Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

همج

همج
نعوذ بالله أن نحب هذه الكلمة، أو أن نؤثرها أو أن نتخذها عنوانا لفصل من الفصول عن رضًا بها، أو ميل إليها، ولكنها كلمة أصبحت رسمية! وكسبت حقا من الحقوق المدنية! فلم يبق بد من أن نقر لها بهذا الحق الذي كسبته! ونؤمن لها بهذه المزية التي ظفرت بها! وأي حق أعظم من أن ينطق بهذه الكلمة نائب من النواب، في مجلس النواب على منبر النواب، وتحت قبة البرلمان! وأي مزية أميز، وأي فضيلة أفضل من أن تسجل هذه الكلمة في مضبطة مجلس النواب، ومن أن تسجل على أن نائبا قذف بها في وجه الوزراء وزملائه من النواب! نعم امتازت هذه الكلمة، وكسبت حقوقا، وليس على الصحف بأس أن تستعمل الألفاظ المهجورة وتتخذها عنوانا لما تكتب من الفصول بعد أن يمنحها النواب الحقوق المدنية، فيجب أن يقوم مجلس النواب الآن مقام المجمع اللغوي الذي أعلن عن تكوينه ثم لم يكن، وعزم على تأليفه ثم لم يؤلف. وأكبر الظن أن وزير التقاليد قدر في نفسه أن مجلس النواب يستطيع أن يستغني عن هذا المجمع، ليحيي المهجور من الكلام وقد كدت أن أملي الهجر، ويضيف إلى اللغة ما ليس فيها. وما دام مجلس النواب قادرا على أن يشرع في كل شيء، ويراقب كل شيء، ويقضي في كل شيء، فهو بإذن الله قادر على أن يشرع في اللغة ويراقبها ويقضي فيها!
ولكن مجلس النواب لم يحدد أمس -ولعله يريد أن يحدد اليوم- معنى كلمة الهمج هذه، فليس لكلمة من الكلمات قيمة إلا أن يحدد معناها، ويضبط ما تدل عليه. وكان النائب الذي نطق بهذه الكلمة وأدخلها في معجم البرلمان مغضبا ثائرا، منتقض المزاج، فيجب إذن أن لا يكون قد أراد بها دعابة ولا فكاهة ولا مزاحا، فضلا عن أن يكون قد أراد بها تحية للمجلس أو ثناء عليه!
وغضب رئيس المجلس حين سمع هذه الكلمة لنفسه ولنواب الأمة، ووزراء الدولة، فطلب إلى النائب المحترم أن يسترد كلمته هذه. ويظهر أن النائب المحترم من تلاميذ أستاذنا الشيخ محمد المهدي رحمه الله. فقد أساء إلى بعض الناس بكلمة ساقها إليه، فلما طلب إليه سحبها كما يقولون، أجاب «يا ولدي، كلمة قيلت فكيف أسحبها؟» لذلك أبى النائب أن يسحب كلمته بعد أن قالها، وقد غضب المجلس، أو بعبارة أدق اختلف المجلس في وقع هذه الكلمة: أكان شديدا فينبغي أن يألم النواب؟ أم كان خفيفا فينبغي أن يغضي عنه النواب؟ لذلك لم يثوروا بصاحب الهمج هذه! وإنما ألحوا عليه في رفق ولطف في أن يستردها ويعتذر منها! ولم يكن يعدل لين المجلس إلا شدة النائب! فقد كان المجلس يلح في الاعتذار، وكان صاحب الهمج يكرر الهمج حتى إذا أثقل زملاؤه عليه لم يسحب الكلمة وإنما سحب نفسه وخرج من المجلس حدة شديدة، يمزق بيديه مشروع القانون الذي كان يعرضه وزير التقاليد! وكان يدرسه المجلس ويظهر الميل إليه، والتأييد له. وكان النائب ينكره ويرى أن الهمج لا