Tag: language

  • لغو الصيف

    لغو الصيف

    «من هنا يا آنسة؟ من هنا؟» ثم أشار إلى مائدة منعزلة كأنما هيئت لقوم يريدون الخلوة واعتزال الناس. فلما انتهيا إليها أعجبهما مكانها الجميل على شاطئ النيل في ظل هذه الشجرة الضخمة الباسقة، قد مدت أغصانها في قوة إلى أمام، حتى إذا تجاوزت بها الشاطئ حنتها نحو الماء، وغمستها فيه كأنما تريد أن ترتشف منه، ونظر الصديقان من حولهما فلم يريا أحدًا، ومد الصديقان بصرهما أمامهما وأطالا النظر إلى النيل وهو يجري من تحت أقدامهما في قوة الشاب وهدوء الحكيم، ثم جلسا، وقال الرجل لصاحبته: هنا يحسن الحديث. قالت: ويحسن الصمت أيضًا. وقد ظهرت على وجه صاحبها علائم تدل على أنه لم يفهم عنها ما أرادت إليه، وأحست هي منه السؤال الذي لم ينطق به، فقالت وكأنها تجيب: إن تحدثنا تساقينا موسيقى الحوار، وإن سكتنا تساقينا نجوى الضمائر ووحي القلوب. ولنا في كلتا الحالين لذة، ولنا في كلتا الحالين متاع، فخذ بأيهما شئت. قال: فأيهما تريدين؟ قالت: لا أريد شيئًا إلا أن نترك أنفسنا على سجيتها. فإن انطلقت ألسنتنا سمعتها آذاننا، وإن آثرت نفوسنا الحديث الصامت وعته قلوبنا. قال وهو يضحك: أيسر من هذا كله وأدنى إلى التناول أن نتساقى ما يبرد الغليل، ويرد عنا حر هذا القيظ. ثم دق يدًا بيد في شيء من الرفق. فأقبل الخادم وتلقى عنه أمره وانصرف.

    وكان هو طويلًا نحيفًا، ظاهر النشاط، خفيف الحركة، مكتمل القوة، لا يظهر عليه ما يدل على سنه إلا خيوط بيض متفرقة قد انتثرت في شعر رأسه انتثارًا. وكان عذب الصوت، حازم اللهجة، معتدل الحديث، ولعله كان إلى الإبطاء فيه واصطناع الأناة أدنى منه إلى الإسراع والتعجل، وكان صوته يمتد من حين إلى حين، لا غضبًا ولا تحمسًا، ولكنه كان مقتنعًا بما يقول، فكانت حدة صوته ولينه يمثلان حظه من الإيمان والاقتناع بما يقول. وكانت هي ربعة، ممتلئة الجسم، مستقيمة القد، معتدلة القامة، وكان وجهها مشرقًا شديد الإشراق، منسقًا بديع التنسيق، تمر به من حين إلى حين سحابة رقيقة جدًا من حزن لا يكاد يتبينها إلا من اعتاد أن يلقاها ويطيل صحبتها والتحدث إليها. وكانت هذه السحابة الطارئة لا تمر بها وهي تتحدث، إلا قطعت عليها الحديث فجأة، ثم تلبث أن تزول فيتصل الحديث، ولا تمر بها وهي تسمع إلا لهت عن محدثها لحظة ثم تزول، وإذا هي ترفع إلى محدثها طرفًا فيه شيء كثير جدًا من الحياء والإشفاق، وتستعيد ما قال في صوت عذب، ولفظ حلو، يحسن مسه للآذان ووقعه في القلوب. وكان صوتها هادئًا عريضًا يمثل نفسًا هادئة غنية ممتلئة بالعواطف الخصبة والشعور الحي والعلم الغزير. وكأن الفرصة أرادت أن ترضي حاجتها إلى الصمت، وحاجة صديقها إلى الكلام، فقد أقاما صامتين لحظة غير قصيرة ينظران إلى سعي النهر أمامهما، كأنهما ينتظران شيئًا، وكأنهما يلهوان بالنهر وسعيه الهادئ القوي عما يضطرب في نفوسهما من الخواطر والآراء، ومن العواطف والأهواء، حتى إذا أقبل الخادم فهيأ المائدة وصف أكوابه وأطباقه، وانصرف راضيًا عن نفسه مبتسمًا لضيفيه، نظرت هي إلى صاحبها كأنها تسأله أن يبدأ الحديث، فقال، وقد فهم عنها ما كانت تريد: لسنا في حاجة إلى أن نبتدئ الحديث، وما علينا إلا أن نأخذه حيث تركناه حين انتهينا إلى هذا المكان الهادئ الجميل.

    قالت: فإن هدوء هذا المكان وجماله قد أنسياني حدة ما كنا فيه من حوار، واضطراب ما كنا نتبادل من رأي، فلننظر القضية من أولها، فلعل هذا الهواء الطلق وهذا المنظر الحلو، وهذا السكون الساكن، أن تكون قد ردتك إلى شيء من الصواب وصددتك عما كنت فيه من جموح. فما أرى إلا أنك تظلم الأدب والأدباء جميعًا، وتقسو على الشبان والشيب. وكم أحب لك أن تكون سمح النفس، رضي الطبع، مستعدًا لشيء من التجاوز، تعذر طيش الشباب، وترفق بحدة الشيوخ. قال: فأحب أن أعلم أين الشباب وأين الشيب، ومتى يكون الأديب شابًا، ومتى يكون الأديب شيخًا. فهذا حديث طريف لم أسمع به في مصر قبل هذه الأيام، ولقد رأيت الأدباء منذ عرفت الأدب ينشئون النثر ويقرضون الشعر على اختلاف أسنانهم وتفاوت حظوظهم من القوة والضعف، فلا يختصمون في شباب ولا شيخوخة، وإنما يختصمون في الرأي ويختصمون في الفن، يعين بعضهم بعضًا، ويدافع بعضهم بعضًا، لا يعتز الشيخ على الشاب بتجاربه وكثرة ما أنتج من الآثار، ولا يعتز الشاب على الشيخ بحداثته وقوته، ونظرة شبابه، واتساع الأيام أمامه، وانبساط الآمال له. قالت: لم تر ذلك من قبل، ولكنك قد رأيته الآن. فأي غناء في أن تنكر شيئًا حدث الآن لأنه لم يحدث من قبل، وأي فرق بينك وبين عامة الناس الذين يضيقون بالجديد، لا لشيء إلا لأنهم لم يألفوه ولم يطيلوا عشرته؟ إن في الشباب نزوعًا إلى الفوز، وطموحًا إلى الظفر، وتعجلًا لاتساع الشهرة وبُعد الموت، وكل هذا طبيعي، وكل هذا مألوف لأنه يلائم فطرة الشباب وأخلاقهم. ولا تنكره عليهم، ولا تصرفهم عنه، فإني أخشى أن يفت ذلك في أعضادهم، وأن يضعف من نشاطهم، وأن يرد جذوتهم هذه الجميلة إلى الخمود.

