أعاجيب
لا يريد هذا العهد السعيد أن ينقضي حتى يستنفد عجب الناس، كما أنه لم يرد أن يبدأ حتى استنفد عجب الناس؛ فقد كان هذا البلد آمناً مطمئناً، راضياً عن أساليب الحكم فيه، مستشعراً من العزة والكرامة ما يلائم بلداً ناهضاً واسع الآمال، عظيم الأماني، قد أراد الإنجليز أن يخدعوه فلم ينخدع، وأن يكيدوا له فلم يبلغ منه الكيد. فأقبل رئيس الوزراء فرد هذا البلد الناهض القوي الأمل الأمن السعيد إلى شر ما ترد إليه البلاد من تقهقر وضعف، ومن حزن وخوف، وشقاء.
وضع نفسه وجماعة من أصحابه موضع المعصومين الذين يعلمون وحدهم كيف يحكمون فلا يخطئون، وكيف يسوسون فلا يجورون عن القصد، والذين يعرفون مصالح مصر أكثر مما تعرفها مصر، والذين يريدون أن يكرهوا مصر على الخير إكراهاً، وأن يدفعوها إلى ما يريدون لها وأنفها راغم. وأخذوا يفرضون أنفسهم وسياستهم على مصر فرضاً، بالقوة العنيفة حيناً، وبالمكر المغري حيناً آخر، حتى جرت دماء غزيرة وبيعت ضمائر قليلة، وأخذت مصر تنظر إلى هذا كله واجمة لا ينقضي عجبها أن يقع هذا كله في القرن العشرين، وتحت سمع الحضارة الراقية وبصرها. والضمير الإنساني نائم أو معرض، لا يستيقظ ولا يلتفت ولا يتردد في الإغضاء عما يشهد النيل من تسلط نفر على شعب كامل. وقد نجح رئيس الوزراء عند نفسه نجاحاً باهراً انتهى به إلى المرض الطويل الثقيل، ثم إلى الاستقالة أو العزم على الاستقالة. ونجح صديقه المندوب السامي نجاحاً باهراً عند نفسه أيضاً انتهى به إلى أن يترك مصر في الشتاء ويظل معلقاً أشهراً، ثم ينقل إلى بلاد الترك.
نجح الصديقان عند أنفسهما ولكنهما أخفقا إخفاقاً شنيعاً عند المصريين الذين احتسبوا عند الله ما فقدوا من أبناء أبرار وما احتملوا من مشقة وجهد، وما قاسوا من عناء وعنف، واستقلوا هذا كله في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والعزة، وفي سبيل الوصول إلى الحرية والاستقلال.
كذلك ابتدأ هذا العهد السعيد عجيباً من جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين، وهو الآن يريد أن ينتهي عجيباً في جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين أيضاً.
رئيس وزارة كان مريضاً، لا يقدر على العمل، بعيداً لا يستطيع أن يشرف على الأمور، ولكنه مع ذلك يمسك أزمة الحكم بيد ضعيفة مضطربة، لا تقدر على إمساكها ولا على تصريفها. وكان على مرضه وضعفه وعجزه، يمنى نفسه بأن يتم سياسته بمعاهدة يفرضها على مصر فرضا، كما فرض عليها غيرها من الأشياء، فلما حيل بينه وبين ذلك لأن الإنجليز استيأسوا من قدرته على فرض هذه المعاهدة وأخذ المصريين باحترامها، ثار وفار، وأعلن السخط والغضب ولمح بالاستقالة، ثم استحال التلميح تصريحاً، ثم استحال التصريح إلى نذير أخرج رئيس الوزراء عن طوره، وجعل حديثه أعجوبة الأعاجيب في هذه الأيام.
رئيس وزارة مقيم في بلد أجنبي قد أعلن ألف مرة ومرة أنه شديد الغيرة على استقلال مصر وكرامتها، ثم هو لا يتحرج من أن يعرض أمورها الخاصة في أسواق باريس وفرسايل، يتحدث بها إلى الصحافيين في غير تحرج ولا احتياط ولا احتفاظ بالتقاليد. يعلن لصحفي إنجليزي أنه لم يستقل ولكنه سيقابل جلالة الملك. ثم يعلن ذلك نفسه إلى مكاتب روتر في محطة من محطات باريس أمام جماعة من المصريين والأجانب، فيهم ممثل وزير الخارجية الفرنسية كأن بين رئيس الوزراء وبين مصر أزمة حادة من أخطر الأزمات، وأشدها هولاً، فأمرها لا يعني مصر وحدها، بل لا يعني جلالة الملك ووزارته وحدهما، وإنما يعني العالم بأسره، وهو لذلك أمر يلقى إلى مكاتب روتر ليذاع في أطراف الأرض أن صدق باشا لم يستقل ولكنه سيرى جلالة الملك. ومعنى هذا أنه حين يرى جلالة الملك إما أن يجاب إلى ما يريد، وإما أن يستقيل. العفو! هذا كلام كان يحسن أن يقال في الإسكندرية أو في القاهرة، لا في فرسايل ولا في باريس. هذا كلام كان يحسن أن يقال للصحف المصرية، لا للصحف الإنجليزية ولا لمكاتب روتر. هذا كلام أقل ما يوصف به أنه مجاوز للياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء. وكل ما عمل رئيس الوزراء منذ أيام خارج عن اللياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء؛ فما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعلن افتتاح الأزمة الوزارية في بلد أجنبي، وما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعطي أزمته هذا الشكل الذي يحسبه أصدقاؤه وأنصاره عظيماً خطيراً، وهو في الحقيقة مضحك يسير.
فإن عند أوروبا وغير أوروبا من الأزمات والمشكلات ما هو أهم وأخطر من أزمة صدقي باشا ومشكلة صدقي باشا. وليس اعتزال صدقي باشا للحكم، أو احتفاظ صدقي باشا بالحكم، من الأمور التي يتوقف عليها مصير السلم في أطراف الأرض، وليس مما يحسن برئيس وزارة مهما كان قوياً أن يتحدث إلى الأجانب عن أزمته الوزارية بهذه اللهجة التي تؤذن بالقوة والعنف، والقدرة على التحدي والإحراج، فكيف به إذا كان ضعيفاً قد خذلته الظروف وتخلى عنه الأولياء؟
قلت لك إن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً مخالفاً للمألوف كما بدأ عجيباً مخالفاً للمألوف، ولكن الذي دعا إلى أن يبدأ هذا العهد السعيد عجيباً شاذاً هو إغراق رئيس الوزراء في الثقة بنفسه، والاطمئنان إلى من كان يمده من قوة وتأييد. والذي يدعو إلى أن يكون ختام هذا العهد عجيباً مخالفاً للمألوف هو إغراق صدقي باشا في اليأس وخروجه عن طوره أمام هذا الإخفاق المنكر الذي لم يكن يقدره ولا يحسب له حساباً. ولو لم يكن رئيس الوزراء قد أخرجه اليأس والإخفاق عن طوره لما تورط في هذه الألوان من التناقض التي تورط فيها منذ أيام، فقد كان يوم الثلاثاء يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق التأكيدات بأن تغيير المندوب السامي لا يغير السياسة البريطانية في مصر، فإذا هو يوم الجمعة يتحدث إلى مكاتب روتر ومكاتب الأهرام فيعلن إليهما أن كل ما يتمناه هو ألا يعدل المندوب السامي الجديد عن سياسة المندوب السامي القديم. تبارك الله. وأوثق التأكيدات، ماذا صنع الله به؟ لقد كان مقنعاً يوم الثلاثاء، فذاب يوم الأربعاء والخميس. وأصبح الباشا يوم الجمعة وأمسى وهو يتمنى أن يحتفظ المندوب السامي الجديد بسياسة المندوب السامي القديم. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء سيصل إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء فيستيقن بأنه لا يستطيع أن يتمنى ولا بد له من أن يطمئن إلى اليأس، ويظفر بأوثق التأكيدات أن تغيير المندوب السامي سيغير السياسة البريطانية في مصر، وسيحور الصلة بين دار المندوب السامي وبين الشؤون المصرية تحويراً كبيراً، لا لأن الإنجليز يريدون ذلك أو يأبونه، بل لأن السياسة التي أقامها صدقي باشا والسير برسي لورين قد انتهت من الفشل والإخفاق إلى حيث لم يبق بد من العدول عنها، واستئناف الدوران في تلك الدائرة التي رسمها الإنجليز لأنفسهم لعلهم أن يجدوا منها مخرجاً.
