Tag: الطلاب

  • الروح الجامعي

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • عدل

    عدل
    لم يظهر إلى الآن من يذود عن وزارة المعارف، أو يدفع ما قيل عن امتحان اللغة الإنجليزية لطلاب الكفاءة من أنه كان عسيرًا مسرفًا في العسر، أو سخيفًا مغرقًا في السخف، أو ممتازًا بالعسر والسخف جميعًا. بل لا تظهر صحف الصباح، ولا تظهر صحف المساء إلا وفيها إنكار المنكرين، وسخط الساخطين، ونقد الناقدين، واستهزاء المستهزئين أيضًا. وقد سكت الطلاب وتكلم الأساتذة فأنت لا تكاد تقرأ في الصحف شكاة يتقدم بها طالب أو استعطافًا تتقدم به جماعة من الطلبة، وإنما تقرأ أحاديث يلهج بها الأساتذة من الإنجليز والمصريين، وأحاديث أخرى يلهج بها القادرون على نقد موضوعات الامتحان من غير رجال المعارف. وأولئك وهؤلاء متفقون على أن هذا الامتحان العسير أو السخيف، أو العسير السخيف معًا كان ظلمًا مرهقًا، فلا بد من رفعه أو إنقاذ الطلاب من شرِّه. ولا بد بعد ذلك من اتخاذ الوسائل التي تكفل امتناع هذا الظلم، وتحول دون وقوعه مرة أخرى.
    ولكن كيف يرفع هذا الظلم؟ بإحدى اثنتين: إما أن تمضي وزارة المعارف في هذا الامتحان وتصحيحه كأن شيئًا لم يكن، وكأن ظلمًا لم يقع، وإذن فسينال الطلاب ما يستحقون من الدرجات. وحينئذ فسترسب كثرتهم من غير شك، وسيكون الظلم صارخًا شنيعًا. وإما أن تأمر وزارة المعارف لجان التصحيح بالرفق والرحمة والتجاوز للطلاب عن بعض الخطأ، والتسامح معهم في بعض الهفوات، والنزول لهم عن بعض الدرجات، وإذن فسينجح منهم فريق ويرسب فريق. فأما الناجحون فسينجحون بغير حق، وسيفوزون في غير استحقاق للفوز. وأما الراسبون فسيرسبون في غير حق أيضًا، وسيخفقون في غير استحقاق للإخفاق.
    وما دام الامتحان قد كان قاسيًا عسيرًا سخيفًا بالقياس إليهم جميعًا فيجب أن ينجحوا جميعًا بغير حق، أو أن يرسبوا جميعًا بغير حق. وكذلك نتيجة الأعمال التي لم تقم على إيثار العدل والمنفعة، وتوخي القصد والإنصاف والصواب، لا يمكن إلا أن تكون شرًّا كلها.
    فالرحمة إذن لا تصلح علاجًا لهذا الموقف المؤلم السخيف الذي تقفه وزارة المعارف اليوم من هؤلاء الطلاب البائسين. والرحمة إنما يفكر الناس فيها بعد أن يستنفدوا ما يجب من العدل. فأما قبل العدل فليس إلى التفكير في الرحمة سبيل، لأنها تصبح ظلمًا وجورًا. ولست أدري لم ينجح فلان ويرسب فلان إذا كان الامتحان عسيرًا سخيفًا بالنسبة إليهم جميعًا. ولست أدري كيف ينجح الطلاب جميعًا إذا كنا نريد أن يظفروا بشهاداتهم لأنهم استحقوها وكسبوها، ولأنها لم تقدم إليهم هدية ولا هبة. ولست أدري كيف يرسب الطلاب جميعًا إذا كانوا جميعًا قد اجتهدوا طوال العام، وكانت كثرتهم خليقة بالنجاح لو أن الامتحان كان معقولًا. فالعدل وحده إذن هو الذي ينقذ وزارة المعارف ويصلح موقفها، ويرد الطلاب إلى ما يجب لهم من الإنصاف. وهذا العدل كغيره من الفضائل ثقيل لا يحتمله إلا القادرون على أن يأخذوا أنفسهم بأداء الواجب، واحتمال الأمانات على ثقلها، وما تكلف من مشقة وجهد وعناء.
