ثورة
ولكنها استحالت إلى هدوء هادئ، وقد كانت نارًا مضطرمة يتطاير شررها، ويتأجج لهيبها، ويخشى أن يأتي لظاها على كل شيء، فاستحالت بإذن الله بردًا وسلامًا، لا خطر له، ولا شر فيه، ولا خوف منه على أحد، ولا على شيء.
ظهرت هذه الثورة الثائرة يوم الخميس حين أراد وكيل مجلس النواب أن يتكلم في الدَّين، أيؤدَّى ذهبًا أم ورقًا؟ فاضطرب المجلس أشد اضطراب، واضطرم المجلس أشد اضطرام، وانطلقت الحناجر بالصياح، والألسنة بالتأنيب، وامتدت الأيدي في الهواء، وسكت وكيل المجلس، ثم استأنف الكلام، ثم سكت، ثم اضطر إلى أن يدع المنبر، ويعود إلى مجلسه محزونًا كاسف البال!
ثم أبى المجلس أن يثبت من كلام وكيله شيء في المضبطة، وأبى المجلس أن يثبت من ثورته بوكيله شيء في المضبطة، ولم يستطع المجلس أن يطلب إلى الصحف التي تحضر جلساته إهمال هذا الحادث، وما أذكى من نار في قلوب النواب وأفواههم وأيديهم، فنشرت الصحف من أمر هذا الحادث ما نشرت، وأصبح من الحق على المؤرخين أن لا يكتفوا بمضبطة مجلس النواب هذه بعد أن ثبت أنها لا تسجل كل ما يقع في المجلس، وإنما تسجل ما يريد النواب أن يثبتوه.
ثم أصبح من الحق على المؤرخين أن يتمموا بحثهم بقراءة الصحف. ومن يدري لعله لو كشف للمؤرخين عن كل شيء لعلموا أن من الحق عليهم ألا يثقوا بالمضبطة وحدها، ولا بالصحف وحدها، ولا بالصحف والمضبطة مجتمعة، وأن يلتمسوا عند الأفراد الذين اشتركوا في الجلسات أو شهدوها أو سمعوا من اشترك فيها أو شهدها تتمة ما يعمدون إليه من بحث، وما يرغبون فيه من تحقيق.
ومع ذلك فكم قيل للناس وكم سيقال للناس بأن المصادر الرسمية من أوثق المصادر التي يجب أن يعتمد عليها المؤرخون، فقد ظهر الآن أنه يكفي أن يقال إن هذا مصدر رسمي ليقف المؤرخ منه موقف الشك والاحتياط.
هذه ثورة حدثت في مجلس النواب، تحدثت عنها الصحف، واستفاضت بها الأنباء، وكادت تحدث آثارًا ذات خطر في مجلس النواب، ومع ذلك فليس لها ذكر في مضبطة المجلس، ولا سبيل إلى العلم بها، أو القول فيها إلا من خارج المجلس!
ومن قبل ذلك كانت قصة ميزانية الأشغال في مجلس النواب، زعمت المضبطة أن المجلس أقرها، وزعمت المضبطة أن بين الأعضاء من شك في صحة هذا الإقرار، لأن عدد النواب لم يكن قانونيًا، وزعمت الصحف أن العدد كان بعيدًا كل البعد عن أن يكون قانونيًا. وأن ميزانية الأشغال لم تقر وفقًا للدستور والنظام، وإنما خطفت إلى مجلس الشيوخ، كما خطف رئيس الوفد من قنا إلى القاهرة.
ولم ينكر مجلس النواب هذا، لا سرًا ولا جهرًا. فأصبح من الحق للناس أن يصدقوا من شاءوا، وأن يكذبوا من شاءوا، لأن الأمر كله عرضة لشك لا يشبهه شك! وكانت قصة هذه الميزانية في مجلس الشيوخ كقصتها في مجلس النواب. زعمت المضبطة أنها أقرت، وزعمت الصحف أنها لم تقر. وسأل الناس وألحوا في السؤال، فسكتت الصحف، وسكت مجلس الشيوخ.
وشاع أمر هذه الميزانية بين الصدق والكذب، وأصبح من حقك أن تصدق المضبطة وتكذب الصحف، أو أن تكذب المضبطة وتصدق الصحف. فمهما يكن من شيء فإن للصحف فضلًا على النواب والشيوخ يجب أن يؤمن به هؤلاء الذين يضيقون بالصحف، ويريدون أن يسرفوا في التضييق عليها، فلولا الصحف لما عرف الناس أن النواب ثاروا بوكيلهم يوم الخميس حتى هموا أن يخرجوه، ولولا الصحف لما استطاعت الأجيال المقبلة أن تعرف أن النواب كانوا أشداء في مسألة الدَّين، ألداء في الدفاع عن الورق حتى هموا أن ينالوا وكيلهم بأيديهم حين أظهر الميل إلى الدفع ذهبًا!!
لولا الصحف لما عرف شيء من هذا، ولما سجلت للنواب هذه المفاخر الرائعة، وهذه المآثر التي ستُشاع وتُذاع وتملأ الأسماع وتنتشر في كل البقاع.