والظريف من أمر رئيس الوزراء أنه نسي — ولعل المرض هو الذي أنساه، أو لعل اليأس هو الذي أنساه — أن استجداء الإنجليز شيء لا يليق بصاحب الرد التاريخي البديع على المستر مكدونالد. فالإنجليز قوم لا يتمنى عليهم صدقي باشا، إنما يصدر إليهم الأمر، وما ينبغي لصدقي باشا أن يتمنى على الإنجليز أن يحفظوا لمندوبهم السامي الجديد سياسة مندوبهم السامي القديم، وإنما ينبغي له أن يأمرهم بذلك أمراً، فإما أطاعوا فكان السلم، وإما عصوا فكان رد تاريخي بديع، كذلك الرد التاريخي البديع الذي رمى به صدقي باشا منذ ثلاثة أعوام في وجه الإنجليز فتلقوه خاضعين خاشعين.
كل شيء يحول، فقد يكون رئيس الوزراء قوياً منذ ثلاثة أعوام، يتحدى الإنجليز ويقفهم عند ما يرسم من الحدود، ثم يصبح رئيس الوزراء ضعيفاً بعد ثلاثة أعوام، يتمنى على الإنجليز في محطة من محطات باريس — ويشهد العالم كله على هذا التمني — ألا يغيروا سياستهم في مصر بتغيير المندوب ثم صدقني بعد ذلك وصدق رئيس الوزراء حين يقول لك إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وأن عندنا أوثق التأكيدات بأن السياسة البريطانية لن تتغير بتغيير المندوب.
ستعجز من غير شك عن أن تلائم بين هذه المتناقضات ولكن لا تنس أن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً غريبا كما بدأ عجيباً غريباً.
كوكب الشرق في ٣ – ٩ – ١٩٣٣.
Tag: السياسة
-
أعاجيب
-
حمى
حمى
مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. -
مفاوضة
مفاوضة
ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣. -
جلاء
جلاء
لم يبق شك ولا ريب في أن جو السياسة المصرية قد أخذ ينجلي شيئًا فشيئًا، ويزول عنه هذا السحاب الكثيف الذي كان يحول بينه وبين الصفو منذ أسابيع. فقد طرد الإنجليز بعض هذا السحاب الكثيف حين نقلوا مندوبهم السامي، وحاول «رئيس الوزراء» أن يطرد بعضه الآخر أول أمس، فأقدم على ذلك في استحياء قبل الظهر، ثم في صراحة مع المساء. تحدث إلى «الأهرام» فأكد أن وزارته قوية متينة كأقوى ما كانت وكأمتن ما كانت، بل أقوى وأمتن مما كانت في يوم من الأيام. ولم يكد يختم حديثه حتى ذكر تعديل الوزارة، وأشار إلى التغيير الممكن لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
ولم يكد يتقدم النهار حتى كان «رئيس الوزراء» قد وجد حظًا كافيًا من الشجاعة يمكنه من أن يصارح الناس بالحق، ويظهرهم على جلية الأمر، وليس في ذلك شيء من الغرابة. فـ«رئيس الوزراء» الآن مقيم في فرنسا، وهو يسمع الفرنسيين يرددون ألف مرة ومرة في اليوم مثلهم السائر الحكيم: إنما المشقة في الخطوة الأولى. وقد خطا «رئيس الوزراء» هذه الخطوة مع «الأهرام» فاستنفد الجهد الجاهد والمشقة العنيفة، وهان عليه الخطوة الثانية فخطاها مع كاتب «المقطم» في المساء، ولمح إلى استقالته تلميحًا، أو صرح باستقالته تصريحًا، فذكر أن شخص الوزير الذي ينهض بأعباء الحكم لا خطر له، وإنما الخطر كل الخطر لسياسته ونظامه؛ لأن الوزير قد تضطره ظروف كالمرض مثلًا إلى أن يترك منصب الحكم. فأما السياسة فهي الشيء ذو الخطر. ثم أكد «رئيس الوزراء» أن سياسته باقية لأنها تعتمد على ثقة البرلمان. ومعنى ذلك أن شخص «رئيس الوزراء» كشخص «السير برسي لورين»، لم يبق لهما غناء في السياسة المصرية، وأن سياستهما فيما يقول «رئيس الوزراء»، وفيما يقول بعض الإنجليز والمصريين، باقية لم تتغير ولن تتغير.
فلنسجل قبل كل شيء أن المندوب السامي قد نقل بالفعل، وأن «رئيس الوزراء» نفسه ينبئنا عن نفسه بأنه سيستقيل إن لم يكن قد استقال بالفعل. وإذن فالشخصان اللذان أقاما سياسة هذا العهد السعيد قد أكرهتهما ظروف لا يعنينا الآن أن نحددها على أن يدعا هذه السياسة للأقدار.
ونظن أن هذه خطوة لها قيمتها في وضوح الموقف السياسي المصري، وفي جلاء هذه الأزمة السياسية التي أظلت مصر منذ أكثر من ثلاث سنين. فمهما يقسم أنصار هذا العهد السعيد من الإنجليز والمصريين على أن هذه السياسة باقية لن تتغير، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن هذه السياسة قد فقدت دعامتها القوية وقوامها الصحيح حين فقدت «رئيس الوزراء»، وحين فقدت المندوب السامي القديم.
ومهما يقسم أنصار العهد السعيد على أن الإنجليز لن يغيروا سياستهم، وعلى أن هذه السياسة لن ينالها التعديل من أي ناحية من نواحيها، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن الأيام نفسها قد عدلت هذه السياسة تعديلًا ذا خطر حين أقصت عنها دولة «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
فليست السياسة شيئًا مستقلًا يستطيع أن ينشئ نفسه، وإنما هي عمل من أعمال الناس، ينشئها الناس ويصرفونها ويمدونها بأمزجتهم وبما في طبائعهم من قوة أو ضعف، ومن ميل إلى الخير أو الشر، ومن حب للاستقامة أو الاعوجاج. والله وحده قادر على أن يمنح سياسة هذا العهد السعيد رجلين لهما مزاج «رئيس الوزراء» والمندوب السامي وطبيعتهما وفطرتهما، لا يخالفانها في ذلك قليلًا ولا كثيرًا. وإذن فمهما يكن خليفة «رئيس الوزراء»، ومهما يكن خليفة المندوب السامي، فسيكون لهما أثر في السياسة مخالف قليلًا أو كثيرًا لأثر الرئيس المستقيل والمندوب المنقول.
ذلك ونحن واثقون كل الثقة بأن «السير برسي لورين» لم ينقل لأن وزارة الخارجية البريطانية تحب العبث أو تميل إلى التفكه بتبديل المندوبين الساميين، وإنما نقل لأن وزارة الخارجية كانت تريده لعمل عجز عن إتمامه أو فشل فيه، فلم تره قادرًا على النهوض بهذا العمل؛ فأرسلته إلى حيث يستطيع أن يغني أو يفيد. ونحن واثقون بأن المرض ليس وحده هو الذي يدعو «رئيس الوزراء» إلى أن يستقيل أو يفكر في الاستقالة، فقد مرض «رئيس الوزراء» منذ أشهر طوال، واشتد عليه المرض حتى أعجزه عن كل عمل وعن كل تفكير. وكان الحق عليه لنفسه ولوطنه أن يستقيل منذ أحس العجز عن احتمال منصبه، ولكنه لم يستقل ولم يظهر تفكير في الاستقالة، وإنما استشفى واستشفى. وأكبر الظن أنه كان يفكر أثناء هذا الاستشفاء في الاحتفاظ بالصحة. ويقال إن الله قد رد إلى «رئيس الوزراء» صحته، ومنّ عليه بحظ من الشفاء لا بأس به، فكان المعقول أن يبقى حيث هو، وأن يشتد حرصه على منصبه، ولكنه ينبئنا أول النهار بأن وزارته قد تعدل، وينبئنا آخر النهار بأن وزارته قد تستقيل. وتستفيض أحاديث الناس بأن وزارته مستقيلة بالفعل.