    هذا العدل يقضي بإلغاء امتحان الإنجليزية لهؤلاء الطلاب، وأخذهم بامتحان جديد، توضع له أسئلة معقولة في نفسها، ملائمة لبرنامج الدراسة ملاءمة صحيحة لا غبار عليها. هذا العدل هو الذي يرد الأشياء إلى نصابها حقًّا فيمكن الطلاب الجادين من النجاح الذي يستحقونه، ويرد الطلاب المقصرين إلى الإعادة التي لا بد لهم منها، ويضمن للبلاد شبانًا نجحوا في الامتحان نجاحًا صحيحًا لا رحمة فيه، ولا محاباة ولا عطف فيه ولا إحسان.
    وأنا أعلم حق العلم أن وزارة المعارف ستضيق بهذا الاقتراح، وستمنعها الكبرياء من أن تحفل به وتلتفت إليه، ولكني أعلم حق العلم أن هذا الاقتراح وحده هو الحل الصحيح الملائم للحق والعدل والمنفعة، وأن حرص الوزارة على كبريائها لا ينبغي أن يكون أشد من حرصها على مستقبل هذا الجيل من الطلاب، وعلى إنصاف المظلومين من هؤلاء الطلاب. ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يضحَّى بالمصالح العامة في سبيل هذه الأنفة الكاذبة. وهذه الكبرياء السخيفة التي تمنع الناس من أن يرجعوا إلى الحق إذا علموا أنهم مخطئون.
    ومهما يكن من شيء فلا بد من تحقيق دقيق بريء من كل المؤثرات ليتبين الناس جلية الأمر في هذا الامتحان. وهذا التحقيق لا تستطيع وزارة المعارف أن تجريه لأنها متهمة، فهي التي وضعت الامتحان وراجعته وورطت الطلاب فيه. فلا بد أن تنهض به إذن لجنة بعيدة عن مكاتب الوزارة، قوامها جماعة من رجال التعليم الذين يستطيعون أن يقضوا في هذا الأمر دون أن يكون عليهم بأس من هؤلاء السادة المتسلطين في ديوان الوزارة. وكل حل غير هذا معرض للشك والريبة، ووسيلة إلى الظلم والطغيان.
    هناك مسألة أخرى يجب أن تفكر فيها وزارة المعارف منذ الآن،
    وهي مسألة العدول عن وحدة الامتحانات العامة بالقياس إلى مصر كلها. فمن السخف حقًّا أن توضع أسئلة في أي علم من العلوم لتفرض على طلاب المدارس جميعًا مهما تكن مدنهم وبيئاتهم، لا لشيء إلا لأنهم طلاب التعليم الثانوي أو طلاب التعليم الابتدائي. إنما سبيل المنفعة في ذلك أن تؤلف لجان مختلفة، لكل لجنة طائفة من المدارس تضع لها أسئلة الامتحان دون أن تلتزم هذه الوحدة التي تشبه التنظيم العسكري له قيمته، ولكنه أقل النظم ملاءمة لشئون التعليم والامتحان.
    ولو أن وزارة المعارف لم تلتزم هذه الوحدة الغريبة، ولم تفرض على الطلاب جميعًا أسئلة بعينها، لما كان هذا الظلم بأسئلة الكفاءة في هذا العام شاملًا ولا عامًا، بل لشكا منه فريق بعينه، هو الذي يكون الله قد ابتلاه بمن وضع له هذا الامتحان السخيف، ولكان غير هذا الفريق من الطلاب آمنًا من هذا السخف، هادئًا لا يشكو ولا يستعطف. ولوجدت الوزارة نفسها أمام شرٍّ ضيقٍ حصورٍ.
    فلتفكر الوزارة في إصلاح هذا الشر الذي تورطت فيه هذا العام، ولتصطنع في ذلك كله شيئًا من الجد والسرعة والحزم، فذلك خير لها وللناس جميعًا.
    كوكب الشرق ١١-٦-١٩٣٣

