عن الحكم غدًا أو بعد غدٍ. ولكن الوزارة تجاوزت هذا كله إلى ما هو شرٌّ منه، فمهدت لتكوين سياسة تعليمية سيئة حقًّا، ذلك حين عمدت إلى شيئين: الأول إلغاء مجلس المعارف الأعلى وإنشاء هذه اللجنة الفنية على هذا النحو الذي أُنشئت عليه. ولسنا نعرض للنتائج المباشرة التي تنتج عن هذا العمل، فقد عرضنا لهذا في غير هذا الفصل، وإنما نلاحظ أنها تعجَّلت هذا الأمر تعجلًا غريبًا، واستطاعت أن تحمِل البرلمان على أن يقرَّها منه على ما كانت تريد، فأثبتت لنا بذلك شيئًا كنَّا نتمنى ألا يكون حقًّا، وهو أن البرلمان المصري لا يمتاز — مع الأسف الشديد — بالكفاية في فهم التعليم، ولا بالحرص على أن يكون له سلطان ما على أمور التعليم. فلو أن للبرلمان المصري كفايةً في التعليم، ولو أن للبرلمان المصري سلطانًا على التعليم؛ لما قُضيَ على المجلس الأعلى، ولما أُنشئت هذه اللجنة، ولما وقع هذا العبث العظيم بوزارة التعليم مع هذه السرعة العجيبة، في وقت كان البرلمان فيه خليقًا أن يعنى بأمور أخرى تدعو إليها الحاجة.

    نقول إن هذا أثرٌ سيئٌ من آثار الوزارة في سياسة التعليم؛ لأنه يحملنا على أن نيأس من كفاية البرلمان لفهم التعليم، وإذن فمن الذي سيشرف على التعليم؟ وزارة المعارف وحدها. ونحن نعلم كفاية وزارة المعارف، ونحن نقدِّر آثار وزارة المعارف في التعليم إلى الآن. الثاني أن وزارة المعارف أظهرت — ووافقها على ذلك رئيس الوزراء، وأقرتها على ذلك الكثرة البرلمانية — نفورًا من التعليم العالي، وتلكُّؤًا في تنظيمه وترقيته. وليس أثر ذلك مقصورًا على أن هذا التعليم العالي سيظل في مصر منحطًّا كما هو الآن، بل لذلك أثرٌ آخر أقبح وأعظم شرًّا من هذا الأثر، وهو أن الإشراف على التعليم بجميع أنواعه سيظل إلى أجلٍ بعيدٍ مقصورًا على رجال التعليم في وزارة المعارف، وعلى من تخرِّجهم المدارس القائمة الآن؛ أي إن أمور التعليم ستظل بأيدي قوم تنقصهم الكفاية الصحيحة لفهم التعليم.

    هناك نظرية يظهر أن الذين يعنون بالأمور العامة في مصر لم يلتفتوا إليها في يوم من الأيام، بل يظهر أنهم يسيرون على عكسها ويزعمون أنهم بذلك يحققون الديمقراطية ويخدمون مبادئها، وأنا أعني في هذه المسألة رئيس الوزراء خاصة. فرئيس الوزراء وأنصاره طبعًا يؤثرون التعليم الأولي على التعليم العالي، ويُؤثِرون نشر هذا التعليم الأولي وتعميمه على تنظيم الجامعة وإنشاء أقسام التعليم العالي فيها. وحجتهم في ذلك ظاهرة كحجة الاشتراكيين والمتطرفين من أحزاب الشمال في أوروبا، وهي أن التعليم الأولي يخدم الشعب مباشرةً، بينما التعليم العالي والثانوي لا ينتفع بهما إلا طبقات معينة، هي التي تستطيع أن تؤدي أجور التعليم.

    وإذن فلا بدَّ من إيثار الدهماء على الخاصة، ولا بدَّ من تقديم التعليم الأولي على التعليم العالي، ولا بدَّ من إنشاء المدرسة الأولية قبل إنشاء الجامعة. كذلك يفكِّر سادة اليوم في مصر، ولئن حاججتهم في ذلك ليذكرون لك فرنسا وغير فرنسا، وما نشأ من المذاهب الحديثة التي تؤثِر التعليم الأولي والفني على التعليم العالي. وليس هنا موضع البحث عن قيمة هذه المذاهب الحديثة، ولكننا نريد أن يلتفت سادة اليوم في مصر إلى شيءٍ لا يلتفتون إليه، نريد أن يلتفتوا إلى أننا نستطيع أن نقلِّد الفرنسيين والأمريكيين يوم نستطيع أن نقول إننا نشبه الفرنسيين والأمريكيين؛ أي يوم نظفر من التعليم العالي والثانوي بمثل ما تستمتع به فرنسا وأمريكا.