فليكن منطقنا معوجًا، وليكن تفكيرنا ملتويًا، وليقل أنصار الوزارة ما يريدون أن يقولوا في منطقنا وتفكيرنا، فإننا لا نستطيع أن نؤمن بأن ليست هناك صلة بين نقل المندوب السامي واستقالة «رئيس الوزراء» أو تفكيره في الاستقالة وتهيئه لها. ثم لا نستطيع أن نؤمن بأن ابتعاد هذين الرجلين معًا عن السياسة المصرية دليل قوي أو ضعيف على أن السياسة المصرية ستبقى كما هي بعد ابتعادهما عنها، لا يصيبها تغيير ولا تبديل. هذا كلام يقال للأطفال وضعاف الناس، فأما الذين يعقلون فلا يستطيعون أن يصدقوه، ولا أن يطمئنوا إليه.
وإذن فقد أخذ الجو السياسي في مصر ينجلي، وأخذت السياسة المصرية تسلك سبيلها إلى التغيير، وبدأت أحاديث الناس تتناول هذا التغيير بالتحليل والتأويل؛ أولئك يشفقون وهؤلاء يطمعون، أولئك تلعب الأماني بقلوبهم، وهؤلاء يفرق اليأس في نفوسهم. وأخذت الألسنة تصيب حظوظًا من الفصاحة لا تشبهها إلا فصاحة أولئك القواد الذين يدبرون خطط الحرب في الأندية والقهوات، وأمام أكواب الشراب وموائد النرد والشطرنج. وأخذت «الأهرام» تذكر الفروض وأحاديث النفوس الآملة واليائسة، فقوم يذكرون معاهدة قد تم مشروعها، ويراد إمضاؤها قبل أن يتفرق الصديقان العزيزان: «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وقوم يذكرون الوزارة القومية التي تجري الانتخابات حول المعاهدة بين المصريين والإنجليز، وقوم يذكرون هذا وذاك، وقوم يلمحون بأن الحكم وسيلة لا غاية، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي تحدثت به «الأهرام» إلى الناس صباح اليوم.
ولكن الشيء الوحيد الذي لم تتحدث به «الأهرام»، والذي لم تروه لقرائها، هو أن كل هذه الفروض، وكل هذه الأحاديث لا قيمة لها، لا لأن سر الإنجليز لم يظهر بعد، ولا لأن سر المشرفين على السياسة في مصر لم يظهر بعد، بل لأن رأي الشعب المصري قد ظهر واضحًا جليًا، لا لبس فيه ولا غموض، منذ بدأ «صدقي باشا» و«السير برسي لورين» هذا العهد السعيد، بل قبل أن يبدآه بزمن طويل. وكان هذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري دائمًا هو السبب الأول لإخفاق «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وسيكون هذا الرأي دائمًا هو السبب لإخفاق كل سياسة تذهب مذهب هذه السياسة، وإخفاق كل وزير يذهب في السياسة مذهب «السير برسي لورين».
وهذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري واضحًا جليًا، وسيظهر واضحًا جليًا مهما تكن الظروف، هو أن مصر لا يمكن أن يقضي في أمورها أحد غيرها، ولا بلد غيرها، وإنما ينبغي أن تقضي هي في أمرها، وأن تقضي في أمرها كما تريد، لا كما يراد لها. فقد مضى الزمن الذي كانت تساس فيه الشعوب المتحضرة كما يساس الأطفال، فتؤخذ مرة باللين وأخرى بالشدة، وحينًا بالمكر وحينًا بالصراحة. مضى هذا الزمن، ولم يبق أمل في أن يعود، فالذين يريدون أن يفاوضوا مصر أو يعاهدوها خليقون أن يردوا قبل كل شيء إلى مصر حريتها الخالصة في تدبير أمورها، لتفاوض مختارة حرة، وتعاهد مختارة حرة، محتملة لتبعة المفاوضة والمعاهدة في صراحة ونصح وإخلاص.
فأما أن تجري المفاوضات سرًا، ومن وراء حجاب، ثم تختلس المعاهدة اختلاسًا، وأما أن يجعل قبول المعاهدة شرطًا لوصول مصر إلى حريتها واستقلال مصر بأمورها، فذلك شيء لن تقبله مصر، ولن ترضاه، ولن يظفر الذين يحاولونه من النجاح إلا بمثل ما ظفر به «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
لقد انجلى الموقف السياسي الآن، وظهر أن سياسة هذا العهد السعيد قد أخفقت إخفاقًا شنيعًا، وأن لا بد من العدول عنها. ومصر باسمة لهذا الإخفاق، منتظرة في ثقة لما سينكشف عنه الغد، معلنة دائمًا في حزم وقوة، وفي عزة وإباء، أن كل سياسة لا تقوم على احترام حريتها ورد حقوقها إليها قبل كل شيء صائرة إلى الفشل، منتهية إلى الإخفاق.
فليتدبر ذلك الذين تتوق نفوسهم إلى الحكم ويتهيأون للوثوب إلى مناصبه، وليتدبره الآن من غير شك هؤلاء الذين تحزن نفوسهم على الحكم ويتهيأون للنزول عن مناصبه.
[1] كوكب الشرق في ٣٠-٨-١٩٣٣. -
دائرة
دائرة حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣ -
كلام
كلام. [1] لن تتغير السياسة الإنجليزية في مصر برغم هذا النقل الذي فوجئ به المندوب السامي القديم على غير انتظار، أو الذي طُبخ له طبخًا، وأنضج له إنضاجًا، لا منذ أسابيع، بل منذ شهور. لن يكون لهذا النقل أثر في تغيير السياسة المصرية الإنجليزية. على ذلك أجمعت الصحف الإنجليزية إجماعًا مريبًا، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه إجماع مقصود، متكلف، قد صدر الوحي به والدعوة إليه.
وسواء أصدق هذا الإجماع أم لم يصدق، فإن في حديث بعض الصحف الإنجليزية ما يدل على أنه إجماع مزيف، ليس أقل تزييفًا من الحياد الذي أعلنه الإنجليز، وكرروا أنهم سيلزمونه ولا يعدونه. فهذه «الديلي تلغراف» — وما أكثر أعاجيب «الديلي تلغراف» في هذه الأيام الأخيرة — تتحدث أمس عن عودة السير برسي لورين ليقيم في مصر أسابيع قبل أن يذهب إلى أنقرة، فتزعم أن إقامته القصيرة في القاهرة ستكون عظيمة النفع إذ غُيِّرت الوزارة المصرية، لأن تغييرها أمر لا بد منه بسبب هذه العلة المقيمة التي لن تسمح لرئيس الوزراء بأن يمضي في تصريف الأمور. فقد نحب أن نعلم فيم تدخل المندوب السامي الجديد في شئون الوزارة المصرية ما دام الإنجليز قد أعلنوا حيادهم، وما داموا مصممين على لزوم هذا الحياد، مصرين على ألا يعنوا من شئون مصر إلا بما يتصل بالتحفظات المعروفة. وحتى كان مرض «صدقي باشا» واضطراره إلى الاستقالة، واضطرار مصر إلى أن تختار مكانه رئيسًا آخر للوزارة، متى كان هذا كله أو بعضه من التحفظات التي قصر الإنجليز عنايتهم عليها منذ أعلنوا حيادهم البديع؟
إن الذي يعلمه الناس جميعًا، ويسرف في تأكيده أنصار الوزارة، ونتمنى نحن مخلصين أن يتحقق، هو أن إقالة الوزراء وتعيينهم وإبقاءهم في مناصبهم ليس من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها. ولكن الصحف الإنجليزية لا ترى هذا الرأي لأن الإنجليز لا يرون هذا الرأي، أو هم يرونه في الجهر ويأبونه في السر، فيعلنون إلى الناس أنهم على الحياد، ويأبون في الوقت نفسه إلا أن يدخلوا، أو يشرفوا على الأقل من قريب على شئون مصر حين يعتل وزير فيستقيل، وتختار مصر مكانه وزيرًا آخر.
إجماع [2] الإنجليز إذن على أن تغيير المندوب السامي لن يستتبع تغييرًا في السياسة الإنجليزية، كلام لا يدل على شيء كإجماع الإنجليز منذ أعوام على أنهم قد نفضوا أيديهم من شئون مصر الداخلية، ووقفوا منها موقف الحياد. وأظرف من هذا الكلام الذي لا يدل على شيء كلام آخر لـ «الديلي تلغراف» نفسها في هذا الفصل نفسه. فقد زعم مكتب هذه الصحيفة أن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي دليل واضح على أن الحكومة البريطانية لا تريد تغيير سياستها، وعلى أن المفاوضة ستظل مرجأة مؤجلة، ولكنه دليل واضح كذلك على أن الحكومة البريطانية ستحتفظ بهذا الموقف الحازم المعتدل المشوب بالعطف الذي لا يسمح للخارجين على النظام بالقيام في سبيل التقدم المطرد المنظم يعترضون تقدم مصر.