  • عدوان ٢

    عدوان

    زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه، واستغاثتها به، حتى قال: لبيك، لبيك، ونهض من فوره، فغزا بلاد الروم، وأمعن في غزوها، ودمر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا، موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

    السيف أصدق أنباءً من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

    وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم، أو يقال إنها تريد أن تقبل. وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كل الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

    الله يشهد ما نريد شرًا، ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا، ولا نغري به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دورنا، مطمئنين في بلادنا، لا نعتدي على أحد، ولا يعتدي علينا أحد. نريد ألا نكون أذلة في بلادنا، والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا، والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا، والأجنبي فيها غني موفور.

    نريد أن نأمن على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا. وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض.

    نحن لا نكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا، فاشتدت في البطش، ولنكلت به حكومتنا، فألحت في التنكيل. أستغفر الله، بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين، ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك، أو هموا أن يفعلوه، لعج الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجوا، ولتقدمت حكومتنا إلى رجال الدين بأن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير.

    نحن إذن لا نكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام. فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا، لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا، راضيًا، راغبًا فيه، لا مكرهًا عليه إكراهًا، ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

    هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم، ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له؟ فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا، ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم، ويدخلوا في دين لا يحبونه، ولا يريدون الدخول فيه.

    هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم، باللين حينًا، وبالشدة حينًا، بالحيلة مرة، وبالقهر مرة أخرى.

    هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك، لا في مدينة واحدة، بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد، بل في أوقات مختلفة. وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين، فلا يحفلون بها، ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان.

    وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا عنيفًا. وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا شديدًا.
    أفيريد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقر هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يقدر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون، وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المخوف، وكما نسمع للخصم المريب؟

    إن كانوا يريدون ذلك، ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء، وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم، وهو الدين.

    ووزارتنا القائمة، ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم، ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف، ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام، في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟

    بلى، لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى، فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها، والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين.

    وخيل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر، والبرلمان، والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها سترد الأمر إلى نصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين، وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين، ويصرفوا عنه إلى الكفر به، والخروج عليه.

    ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًا من تهدئة الخواطر، وإسكات الناس!
    فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا. وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها، وتلح في إذاعتها، وتستنهض الحكومة، وتلح في استنهاضها، وتنبه الشيخ الأكبر، وتلح في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!!!

    وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان، حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلطوا عليها العذاب. ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة، فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!!

    يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة: أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس، ويعرضون الأمن للخطر. وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم، وأتوا هذا المنكر في وضح النهار، تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعز فيه الإسلام ولا يذل، ويجب ألا تكون حرية أهله عرضة للعبث الأجنبي وعدوانه.

    والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني، فقد كثرت الوعود، واتصلت الأماني، ولم يكف المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم.

    يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن ينفى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة. فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يبيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين.

    ولكن الحكومة، فيما يظهر، لا تريد، أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان، رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

    وقد أحس المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك، والعناية به. فلعل أمر جلالته السامي، إن صدر إلى الحكومة، أن يمدها بروح من القوة، وأن يشد عزمها، ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق، والكرامة، والحرية، والدين.

    أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه: أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين، فسافر في الدرجة الثانية، وأخذ أجرة السفر في الدرجة الأولى؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة، ويصرفهم عن الطربوش؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين، يكذبون عليهم، ويذيعون عنهم الكفر، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها معصية!!

    ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا.

    ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين، وهم حرب عليه.