أفبعد هذا كله يمضي النواب في سوء ظنهم بالصحف، وقبح رأيهم فيها، وهي التي تجعلهم أبطالًا، وتصوغ لهم تيجان الفخر الذي لا يفنى. على أن هذه الثورة التي شبت نارها، واضطرم أوارها يوم الخميس لم يكن من اليسير إخمادها، فقد ردت إلى حدود ضيقة بعد أن أسكت الوكيل! ولكنها ظلت ملتهبة حادة اللهب، وثبت للذين كانوا يحاولون إطفاءها أن هذا الإطفاء لا سبيل إليه إلا أن يستأصل الوقود الذي يمدها بالحرارة والقوة، ويمكنها من الالتهاب والاضطرام. وهذا الوقود هو وكيل النواب نفسه. فرأى رجال المطافئ في مجلس النواب أن لا بد من فصل الوكيل وإخراجه من المجلس لتخمد النار وتهدأ الثورة! قالوا: وتقدم بعض النواب في ذلك إلى رئيس المجلس وأحس الوكيل أن قد أحيط به، فدافع عن نفسه في الصحف، ورجع عن رأيه فيما يقول جماعة، وكشف عن رأيه فيما يقول هو، ولكن رجال المطافئ في مجلس النواب أبوا إلا أن يفصلوه ويخرجوه ليؤمن على المجلس من الحريق، وليتنفس النواب هواء طليقًا، نقيًا بريئًا من الإثم، ومخالفة الإجماع والخروج على إرادة الأمة!!
فلما كان صباح أمس، أضحى وكيل مجلس النواب كئيبًا محزونًا، وكان النهار كلما تقدم به إلى موعد الفصل اشتد جزعه، وزلزلت به الأرض زلزالها. وكان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة، محاكمة رجل لأنه أخطأ، أو لأنه تعمد الخروج على إجماع النواب، أو لأنه أراد أن يكون فريدًا في مسألة الدَّين كما كان فريدًا في مسألة القطن منذ أعوام! أو لأنه أراد أن يكون سياسيًا ماهرًا، ونصيرًا ماكرًا يمهد لتأييد الوزارة والتماس المعاذير لها إن ضاقت بها الحال، وألجئت إلى التسليم للفرنسيين والإيطاليين!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة ليروا كيف يبلغ الاقتناع حد الثورة التي لا تقبل مناقشة ولا جدالًا، ولا خلافًا في الرأي، والتي لا تكتفي بإسكات المخالف في الرأي، ولا برده إلى كرسيه خزيان مبهوتًا. بل تريد أن تقطع عليه كل سبيل للخلاف في الرأي أو في غير الرأي، وترده إلى عزلة آثمة أو كالآثمة!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة ويسأل بعضهم بعضًا: لو أن النواب ثاروا هذه الثورة بالوزراء حين يخالفون إرادة الأمة في بعض ما يأتونه من الأمر، ماذا تكون الحال، وإلى أين يكون المآل؟!
ولكن الانتظار لم يكن طويلًا، والجواب لم يكن عسيرًا. فقد أخمدت النار ولما تنتطح فيها عنزان، ولم يحتج إخمادها إلا إلى نفخة يسيرة كهذه التي تطفأ بها الشمعة إذا أخذ منها الجهد، ولم يبق فيها إلا الذماء! وهل تدري من نفخ هذه النفخة، فأرسل هذا النفس الهادئ الفاتر فأطفأ تلك الثورة الحادة الجامحة؟ هو وكيل النواب نفسه. وقف ثم قال كلامًا دون الذي نشرته الأهرام، وأراد أن يطيل فاكتفى المجلس بالقليل، وبقي الوكيل نائبًا ووكيلًا متمتعًا بثقة النواب، ومتمتعًا أيضًا بثقة رئيس الوزراء التي كان يتمدح بها منذ أسابيع.
وكذلك شبت الثورة، وكذلك أخمدت. كلام شبّها، وكلام أخمدها. وكان الأمر كله كلامًا في كلام! وما ينبغي أن يكون الأمر إلا كلامًا في كلام! فهذا كل ما تسمح به الظروف. وكم يتمنى الذين يحبون الإنسانية ويشفقون على آجال الناس وآمالهم، وعلى منافعهم ومآربهم، لو تكون كل ثورة في العالم كهذه الثورة الهادئة التي شبت في مجلس نوابنا يوم الخميس وأخمدت يوم الاثنين، فلم تدمر شيئًا، ولم تحطم شيئًا، ولم تضيع شيئًا، ولم تمس واحدًا بسوء.
ما أشد حاجة الثائرين في أوربا وأمريكا، أفرادًا وجماعات إلى أن ينظروا إلى مصر، فسيجدون فيها القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنار التي لا تحرق، والثورة التي لا تؤذي، والكلام الذي لا يتجاوز أن يكون كلامًا.
كوكب الشرق ٢٣-٥-١٩٣٣
ثورة
Share:
Leave a Reply