والذين حالت إنجلترا وستحول بينهم وبين إفساد النظام وتأخير الرقي المصري المطرد هم الأمة المصرية، لا أقل ولا أكثر. هم هذه الأمة التي قاومتها إنجلترا ومندوبها السامي مرة ومرة، حتى إذا خُيِّل إلى إنجلترا ومندوبها السامي أن هذه المقاومة قد أَلانت من قناتها، وفلت من حدها، تقدمت إليها إنجلترا وتقدم إليها المندوب السامي بغصن الزيتون وراية السلم يبتغيان خداعها عن حقها، فإذا لم يظفرا عادا إلى المقاومة العنيفة وقتًا يقصر أو يطول، وما يزالان كذلك حتى تقوم أوضح الأدلة — إن لم تكن قد قامت الآن — على أنهما يبغيان أمرًا لا سبيل إليه.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم إنجلترا هم الأمة التي قاومتها بـ «اللنبي» حتى إذ أعيتها المقاومة سالمتها بـ «جورج لويد»، حتى إذا أيأستها المسالمة ولم تحقق لها ما كانت تريد، قاومتها بـ «جورج لويد» نفسه، حتى إذا لم تظفر من المقاومة بشيء عزلت «جورج لويد» وأرسلت «برسي لورين» يحمل العافية والسلم، ويتقدم بالصلح والمودة، وهمت أن تستفيد من هذا كله، فلما عرفت أن السلم لا يخدع مصر كما أن الحرب لا تخيفها حوَّلت «برسي لورين» من سلم إلى حرب، ومن لين إلى عنف، وأقامته على حرب هذه الأمة ثلاثة أعوام كاملة، ثم استيأست من الحرب أو ملتها، وأشفقت من عواقبها، فهي تريد الآن أن تعود إلى طريق المسالمة لتسلكها من جديد.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم الحكومة الإنجليزية ولا تريد أن تشجعهم على إفساد النظام وتأخير الرقي هم الذين نهضوا بالحكم مرة ومرة، فلم يفسد في أيامهم نظام، ولم يتأخر في أيامهم رقي، ولم يذق الناس في أيامهم جوعًا ولا حرمانًا، ولم تُخَضَّب أرض مصر في أيامهم بدم المصريين، ولم يعتدِ بعض الناس في أيامهم على بعض كما يعتدون الآن، ولم يُصرَع الناس في أيامهم جهرة على الطريق العام، ولم تفسد أداة الحكم في أيامهم كما فسدت الآن، ولم تصبح مرافق البلاد ومصالحها كما هي الآن مظاهر ليس وراءها شيء، وصورًا ليس وراءها حقيقة، وفنونًا للإعلان ونشر الدعوة.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين [3] يقاومهم الإنجليز لأنهم يؤخرون الرقي المصري المطرد لم يفسدوا نظامًا، وإنما أصلحوه، ولم يؤخروا رقيًّا، وإنما قدموه، لكنهم على ذلك، أو قل لذلك، ملومون مبغضون، لأن إنجلترا — فيما يظهر — لا تريد لمصر نظامًا صحيحًا، ولا رقيًّا صحيحًا. وإنما تريد هذا النظام الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يبسط يدها ويد الأجانب على كل شيء في الجهر حينًا، وفي السر أحيانًا. وتريد هذا الرقي الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يجعل استقلال مصر ألفاظًا لا معاني لها، ويمسك مصر في نوع من القصور تشتد معه حاجتها إلى الموظفين من الإنجليز والأجانب، ويضطر مصر إلى إحدى اثنتين: فإما أن تريد الإصلاح فتلجأ إليهم وإلى الأجانب، وإما أن تستقل بأمورها فتفسدها وتفتح لهم باب التدخل والاحتجاج. وهؤلاء الخارجون على النظام ملومون مذنبون مسرفون في الإثم، لأنهم لم يقروا خزان جبل الأولياء، ولم يقطعوا على أنفسهم عهدًا بتغذية الحكم الإنجليزي في السودان على حساب مصر، ولم يأخذوا في التمهيد لخزان تانا، ولم يصانعوا الشركات الإنجليزية والأجنبية، ولم ييسروا لها السبل، ولم يفتحوا عليها أبواب الأمل، وهم لهذا كله خارجون على النظام، وهم لهذا كله مؤخرون للرقي.
على أن الأمر لا يعدو — كما قلنا — أن يكون كلامًا لا يدل على شيء، فإن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي لا يدل بحال من الأحوال على أن الإنجليز يميلون إلى تأجيل المفاوضة أو إرجائها، فهم قد اختاروا السير برسي لورين من رجال السلك السياسي، لا ليؤخروا المفاوضة، بل ليعجلوها، ولا ليرجئوا المعاهدة، بل ليسبقوا إليها. فلما أعياهم ذلك وآثروا مقاومة الشعب على إرضائه، وعلموا أنهم لن يظفروا بمفاوضة منتجة، ولا بمعاهدة مستقرة ما داموا يغاضبون الشعب ويؤيدون حكمه على غير ما يهوى، أجلوا المفاوضة كارهين، وأرجؤوا المعاهدة راغمين. فاختيار المندوب السامي بين رجال السلك السياسي أو بين غيرهم من الناس لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئًا. إنما هو كلام يقوله مكتب «الديلي تلغراف» السياسي، لأنه يريد أن يقول شيئًا مهما يكن، لا لأنه يريد أن يصور الحق كما ينبغي أن يكون.
ولم يمضِ أسبوع واحد على هذا الفصل البديع الذي أكدت فيه هذه الصحيفة نفسها أن السير برسي لورين مقيم في مصر، غير مصروف عنها ولا منقول منها، ولم يكد الناس يبدءون في قراءة هذا الفصل حتى أذاعت فيهم وزارة الخارجية أن السير برسي لورين قد نُقل من مصر.
فخليق بالمصريين ألا يحفلوا بما تكتبه «الديلي تلغراف» [4] أو غيرها من الصحف الإنجليزية أكثر مما ينبغي، فقد ظهر أن العبث والاستهانة بالحق، والميل إلى تلهية القراء، قد أصابت كل شيء، حتى الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت فيما مضى من الزمان أشد إيثارًا للجد، واحتياطًا في القول، ووزنًا لما تذيع من الأنباء وما تعلق به عليه من التفسير، فأصبحت الآن كغيرها من الصحف تثبت اليوم وتنفي غدًا، وتؤكد اليوم وتشك غدًا. وإذ لم يكن بد من أن يصور المصريون لأنفسهم موقف الإنجليز منهم الآن، فلعل أصدق تصوير لهذا الموقف أن يقال إن الإنجليز حائرون، يعلمون حق العلم أنه لا أمل في توثيق الصلة بينهم وبين مصر إلا إذا لجؤوا إلى مصر نفسها. ويخاف فريقٌ منهم مصرَ هذه؛ لأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على الاتفاق الشريف. وتضطرب سياسة الإنجليز بين هذا العلم بالحق، وهذا الخوف من الحق، وهذا الإيثار بالمنافع العاجلة الضئيلة. ولولا ذلك لما علّقوا مندوبهم أشهرًا ثم نقلوه، ثم كلفوه العودة إلى مصر ليقيم فيها أسابيع.
كل هذا دليل على حيرة في لندن، تشبهها حيرة أصدقاء الإنجليز في مصر. فأما الذين لا يعرفون الحيرة ولا يخافونها ولا يشفقون من الاضطراب ولا من التخبط، وإنما يثبتون في موقفهم أو يمضون أمامهم في طريق مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، فهم هؤلاء الخارجون على النظام، الذين يقاومهم الإنجليز، ولا بد من أن يعودوا إليهم سواء أرضوا ذلك أم كانوا له كارهين.