    كوكب الشرق ١٠-٦-١٩٣٣

  • إعلان

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣

  • لعب

    لعب ٠٠٠
    لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلى لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذى يصيب كليتين من كليات الجامعة : هما كلية الآداب والحقوق ، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة ، لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل فى برامج الدراسة ومناهجها ، وفى نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة مايمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه . ولكن مالذى يمنع أن تمس البرامج والمناهج ، والنظم والآماد ، وقد غير القانون نفسه ، وصورت اللوائح العامة تصويرا يلائم هذه المثل العليا ، التى وضعتها الوزارة القائمة أمامها ، واتخذتها أصولا للحكم !
    كانت الجامعة مستقلة بعض الشئ ، فمحى هذا الاستقلال ا كما كان الدستور واسعا بعض الشئ ، فضيقت هذه السعة ا وكان التعليم فى الجامعة حرا بعض الشئ ، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة ، فيجب أن تمحى هذه الحرية ، وأن تصبح شكلا من الاشكال ، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير فى وزارة المعارف ، أى من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية ، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية ، وأبغض البيئات للحياة الجامعية ! !
    يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير، من وزارة المعارف ، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، وتنظم هذه الفكرة فى وزارة المعارف ، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات ، فتسمع وتطيع ، وتؤمن وتذعن ، وإذا نظم تبدل ، وبرامج تحول ، ولوائح تصاغ فى صورة غير التى كانت عليها ، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت ونمت ، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء ، ثم يصدر المرسوم ، ثم يضطرب أمر الطلاب ، وتفسد نظمهم ، لافى الدراسة وحدها ، بل فى الدراسة وفى الحياة أيضا ، لان وزارة المعارف ، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، لن يدعوا الجامعة حتى يردوها إلى مايحبون هم ، أو إلى مايستطيعون أن يحبوا ، وحتى
    يجعلوها مدرسة كالمدارس ضيقة الحدود ، محصورة الآفاق ، تخرج موظفين وأشباه موظفين ، كما كانت المدارس تفعل من قبل !!
    ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى ان الرقى انما يكون بالسير إلى أمام ، لا بالرجوع إلى وراء ، لانهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا فى الرقى ، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ! وغلونا فى التقدم فيجب أن نتأخر ولو قليلا !
    نعم ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى أن الاسراف فى تغيير البرامج والمناهج والآماد ، يفسد شؤون التعليم ، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد ، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة ، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد فى الدرس ، وانصراف عنه ، وتبرم به .
    لاتفكر وزارة المعارف والذين يوحون اليها فى شئ من هذا ، وانما نحن فى عصر ديكتاتورية ، يجب أن يمس التغيير فيه كل شئ ، وأن يحيط العبث فيه بكل شئ ، وأن تقص أجنحة التعليم كما قصت أجنحة الحرية ، وأن تتسلط فيه على التعليم عقول لم تخلق للتعليم ، وانما خلقت لاى شئ آخر غير التعليم .!
    لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة ، حتى انبسط سلطان الوزارة عليها ، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها ، يعبثون بها ، ويضيقون عليها ، ويقلبون نظام الدرس فيها راسا على عقب ، فيلغون أقساما ، ويضغطون أقساما أخرى ، ويداورون بين قسم وقسم ، ليردوا هذه الكلية إلى شئ يشبه مدرسة المعلمين التى الغيت منذ أعوام ، لان رقى مصر كلها يقتضى الغاءها ، بعد أن أدت مهمتها ، وعجزت أن تؤدى المهمات الجديدة التى دعت اليها الحياة الجديدة .
    ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الالغاء ، وقد طالما ضاقت به ، وشكت منه ، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل ! فلما لم توفق إلى ذلك ، صبرت على مضض ، ودبرت كيدها فى إتقان وإحكام ، حتى أمكنتها الفرصة ، فهى تريد أن تعيد مدرسة المعلمين ، وأن تسميها كلية الآداب! وهى ترد الدراسة فى هذه الكلية إلى أبسط صورها ، وأيسر أشكالها ! فاللغة العربية وآدابها ، يجب أن تدرس فيها كما تدرس فى دار العلوم ! واللغات السامية والشرقية اللاسلامية يجب أن تصبح فيها ثانوية
    كما هى فى دار العلوم ! واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليا لاينتج ولا يفيد ! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ تلحق به الجغرافيا ! وقسم للجغرافيا يلحق به التاريخ إلى اشباه هذه الصيغ الدائرة السخيفة ، التى لايمكن أن تنشأ ولا أن تنمو ، الا فى مكاتب وزارة المعارف ا ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئا واحدا عاما شائعا لايظهر فيه تخصص ولاتمايز ، يجب أن نتواضع فقد كنا غلونا فى الكبرياء .
    يجب أن تكون لنا كلية آداب من الطراز الذى يرضاه الانجليز، ويقبلونه فى مستعمراتهم ، من هذا الطراز الذى يخرج عمالا وموظفين ، لا أدباء ومفكرين ! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة فى وزارة المعارف ، لا فى الجامعة ، وفى لجنة يرأسها رجل لم يدرس فى الجامعات قط ، ولم يذق الحياة الجامعية قط ، ولم ينفق حياته إلا فى هذا النوع من التعليم المتواضع الذى تضيق به مصر ، وتريد أن تخلص منه ، حتى إذا تم وضع هذا النظام ، أقرته الكلية ، وأقره مجلس الجامعة ، وصدر به المرسوم ، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة .
    وليس للجامعيين أن يناقشوا فى ذلك أو يجادلوا فيه ، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنتين : إما الاذعان ، واما الحرمان . !
    رحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ، ليدرسوا أمرا من أمور الجامعة ، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا فى الجامعة ، وعند مدير الجامعة ، ورحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ، ليناقشوه فى برامج التعليم الثانوى، ويأبون إلا أن ينتقل اليهم وكيل الوزارة فى مكتب مدير الجامعة، ليعرض عليهم مايريد .