    قال: لقد كنا شبابًا كما كانوا. وكان لنا من رفاقنا في الأدب أساتذة قد سبقونا إلى الحياة وتقدمت بهم علينا السن، وأخذوا من التجارب العلمية والفنية بحظوظ لم نأخذ بمثلها. فما حسدناهم وما أنكرناهم، ولا جاهدناهم ولا قصدنا إلى المكر بهم والكيد لهم، وإنما كنا نقفو آثارهم ونسمع لنصائحهم ونستعذب أحاديثهم، ولعلنا كنا نحس ما بينهم وبيننا من خلاف، فلم يكن ذلك يغرينا بهم، ولا يصرفنا عنهم. وإنك لتذكرين كم كنا نستعذب أحاديث حفني ناصف، وكم كنا نحرص على أن نروي عنه كل ما كان يحدثنا به من هزل القول وجده. وإنك لتذكرين أنا كنا ننصرف عنه بعد الجلسة الطويلة معجبين به محبين له، ثم لا نلبث أن نستعيد ما سمعنا منه فننكر بعضه ونعرف بعضه الآخر، ولا يمنعنا ذلك من أن نتعجل عودته إلى القاهرة آخر الأسبوع لنلقاه ونسمع منه ونتحدث إليه. وما خطر لك ولا خطر لي ولا خطر لواحد من أصحابنا أن ينكر حفني ناصف لأنه كان شيخًا ولأننا كنا من الشبان، أو يلوم حفني ناصف، لأنه سبقنا إلى الحياة والإنتاج، فسبقنا إلى الشهرة وبعد الصوت، إنما كنا نستعينه على أن نكون خيرًا منه، وكان يعيننا على ذلك راضيًا به مبتسمًا له راغبًا فيه. قالت: فإني أحب لكم معشر الشيوخ أن تكونوا كحفني ناصف وأمثاله من أساتذتكم، لا تضيقون بأبنائكم إن ثاروا أو تمردوا أو لعبت برؤوسهم نزوات الشباب.

    هنا قال صاحبها في شيء من الغضب الضاحك: ومن زعم لك أني شيخ؟ هذا شيء لا أقره ولا أرضاه. قالت وهي مغرقة في الضحك: وما يعنيني أن تقره أو لا تقره، وإن ترضاه أو لا ترضاه، فأنت شيخ سواء أردت أم لم ترد. ألست قد أنفقت أكثر من ربع قرن تنشئ الرسائل وتنشر الفصول وتذيع الكتب؟ أليس قد اختلف إليك أجيال من الشباب فقرؤوا ما كتبت، وسمعوا لما قلت، وتأثروا بهذا وذاك؟ فمنهم من ذهب مذهبك، ومنهم من ذهب مذهب فلان أو فلان من أصحابك. فكن شيخًا أو لا تكن، فأنت أب على كل حال، ماذا أقول؟ بل أنت جد. فلم يختلف إليك جيل واحد، وإنما اختلفت لديك أجيال، ولم تتخرج عليك طبقة من الكتاب، وإنما تخرجت عليك طبقات. ولست أدري ماذا يغيظك من الشيخوخة، وماذا يسوؤك منها؟ ولم تكره أن يراك الناس كما أنت؟ بل لم تكره أن ترى نفسك كما أنت؟ ولم تريد أن تطمع في غير مطمع، وتطلب ما لا سبيل إليه؟ فليس التصابي من الأشياء التي تحب أو يرغب فيها الرجل المحتشم، وقد عرفتك رجلًا محتشمًا، فأجعل نفسك حيث أراد الله أن تكون.

    قال في لهجة ماكرة وصوت عابث: فأنت شيخة إذن، فقد كتبت الكتب وأذعت الرسائل ودبجت الفصول، منذ عشرين سنة. قالت: بل منذ خمس عشرة سنة. قال: بل منذ عشرين. قالت: لم أكن أكتب حين شبت الحرب. قال: بل كنت تكتبين، وإني لزعيم أن أذكرك بعض ما كتبت قبل أن تشب الحرب. قالت: فإني لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة. قال: لن أقول إنك شيخة في السن، ولو قلت ذلك لكذبني ما أرى وما أسمع. فعلا وجهها احمرار شديد، ومست يده في رفق كأنما تريد أن تضربه. وهي تقول: متى تدع هذا العبث؟ ومضى هو في الحديث.

    فقال: أنت على نضرة شبابك شيخة في الأدب. قد كتبت منذ زمن طويل، وعلّمت أجيالًا مختلفة من الشباب، وتخرّجت عليك طبقات مختلفة من الكتّاب. قالت: تعال نتفق. لسنا شيخين ولا شابّين، وإنما نحن شيء بين ذلك، وأنت أدنى إلى الشيخوخة وأنا أدنى إلى الشباب. قال: ولا هذا، فلا بد من أن نتفق على معنى الشيخوخة في الأدب، فليس يكفي أن نكون قد اصطنعنا الأدب منذ زمن طويل، وأثرنا في أجيال مختلفة من الكتّاب لنكون شيوخًا، وليس من الحق أن كل أب شيخ، ولا أن كل جد شيخ. فقد نكون آباء، وقد نكون أجدادًا، ولكننا على ذلك لسنا شيوخًا. إنما الشيخوخة ضعف. وما أرى إلا أن الشيخ هو الذي أخذه الضعف، وبلغ منه العجز والفتور، فاضطر إلى العقم، وحيل بينه وبين الإنتاج. أفترين أنا قد انتهينا إلى هذه الحال؟ إنك تكتبين في كل يوم، وإني أكتب في كل يوم. والناس يقرؤون لك ويقرؤون لي، والناس يعجبون بك ويرضون عن بعض ما أكتب. قالت: بعض هذا التواضع. ولكنه مضى في الحديث فقال: وما زالت آمالك وآمالي في الأدب أبعد من أن تحد، وأوسع من أن تحصر، وما زلنا نتم الفصل أو الكتاب وإذا نحن نفكر في فصل جديد أو كتاب طريف، نريد أن نكتبه أو نذيعه. وما دمنا نجد هذه القوة، ونملك هذا النشاط، ونعرض آثارنا على الناس، ومنهم هؤلاء الشباب، فلسنا شيوخًا ولا قريبين من أن نكون شيوخًا. قالت: ليهلك هذا الشباب الذي تحبه وتحرص عليه، وتخشى أن يغتصبه منك الشبان. ولقد كدت أرضى منك بهذا الحديث وأحمد لك إحياء الأمل في نفسي، لولا أجد من الضعف ما لا تجده، وأحس من الهزيمة ما لا تحس. فأنت تكتب وتفكر في الكتابة، وأنت تنشئ وتتهيأ للإنشاء، أما أنا فلا أكتب ولا أفكر في الكتابة، وإن كتبت فلا أكتب للناس وإنما أكتب لنفسي، ولا أتحدث إلى الناس وإنما أتحدث إلى نفسي. ولعلي لا أذكر الناس في هذا الحديث وإنما أذكر نفسي. إنما أنا شيخة قبل أن أبلغ سن الشيوخ. أمحزونة أنا لذلك أم راضية أنا به؟ لا أدري، ولعلي أحزن له حينًا وأرضى عنه حينًا آخر. ولكني على كل حال لا أجد في نفسي هذا النشاط الذي يمكنني من رفض الشيخوخة. قال في صوت هادئ حار: كلا يا سيدتي، هذه أزمة من أزمات الشباب ليس بينها وبين الشيخوخة سبب، وأنا زعيم بأن هذا الصيف لن ينقضي حتى يتحدث الناس عنك فيطيلوا الحديث، ويعجب الناس بك فيكثروا الإعجاب. وسأكون أنا أحد هؤلاء المتحدثين وأحد هؤلاء المعجبين، ولكن حديثي عنك وإعجابي بك لن يقعا من نفسك إلا كما يقع منها حديث غيري من الناس وإعجابهم.