[1] كوكب الشرق في ٢٢-٨-١٩٣٣. [2] ظلت سياسة الإنجليز في مصر مدة سنة تقريبًا لم تتغير ولم يبدُ أنها ستتغير. فاستقالة إسماعيل صدقي باشا كانت لخلاف بينه وبين الملك فؤاد حول تدخل القصر في توجيه الوزارة عن طريق ناظر الخاصة الملكية زكي الإبراشي باشا. فوزارة عبد الفتاح يحيى باشا امتداد للنظام الصدقي، فقد ظل مجلسا البرلمان قائمين، وظل دستور سنة ١٩٣٠ معمولًا به. [3] المراد حكومة الوفد. [4] كانت «الديلي تلغراف» تُعَدّ لسان حال حزب المحافظين في ذلك الوقت. -
عظيم
عظيم
كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار.
وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث.
وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا.
أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية.
وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا.
ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا.
وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ.
ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا.
وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم.
إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام.
فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام.
وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان.
ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال. -
استفهام
استفهام
يظهر أن شخص المندوب السامي السير برسي لورين قد خاصم الوضوح والجلاء، وأحكم الصلة بينه وبين الغموض والإبهام، وأبى له، أو أبت عليه الظروف إلا أن يُحاط دائمًا بطائفة من علامات الاستفهام. أيعود أم لا يعود؟ أينقل أم يعزل؟ أيتم نقله أم لا يتم؟ أيذهب من لندرة إلى أنقرة رأسًا أم يعرج في طريقه على مصر؟ أيقيم في مصر فيطيل الإقامة أم يمر بها مرًّا سريعًا؟ أيعنى بالسياسة المصرية مرة أخرى بعد أن أخفق في هذه السياسة إخفاقًا لم يُكتب لأحد من الذين سبقوه، أم يصرف عن هذه السياسة صرفًا ويكتفي حين يصل إلى مصر بحزم أمتعته وضم جراميزه – كما كان يقول القدماء – ثم الرحيل عن وادي النيل إلى حيث ينهض بأعباء منصبه الجديد؟
كل هذه أسئلة أحاطت بالسير برسي لورين كما تحيط الهالة بالقمر، لا نقول منذ أسابيع، ولا منذ أشهر، ولا منذ عام، بل منذ عهد بعيد. ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى ليست أقل من هذه الأسئلة طرافة وإثارة للعجب والابتسام.
فلم تكد تقطع المفاوضات بين الوفد المصري والإنجليز، ولم يكد يعود السير برسي لورين إلى القاهرة حتى أحاطت به وبسياسته طائفة من الأسئلة لم يستطع هو أن يحلها، وإنما حلها له رئيس الوزراء. أَصادقٌ هو فيما كان يظهر من حب للمصريين وعطف على آمالهم وأمانيهم، وتأييد للحكم الديمقراطي الصحيح فيهم؟ أم ماكر هو بالمصريين وأمانيهم وآمالهم؟ أمخلص هو فيما أعلن بعد ذلك من التزام الحيدة واحترام الاستقلال المصري؟ أم لاعب هو بالحيدة والاستقلال؟ أجاد هو فيما كان يظهر من الحرص على استقرار النظام في مصر أم هازل هو بمصر وبما كان يريد من استقرار النظام فيها؟
ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى حين وصل إلى مصر ليتلقى فيها أزمة منصبه الجديد، فقد كان رأي وزارة الخارجية البريطانية معروفًا، أعلنه وكيلها المستر دالتون حين أكد أن الإنجليز لا يمضون المعاهدة إلا مع وزارة تمثل برلمانًا ينتخب انتخابًا حرًّا مباشرًا، ولكن السير برسي لورين أثيرت حول شخصه ورأيه طائفة من الإشاعات والأقوال الغريبة ظهرت بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة ولا ملائمة للحق، ولكنها لم تخلق نفسها ولم تثر من غير مثير، فكان الناس يتحدثون بأنه كان حريصًا على الوزارة القائمة حينئذ، وكان الناس يتحدثون بأنه كان زاهدًا في تلك الوزارة، وكان الناس يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في عنف، وكانوا يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في لباقة وظرف يلائمان أدب الرجل النبيل الذي اشتهرت عنه صفات الجنتلمان.
فأنت ترى أن شخص المندوب السامي السابق لا يحب الوضوح ولا الجلاء، ولا الجو المستقر، وإنما يحب أن يثور حوله دائمًا غبار مريب فيه ما يرضي وفيه ما يسخط، وفيه ما يغري بالاطمئنان وفيه ما يدعو إلى الحذر.
ولسنا ندري أيشعر المندوب السامي السابق بهذا كله ويحبّه ويتعمده، أم هو القضاء المحتوم والقدر المكتوب أبى على السير برسي لورين إلا أن يعيش في هذا الجو الغريب الذي لم يعش فيه مندوب سام قبله في مصر. ولسنا ندري أكان هذا الجو المريب مقدورًا عليه أو مسخرًا له في جميع المناصب السياسية التي تولاها، أم كان مستورًا له وراء حجب الغيب حتى إذا مست قدمه أرض مصر انشق الحجاب عن هذا السحاب فأحاط به ولم يفارقه إلى الآن، ولكن الشيء المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن حجاب الريب هذا لم ينفع السير برسي لورين ولم يعصمه من النقل والإخفاق. فقد كان يظن نفسه ماهرًا ماكرًا، وكان يخيل إلى نفسه أنه سيعبث بالمصريين حين يظهر لهم ما أظهر من الصداقة، فلم يعبث إلا بنفسه، ولم ينل من المصريين شيئًا. وكان يظن أنه سيقهر المصريين ويذلهم ويأخذ منهم بالكره ما لم يستطع أن يأخذ منهم بالرضى، على أن يظهر لهم دائمًا أنه محايد مخلص في التزام الحياد. فأغرى المحن والفتن، وسلط الأحداث والخطوب، وأشرف من قصر الدوبارة ينظر إلى آثار سياسته الماكرة تعبث بمصر والمصريين فتفسد شؤونهم ومرافقهم وتحاول أن تفسد عقولهم، وأن تزلزل يقينهم، وأن تُفِلَّ من عزائمهم، وتصدهم عن حقهم. تأخذ بعضهم باللين والإغراء، وتأخذ بعضهم الآخر بالعنف والشدة، حتى شُريت الضمائر، وسُفكت الدماء في غير موضع من أرض مصر.
والسير برسي لورين مشرف من قصر الدوبارة، متحصِّن بحياده، يسمع ويرى، ويرضى ويقر، ولكنه بعد عام وعام وعام نظر فإذا ما بُذل في عهده من إغراء، وما سُفك في عهده من دماء، وما أُنفق من جهد، وما أُضيع من وقت، وما تكلف هو من حياد، وما تكلف غيره من جهاد، كل ذلك لم يصنع شيئًا، ولم يغير من موقف مصر قليلًا ولا كثيرًا. وإذا دهاء برسي لورين كعجرفة جورج لويد لا يغني عن الحق شيئًا، ولا يبلغ من المصريين بعض ما يريد الإنجليز أن يبلغوه، وإذا الوزارة الإنجليزية وعلى رأسها مكدونالد تنقل برسي لورين معترفة بالإخفاق، مشفقة من آثاره المنكرة. ولابد للوزارة الإنجليزية القائمة، بعد أن أعلنت اعترافها بإخفاق السير برسي لورين، واختارت من يخلفه، من أن تغير السياسة التي سار عليها السير برسي لورين كما فعلت الوزارة الإنجليزية التي اعترفت بإخفاق جورج لويد فعزلته ومحت سياسته محوًا.
هذا شيء واضح لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا، ولكن قومًا يشكون فيه ويجادلون، لأن الصحف الإنجليزية فيما يقولون مجمعة على أن تغيير المندوب السامي لا يستلزم تغيير السياسة الإنجليزية. وقد قيل لهؤلاء المجادلين غير مرة إن تغيير السياسة البريطانية في مصر شيء، وتغيير سياسة المندوب السامي شيء آخر. فمن المحقق أن الإنجليز لن يلغوا تصريح ٢٨ فبراير، ولن يعدلوا عن فكرة المفاوضة التي تنتهي إن تمت إلى معاهدة، ولن يضموا مصر إلى مستعمرات التاج، ولن يعلنوا انسحابهم من مصر بغير شرط ولا قيد. لن يفعلوا شيئًا من هذا لأنهم غيروا مندوبهم السامي، فهذه سياسة مرسومة محتومة، لا يستطيع الإنجليز أن يخرجوا منها إلا إذا أرادوا أن يُحدثوا في الحياة الدولية حدثًا عظيمًا. وقد غيروا اللنبي الذي أسس هذه السياسة ولكنهم لم يغيروا سياسته، وغيروا جورج لويد الذي سلك بهذه السياسة مسلك العنف ولكنهم احتفظوا بهذه السياسة، ثم هم الآن يغيرون السير برسي لورين الذي سلك بهذه السياسة مسلك الدهاء والمكر، ولكنهم لا يغيرون هذه السياسة.
