استفهام
يظهر أن شخص المندوب السامي السير برسي لورين قد خاصم الوضوح والجلاء، وأحكم الصلة بينه وبين الغموض والإبهام، وأبى له، أو أبت عليه الظروف إلا أن يُحاط دائمًا بطائفة من علامات الاستفهام. أيعود أم لا يعود؟ أينقل أم يعزل؟ أيتم نقله أم لا يتم؟ أيذهب من لندرة إلى أنقرة رأسًا أم يعرج في طريقه على مصر؟ أيقيم في مصر فيطيل الإقامة أم يمر بها مرًّا سريعًا؟ أيعنى بالسياسة المصرية مرة أخرى بعد أن أخفق في هذه السياسة إخفاقًا لم يُكتب لأحد من الذين سبقوه، أم يصرف عن هذه السياسة صرفًا ويكتفي حين يصل إلى مصر بحزم أمتعته وضم جراميزه – كما كان يقول القدماء – ثم الرحيل عن وادي النيل إلى حيث ينهض بأعباء منصبه الجديد؟
كل هذه أسئلة أحاطت بالسير برسي لورين كما تحيط الهالة بالقمر، لا نقول منذ أسابيع، ولا منذ أشهر، ولا منذ عام، بل منذ عهد بعيد. ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى ليست أقل من هذه الأسئلة طرافة وإثارة للعجب والابتسام.
فلم تكد تقطع المفاوضات بين الوفد المصري والإنجليز، ولم يكد يعود السير برسي لورين إلى القاهرة حتى أحاطت به وبسياسته طائفة من الأسئلة لم يستطع هو أن يحلها، وإنما حلها له رئيس الوزراء. أَصادقٌ هو فيما كان يظهر من حب للمصريين وعطف على آمالهم وأمانيهم، وتأييد للحكم الديمقراطي الصحيح فيهم؟ أم ماكر هو بالمصريين وأمانيهم وآمالهم؟ أمخلص هو فيما أعلن بعد ذلك من التزام الحيدة واحترام الاستقلال المصري؟ أم لاعب هو بالحيدة والاستقلال؟ أجاد هو فيما كان يظهر من الحرص على استقرار النظام في مصر أم هازل هو بمصر وبما كان يريد من استقرار النظام فيها؟
ومن قبل ذلك أحاطت بالسير برسي لورين أسئلة أخرى حين وصل إلى مصر ليتلقى فيها أزمة منصبه الجديد، فقد كان رأي وزارة الخارجية البريطانية معروفًا، أعلنه وكيلها المستر دالتون حين أكد أن الإنجليز لا يمضون المعاهدة إلا مع وزارة تمثل برلمانًا ينتخب انتخابًا حرًّا مباشرًا، ولكن السير برسي لورين أثيرت حول شخصه ورأيه طائفة من الإشاعات والأقوال الغريبة ظهرت بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة ولا ملائمة للحق، ولكنها لم تخلق نفسها ولم تثر من غير مثير، فكان الناس يتحدثون بأنه كان حريصًا على الوزارة القائمة حينئذ، وكان الناس يتحدثون بأنه كان زاهدًا في تلك الوزارة، وكان الناس يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في عنف، وكانوا يتحدثون بأنه كان يريد أن يخلص منها في لباقة وظرف يلائمان أدب الرجل النبيل الذي اشتهرت عنه صفات الجنتلمان.
فأنت ترى أن شخص المندوب السامي السابق لا يحب الوضوح ولا الجلاء، ولا الجو المستقر، وإنما يحب أن يثور حوله دائمًا غبار مريب فيه ما يرضي وفيه ما يسخط، وفيه ما يغري بالاطمئنان وفيه ما يدعو إلى الحذر.
ولسنا ندري أيشعر المندوب السامي السابق بهذا كله ويحبّه ويتعمده، أم هو القضاء المحتوم والقدر المكتوب أبى على السير برسي لورين إلا أن يعيش في هذا الجو الغريب الذي لم يعش فيه مندوب سام قبله في مصر. ولسنا ندري أكان هذا الجو المريب مقدورًا عليه أو مسخرًا له في جميع المناصب السياسية التي تولاها، أم كان مستورًا له وراء حجب الغيب حتى إذا مست قدمه أرض مصر انشق الحجاب عن هذا السحاب فأحاط به ولم يفارقه إلى الآن، ولكن الشيء المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن حجاب الريب هذا لم ينفع السير برسي لورين ولم يعصمه من النقل والإخفاق. فقد كان يظن نفسه ماهرًا ماكرًا، وكان يخيل إلى نفسه أنه سيعبث بالمصريين حين يظهر لهم ما أظهر من الصداقة، فلم يعبث إلا بنفسه، ولم ينل من المصريين شيئًا. وكان يظن أنه سيقهر المصريين ويذلهم ويأخذ منهم بالكره ما لم يستطع أن يأخذ منهم بالرضى، على أن يظهر لهم دائمًا أنه محايد مخلص في التزام الحياد. فأغرى المحن والفتن، وسلط الأحداث والخطوب، وأشرف من قصر الدوبارة ينظر إلى آثار سياسته الماكرة تعبث بمصر والمصريين فتفسد شؤونهم ومرافقهم وتحاول أن تفسد عقولهم، وأن تزلزل يقينهم، وأن تُفِلَّ من عزائمهم، وتصدهم عن حقهم. تأخذ بعضهم باللين والإغراء، وتأخذ بعضهم الآخر بالعنف والشدة، حتى شُريت الضمائر، وسُفكت الدماء في غير موضع من أرض مصر.