    قالت: فأنت إذن تريد الثناء. قال: كلا، وإنما أريد شيئًا آخر خيرًا من الثناء، أريد أن أسبق الناس إلى قراءة شيء مما تكتبين. قالت: دعني ودع ما أكتب وما لا أكتب، وحدثني عن ظاهرة أخرى في الأدب المصري ظهرت عنيفة في هذه الأيام. قال: وما هي؟ قالت: ألست ترى غضب الأدباء من الشيوخ والشبان؟ قال: دعي لفظ الشيوخ. فليس في أدبائنا شيوخ. فضحكت وقالت: ألست ترى أن الأدباء جميعًا يضيقون بالنقد ولا يحتملونه، ولا يطيقون الصبر عليه؟ وكيف تفسر هذه الحدة؟ وأين تجد العلة لهذا الضيق؟ لقد كنت أريد أن أجد في هذه الحدة والضيق دليلًا على شيوخة الأدباء، ولكني أراهما شائعين حتى عند الذين لا أشك ولا تشك أنت في أنهم من الشبان. فهم أبغض للنقد والناقدين من كل إنسان.

    ومهما أعجب فلن ينقضي عجبي من كاتب أو شاعر ينشر نثره أو شعره على الناس في كتاب مطبوع أو في صحيفة سيارة، فيخرجه بذلك عن ملكه الخاص، ويجعله بذلك ملكًا للناس جميعًا، ثم يأبى على الناس بعد ذلك أن يتصرفوا في ملكهم كما يريدون. قال: إن الكتاب والشعراء يسرفون على قرائهم ويكلفونهم شططًا، فهم يغضبون إن لم يقرأهم الناس، وهم يغضبون إن قرأهم الناس ونالوهم بشيء من النقد ولو خفيفًا. ولقد أتردد أحيانًا في أن أقرأ الكتاب أو الديوان يرسله إلي صاحبه، لأني واثق بأني قد أرى فيه غير ما يحب الكاتب أو الشاعر. فإن سكت عنه أثمت في حق الأدب وفي حق نفسي، ولم يرض مني صاحب الكتاب أو الديوان بهذا السكوت، وإن قلت ما أرى فتحت بابًا من أبواب الجدال ليس إغلاقه بالأمر اليسير، ولعله لا يغلق إلا على كثير من الموجدة. قالت: هذا اعوجاج في أخلاق الأدباء كنا ننكره على شيوخنا المتقدمين، وكنا نقدر أن أدباء الجيل الحديث سيقومونه في أنفسهم والناس، فأخلفوا الظن، وكذبوا الرأي، وأصبحوا خليقين أن يقومهم المقومون، سواء أرضوا بذلك أم كرهوه. فهم أن يتكلم، ولكنها مضت في الحديث قائلة: على أنهم لا يضيقون بالنقد فحسب، ولكنهم يتهالكون على الثناء، فما أشد ثورتهم على الناقدين! وما أحسن لقاءهم للمقرظين! قال ومع ذلك: فإني أتهم كل مقرظ، وأسيء الظن بكل تقريظ، وأعتقد اعتقاد الموقن أن النقد مهما يشتد ومهما يسرف صاحبه فهو أنفع وأجدى؛ لأن الكاتب إلى أن يعرف عيوبه ويتبين مواضع الضعف في آرائه وألفاظه وأساليبه، أحوج منه إلى أن يقال له أحسنت حين يحسن، وأصبت حين يصيب.

    ومر فتى لم يبلغ السادسة عشرة، صبيح الوجه، رث الزي، حافي القدمين، يحمل سلة فيها باقات من زهر، فوقف على الصديقين وقدم إليهما أزهاره. قال الصديق لصاحبته: اختاري. قالت: أليس من الاختيار بد؟ قال الفتى: لا بد من ذلك يا سيدتي، فإني في حاجة إلى العشاء. هنالك اضطرب بصرها بين باقتين، في إحداهما ورد، وفي الأخرى قرنفل. قال الرجل للغلام: ضع هاتين الباقتين. ثم التفت إلى صاحبته وهو يقول: أما أنا فأحب لثم الورد وشم القرنفل.