فالموقف الدولي للإنجليز في مصر لن يغيره نقل مندوب وتعيين مندوب، وإنما يغيره أحد أمرين: ثورة من المصريين أو من الإنجليز تنقض هذا الموقف نقضًا، أو معاهدة بين المصريين والإنجليز تحقق ما يطمح إليه الفريقان من الاتفاق. ولكن من وراء هذا الموقف الدولي سياسة أخرى هي سيرة المندوب السامي مع الحكومة المصرية، والشعب المصري، في تفصيل الحياة اليومية المصرية، وفي تفصيل الصلات اليومية بين المصريين والإنجليز. هذه السياسة الخاصة، هذه السياسة المحلية – إن صح هذا التعبير – لا بد من أن تتغير إذا تغير المندوب السامي، لأنها رهينة بشيئين كلاهما يستلزم هذا التغيير: أحدهما هذا الإخفاق المنكر الذي دُفع إليه السير برسي لورين دفعًا، والذي لا بد من إصلاحه وتدارك آثاره. والآخر مزاج المندوب السامي الجديد الذي ينهض بأعباء هذا المنصب في مصر، فإن هذه السياسة اليومية مهما تكن متأثرة تأثراً شديداً بالسياسة العامة، لا تستطيع أن تبرأ من تأثير المزاج الشخصي للذين يديرونها ويسيطرون عليها في مصر.
فقل ما شئت في احتفاظ الإنجليز بسياستهم العامة نحو مصر، وقل ما شئت في حرص الإنجليز على ما أعلنوا من حياد، فهذا كله لن يدل على شيء، فقد احتفظ الإنجليز بسياستهم العامة، ولكن سيرة مندوبيهم تغيرت وتغيرت منذ أعلن الاستقلال. وقد أظهر الإنجليز دائمًا منذ أعلن الاستقلال أنهم على الحياد فيما يمس الشئون المصرية الخاصة. وهل كان تصريح ٢٨ فبراير إلا إعلانًا للحياد؟ وما داموا لم يلغوا هذا التصريح، فهم لم يلغوا هذا الحياد الذي أعلنوه، ولكنه حياد يعرفه الناس جميعًا: حياد على الورق، يقال ويُنادَى به، ثم لا يمنع من تدخل الإنجليز في الشئون المصرية كلما احتاجوا إلى هذا التدخل، وكلما أرادوه.
ستتغير إذن سياسة المندوب السامي في مصر من غير شك، ولكن ما هذه الأنباء التي تلح في أن السير برسي لورين – رغم نقله وتعيين من يخلفه – سيعود إلى مصر ليتم مدته أو ليتم مهمته، على اختلاف الصحف في ذلك؟ إنما هي أنباء تصور حياة السير برسي لورين كما أريد أن تكون في مصر حياة غموض وإبهام وسؤال واستفهام.
وأكبر الظن أن هذا الغموض سيحيط بشخص السير برسي لورين، وأن هذه الأسئلة ستلازمه حتى يذهب إلى أنقرة، ويقدم أوراق اعتماده، وينهض بأعباء منصبه الجديد. يومئذ تقطع الأسباب، لا نقول بين شخصه وبين مصر فقد قُطعت هذه الأسباب بالفعل، بل نقول بين أوهامه وأوهام أنصاره وبين مصر. فقد يظهر أن هذه الأوهام لا تزال متصلة، وستظل متصلة حتى يقطعها ذهاب السير برسي لورين إلى أنقرة أو مجيء السير لمبسون إلى القاهرة.
وهب المندوب السامي عاد إلى القاهرة، فما عسى أن يفعل فيها؟ وما عسى أن تكون هذه المهمة التي يريد أو يراد له أن يتمها؟ وما عسى أن تكون هذه المدة التي يريد أو يراد له أن يختمها؟ أتراه قد يعود ليهيئ لخليفته جوًا صالحًا فينقض بيده هذا الفساد المطبق الذي عقده بيده في هذه الأعوام؟ أم تراه سيعود – ليمضي فيما يقول أنصار الوزارة على استحياء، وفي همس لا يكاد يسمعه أحد – هذه المعاهدة التي كان يحلم هو ويحلم رئيس الوزراء بإمضائها؟ أم تراه قد يعود لأن مصر مقبلة في هذه الأيام على أحداث جسام، فلا بد من أن يكون التمثيل الإنجليزي فيها قويًا حتى يأتي المندوب السامي الجديد آخر هذا العام؟
كل ذلك ممكن أن يكون، وكل ذلك ممكن ألا يكون. وكل ذلك يدل على شيء واحد، وهو أن شخص السير برسي لورين لا يستطيع أن يعيش في مصر أو قريبًا من مصر دون أن تحيط به الأسئلة ويكثر حوله الاستفهام.
ومهما يكن من شيء فإن المصريين لن يحفلوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما لم يحفلوا بإقامته بينهم أعوامًا. كما أن المصريين لن يُخدعوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما أنهم لم يُخدعوا بإقامته بينهم أعوامًا. عرف المصريون كيف يثبتون لمكره ودهائه، وكيف يصبرون لما سُلِّط عليهم من المحن والخطوب، وسيعرف المصريون كيف يثبتون له إن عاد إليهم، وكيف يدفعون عن حقهم ويذودون عن كرامتهم واستقلالهم وثباتهم على مبادئهم إن كان في عودته القصيرة شيء قليل أو كثير مما يعرض حقوق المصريين للخطر. فليقم السير برسي لورين في لندن، أو ليذهب إلى أنقرة، أو ليأتِ إلى القاهرة، فكل ذلك لن يغير من الحقيقة الواقعة شيئًا، وهي أن سياسته قد أخفقت، ولا بد للإنجليز من أن يعدلوا عنها إلى سياسة أخرى.
[1] كوكب الشرق في ٢١-٨-١٩٣٣. -
بدعة
بدعة
أرأيت إلى هذه البدعة المنكرة التي أخذ يدعو إليها المجددون منذ أمس في طائفة من صحف المساء والصباح؟ ألم تضق بها؟ ألم تتنكر لها؟ ألم تستعد السلطة على الذين يبدعونها ويسرفون في الدعوة إليها؟ إنهم يريدون مصر أن تعدل عن سنتها، وتخرج عن طبيعتها، وتقلد بلاد الغرب، وتسير هذه السيرة الحقيرة التي تضطر أصحابها إلى التواضع والاقتصاد، وإلى أن يقيسوا آمالهم وأعمالهم بحاجاتهم وطاقاتهم، لا بما يصور الخيال ولا بما تمليه الأحلام.
هؤلاء المبتدعون خليقون أن يحاسبوا حسابًا عسيرًا، وأن يعاقبوا عقابًا ثقيلًا، لأنهم يأبون على مصر الحديثة أن تسير سيرة مصر القديمة، ويريدون لمصر الشرقية أن تسير سيرة الأمم الغربية، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا.
ينكرون على مصر الحديثة أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة تمتاز بها من بلاد الأرض طولًا وعرضًا وارتفاعًا في السماء، وزينةً وزخرفًا وافتتانًا في البهاء، ويزعمون أن هذا إسراف في أموال الدولة، وأن هذا ظلم لأبناء الشعب، وأن هذا تجاوز للطاقة وتكلف لها لا نقدر عليه.
ويقولون إن مصر لم تبلغ من الرقي العلمي حظًا يلائم هذا الغلو في الترف، وهذا التهالك على الزينة والمفاخرة بها. وهم يعلمون حق العلم أن آباءنا الأقدمين الذين أقاموا الأهرام وما يشبه الأهرام من هذه العمارات الشاهقة والأبنية الشامخة لم يسألوا أنفسهم عما تتكلفه هذه الآثار الخالدة من النفقات والأموال: أقليل هو أم كثير؟ أثقيل هو أم خفيف؟ ولم يسألوا أنفسهم عن رأي الفلاحين فيما تحتاج إليه هذه الآثار من مال وجهد، أكانوا راضين به أم ساخطين عليه، ولم يسألوا أنفسهم عن ملاءمة هذه الآثار الخالدة لطاقة مصر وحاجتها، وإنما فكروا في شيء واحد، وعملوا لشيء واحد، وهو مجد مصر وعظمتها وتفوقها على سائر بلاد الأرض.
