لعب ٠٠٠
لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلى لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذى يصيب كليتين من كليات الجامعة : هما كلية الآداب والحقوق ، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة ، لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل فى برامج الدراسة ومناهجها ، وفى نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة مايمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه . ولكن مالذى يمنع أن تمس البرامج والمناهج ، والنظم والآماد ، وقد غير القانون نفسه ، وصورت اللوائح العامة تصويرا يلائم هذه المثل العليا ، التى وضعتها الوزارة القائمة أمامها ، واتخذتها أصولا للحكم !
كانت الجامعة مستقلة بعض الشئ ، فمحى هذا الاستقلال ا كما كان الدستور واسعا بعض الشئ ، فضيقت هذه السعة ا وكان التعليم فى الجامعة حرا بعض الشئ ، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة ، فيجب أن تمحى هذه الحرية ، وأن تصبح شكلا من الاشكال ، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير فى وزارة المعارف ، أى من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية ، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية ، وأبغض البيئات للحياة الجامعية ! !
يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير، من وزارة المعارف ، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، وتنظم هذه الفكرة فى وزارة المعارف ، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات ، فتسمع وتطيع ، وتؤمن وتذعن ، وإذا نظم تبدل ، وبرامج تحول ، ولوائح تصاغ فى صورة غير التى كانت عليها ، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت ونمت ، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء ، ثم يصدر المرسوم ، ثم يضطرب أمر الطلاب ، وتفسد نظمهم ، لافى الدراسة وحدها ، بل فى الدراسة وفى الحياة أيضا ، لان وزارة المعارف ، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، لن يدعوا الجامعة حتى يردوها إلى مايحبون هم ، أو إلى مايستطيعون أن يحبوا ، وحتى
يجعلوها مدرسة كالمدارس ضيقة الحدود ، محصورة الآفاق ، تخرج موظفين وأشباه موظفين ، كما كانت المدارس تفعل من قبل !!
ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى ان الرقى انما يكون بالسير إلى أمام ، لا بالرجوع إلى وراء ، لانهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا فى الرقى ، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ! وغلونا فى التقدم فيجب أن نتأخر ولو قليلا !
نعم ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى أن الاسراف فى تغيير البرامج والمناهج والآماد ، يفسد شؤون التعليم ، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد ، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة ، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد فى الدرس ، وانصراف عنه ، وتبرم به .
لاتفكر وزارة المعارف والذين يوحون اليها فى شئ من هذا ، وانما نحن فى عصر ديكتاتورية ، يجب أن يمس التغيير فيه كل شئ ، وأن يحيط العبث فيه بكل شئ ، وأن تقص أجنحة التعليم كما قصت أجنحة الحرية ، وأن تتسلط فيه على التعليم عقول لم تخلق للتعليم ، وانما خلقت لاى شئ آخر غير التعليم .!
لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة ، حتى انبسط سلطان الوزارة عليها ، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها ، يعبثون بها ، ويضيقون عليها ، ويقلبون نظام الدرس فيها راسا على عقب ، فيلغون أقساما ، ويضغطون أقساما أخرى ، ويداورون بين قسم وقسم ، ليردوا هذه الكلية إلى شئ يشبه مدرسة المعلمين التى الغيت منذ أعوام ، لان رقى مصر كلها يقتضى الغاءها ، بعد أن أدت مهمتها ، وعجزت أن تؤدى المهمات الجديدة التى دعت اليها الحياة الجديدة .
ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الالغاء ، وقد طالما ضاقت به ، وشكت منه ، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل ! فلما لم توفق إلى ذلك ، صبرت على مضض ، ودبرت كيدها فى إتقان وإحكام ، حتى أمكنتها الفرصة ، فهى تريد أن تعيد مدرسة المعلمين ، وأن تسميها كلية الآداب! وهى ترد الدراسة فى هذه الكلية إلى أبسط صورها ، وأيسر أشكالها ! فاللغة العربية وآدابها ، يجب أن تدرس فيها كما تدرس فى دار العلوم ! واللغات السامية والشرقية اللاسلامية يجب أن تصبح فيها ثانوية
كما هى فى دار العلوم ! واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليا لاينتج ولا يفيد ! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ تلحق به الجغرافيا ! وقسم للجغرافيا يلحق به التاريخ إلى اشباه هذه الصيغ الدائرة السخيفة ، التى لايمكن أن تنشأ ولا أن تنمو ، الا فى مكاتب وزارة المعارف ا ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئا واحدا عاما شائعا لايظهر فيه تخصص ولاتمايز ، يجب أن نتواضع فقد كنا غلونا فى الكبرياء .
يجب أن تكون لنا كلية آداب من الطراز الذى يرضاه الانجليز، ويقبلونه فى مستعمراتهم ، من هذا الطراز الذى يخرج عمالا وموظفين ، لا أدباء ومفكرين ! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة فى وزارة المعارف ، لا فى الجامعة ، وفى لجنة يرأسها رجل لم يدرس فى الجامعات قط ، ولم يذق الحياة الجامعية قط ، ولم ينفق حياته إلا فى هذا النوع من التعليم المتواضع الذى تضيق به مصر ، وتريد أن تخلص منه ، حتى إذا تم وضع هذا النظام ، أقرته الكلية ، وأقره مجلس الجامعة ، وصدر به المرسوم ، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة .
وليس للجامعيين أن يناقشوا فى ذلك أو يجادلوا فيه ، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنتين : إما الاذعان ، واما الحرمان . !
رحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ، ليدرسوا أمرا من أمور الجامعة ، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا فى الجامعة ، وعند مدير الجامعة ، ورحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ، ليناقشوه فى برامج التعليم الثانوى، ويأبون إلا أن ينتقل اليهم وكيل الوزارة فى مكتب مدير الجامعة، ليعرض عليهم مايريد .
رحم الله تلك الايام والعهود ، فقد مضت وانقضت ، وأصبحت أحلاما أو كالاحلام ، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التى تصلح نظام الدرس فى كلية الأداب
وأمر كلية الحقوق ليس خيرا من أمر كلية الآداب ، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل ، وقالت وزارة المعارف للاهرام انها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة ، بعد أن تصدر لائحتها الاساسية الجديدة ، وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية
الحقوق ، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع ، ان وزارة المعارف لاشأن لها بالجامعة ، وانما أمور الجامعة اليها ، والى الوزير باحدى صفتيه ، فانت تعلم ان له صفتين
صنع الله لوزير التقاليد أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئا ، وأن يحدث فى وزارة المعارف غير مايقول !
مسكينة كلية الحقوق ، لايريد الله أن يصلح بالها ، ولا أن يقر أحوالها ، ولا أن يجعل لها نظاما لتطمئن اليه .
هذه لأئحتها الاساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة ، فى أقل من عشر سنين ! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين ، يقضى الطالب منها اثنتين فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم أصبح أربع سنين . يقضى الطالب منها سنة فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم ظل أربع سنين تقضى كلها فى كلية الحقوق ، على أن تكون احداها اعدادية تهيئ الطالب لدراسة القانون ، ثم يراد أن تعود خمس سنوات ، تقضى كلها فى كلية الحقوق واحدة منها للاستعداد ، وأربع لدراسة القانون . وأنا زعيم لك بانها سترد إلى أربع سنوات ، بعد أن تعود الامور إلى نصابها ، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال ! وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة ، ولن يكون هذا كله بعيداً .
ولكن مارأيك فى أمد الدراسة هذا الذى يزاد . ثم ينقص ، ثم يزاد ، ومارأيك فى مكان الدراسة هذا الذى يكون حينا بحذوى وحينا بالعقيق؟! ومارأيك فى الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته ، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟! وهل تدرى فيم زيد أمد الدراسة ؟
زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجى كلية الحقوق ، ضعاف الحظ من الثقافة القانونية ! وقد يكون هذا حقا ، ولكن هناك حقا آخر لاشك فيه ، وهو أن المصالح لاتأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم ، ولعلها تأخذ أواخرهم ، لان الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل مالا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء ، أو المقربين إلى الوزراء ! وهناك حق آخر ، وهو ان اطالة أمد الدراسة لاتضمن حسن الدراسة ، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وانما هى مسألة دراسة جيدة أو رديئة ، مسألة أستاذ كفء أو غير كفء ، مسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح! وهناك
حق ثالث لاشك فيه ، وهو أن كلية الحقوق ، فيها قسم للدكتوراه ، كان ينبغى أن تحسن فيه الثقافة القانونية ، ولعلها تحسن فيه بالفعل ، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجى هذا القسم؟ وهناك حق رابع لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو ان كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لاتمام الدراسات العملية القانونية ، بعد درجة الليسانس ، ولعل هذه المعاهد أن تقوى الثقافة ، فلما لاتأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟ وهناك حق خامس لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو أن فساد الامر فى كلية الحقوق لايرجع إلى طول الوقت أو قصره، وانما يرجع إلى أمرين اثنين : فساد التعليم الثانوى الذى يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفا أشد الضعف ، والثانى تقسيم الدراسة فى كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس ، وآخرين أوروبين يدرسون لطلاب الدكتوراه ، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائما ، محدودة الآفاق دائما .
كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشؤون الجامعة ، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين ، لعدلوا عن اطاله امد الدراسة فى غير نفع قليل أو كثير ، والامتحان وما أدراك ما الامتحان ، لقد شدد وحدد وأصبح تحريريا فى كا . شئ ، شفويا فى كا شئ ، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الادنى ، والحد الاعلى ، لدرجات النجاح ، إلى آخر ما تحسنه وزارة المعارف ولاتحسن غيره ! ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسا مالاينبغى الغلو فيه والاسراف فى تشديده وتحديده ولكنها كما ترى فكرة ابتدائية ساذجة ، ترى ان الوقت إذا طال حسنت الدراسة ، وان الامتحان إذا اشتد عظم خطر التخرج من الثقافة وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هى التى غيرت نظام كلية الحقوق ، وتغير الآن نظام كلية الآداب . ومن يدرى ، لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب ، وهل غيرت قوانين الجامعة الالهذا؟!
نعم . لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة كصورة فى مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف ، فقد فتحت لها النوافذ والابواب ، فانتشرت كما ينتشر الوباء ! تبسط ظلها المهلك على كل شئ ! وكانت محصورة فى التعليم الا بتدائى والثانوى ، فامتدت إلى التعليم العالى واخذت تظل الأزهر بجناح ، والجامعة بجناح ، وويل لمصر ولحياتها العقلية ، ان استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجه ، ان تفرح فتخرج من الأزهر والجامعة شبابا يشبهونها فى الابتدائية والسذاجة .
ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين ، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة ، ومافيها من هواء نقى ، وضوء جميل فلن تكون حياة مصر لعبا دائما .
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٢ مايو ٩٣٣ ١.
لعب
Share:
Leave a Reply