    من هنا، يا أستاذ، من هنا! وأذن لي في أن أسعى بين يديك، فلا بد لك من دليل. ثم سعت أمامه رشيقة أنيقة في طريق طويلة جميلة، يحفّها من جانبيها الشجر والزهر، وفيها قليل من ضيق، وشيء من التواء. وقد استمتعت الأشجار القائمة على جانبيها بشيء من الحرية عظيم لا يستمتع به الناس في هذه الأيام، فمدّت أغصانها كما شاءت في غير نظام، حتى اختلط بعضها ببعض والتفّ بعضها ببعض. وجعلت الآنسة تسعى أمامه رشيقة رفيقة، وتجدّ في التفريق بين هذه الأغصان الملتفّة المتعانقة لتشقّ طريقها وطريق صاحبها، وكأنها كانت تجد في ذلك شيئًا من العسر اللذيذ، فكانت تحاول أن تعتذر بهذه الجمل السهلة اليسيرة الفارغة التي تقال في مثل هذه الحال: ليست الطريق سهلة هنا، يجب أن تحتاط، وما رأيك في هذه الأغصان التي تريد أن تداعبنا وإن لم نطلب إليها المداعبة؟ حقًا لقد أسرفنا في إهمال هذه الأشجار فأسرفت في الانتفاع بحريتها. وكان صاحبها يجيب على هذه الجمل بضحك فارغ لا يدلّ على شيء إلا على أنه لم يكن يجد ما يقول، لأنه لم يكن يسمع لهذه الجمل التي تلقى إلا بإحدى أذنيه. وقد كانت نفسه كلها مفتونة بهذه الطبيعة الحرة المطلقة، وبما بينها وبين حياة الناس في هذه الأيام من تناقض واختلاف. ولعله كان يعجب بهذا القوام المعتدل الذي كان يسعى أمامه في رفق، ويجاهد هذه الأغصان في لباقة وظرف، ولكنه كان يخفي حتى على نفسه هذا الإعجاب الذي لو أحسّتْه صاحبته لضاقت به ضيقًا شديدًا. حتى إذا طال سعيهما في هذه الطريق الخفية الملتوية انتهيا إلى رقعة واسعة رحبة من الأرض، وقد فرشت ببساط ناعم كثيف من العشب، وانتثرت فيها قطع بديعة من الزهر، قد نسّقت أحسن تنسيق وأجمله، وقامت في وسطها مائدة قد نثرت عليها أوراق الورد في كثرة تلفت النظر. فلما انتهيا إلى هذا المكان الهادئ الباسم الجميل، أرسلت من صدرها زفرة ضاحكة وهي تقول: لقد انتهى الجهد وآن للمتعب أن يستريح، اجلس يا سيدي، فهنا يحسن الحديث فيما أظن.

    قال: بل هنا يحسن الاستماع. قالت: الاستماع لمن! الاستماع لماذا؟ قال: الاستماع لك والاستماع لهذا الصمت الناطق من حولنا. قالت: دع عنك الاستماع لي، فما أحسب إلا أنك قد سئمته، أو ستسأمه، وما أحسب إلا أنك قد زهدت فيه أو ستزهد فيه حين يستأنف بيننا الحوار، فيستأنف بيننا الحوار من غير شك، ولكن حدّثني عن الاستماع للصمت كيف يكون؟ وحدّثني عن الصمت كيف ينطق أو كيف يصدر عنه الكلام؟ وكأنهما في أثناء هذا الحديث قد أخذا مكانهما إلى المائدة وجهًا لوجه. وكان صاحبها حائر النظر بعض الشيء يردّده بين السماء والأرض، ويردّده بين قطع الزهر المنتثرة من حوله وبين آنية الزهر القائمة على المائدة، وبين أوراق الورد المنثورة بين يديه. قالت: ألست قد زعمت لي منذ أيام أنك تحب لثم الورد وشمّ القرنفل؟ فهذا هو الورد تستطيع أن تمتع نفسك به كيف أحببت. انظر إليه مختلفًا ألوانه، مستويًا على سوقه؛ بعضه قد هام بالحياة والضوء، فانبسط لهما انبساطًا وأخذ يلتهمهما التهامًا، وبعضه قد أحبّهما، ولكنه يسمو إليهما في استحياء، فيتفتح لهما قليلًا قليلًا، وبعضه يحسّهما وينعم بهما، ولكنه لا يكاد يشعر بهذا الحس وهذا النعيم، فهو أكمام لم تتفتح بعد. وانظر إليه أسيرًا في هذه الآنية، لم يبق فيه من الحياة إلا ذماء يسير يمسكه عليه هذا الماء الذي تحتويه الآنية. وانظر إليه صريعًا قد فقد الحياة وتفرقت أوراقه، وانتثرت بين يديك غضة، ولكنها تسرع إلى الذبول أو يسرع إليها الذبول. وهذه زهرات من قرنفل قد هيّئت لك، وفرّقت في آنية الورد، تبعث إليك عرفها هادئًا قويًا. فماذا تريد فوق هذا؟

    قال: لا أريد إلا أن تمضي في هذا الحديث الذي أخذت فيه منذ الآن، فإني لا أعرف ترجمة عن هذا الصمت الذي كنت أريد أن أسمع له أبلغ من هذه الألفاظ التي ينثرها حديثك العذب. قالت: وما زلت مشغوفًا بالعبث، لا تفرغ منه إلا لتعود إليه. لقد أنبأتني عن حبك للورد والقرنفل، فها أنت ذا بين الورد والقرنفل، فحدّثني أنت بحديثهما، فأنت أعلم به وأقدر عليه مني. قال: ما أعرف يا آنسة أن لهما حديثًا يحكى، فإن كان لهما حديث فما أعرف أن أحدًا يستطيع أن يحكيه غيرهما، فاستمعي لهما إن شئت، وغيرك فاسمعيني حديثهما إن شئت، فإنما أنت زهرة بين الزهر. قالت: كأنك تريد أن تحفظني. فاعلم أنك لن تبلغ ما تريد، ولن تثير حفيظتي، ولن تصرفني عما أزمعت من أن أسمع منك حديث الورد والقرنفل. فلا تلتوِ به، فلن ينفعك الالتواء. وأقبلت خادم تسعى وهي تحمل صينية عليها إبريق وأكواب. فوضعت إبريقها، وصفّت أكوابها، وانصرفت متثاقلة. وكانت عجوزًا شمطاء قد انحنت قامتها، وأسرف الذبول في وجهها، فلم تكد تبقى فيه قطرة من حياة. وكان منظرها في هذا الفناء مناقضًا أشد المناقضة لما يحيط بها من هذه الحياة القوية.

    فهمّ أن يتكلم، ولكن صاحبته قالت وقد فهمت عنه ما كان يريد: ومع ذلك فهي أنشط منك للحياة، وأحرص منك على نعيمها ولذّاتها، لا يفوتها موسم، ولا يفلت منها عيد، ولا تقصّر عن فرصة إن سنحت لها لتشترك فيما يراه الناس سعادة ونعيمًا أو لهوًا وصفوًا. وهي بعد هذا كله صماء مغرقة في الصمم، تستطيع أن تتحدث إليها وتصيح بها فلن تسمع لك ولن تفهم عنك. وهي بعد هذا وذاك قد نيّفت على الستين. ولكن هات حديث الورد والقرنفل. ثم عمدت إلى الإبريق فملأت منه قدحين وهي تقول: لقد أنسيت، فهذا يوم الورد، تستطيع أن تراه وأن تشمه، وأن تلمسه، وأن تلثمه، وأن تشربه أيضًا. فليس في هذا القدح بين يديك إلا ماء الورد. والآن تحدّث، فقد يحسن الحديث. قال: أيّ حديث يحسن في مصر؟ وما أعرف بلدًا أفضح لسر الحديث، وأكلف بنشره وإذاعته من هذا البلد. أتذكرين؟