وقد وفقوا كل التوفيق. فحدثني عن بلد من بلاد الأرض يستطيع أن يفاخر مصر أو يثبت لها بما فيه من الأهرام والمعابد والآثار. وحدثني أليس من الحق أن المعاصرين لبناء الأهرام والمعابد قد شقوا ببنائها، واحتملوا في سبيله البؤس والجهد والضيق؟ ولكننا نحن نفاخر بها ونكاثر ونعجب بها ونتيه. فهم قد شقوا لنسعد، وهم قد ذلوا لنعز، فلم لا يكون حبنا لأبنائنا كحب آبائنا لنا؟ ولم لا نشقى نحن الآن ليسعد أبناؤنا بعد حين؟ ولم لا نبتئس نحن الآن ليتيه أبناؤنا بعد حين؟
لن نستفيد نحن من قاعة المحاضرات هذه إلا قليلًا، ولكن أبناءنا سيفاخرون بها ويكاثرون، وسيقولون عنا بألسنة ينطقها الحب والإعجاب والفخر: رحم الله هذا الجيل الذي أقام لنا هذا الأثر الخالد، فقد كان يتمثل دائمًا قول الشاعر القديم:
نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
أولئك بنو الأهرام، وهؤلاء بنو قاعة المحاضرات. وسيقول أبناؤنا عنا بألسنة ينطقها الحب والإشفاق والرحمة والرثاء: رحم الله هذا الجيل، لقد ذاق أبناؤه ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوى، ليبنوا لنا قاعة المحاضرات، كما ذاق المصريون القدماء ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوع، وعاشوا على الخبز والبصل ليبنوا لنا الأهرام.
كذلك أراد الله لمصر أن تشقى أجيالها الحاضرة لتسعد أجيالها المقبلة. وليس من شك في أن أجيالنا المقبلة التي ستسعد بقاعة المحاضرات سيتيح لها الله وزارة كوزارتنا القائمة، تدعوها إلى التضحية، وتأخذها بإقامة بناء أو أبنية لا تقل عظمة عن قاعة المحاضرات وعن الأهرام. فمصر مريضة بفن البناء، لأن مصر مريضة بمقاومة الزمان وما يحمل من أعراض الفناء، كما يقول صاحب «أهل الكهف».
وإذن فلتبنِ مصر ولتبنِ، ولتشْقَ مصر ولتشْقَ، فإن الله قد خلقها للشقاء والبناء معًا. ولتبسط الوزارة يدها على هؤلاء المبتدعين الذين يريدون أن يصرفوا مصر عما كتب الله لها من الشقاء والبناء، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. -
سؤال
سؤال
لا[1] يكاد يلقيه أحد على أحد، لأن جوابه مرسوم في القلوب، ماثل أمام العيون، يحسه الناس جميعًا، لا يختلفون فيه إلا أن يكونوا صحفيين تدفعهم الضرورات الصحفية إلى أن يكتبوا فصلًا من الفصول.
وهذا السؤال متصل بالمندوب السامي الذي أُقصي عن مصر منذ أيام: أنجح هذا المندوب في مهمته التي أقام لها في مصر أعوامًا؟ أم قضى الله عليه بالفشل والإخفاق؟ ألقِ هذا السؤال على من شئت من المصريين فيجيبك في غير تردد ولا اضطراب، إلا أن يكون صحفيًا تلزمه الضرورات أن يكتب فصلًا من الفصول، أو تضطره ظروفه السياسية الخاصة إلى أن يرى لنفسه رأيًا يؤمن به، وللناس رأيًا آخر يعيش منه. سيجيبك هذا المصري بأن المندوب السامي المنقول لم يظفر بقليل ولا كثير من النجاح.
فنجاح المندوب السامي في مصر يُنظر إليه فيما يظهر من وجهين اثنين لا ثالث لهما: أحدهما مصري، والآخر إنجليزي. فهو ينجح عند المصريين إذ استطاع أن يزيل ما بين مصر وإنجلترا من أسباب الخلاف والخصومة، أو يقرب ما بينهما من أمر هذا الخلاف وهذه الخصومة، فيقضي على ما يثور في نفوس المصريين من عواطف السخط على الإنجليز والتنكر لهم، وسوء الظن بهم، أو يخفف من هذه العواطف بما يثير في النفوس بسيرته من أن الإنجليز ليسوا من الاعتداء والطغيان بحيث كان الناس يظنون، وإنما هم أنصار العدل والداعون إليه، وحماة الإنصاف والحريصون عليه، وأصحاب السلم والصلات التي تقوم على المودة والاحترام، لا على القوة والبأس، ولا على البطش والعدوان.
هنالك قد لا يطمئن المصريون كل الاطمئنان إلى هذه الآمال، ولا يثقون بها كل الثقة، ولكنهم لا يجحدونها ولا يلحون في إنكارها والنفور منها. وهنالك تجري الأمور بين المصريين والإنجليز في طريق معتدلة مستقيمة خليقة أن تؤدي إلى الاتفاق الذي يعتمد على المودة والحب، وعلى التقدير والاحترام.
وهو ينجح عند الإنجليز بنفس هذه السيرة التي ينجح بها عند المصريين، لأنه يريحهم من بغض المصريين لهم، وسوء ظن المصريين بهم، ويمكنهم من أن يتموا ما أرادوا غير مرة من الانتهاء إلى الاتفاق الشريف بينهم وبين هذه البلاد.
وقد ينجح عند غلاة المستعمرين من الإنجليز إذ استطاع أن يقهر المصريين ويذلهم، ويمحو من أنفسهم عاطفة الكرامة والعزة، وينسيهم الاستقلال والسعي إليه، ويصرفهم إلى الطاعة المطلقة والخضوع في غير مقاومة ولا محاولة للمقاومة. هنالك يأمن الإنجليز أمر البلاد، ويحكمون المصريين بالقهر، لا بالحب، ولكنهم يأمنونه على كل حال. وأهم ما يحرص عليه الإنجليز إنما هو أن يأمنوا أمر المصريين ويستريحوا منهم، ويفرغوا لغيرهم من الشعوب. فسل من شئت من المصريين بعد ذلك: أي لون من ألوان النجاح وُفِّق إليه المندوب السامي القديم في مصر؟ أتراه قد قرّب الأمر بين المصريين والإنجليز، أو خفف ما بينهم من خلاف وخصومة، أو محا ما في النفوس من السخط والبغض، ومن الريبة وسوء الظن؟ أو جعل الإنجليزي إذا اتصل بالمصريين وتحدث إليهم يشعر شعورًا واضحًا قويًا بأنه يتحدث إلى قوم أصدقاء يحبونه ويكلفون به؟ أو يتصل بقوم لا يحبونه ولكنهم لا يبغضونه، لا يأمنون إليه ولكنهم لا يخافون منه، لا يثقون به ولكنهم لا يرتابون فيه؟
نظن أن الجواب على مثل هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير، فلم يبلغ سوء ظن المصريين بالإنجليز في يوم من الأيام ما بلغه الآن، لا نستثنى من ذلك إلا أيام الثورة حين كانت الدماء تُسفك والنفوس تُزهق بأيدي الإنجليز. وإذن فلم يستطع المندوب السامي أن يقرب بين المصريين وبين مواطنيه، وإنما استطاع أن يباعد بين مصر وإنجلترا، فيمعن في هذه المباعدة وينتهي بها إلى أقصاها. وهو من هذه الناحية لم ينجح عند المصريين، وهو من هذه الناحية لا يستطيع أن يقول إنه يشعر بأسف المصريين لفراقه، أو حزنهم على أن تنقطع بينه وبينهم الأسباب. ولعلمنا على العكس من ذلك يستطيع أن يلاحظ أن المصريين لم يقفوا من نقله موقف المحايد، وإنما وقفوا منه موقف من يرضى عن هذا النقل ويبتهج به، لأنهم يحملونه تبعات ما أصابهم من هذه الآلام الثقال التي ألحّت عليهم في هذه الأعوام الثلاثة.