    في ذلك اليوم نستطيع أن نقول إن لدينا من التعليم العالي والثانوي ما يكفينا، وإن الخير هو أن نُعنَى بهذه الطبقات الفقيرة العاملة التي لا تستطيع أن تنفق شبابها في الدرس والتخصيص العلمي. أمَّا ونحن أبعد الناس عن أن يكون لنا عُشر معشار ما تستمتع به فرنسا من التعليم العالي والثانوي، فخيرٌ لنا ألا نشبِّه نفسنا بفرنسا الآن، ليس لدينا شيءٌ يقاس إلى ما لدى فرنسا من أنواع التعليم، فالجامعات في فرنسا تكاد تبلغ العشرين، ولا يوجد إقليم فرنسي يخلو من مدرسة ثانوية تشرف عليها الدولة.

    ولسنا نذكر المدارس الخصوصية، ولسنا نذكر المدارس الحرة عاليةً كانت أو ثانويةً. أمَّا نحن فليست لدينا الآن جامعة واحدة، وكثيرٌ من أقاليمنا يخلو من المدارس الثانوية، وإذن فنظرية المشرفين على الأمر في مصر خاطئة، وستظل خاطئة أعوامًا طوالًا. وأمرٌ آخر نحب أن تلتفت إليه كثرتنا البرلمانية، وهو أن التعليم العالي وحده هو الكفيل حقًّا بنشر التعليم الأولي وإيجاد سياسة صحيحة لهذا التعليم؛ ذلك أن نشر التعليم الأولي ليس معناه تعميم القراءة والكتابة والحساب، وإنما هو أشد من ذلك تعقيدًا وعسرًا. هو يحتاج إلى عقول تستطيع أن تقدِّر البيئة المصرية ونفسيتها وحاجاتها وآمالها، وأن تلائم بين هذا كله وبين التعليم الأولي الذي تريد أن تنشره في البلاد.

    وليس من اليسير على كل إنسان أن يقدِّر مثل هذه الأمور، وإنما الذين أخذوا بحظٍّ موفور من التعليم العالي، واستطاعوا بفضل هذا التعليم أن يفهموا الجماعات ويقدِّروا حاجاتها المختلفة وآمالها المتنوعة؛ هم وحدهم الذين يستطيعون تصور التعليم الأولي ونشره حقًّا. إذن، فليس أساس التعليم في مصر هو التعليم الأولي، وإنما أساس النهضة المصرية كلها التعليم العالي. والسياسة التعليمية الحكيمة حقًّا هي التي تقوم على إنشاء الجامعة قبل كل شيء، وعلى الاستعانة بالفنيين من الأجانب للأخذ في نشر التعليم الأولي، حتى إذا تم تأسيس الجامعة، وأخذ التعليم العالي يُؤتِي ثمره النافع، استطاع المصريون أن يشرفوا حقًّا على أمور التعليم.

    إن الذين يريدون أن يخدموا الديمقراطية في مصر لا يحسنون إلى الديمقراطية بإيثار التعليم الأولي على التعليم العالي؛ فإن الديمقراطية التي تقوم على التعليم الأولي وحده تقوم على أساس واهٍ، وهي لا تستطيع أن تقاوم الخطوب ولا أن تثبت للأهوال التي تتعرض لها النظم السياسية. ولئن قامت ديمقراطيتنا على التعليم الأولي واعتمدت على إنصاف المتعلمين؛ لتستحيلنَّ في أسرع وقت إلى إحدى اثنتين: إمَّا إلى الفوضى، وإمَّا إلى حكومة الفرد المستبدِّ. نؤكد لكثرتنا البرلمانية أنها تحسن الإحسان كله إلى بلدها، وإلى الحياة الدستورية، وإلى الحرية نفسها، إذا بدأت عملها البرلماني في العام المقبل، لا بتنظيم التعليم الأولي، بل بتنظيم التعليم العالي. ونحن نضرع إليها إن فعلت ألا تعتمد في ذلك على نفسها ولا على وزارة المعارف، بل على الفنيين من علماء أوروبا.

  • وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار | The Ministry of Education: The Right Way to Teach Archaeology

    وزارة المعارف
    وجه الصواب في درس الآثار
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ يوليو ١٩٢٣

    يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.

    يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.

    ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!

    نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.

    تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.

    وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.

    فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟

    لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.

    ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.

    والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.

    حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!

    صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.

    هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.