    رحم الله تلك الايام والعهود ، فقد مضت وانقضت ، وأصبحت أحلاما أو كالاحلام ، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التى تصلح نظام الدرس فى كلية الأداب
    وأمر كلية الحقوق ليس خيرا من أمر كلية الآداب ، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل ، وقالت وزارة المعارف للاهرام انها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة ، بعد أن تصدر لائحتها الاساسية الجديدة ، وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية
    الحقوق ، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع ، ان وزارة المعارف لاشأن لها بالجامعة ، وانما أمور الجامعة اليها ، والى الوزير باحدى صفتيه ، فانت تعلم ان له صفتين
    صنع الله لوزير التقاليد أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئا ، وأن يحدث فى وزارة المعارف غير مايقول !
    مسكينة كلية الحقوق ، لايريد الله أن يصلح بالها ، ولا أن يقر أحوالها ، ولا أن يجعل لها نظاما لتطمئن اليه .
    هذه لأئحتها الاساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة ، فى أقل من عشر سنين ! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين ، يقضى الطالب منها اثنتين فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم أصبح أربع سنين . يقضى الطالب منها سنة فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم ظل أربع سنين تقضى كلها فى كلية الحقوق ، على أن تكون احداها اعدادية تهيئ الطالب لدراسة القانون ، ثم يراد أن تعود خمس سنوات ، تقضى كلها فى كلية الحقوق واحدة منها للاستعداد ، وأربع لدراسة القانون . وأنا زعيم لك بانها سترد إلى أربع سنوات ، بعد أن تعود الامور إلى نصابها ، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال ! وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة ، ولن يكون هذا كله بعيداً .
    ولكن مارأيك فى أمد الدراسة هذا الذى يزاد . ثم ينقص ، ثم يزاد ، ومارأيك فى مكان الدراسة هذا الذى يكون حينا بحذوى وحينا بالعقيق؟! ومارأيك فى الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته ، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟! وهل تدرى فيم زيد أمد الدراسة ؟
    زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجى كلية الحقوق ، ضعاف الحظ من الثقافة القانونية ! وقد يكون هذا حقا ، ولكن هناك حقا آخر لاشك فيه ، وهو أن المصالح لاتأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم ، ولعلها تأخذ أواخرهم ، لان الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل مالا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء ، أو المقربين إلى الوزراء ! وهناك حق آخر ، وهو ان اطالة أمد الدراسة لاتضمن حسن الدراسة ، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وانما هى مسألة دراسة جيدة أو رديئة ، مسألة أستاذ كفء أو غير كفء ، مسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح! وهناك
    حق ثالث لاشك فيه ، وهو أن كلية الحقوق ، فيها قسم للدكتوراه ، كان ينبغى أن تحسن فيه الثقافة القانونية ، ولعلها تحسن فيه بالفعل ، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجى هذا القسم؟ وهناك حق رابع لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو ان كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لاتمام الدراسات العملية القانونية ، بعد درجة الليسانس ، ولعل هذه المعاهد أن تقوى الثقافة ، فلما لاتأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟ وهناك حق خامس لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو أن فساد الامر فى كلية الحقوق لايرجع إلى طول الوقت أو قصره، وانما يرجع إلى أمرين اثنين : فساد التعليم الثانوى الذى يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفا أشد الضعف ، والثانى تقسيم الدراسة فى كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس ، وآخرين أوروبين يدرسون لطلاب الدكتوراه ، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائما ، محدودة الآفاق دائما .
    كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشؤون الجامعة ، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين ، لعدلوا عن اطاله امد الدراسة فى غير نفع قليل أو كثير ، والامتحان وما أدراك ما الامتحان ، لقد شدد وحدد وأصبح تحريريا فى كا . شئ ، شفويا فى كا شئ ، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الادنى ، والحد الاعلى ، لدرجات النجاح ، إلى آخر ما تحسنه وزارة المعارف ولاتحسن غيره ! ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسا مالاينبغى الغلو فيه والاسراف فى تشديده وتحديده ولكنها كما ترى فكرة ابتدائية ساذجة ، ترى ان الوقت إذا طال حسنت الدراسة ، وان الامتحان إذا اشتد عظم خطر التخرج من الثقافة وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هى التى غيرت نظام كلية الحقوق ، وتغير الآن نظام كلية الآداب . ومن يدرى ، لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب ، وهل غيرت قوانين الجامعة الالهذا؟!
    نعم . لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة كصورة فى مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف ، فقد فتحت لها النوافذ والابواب ، فانتشرت كما ينتشر الوباء ! تبسط ظلها المهلك على كل شئ ! وكانت محصورة فى التعليم الا بتدائى والثانوى ، فامتدت إلى التعليم العالى واخذت تظل الأزهر بجناح ، والجامعة بجناح ، وويل لمصر ولحياتها العقلية ، ان استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجه ، ان تفرح فتخرج من الأزهر والجامعة شبابا يشبهونها فى الابتدائية والسذاجة .
    ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين ، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة ، ومافيها من هواء نقى ، وضوء جميل فلن تكون حياة مصر لعبا دائما .
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٢ مايو ٩٣٣ ١.