Tag: Regulations

  • عزة

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

  • جهد

    جهد
    جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

    نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!

    كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.

    فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

    فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

    في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
    أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
    وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.

    ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.

  • توسل

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

  • لعب

    لعب ٠٠٠
    لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلى لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذى يصيب كليتين من كليات الجامعة : هما كلية الآداب والحقوق ، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة ، لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل فى برامج الدراسة ومناهجها ، وفى نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة مايمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه . ولكن مالذى يمنع أن تمس البرامج والمناهج ، والنظم والآماد ، وقد غير القانون نفسه ، وصورت اللوائح العامة تصويرا يلائم هذه المثل العليا ، التى وضعتها الوزارة القائمة أمامها ، واتخذتها أصولا للحكم !
    كانت الجامعة مستقلة بعض الشئ ، فمحى هذا الاستقلال ا كما كان الدستور واسعا بعض الشئ ، فضيقت هذه السعة ا وكان التعليم فى الجامعة حرا بعض الشئ ، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة ، فيجب أن تمحى هذه الحرية ، وأن تصبح شكلا من الاشكال ، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير فى وزارة المعارف ، أى من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية ، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية ، وأبغض البيئات للحياة الجامعية ! !
    يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير، من وزارة المعارف ، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، وتنظم هذه الفكرة فى وزارة المعارف ، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات ، فتسمع وتطيع ، وتؤمن وتذعن ، وإذا نظم تبدل ، وبرامج تحول ، ولوائح تصاغ فى صورة غير التى كانت عليها ، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت ونمت ، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء ، ثم يصدر المرسوم ، ثم يضطرب أمر الطلاب ، وتفسد نظمهم ، لافى الدراسة وحدها ، بل فى الدراسة وفى الحياة أيضا ، لان وزارة المعارف ، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، لن يدعوا الجامعة حتى يردوها إلى مايحبون هم ، أو إلى مايستطيعون أن يحبوا ، وحتى
    يجعلوها مدرسة كالمدارس ضيقة الحدود ، محصورة الآفاق ، تخرج موظفين وأشباه موظفين ، كما كانت المدارس تفعل من قبل !!
    ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى ان الرقى انما يكون بالسير إلى أمام ، لا بالرجوع إلى وراء ، لانهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا فى الرقى ، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ! وغلونا فى التقدم فيجب أن نتأخر ولو قليلا !
    نعم ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى أن الاسراف فى تغيير البرامج والمناهج والآماد ، يفسد شؤون التعليم ، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد ، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة ، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد فى الدرس ، وانصراف عنه ، وتبرم به .
    لاتفكر وزارة المعارف والذين يوحون اليها فى شئ من هذا ، وانما نحن فى عصر ديكتاتورية ، يجب أن يمس التغيير فيه كل شئ ، وأن يحيط العبث فيه بكل شئ ، وأن تقص أجنحة التعليم كما قصت أجنحة الحرية ، وأن تتسلط فيه على التعليم عقول لم تخلق للتعليم ، وانما خلقت لاى شئ آخر غير التعليم .!
    لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة ، حتى انبسط سلطان الوزارة عليها ، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها ، يعبثون بها ، ويضيقون عليها ، ويقلبون نظام الدرس فيها راسا على عقب ، فيلغون أقساما ، ويضغطون أقساما أخرى ، ويداورون بين قسم وقسم ، ليردوا هذه الكلية إلى شئ يشبه مدرسة المعلمين التى الغيت منذ أعوام ، لان رقى مصر كلها يقتضى الغاءها ، بعد أن أدت مهمتها ، وعجزت أن تؤدى المهمات الجديدة التى دعت اليها الحياة الجديدة .
    ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الالغاء ، وقد طالما ضاقت به ، وشكت منه ، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل ! فلما لم توفق إلى ذلك ، صبرت على مضض ، ودبرت كيدها فى إتقان وإحكام ، حتى أمكنتها الفرصة ، فهى تريد أن تعيد مدرسة المعلمين ، وأن تسميها كلية الآداب! وهى ترد الدراسة فى هذه الكلية إلى أبسط صورها ، وأيسر أشكالها ! فاللغة العربية وآدابها ، يجب أن تدرس فيها كما تدرس فى دار العلوم ! واللغات السامية والشرقية اللاسلامية يجب أن تصبح فيها ثانوية
    كما هى فى دار العلوم ! واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليا لاينتج ولا يفيد ! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ تلحق به الجغرافيا ! وقسم للجغرافيا يلحق به التاريخ إلى اشباه هذه الصيغ الدائرة السخيفة ، التى لايمكن أن تنشأ ولا أن تنمو ، الا فى مكاتب وزارة المعارف ا ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئا واحدا عاما شائعا لايظهر فيه تخصص ولاتمايز ، يجب أن نتواضع فقد كنا غلونا فى الكبرياء .
    يجب أن تكون لنا كلية آداب من الطراز الذى يرضاه الانجليز، ويقبلونه فى مستعمراتهم ، من هذا الطراز الذى يخرج عمالا وموظفين ، لا أدباء ومفكرين ! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة فى وزارة المعارف ، لا فى الجامعة ، وفى لجنة يرأسها رجل لم يدرس فى الجامعات قط ، ولم يذق الحياة الجامعية قط ، ولم ينفق حياته إلا فى هذا النوع من التعليم المتواضع الذى تضيق به مصر ، وتريد أن تخلص منه ، حتى إذا تم وضع هذا النظام ، أقرته الكلية ، وأقره مجلس الجامعة ، وصدر به المرسوم ، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة .
    وليس للجامعيين أن يناقشوا فى ذلك أو يجادلوا فيه ، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنتين : إما الاذعان ، واما الحرمان . !
    رحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ، ليدرسوا أمرا من أمور الجامعة ، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا فى الجامعة ، وعند مدير الجامعة ، ورحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ، ليناقشوه فى برامج التعليم الثانوى، ويأبون إلا أن ينتقل اليهم وكيل الوزارة فى مكتب مدير الجامعة، ليعرض عليهم مايريد .
    رحم الله تلك الايام والعهود ، فقد مضت وانقضت ، وأصبحت أحلاما أو كالاحلام ، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التى تصلح نظام الدرس فى كلية الأداب
    وأمر كلية الحقوق ليس خيرا من أمر كلية الآداب ، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل ، وقالت وزارة المعارف للاهرام انها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة ، بعد أن تصدر لائحتها الاساسية الجديدة ، وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية
    الحقوق ، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع ، ان وزارة المعارف لاشأن لها بالجامعة ، وانما أمور الجامعة اليها ، والى الوزير باحدى صفتيه ، فانت تعلم ان له صفتين
    صنع الله لوزير التقاليد أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئا ، وأن يحدث فى وزارة المعارف غير مايقول !
    مسكينة كلية الحقوق ، لايريد الله أن يصلح بالها ، ولا أن يقر أحوالها ، ولا أن يجعل لها نظاما لتطمئن اليه .
    هذه لأئحتها الاساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة ، فى أقل من عشر سنين ! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين ، يقضى الطالب منها اثنتين فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم أصبح أربع سنين . يقضى الطالب منها سنة فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم ظل أربع سنين تقضى كلها فى كلية الحقوق ، على أن تكون احداها اعدادية تهيئ الطالب لدراسة القانون ، ثم يراد أن تعود خمس سنوات ، تقضى كلها فى كلية الحقوق واحدة منها للاستعداد ، وأربع لدراسة القانون . وأنا زعيم لك بانها سترد إلى أربع سنوات ، بعد أن تعود الامور إلى نصابها ، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال ! وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة ، ولن يكون هذا كله بعيداً .
    ولكن مارأيك فى أمد الدراسة هذا الذى يزاد . ثم ينقص ، ثم يزاد ، ومارأيك فى مكان الدراسة هذا الذى يكون حينا بحذوى وحينا بالعقيق؟! ومارأيك فى الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته ، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟! وهل تدرى فيم زيد أمد الدراسة ؟
    زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجى كلية الحقوق ، ضعاف الحظ من الثقافة القانونية ! وقد يكون هذا حقا ، ولكن هناك حقا آخر لاشك فيه ، وهو أن المصالح لاتأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم ، ولعلها تأخذ أواخرهم ، لان الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل مالا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء ، أو المقربين إلى الوزراء ! وهناك حق آخر ، وهو ان اطالة أمد الدراسة لاتضمن حسن الدراسة ، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وانما هى مسألة دراسة جيدة أو رديئة ، مسألة أستاذ كفء أو غير كفء ، مسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح! وهناك
    حق ثالث لاشك فيه ، وهو أن كلية الحقوق ، فيها قسم للدكتوراه ، كان ينبغى أن تحسن فيه الثقافة القانونية ، ولعلها تحسن فيه بالفعل ، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجى هذا القسم؟ وهناك حق رابع لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو ان كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لاتمام الدراسات العملية القانونية ، بعد درجة الليسانس ، ولعل هذه المعاهد أن تقوى الثقافة ، فلما لاتأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟ وهناك حق خامس لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو أن فساد الامر فى كلية الحقوق لايرجع إلى طول الوقت أو قصره، وانما يرجع إلى أمرين اثنين : فساد التعليم الثانوى الذى يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفا أشد الضعف ، والثانى تقسيم الدراسة فى كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس ، وآخرين أوروبين يدرسون لطلاب الدكتوراه ، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائما ، محدودة الآفاق دائما .
    كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشؤون الجامعة ، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين ، لعدلوا عن اطاله امد الدراسة فى غير نفع قليل أو كثير ، والامتحان وما أدراك ما الامتحان ، لقد شدد وحدد وأصبح تحريريا فى كا . شئ ، شفويا فى كا شئ ، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الادنى ، والحد الاعلى ، لدرجات النجاح ، إلى آخر ما تحسنه وزارة المعارف ولاتحسن غيره ! ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسا مالاينبغى الغلو فيه والاسراف فى تشديده وتحديده ولكنها كما ترى فكرة ابتدائية ساذجة ، ترى ان الوقت إذا طال حسنت الدراسة ، وان الامتحان إذا اشتد عظم خطر التخرج من الثقافة وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هى التى غيرت نظام كلية الحقوق ، وتغير الآن نظام كلية الآداب . ومن يدرى ، لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب ، وهل غيرت قوانين الجامعة الالهذا؟!
    نعم . لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة كصورة فى مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف ، فقد فتحت لها النوافذ والابواب ، فانتشرت كما ينتشر الوباء ! تبسط ظلها المهلك على كل شئ ! وكانت محصورة فى التعليم الا بتدائى والثانوى ، فامتدت إلى التعليم العالى واخذت تظل الأزهر بجناح ، والجامعة بجناح ، وويل لمصر ولحياتها العقلية ، ان استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجه ، ان تفرح فتخرج من الأزهر والجامعة شبابا يشبهونها فى الابتدائية والسذاجة .
    ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين ، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة ، ومافيها من هواء نقى ، وضوء جميل فلن تكون حياة مصر لعبا دائما .
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٢ مايو ٩٣٣ ١.