يعرضونه ولا يقبلونه! هنالك كانت حدة وشدة. وهنالك كانت ثورة وفورة، ولكنها لم تكن عامة ولا شاملة. وإنما مقصورة على جماعة من النواب، لهم فيما يظهر أمزجة حادة، وحس سريع التأثر. وكانت كثرة المجلس آخذة بالعفو، آمرة بالعرف، ميالة إلى الصفح، ولا سيما إذا قبل صاحب الهمج أن يتقدم بالاعتذار. وسنرى اليوم إلى أين تبلغ هذه القضية: أيسحب النائب كلمته فيبقى في المجلس؟ أم يأبى النائب سحب كلمته فيسحبه المجلس من بين أعضائه سحبا موقوتا أو غير موقوت؟!
لكن هناك شيئا أجل خطرا من كلمة الهمج ومدلولها، ومن مرسل هذه الكلمة ورأيه في نفسه وفي زملائه ووزرائه، ورأي زملائه ووزرائه فيه. وهو أن فصل العمل قد طال على النواب، وتقدمت بهم الدورة حتى بلغ منهم الجهد وألح عليهم العناء فأصبحوا لا يملكون أنفسهم ولا أيديهم ولا ألسنتهم! وأصبحوا يغضبون لكل شيء، ويثورون لكل شيء، ويتنكرون لكل شيء.
يحاول رجل أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيثور بعض النواب بالصحف. يحاول وكيل المجلس أن يعلن رأيا مهما يكن خاطئا، ومهما يكن سخيفا، فهو رأي أن يعلنه نائب له الحق في إعلان رأيه بحكم الدستور، فيثور به النواب، ويجمعون أمرهم على أن يفصلوه ويخرجوه، أو يذعن ويؤمن، ويخلع رأيا ويلبس مكانه رأيا آخر، كما يتبدل قميصا من قميص. ويحاول وزير التقاليد أن يدافع عن مشروع من مشروعات القوانين، أو يحاول المجلس نفسه أن يدرس مشروعا من مشروعات القوانين فيثور أحد النواب ويقذف في وجوه النواب والوزراء كلمة الهمج. وإذ بلغ الجهد من النواب هذا الحد، وانتهى بهم الإعياء إلى هذه المنزلة، فهم خليقون أن يستريحوا كما استراح رئيس الوزراء، وهم عاجزون عن أن ينهضوا بالعمل فستتصل فيهم الثورة، ويلح عليهم الغضب حتى يخرجهم من أطوارهم. ولست أذكر منفعة الأمة ومصالح الدولة، فليس عليها بإذن الله بأس من النواب، سواء سخطوا أم رضوا، وسواء هدأوا أم ثاروا. وإنما أذكر النواب أنفسهم، فقد يعرضون صحتهم وأمزجتهم وأعصابهم بهذه الثورة الدائمة، وهذا الغضب المتصل لشر لا نحب أن نتعرض له. ولو أن رئيس الوزراء بالنيابة مستعد لقبول النصح لأشرنا عليه بأن يتلو المرسوم الذي يأذن للنواب في أن يتفرقوا ويستريحوا، فإن جهد المكدود لا خير فيه.
على أن هناك شيئا يعزى عن هذا الاضطراب المتصل بين النواب، وهو أنه اضطراب لا يؤذي، وثورة كنار القش أو كنار الورق، سريعة الهبوب، سريعة الخمود. فأما النائب الذي ثار على الصحف فقد اعتذر إلى الصحف. وأما النواب الذين ثاروا بالوكيل فقد عفوا عن الوكيل. وأما النائب الذي رمى في وجوه الزملاء والوزراء بكلمة الهمج فسيعتذر إلى الوزراء والزملاء. وما دامت نار النواب هينة هادئة، لا تحرق شيئا، ولا تمس أحدا بأذى فقد لا يكون بهبوبها وخمودها بأس، بل قد يكون في هبوبها وخمودها شيء من التسلية لهذا الشعب الذي يجب أن ينتظر من نوابه أن يسلوه إذا عجزوا عن أن يسعفوه.