    قالت: وكيف لا أذكر؟ إنك تشير إلى مجلسنا ذاك على شاطئ النيل، وإلى حديثنا هناك عن شيوخ الأدب وشبابه. فقد نشر هذا الحديث في الرسالة. قال: ومع ذلك فلم يكن في مجلسنا ولا قريبًا منه أحد. قالت: ولست أنت قد ألقيته إلى من أذاعه، هذا شيء لا شك فيه. قال: ولا أنت، هذا شيء لم يخطر لي. قالت: وإذن؟ قال: وإذن فهو طائر من هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا كان الأصيل ودنا الليل، فتسمع حديث الناس وتعيه، وتلقيه في روع الكتّاب والشعراء. أو هو جنيّ من هذه الجن التي تألف شاطئ النيل، فتقيم في ظل الأشجار التي تقوم عليه، أو تسكن تحت هذا الماء الذي يجري فيه، وتسمع أحاديث الناس والأشياء وتعيها، فتنقلها إلى الكتّاب والشعراء، وتنطق بها ألسنتهم، وتجري بها أقلامهم. ولهذا لست مسرفًا في حب الحديث، وفي حب الحديث عن هؤلاء الذين لا يحبون أن يتحدث الناس عنهم إلا بما يريدون، لا بما يريد الناس. قالت: من الظواهر التي لا تحتاج ملاحظتها إلى دقة ولا إلى ذكاء أن مصر مفشية للسر، قليلة الحرص على الكتمان. انظر إلى بيئاتها المختلفة، فلن ترى لها سرًا. أحاديث ساستها وقادتها وأدبائها وأصحاب الأعمال فيها ذائعة شائعة، يعرفها الناس جميعًا ويتناقلها الناس جميعًا. ومصدر هذا في أكبر الظن أن طبيعة مصر نفسها صافية واضحة، مسرفة في الصفاء والوضوح. سماؤها صحو دائمًا، لا يتكاثف فيها الغمام، ولا يتراكم فيها السحاب، وأرضها مبسوطة هينة، لا ترتفع فيها الجبال الشاهقة، ولا تنتثر فيها الكهوف والأغوار، ولا تنبت فيها الغابات الكثيفة الملتفّة. فأمرها كله ظاهر، وحديثها كله شائع، وشمسها المشرقة دائمًا لا تؤتمن على سر مصون. على أننا لم نقل في حديثنا ذاك شيئًا يسوء الأدباء أو يغضب أحدًا، فليس من إذاعته بأس، وإن كنت لا أحب ذلك، ولا أرتاح إليه. ولا أخفي عليك أني إنما آثرت أن يكون اجتماعنا الليلة عندي لأني واثقة أن لنا من العزلة ما نحب، وبأن أحدًا لن يستطيع أن يندسّ لنا، أو يتسمّع علينا.

    قالت: إلا هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا أقبل الأصيل ودنا الليل، وإلا هذه الجن التي تستظل بالأشجار وتتضاءل أحيانًا حتى تتخذ لنفسها منازل في ثنايا العشب وبين أوراق الأزهار. في هذه الطير، وفي هذه الجن، وفيما يحيط بنا من الزهر والشجر من يسمع لنا وينمّ بما نتساقى من ماء الورد، وما يجري بيننا من لغو الحديث. قالت: وأيّ بأس بأن يذاع ما يجري بيننا من لغو الحديث؟ إنما يكره الناس جدّ الحديث ويخافونه، فأما لغو الحديث فالناس مزدرون له، أو راغبون فيه. قال: وهل تظنين أنا نستطيع أن نأخذ بالجد حين نعرض للحديث عن الأدب والأدباء في مصر؟ وأين تجدين الجد في حياة الأدب والأدباء؟ أتجدينه في هذا الحوار الذي يطول ويطول حتى يثقل ويملّ حول ألفاظ وقعت في كتاب، أو حول رأي رآه ناقد في كتاب، أو حول حديث كان بين كاتبين، أو مناظرة يسيرة كانت بين أديبين؟ أليس هذا كله دليلًا على فراغ البال واحتياج الأدباء إلى ما يشغلون به أنفسهم عن هذه الأحاديث الطوال الثقال التي تضيّع الوقت، وتفني الجهد دون أن تنفع أو تفيد؟ قالت: هذا حق، ولكن الأدباء أصحاب كلام، وما داموا يتكلمون فهم يؤدون حق الناس عليهم. فالناس لا ينتظرون منهم إلا أن يكتبوا لهم ما يقرؤون. قال: لا، كل ما يقرؤون، بل ما ينتفعون به إذا قرؤوه. قالت: هنا نختلف، فقد ينبغي أن نتفق أولًا على معنى الانتفاع بما يقرأ. أنت تريد إذا قرأت كتابًا أو فصلًا أن تفيد شيئًا جديدًا، أو أن تضيف علمًا إلى علم، وأن تنمي حظك من الثقافة، أو أن يثير ما تقرأه في نفسك عاطفة أو لونًا من ألوان الشعور، وأنت لا ترضى من القراءة دون هذا. فأنت عسير، ليست السبيل إلى إرضائك سهلة ولا يسيرة. وأنت لذلك تلتمس قراءتك عند قليل جدًا من أدباء الشرق، وعند عدد غير كثير من أدباء الغرب. ولكنك تخطئ كل الخطأ حين تزعم أن القراء جميعًا يطلبون إلى الكتّاب مثل ما تطلب إليهم. ولو قد فعلوا لكان الأدباء شر الناس حالًا وأدناهم إلى العجز والإفلاس. أنت وأمثالك تشقّون على الأدباء فيما تطلبون، ولكني أنا وأمثالي لا نطلب إليهم كل هذا، أو لا نطلبه إليهم في كل وقت. فنحن نحب أن ننتفع إذا قرأنا، ولكنا نكتفي من القراءة بما دون ذلك. نريد منها أن تلهينا إذا ركبنا الترام أو القطار، وأن تعيننا على إنفاق الوقت إذا لم يمكّننا نشاطنا من العمل، وأن تدعو إلينا النوم إذا أبطأ علينا. ولا تغضب إن زعمت لك أننا قد نضيق بالقراءة الخصبة الغنية، ونؤثر عليها هذه القراءة السهلة الفارغة التي لا تنفع ولا تضر، ولكنها تعين على إنفاق الحياة. وأنت تستطيع أن تنكر على أدبائنا ما شئت، ولكنك لن تستطيع فيما أعتقد أن تنكر عليهم أنهم يكتبون لنا من الكتب، وينشرون لنا من الفصول، ويثيرون بيننا من ألوان الخصومة والحوار ما يمكننا من أن نركب الترام والقطار، ومن أن نقرأ إذا أجهدنا العمل، ومن أن نتعجل النوم إذا طال انتظارنا له. وأنت تظن أن هذا قليل، وأؤكد لك أن هذا كثير. فليس الأمر ذو الخطر في الحياة هو أن نتعلم ونثقف أنفسنا، وإنما الأمر ذو الخطر حقًا هو أن نحتمل الحياة، وأدباؤنا يعينوننا على احتمال الحياة حقًا بما يكتبون ويذيعون.