والسير برسي لورين مشرف من قصر الدوبارة، متحصِّن بحياده، يسمع ويرى، ويرضى ويقر، ولكنه بعد عام وعام وعام نظر فإذا ما بُذل في عهده من إغراء، وما سُفك في عهده من دماء، وما أُنفق من جهد، وما أُضيع من وقت، وما تكلف هو من حياد، وما تكلف غيره من جهاد، كل ذلك لم يصنع شيئًا، ولم يغير من موقف مصر قليلًا ولا كثيرًا. وإذا دهاء برسي لورين كعجرفة جورج لويد لا يغني عن الحق شيئًا، ولا يبلغ من المصريين بعض ما يريد الإنجليز أن يبلغوه، وإذا الوزارة الإنجليزية وعلى رأسها مكدونالد تنقل برسي لورين معترفة بالإخفاق، مشفقة من آثاره المنكرة. ولابد للوزارة الإنجليزية القائمة، بعد أن أعلنت اعترافها بإخفاق السير برسي لورين، واختارت من يخلفه، من أن تغير السياسة التي سار عليها السير برسي لورين كما فعلت الوزارة الإنجليزية التي اعترفت بإخفاق جورج لويد فعزلته ومحت سياسته محوًا.
هذا شيء واضح لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا، ولكن قومًا يشكون فيه ويجادلون، لأن الصحف الإنجليزية فيما يقولون مجمعة على أن تغيير المندوب السامي لا يستلزم تغيير السياسة الإنجليزية. وقد قيل لهؤلاء المجادلين غير مرة إن تغيير السياسة البريطانية في مصر شيء، وتغيير سياسة المندوب السامي شيء آخر. فمن المحقق أن الإنجليز لن يلغوا تصريح ٢٨ فبراير، ولن يعدلوا عن فكرة المفاوضة التي تنتهي إن تمت إلى معاهدة، ولن يضموا مصر إلى مستعمرات التاج، ولن يعلنوا انسحابهم من مصر بغير شرط ولا قيد. لن يفعلوا شيئًا من هذا لأنهم غيروا مندوبهم السامي، فهذه سياسة مرسومة محتومة، لا يستطيع الإنجليز أن يخرجوا منها إلا إذا أرادوا أن يُحدثوا في الحياة الدولية حدثًا عظيمًا. وقد غيروا اللنبي الذي أسس هذه السياسة ولكنهم لم يغيروا سياسته، وغيروا جورج لويد الذي سلك بهذه السياسة مسلك العنف ولكنهم احتفظوا بهذه السياسة، ثم هم الآن يغيرون السير برسي لورين الذي سلك بهذه السياسة مسلك الدهاء والمكر، ولكنهم لا يغيرون هذه السياسة.
فالموقف الدولي للإنجليز في مصر لن يغيره نقل مندوب وتعيين مندوب، وإنما يغيره أحد أمرين: ثورة من المصريين أو من الإنجليز تنقض هذا الموقف نقضًا، أو معاهدة بين المصريين والإنجليز تحقق ما يطمح إليه الفريقان من الاتفاق. ولكن من وراء هذا الموقف الدولي سياسة أخرى هي سيرة المندوب السامي مع الحكومة المصرية، والشعب المصري، في تفصيل الحياة اليومية المصرية، وفي تفصيل الصلات اليومية بين المصريين والإنجليز. هذه السياسة الخاصة، هذه السياسة المحلية – إن صح هذا التعبير – لا بد من أن تتغير إذا تغير المندوب السامي، لأنها رهينة بشيئين كلاهما يستلزم هذا التغيير: أحدهما هذا الإخفاق المنكر الذي دُفع إليه السير برسي لورين دفعًا، والذي لا بد من إصلاحه وتدارك آثاره. والآخر مزاج المندوب السامي الجديد الذي ينهض بأعباء هذا المنصب في مصر، فإن هذه السياسة اليومية مهما تكن متأثرة تأثراً شديداً بالسياسة العامة، لا تستطيع أن تبرأ من تأثير المزاج الشخصي للذين يديرونها ويسيطرون عليها في مصر.