ويظهر أن الأمر لا يريد أن يقف عند مجلس النواب، وأن مجلس الشيوخ يريد أن ينافس زميله الشاب فيما يأتي من حركات الشدة والحدة. ومن الثوران والفوران، فقد صاح بعض الشيوخ منذ أيام في وجه الرئيس، أو في وجه الوكيل: إنكم تريدون أن تعاملونا كما يُعامَل زملاؤنا في مجلس النواب. ولم يحفل الرئيس أو الوكيل بهذه الصيحة، كما لم يحفل رئيس النواب بصيحات النواب!
وخطفت ميزانية الأشغال فيما يقال من مجلس الشيوخ كما خطفت من مجلس النواب! ثم جاءت ميزانية السكك الحديدية، فجاءت ثورة أخرى وتبعتها خطفة أخرى! وظهرت الأهرام صباح اليوم، وإذا شيخ من الشيوخ يشكو المجلس إلى الشعب، ويتهمه بتهم أقل ما توصف به أنها خطيرة. فالمجلس -في رأي هذا الشيخ الوقور- يحرم أعضاءه حرية الكلام، ويحول بينهم وبين إعلان آرائهم، ويمضي أبواب الميزانية وفصولها في سرعة لا تلائم الأمانة -استغفر الله- بل يؤدي هذا المجلس عمله كله بطريقة لا تلائم الأمانة ولا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! وأؤكد لمجلس الشيوخ ومجلس النواب ومجلس الوزراء والنائب العام أني لا أقول هذا الكلام من عند نفسي. ولا أرتجله ارتجالا، وأعوذ بالله أن أدفع نفسي إلى هذا الموقف الحرج، والمأزق الدقيق. إنما ألخص ما قاله الشيخ المحترم في الأهرام. والشيخ المحترم قد قال أكثر من هذا، فأعلن إلى الناس وإلى الوزراء، وإلى الشيوخ أيضا أن له آراء في ميزانية السكك الحديدية، منع من إعلانها على منبر البرلمان فسيعلنها على منبر الصحافة في الأهرام. وإذن فنائب يتهم مجلس النواب بالهمجية، وشيخ يتهم مجلس الشيوخ بماذا؟ بالاستبداد، لأنه يمنع الناس من إعلان آرائهم، وبمخالفة الأمانة النيابية، لأنه يقضي في أمور الدولة على عجل، ولأن أعضاءه يؤثرون أعمالهم ورياضتهم على النظر في شؤون الدولة ثم يقبض أموال الدولة في غير حق، لأن أعمال المجلس لا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! ولست أريد أن أستنتج شيئا، فكل إنسان يستطيع أن يستنتج. ولست أريد أن أطلب شيئا، فليس يباح لنا أن نطلب شيئا في مثل هذه الحال، ولكني أرجح أن الشيوخ سيغضبون على زميلهم يوم يجتمعون كما غضب النواب على زميلهم أمس، وأن الشيوخ سيطالبون زميلهم، لا بأن يسحب كلمته، بل أن يسحب فصلا كاملا فيه كلمات وجمل وتهم تقال. وإذن فستشهد القاهرة مساء اليوم ثورتين، ثورة في مجلس النواب، وثورة في مجلس الشيوخ، ولكنهما ستكونان بإذن الله خفيفتين كل الخفة، هادئتين كل الهدوء. لن تضطرم فيهما النار حتى يطفئها الاعتذار! ثم يمضي الليل ويشرق النهار، وتقرأ أن مشروعات القوانين وأبواب الميزانية تمر في المجلسين في سرعة دونها مر القطار السريع.
كوكب الشرق ٢٤ – ٥ – ١٩٣٣

Share:

Comments

Leave a Reply