    قال: قد يكون هذا حقًا، ولكنه مؤلم. ثم سكت وأطال السكوت. وسكتت هي فأطالت السكوت. ثم مد يده إلى قدحه فاستنفد ما كان فيه من ماء الورد. وأراد أن يعود إلى صمته، ولكنها سألته باسمة:

    فيم هذا الصمت الطويل؟ أمستمع أنت لحديث الزهر؟ أم مشفق أنت من الطير والجن أن تنمّ عليك بما تقول؟ هنالك ابتسم ابتسامة شديدة المرارة وقال في صوت حزين: كلا، لست أستمع للزهر، ولا أخاف الطير والجن، وإنما أستمع لنفسي وأخافها. فهل تعلمين أنك قد بغّضت إليّ الكتابة والإنتاج الأدبي منذ اليوم؟ قالت وهي مغرقة في الضحك: أنا! ولماذا؟ قال: من يدري؟ لعلي لا أكتب ولا أنشر إلا لأعين القراء على أن يركبوا الترام والقطار، وينفقوا الوقت إذا أضناهم العمل، ويتعجلوا النوم إذا أبطأ عليهم النوم. قالت: لم أقل هذا. وهبني قلته، أليس كذلك يكفيك أن تكون عونًا لقرائك على احتمال الحياة؟ قال: لا. قالت: إنك لواسع الطمع عظيم الكبرياء. ثم مدت يدها إلى إناء من آنية الزهر، فأخذت منها قرنفلة وضعتها في صدره، ووردة أدنتها من فمه. وقالت: لتلتمس عزاءك عند هذه الوردة وهذه القرنفلة، فما أرى إلا أنهما قادرتان على هذا العزاء. ولكنك مخطئ أن ظننت أنك قد أنسيتني بهذا الحديث قصة الورد والقرنفل، فما زلت أذكرها وأنتظرها. فتحدث.

    قال: إنها يا آنسة قصة طويلة، وليس هذا وقت البدء فيها. فإذا عدت من رحلتك السعيدة إلى أوروبا فسأحدثك بها، وأنا زعيم بأنك ستجدين في الاستماع لها لذة ورضى.

    سمعت طرقًا خفيفًا، فرفعت رأسها وصوتها آذنة بالدخول، ومدّت عينها إلى الباب، فلما فتح لم يرعها إلا صديقها الأديب يسعى إليها مشرق الوجه، باسم الثغر، مبسوط اليد، مرتبكًا مع ذلك شديد الحياء. قالت، وقد غشي وجهها احمرار رقيق زاده جمالًا وحبًّا إلى النفوس، مصدره الدهش لهذا المقدم غير المنتظر، أو مصدره زيّه المهمل وثوبها الذي لبسته لنفسها لا للناس، ولم تكن تقدر أن الطارق أحد غير الخادم التي تعودت أن تطرق عليها الباب في رفق إذا كانت الساعة الخامسة من كل يوم لتحمل إليها الشاي. فلما رأت صديقها ارتاعت لمرآه، وقالت في دهش وخجل واضطراب: أنت من أين أقبلت؟ أنجمت من الأرض أم هبطت من السماء؟

    قال، ولم يكن أقل منها ارتباكًا واضطرابًا: نعم، أنا أقبلت من حيث تريدين، ولكن لي إليك حاجة يا آنسة أعرضها عليك قبل التحية، وأتمنى لو تجيبينني إليها قبل السؤال والجواب. فسيكون السؤال طويلًا دقيقًا، وسيكون الجواب ملتويا مرتبكًا، ولكن حاجتي يسيرة، فاسمعيها مني واقضيها لي، ثم لنأخذ بعد ذلك فيما تحبين. قالت، وقد أخذت تثوب إلى نفسها وإلى ثوبها: من أين أقبلت؟ وكيف أراك في نيس وقد تركتك في القاهرة على أنك ستقضي فيها الصيف؟ قال: ثقي يا آنسة أني قد سمعت سؤالك ووعيته، ووعيت ما يحيط به من عجب وإنكار. إني سأجيب، وسأحاول أن أزيل هذا العجب وأمحو هذا الإنكار، ولكن حاجتي اسمعيها واقضيها قبل كل شيء.

    قالت: لا، قبل أن نجلس. ثم عادت إلى كرسيها وقد حولته شيئًا عن المائدة، وأشارت إليه أن يتخذ هذا الكرسي، وأخذت تجمع صحفًا كانت منثورة على المائدة، ثم قالت مبتسمة: وما عسى أن تكون هذه الحاجة التي تقدمها بين يدي تحيتك، وقد بعد العهد بينك وبيني والتقينا من وراء البحر، فقد تركتك منذ أسبوعين. قال: بل منذ عشرة أيام إن لم أخطئ الإحصاء، فقد زرتك قبيل السفر… فقطعت عليه الحديث قائلة: نعم، قد ذكرت، فهات حاجتك، فإني لم أتعود أن أنتظر تحيتك وعبثك كل هذا الوقت الطويل.

    قال: حاجتي يسيرة، وهي ألا تلومني ربة الدار، فقد مكرت بها واحتلت عليها، وما زلت أخدعها عنك وعني حتى تركتني أطرق الباب وأدخل عليك في غير استئذان سابق. فأغرقت في الضحك حتى استلقت إلى كرسيها وهي تقول: إنها لحاجة عسيرة، لست أدري كيف أقدر على إرضائها، وقد أذنت لك فيما كنت تريد، وطرقت الباب وفاجأتني بغير إذن سابق مني بذلك. وفيم كان كل هذا المكر؟ وفيم كان كل هذا الاحتيال؟ ومتى استباح أمثالك أن يفاجئوا أمثالي على هذا النحو، وفي مثل هذا الوقت من النهار؟ هنالك اشتد ارتباكه حتى بلغ الاضطراب أو كاد يبلغه، فلم يكن يقدّر أنها ستلقاه هذا اللقاء، ولا أنها ستنكر هذه المفاجأة، ولعله كان يظن، بل كان يوقن، أن سرورها بلقائه سيكون أشد من حاجتها إلى الاستطلاع، وسيكون أشد من إنكارها لهذه المفاجأة. فلما رأى منها هذا الإلحاح في السؤال والتشدد في النكير، فقد ما كان يملك من الأسباب، واختلط عليه الأمر، فلم يدرِ ماذا يصنع، ولم يعرف كيف يقول.