فقل ما شئت في احتفاظ الإنجليز بسياستهم العامة نحو مصر، وقل ما شئت في حرص الإنجليز على ما أعلنوا من حياد، فهذا كله لن يدل على شيء، فقد احتفظ الإنجليز بسياستهم العامة، ولكن سيرة مندوبيهم تغيرت وتغيرت منذ أعلن الاستقلال. وقد أظهر الإنجليز دائمًا منذ أعلن الاستقلال أنهم على الحياد فيما يمس الشئون المصرية الخاصة. وهل كان تصريح ٢٨ فبراير إلا إعلانًا للحياد؟ وما داموا لم يلغوا هذا التصريح، فهم لم يلغوا هذا الحياد الذي أعلنوه، ولكنه حياد يعرفه الناس جميعًا: حياد على الورق، يقال ويُنادَى به، ثم لا يمنع من تدخل الإنجليز في الشئون المصرية كلما احتاجوا إلى هذا التدخل، وكلما أرادوه.
ستتغير إذن سياسة المندوب السامي في مصر من غير شك، ولكن ما هذه الأنباء التي تلح في أن السير برسي لورين – رغم نقله وتعيين من يخلفه – سيعود إلى مصر ليتم مدته أو ليتم مهمته، على اختلاف الصحف في ذلك؟ إنما هي أنباء تصور حياة السير برسي لورين كما أريد أن تكون في مصر حياة غموض وإبهام وسؤال واستفهام.
وأكبر الظن أن هذا الغموض سيحيط بشخص السير برسي لورين، وأن هذه الأسئلة ستلازمه حتى يذهب إلى أنقرة، ويقدم أوراق اعتماده، وينهض بأعباء منصبه الجديد. يومئذ تقطع الأسباب، لا نقول بين شخصه وبين مصر فقد قُطعت هذه الأسباب بالفعل، بل نقول بين أوهامه وأوهام أنصاره وبين مصر. فقد يظهر أن هذه الأوهام لا تزال متصلة، وستظل متصلة حتى يقطعها ذهاب السير برسي لورين إلى أنقرة أو مجيء السير لمبسون إلى القاهرة.
وهب المندوب السامي عاد إلى القاهرة، فما عسى أن يفعل فيها؟ وما عسى أن تكون هذه المهمة التي يريد أو يراد له أن يتمها؟ وما عسى أن تكون هذه المدة التي يريد أو يراد له أن يختمها؟ أتراه قد يعود ليهيئ لخليفته جوًا صالحًا فينقض بيده هذا الفساد المطبق الذي عقده بيده في هذه الأعوام؟ أم تراه سيعود – ليمضي فيما يقول أنصار الوزارة على استحياء، وفي همس لا يكاد يسمعه أحد – هذه المعاهدة التي كان يحلم هو ويحلم رئيس الوزراء بإمضائها؟ أم تراه قد يعود لأن مصر مقبلة في هذه الأيام على أحداث جسام، فلا بد من أن يكون التمثيل الإنجليزي فيها قويًا حتى يأتي المندوب السامي الجديد آخر هذا العام؟
كل ذلك ممكن أن يكون، وكل ذلك ممكن ألا يكون. وكل ذلك يدل على شيء واحد، وهو أن شخص السير برسي لورين لا يستطيع أن يعيش في مصر أو قريبًا من مصر دون أن تحيط به الأسئلة ويكثر حوله الاستفهام.
ومهما يكن من شيء فإن المصريين لن يحفلوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما لم يحفلوا بإقامته بينهم أعوامًا. كما أن المصريين لن يُخدعوا بإقامته بينهم أشهرًا، كما أنهم لم يُخدعوا بإقامته بينهم أعوامًا. عرف المصريون كيف يثبتون لمكره ودهائه، وكيف يصبرون لما سُلِّط عليهم من المحن والخطوب، وسيعرف المصريون كيف يثبتون له إن عاد إليهم، وكيف يدفعون عن حقهم ويذودون عن كرامتهم واستقلالهم وثباتهم على مبادئهم إن كان في عودته القصيرة شيء قليل أو كثير مما يعرض حقوق المصريين للخطر. فليقم السير برسي لورين في لندن، أو ليذهب إلى أنقرة، أو ليأتِ إلى القاهرة، فكل ذلك لن يغير من الحقيقة الواقعة شيئًا، وهي أن سياسته قد أخفقت، ولا بد للإنجليز من أن يعدلوا عنها إلى سياسة أخرى.
[1] كوكب الشرق في ٢١-٨-١٩٣٣.
استفهام
Share:
Leave a Reply