وإذا كان المندوب السامي لم ينجح عند المصريين من هذه الناحية، فهو لم ينجح عند الإنجليز من هذه الناحية أيضًا. فالإنجليز لا يستطيعون أن يقولوا اليوم إنهم يشعرون بحب المصريين لهم أو ميل المصريين إليهم، ولعلهم لم يستطيعوا أن يروا نفور المصريين منهم واضحًا عنيفًا على هدوئه الظاهر كما يرونه الآن، لا نستثنى من ذلك أيضًا إلا أيام الثورة.
أخفق المندوب السامي إذن في التقريب بين مصر وإنجلترا، فلم يرضَ أصحاب هذا التقريب هنا، ولم يرضهم هناك. وهو كذلك قد أخفق عند المستعمرين الذين يغلون في بسط السلطان الإنجليزي، فهو لم يصل إلى شيء مما يحرص عليه هؤلاء الغلاة. لم يُخفِ المصريين من الإنجليز، وآية ذلك أن المصريين ما زالوا اليوم في موقفهم الذي كانوا فيه منذ أربعة أعوام، لم يتأخروا عنه قيد شعرة، وأكبر الظن أنهم تقدموا عنه كثيرًا. ولم يُخضع المصريين لسلطان الإنجليز، ولم يصرف المصريين عن الاستقلال ولا عن السعي إليه، ولم يقوِّ النفوذ المعنوي للإنجليز، ولم يُقنع أحدًا في الأرض بأن السلطان الإنجليزي قد تغلب على ما كان يعترضه من المصاعب في وادي النيل، حتى أصبح من اليسير بعد زمن طويل أو قصير أن تصبح مصر مستعمرة من مستعمرات التاج.
وإخفاق المندوب السامي عند المصريين، وإخفاقه عند أنصار الاتفاق وعند غلاة المستعمرين، هو الذي جعل نقله من مصر أمرًا محتومًا، وهو الذي اضطره إلى هذا الموقف الغريب الشاذ الذي لم يقفه مندوب سامٍ قبله، فألزمَه أن يسافر إلى إنجلترا في مارس ويبقى فيها معلقًا، لا هو بالثابت ولا هو بالمنقول، جزءًا من الشتاء وفصل الربيع كله وجزءًا غير قصير من الصيف، تختلف عليه عواطف الأمن والخوف، ويختلف عليه المرض والشفاء، وتختلف به الظنون وتُذاع حوله الأنباء المتناقضة: أَيَعود أم لا يعود؟ أَيُنقل أم يُعزل؟ والمصريون يرون هذا كله، ويردون هذا كله إلى مصدره الصحيح، وهو أن المندوب السامي قد أخفق، وأن مركزه في مصر قد أصبح مستحيلاً، وأن مركزه في إنجلترا نفسها قد أصبح سخيفًا، وأن الحكومة الإنجليزية لا تبرأ من الحيرة، لأنها لا تريد أن تُظهر رأيها في إخفاق مندوبها السامي فيطمع فيها المصريون، ولا أن ترده إلى عمله فيفسد عليها في مصر كل شيء.
وأنت تستطيع أن تثق بأن شيئًا من الأشياء لم يُسئ إلى موقف الإنجليز في مصر وهيبتهم في الشرق بمقدار ما أساء إليها تعليق المندوب السامي بين الأمل والرجاء من مارس إلى أغسطس. ثم لم يكن بدٌّ آخر الأمر من أن تتخذ الحكومة الإنجليزية قرارًا حاسمًا، فقد أخذ الصيف ينقضي، وأخذت الأنباء تصل إليها بأن مصر لم تشهد في يوم من الأيام منذ ألغيت الحماية عصرًا ضعفت فيه الوزارة، وضعفت فيه هيبة السلطان في نفوس الناس، وانتشر فيه الفساد في الحياة المادية والاجتماعية والخلقية والسياسية كهذا العصر.
لم يبقَ بدٌّ إذن من أن تعترف الحكومة الإنجليزية أمام الناس بما كانت تعترف به أمام نفسها منذ زمن بعيد، بأن مندوبها السامي في مصر قد أخفق، وأن عودته إلى مصر ليست شيئًا مرغوبًا فيه. وإلا فقد نحب أن نفهم فيمَ نُقل المندوب السامي إن كان قد نجح أو أصاب شيئًا من التوفيق؟ وما الذي يضطر الحكومة الإنجليزية إلى أن تقطع على مندوبها الموفق سبيل التوفيق إلى إرضاء المصريين إن كان قد وفق إلى إرضائهم؟ أو قهر المصريين إن كان قد وفق إلى هذا القهر والإذلال؟
زعموا أن المندوب السامي قد نجح، وهذا النجاح له صورتان مختلفتان: إحداهما يظهرها بعض الإنجليز، والأخرى يذيعها بعض المصريين. فأما الصورة الإنجليزية لهذا النجاح فهي هذه التي تراها في مقال لـ «الفايننشال تايمس» من أنه قد رفع مكانة المندوب السامي ومهابته في نفس الحكومة المصرية بعد أن كانت هذه المكانة وهذه المهابة قد تعرضتا من قبل لخطر شديد. ونحن لا نشك في أن مكانة المندوب السامي قد ارتفعت وغلت في الارتفاع، وامتازت وأسرفت في الامتياز في نفس الوزارة المصرية القائمة. وآية ذلك أن الإنجليز لم يريدوا من هذه الوزارة شيئًا إلا ظفروا به ووفقوا إليه.
ولكن المهم هو مكانة المندوب السامي ومكانة الوزارة، اللتان ارتفعتا في نفس هذه الوزارة، ولم ترتفعا في نفس الشعب المصري، وإنما تعرضتا لهذا الخطر الذي اضطر الإنجليز إلى أن ينقلوا مندوبهم، والذي سيضطر الوزارة المصرية التي كانت ترفعه وتميزه إلى أن تتخلى عن الحكم غدًا أو بعد غد، لأنها لم تبقَ قادرة عليه. ولعل من أهم الأسباب التي تضطرها في هذه الأيام المقابلة إلى الاستقالة أنها قد أسرفت في إكبار مكانة المندوب السامي والاستماع له حتى تجاوزت مصالح المصريين وعرضتها للفساد والاضطراب.
أما الصورة الأخرى التي يذيعها بعض المصريين، فهي أن المندوب السامي قد نجح في إحداث الفرقة في الكتلة الوطنية المصرية، وليست هذه الصورة أقل إثارة للابتسام من تلك. فلو أن المندوب السامي قد فرّق المصريين حقًا لما نقله الإنجليز، لأن التفريق الصحيح للمصريين هو الذي تكون فيه في مصر هيئة قوية حقًا، تستطيع أن تقف على قدميها، وأن تعتمد على نفسها، وأن تتقدم إلى الإنجليز لتنفذ لهم ما يريدون، مطمئنة إلى أن لها أنصارًا من المصريين أقوياء، يستطيعون أن يؤيدوها ويمكنوها من البقاء.
فنحب أن نعرف أين هذه الهيئة المؤتلفة التي تعتمد عليها الوزارة القائمة؟ وإذن فلم نُقل المندوب السامي؟ ألم يُنقل لأن اعتماده على هذه الهيئة لم يُغنِ شيئًا؟ أم هي هيئة أخرى همّت أن توجد وأن تأتلف فلم توفَّق، لا إلى الوجود ولا إلى الائتلاف، لأن أحدًا لم يستجب لها، ولم يستمع لدعائها. ولو قد وُجدت هذه الهيئة حقًا، ولو قد استجاب الناس لهذه الهيئة، لبقى المندوب ليستغلها كما استغل الهيئة التي تؤيد الوزارة القائمة.
يجب ألا يخدع الناس أنفسهم، فإن الإخفاق المطلق الذي أصاب المندوب السامي عند المصريين وعند الإنجليز جميعًا هو الذي قضى بنقله، وهو حين قضى بنقله قضى بشيء آخر ستظهر بوادره في المستقبل، وفي وقت قريب جدًا، وهو تغيير السياسة الإنجليزية التي أنفقت هذه الأعوام الثلاثة جادّةً كادّةً، باذلةً ما تستطيع من الجهود الظاهرة والخفية، ثم ظهر في وضوحٍ وجلاءٍ أنها كانت عبثًا من العبث، ومحاولةً ضائعةً لم تُنتج شيئًا.
[1] كوكب الشرق في ١٨-٨-١٩٣٣.