    ولو أنه كان على شيء من البصر بصاحبته والعلم بدخيلة نفسها، لرأى أنه لم يكن مخطئًا حين قدّر أنها ستبتهج بلقائه، ولكنه كان شديد الذكاء، قوي الفطنة، واسع الحيلة، ما بعد عن النساء وعن صاحبته هذه خاصة. فإذا لقي واحدة منهن، أو لقي صاحبته هذه، فهو رجل ساذج أول الأمر، لا حظ له من ذكاء ولا من فطنة، ولا قدرة له على ثبات أو فهم، حتى إذا اتصل الحديث وتنوع استرد ملكاته قليلًا، حتى يعود كدأبه في الحياة العادية، ذكي القلب، قوي الفطنة، متصرفًا في ألوان الحديث. فلما رأت ارتباكه واختلاط الأمر عليه واضطراب لسانه في فمه دون أن يبلغ الإفصاح عما كان يريد، رقت له وأخرجته من حيرته بإجابتها إلى ما كان يريد، وإعلانها إليه أنها لن تلوم صاحبة الدار، ولن تظهر لها سخطًا ولا إنكارًا. ثم قالت: والآن حدثني من أين أقبلت وكيف أراك هنا اليوم، وقد تركتك في القاهرة منذ عشرة أيام؟ أنجمت من الأرض أم نزلت من السماء؟

    قال: إن عشرة أيام تكفي لقطع الأمد من القاهرة إلى الإسكندرية، ولعبور البحر إلى مرسيليا وطولون، ولبلوغ مدينة نيس حيث تقيمين، قبل أن تستأنفي السفر إلى تلك المدينة الصغيرة الجامعية من مدن فرنسا الوسطى لتسمعي دروس الصيف. قالت: فإني لا أشك أن عشرة أيام تكفي لهذا كله، ولا أكثر من هذا كله. ولكن تركتك في القاهرة غضبان أسفًا، لأنك ستقضي الصيف حيث لم تكن تعودت أن تقضيه، ولعلك تذكر أنك كنت تحسدني وتسرف في الحسد على هذه الرحلة الجامعية التي كنت أزمعتها، ولعلك تذكر أنك ما زلت تصور لي حزنك ويأسك حتى رحمتك وأشفقت عليك. فكيف استطعت أن تفارق القاهرة وترحل عن مصر تظفر بزيارة باريس؟ فأنت ذاهب إلى باريس من غير شك. قال: نعم، أنا ذاهب إلى باريس. وماذا تكون فرنسا بدون باريس، وبدون الحي اللاتيني ومونبارناس ومونمارتر؟ وقد زعموا أن الحركة الأدبية والفنية قد أخذت تنتقل الآن من مونبارناس إلى…

    قالت: حسبك، قد علمت هذا كله وعرفت رأيك فيه، وسنعود إليه. ولكن كيف تركت القاهرة؟ وكيف أتيت إلى باريس؟ قال: وأي شيء أيسر من ذلك يا آنسة؟ إنما يستغرب هذا من رجل كانت تمسكه الأزمة في مصر، ويعجز أجر السفينة أو نفقات الإقامة في فرنسا. فهذا الرجل إذا أتيح له السفر بعد امتناعِه عليه يمكن أن يسأل: أنّى لك هذا في مثل هذه الأيام الشداد؟ فأما إذا كان الذي يحول بين الرجل وبين السفر إرادة وزير من الوزراء، أو عناد رئيس من الرؤساء، فما أيسر أن يريد الوزير وقد كان لا يريد، وما أسهل أن يلين الرئيس وقد كان متأبيًا عنيدًا. وهذه قصتي: فما زلت برئيسي حتى رقّ لي، وما زلت بوزيري حتى عطف عليّ. قالت: صنع الله للرئيس وللوزير معًا، فلولا ظرف أحدهما وعطف الآخر لما أتيح لك أن ترى باريس. قال: بل لما أتيح لي أن أسعد بلقائك في نيس، وأن أسعد باصطحابك ساعة أو ساعات على ساحل البحر، هذا الساحل الجميل الهادئ القوي معًا، حيث نستطيع أن نرى البحر والجبل وقد دنا كلاهما من صاحبه في مودة وألفة، وحيث نستطيع أن نرى الطبيعة الحرة القوية والحضارة البديعة المترفة، وهذه القصور الشاهقة تشرف على البحر وتشرف عليها الجبال، وحيث نستطيع أن ننشد قصيدة بودلير، هذه القصيدة الرائعة التي كنت تغنينها في القاهرة أجمل غناء، أتذكرين؟ لقد عشت دهرًا طويلًا تحت أروقة واسعة تضيفها شمس البحر. قالت: نعم، كل هذا أذكره، وكل هذا أفهمه، وكل هذا لا تفسير له إلا أنك قد رجعت إلى صوابك واسترددت قواك موفورًا، واستأنفت ما ذهب من العبث والمزاح. فقد آمنت أنك سعيد بلقائي، وقد آمنت أنك ستسعد وسأسعد معك بقضاء ساعة أو ساعات على هذا الساحل الجميل.

    وقد آمنت بأن رئيسك خليق بالشكر، لأنه رقّ لك بعد أن قسا عليك، وأن وزيرك حريّ بالثناء عليك، لأنه لطف بك بعد أن كان شديدًا عنيفًا. ولكني لن أتحدث إليك الآن، ولن أسمع منك الحديث عن الجبل والبحر ولا عن الصخور والقصور، فقد يتاح لنا الحديث عن هذا كله بعد حين. إنما أحب أن أسمع منك أنباء مصر. قال: إنهما لخليقان بالشكر والثناء حقًا، ولا سيما حين تعلمين… قالت: لا أريد أن أعلم شيئًا. قال، وهو يضحك ضحكًا ملؤه المكر والإلحاح: بل يجب أن تعلمي لتضاعفي الشكر وتجزلي الثناء، فإني لم أرحل للسياحة ولا للراحة ولا لرؤية باريس، وإنما رحلت… قالت: لأمر من أمور الدولة، فتدرس شأنًا من شؤون التعليم، أو فنًا من فنون النظام، أو لونًا من ألوان الإدارة، أو شيئًا من هذه الأشياء التي يرحل الموظفون لدرسها في أوروبا أثناء الصيف، فيسرحون ويمرحون ويلهون ويلعبون، ويكتبون في آخر الصيف تقريرًا يرفعونه إلى الرئيس أو إلى الوزير، فيتلقى الوزير أو الرئيس هذا التقرير ويتلقى صاحبه كلمة شكر وثناء، وقد فهم الرئيس عن صاحب التقرير وفهم صاحب التقرير عن الرئيس ما يريد كل منهما أن يفهم عن صاحبه. وأؤكد لك أني أضاعف شكري لصاحبيك وثنائي عليهما، ولكن أرحني من حديثهما كما أرحتني من حديث البحر والجبل والساحل، وعد بي إلى مصر.

    قال: ما أشد شوقك إلى مصر وتلهفك إلى الحديث عنها! ألم تشبعي من مصر وقد أقمت فيها سنة كاملة منذ رحلتك الأخيرة؟ أمشتاقة أنت إلى مصر ولما يمض على فراقك إلا عشرة أيام؟ قالت: فإني لا أريد أن تحاسبني على ما أجد أو لا أجد من الشوق إلى مصر، وعلى ما أحس أو لا أحس من الضيق بمصر، وإنما أريد أن تحدثني عنها. كيف تركتها؟ وكيف تركت أهلها؟ ثم مست هذا الزر الكهربائي الذي لا تخلو منه غرفة من غرف الفنادق، فما أسرع ما أقبلت الخادمة، فهمّت أن تطلب إليها الشاي، ولكنه اعترض دون ذلك وقال: ماذا تريدين؟ أجُننا حتى نتناول الشاي في غرفة مغلقة والجو صحو، والماء صفو، والشمس توشك أن تنحدر إلى مغربها فترسل على الجبل والبحر…

    قالت: حسبك، فإني أستطيع أن أتم ما تريد أن تقول. قال: وإذن فهلمّ نتناول الشاي حيث نستطيع أن نستمتع بهذا الجمال الذي لا نجده في مصر. وكان حازمًا ملحًّا، فلم تجد بدًا من أن تسمع له وتستجيب لدعائه، فصرفت الخادم ونهضت، فغابت عنه قليلًا في غرفة مجاورة متصلة بالغرفة التي كان فيها. ثم عادت إليه وقد اتخذت زيها المنظم المنسق الذي عرفه في القاهرة، فلما رآها اطمأن إلى هذا الزي الذي كان يألفه، ولعله أسف على ذلك الزي المهمل الذي كان أعجبه والذي كان قد أخذ يطمئن إليه. وما هي إلا لحظات حتى كانا يسعيان معًا في هذه الطريق الجميلة على ساحل البحر، تلك التي يسمونها في نيس طريق الإنجليز. وكان طرفه حائرًا بين البحر وهذه الفنادق الضخمة المشيدة، وهؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يذهبون ويجيئون في هذه الطريق، وقد اتخذوا للرياضة والشاي زينتهما. لكنها لم تتح له الاستمتاع بهذه الحيرة، فما أسرع ما ردته إلى مصر وحديثها، وعادت تسأله عن المصريين، كيف تركهم. قال، ولم يخف شيئًا من الضجر الباسم العابث: تركتهم من خمسة أيام كما تركتهم أنت منذ عشرة أيام، وكما سيتركهم كل مسافر ويلقاهم كل عائد، وكما يترك كل رجل من الناس أي جيل من الأجيال. تركتهم قومًا كرامًا يكرمون آباءهم وأمهاتهم، ويؤثرون أبناءهم وبناتهم، ويشفقون من الآلام، ويسرعون إلى اللذات، ويكثرون القول، ويقصدون في العمل، ويفرون من الدور، ويستقرون في الأندية، ويطيلون الحوار في الأدب والسياسة، ويقرؤون الصحف ويعبثون بكتابها…

    قالت: يا له من سيل جامح لا يقف ولا يهدأ ولا يتئد، ولا يتخير ما يحمل! ما عن هذا أسألك، وما طلبت إليك أن تصور لي المصريين كما تراهم أنت بهذا الرأي المظلم القاتم، الذي لا يعجب بشيء ولا يرضى عن شيء، بل ينكر كل شيء. إنما سألتك… قال: يا له من جدول هادئ متئد، عذب ظريف، لا يحمل غثاء ولا جنادل، وإنما هو صافي الصفحة نقي الأديم، كله رضى وكله ابتهاج، وكله أمل. إنما تسألينني عن الأدباء، أليس هذا ما كنت تريدين؟ قالت: هو هذا، ومتى رأيتني أتحدث إليك عن غير الأدباء؟ قال: فقد تركت الأدباء في شغل شاغل وهم مقيم، يقولون فيطيلون، ويعملون فلا يبلون، وكأنهم هذا القطار الذي يهم بالحركة فيكثر فيه الضجيج والعجيج والقعقعة والاضطراب، وهو ثابت في مكانه لا يريم، لأن الله لم يأذن له بالحركة بعد، أو لأن أداة من أيسر أدواته لم يتح لها أن تشترك في العمل مع أخواتها.

    قالت: وما ذاك؟ قال: إنهم يذكرون حافظًا، فقد دار العام على وفاته، ولم يصنع له أحد شيئًا. فهم يلومون أنفسهم وهم يلومون غيرهم، وهم يلومون مصر كلها؛ يلومون الشعب لأنه قصّر غير عامد، ويلومون الحكومة لأنها تعمدت التقصير. حتى إذا أسرفوا في اللوم وأعياهم الإسراف، عزوا أنفسهم وعزوا الشعب الذي قصّر عن غير عمد، والحكومة التي قصّرت عن عمد، بأن حافظًا كان أديبًا حقًا، فلا غرابة في أن تدركه حرفة الأدب. وقد كان حافظ رحمه الله حسن الحظ، ميسّرًا له في الأمر بالقياس إلى زميله في حرفة الأدب منذ أكثر من ألف سنة. فأنت تذكرين أنها قد أدركت ابن المعتز، فانتزعته من الخلافة، ولما يقم فيها يومًا، ولم يكفها أن تنتزعه من الخلافة، فانتزعته من الحياة على شر الأحوال وأشدها نكرًا. أما حافظ فقد كان بائسًا في حياته، لم يعرف النعيم، والبؤس أيسر من الخلع، والبؤس الدائم أيسر من البؤس الطارئ بعد طول النعمة وحسن الحال، وقد مات حافظ على فراشه، والموت الهادئ أيسر من الموت العنيف. وحافظ بائس بعد موته؛ لم يجتمع له الناس، ولم تمتلئ له الأوبرا، ولم تُلقَ فيه الخطب المدبجة، ولا القصائد المنمقة، وقبر حافظ مجهول أو كالمجهول. ولكن هذا البؤس كله ليس شيئًا بالقياس إلى بؤس آخر أشد وأمض، وهو هذا الثناء المتكلف، وهذا الإكبار المصنوع، وهذه الخطب والقصائد التي لا يراد بها وجه الله، ولا وجه من قيلت فيه، وإنما يراد بها وجه الذين يصرفون السياسة ويسيرون أمور الناس كما يحبون، وإلى حيث يحبون. فقد كان حافظ وما زال بائسًا، وكان حافظ وما زال شقيًا، ولكن شقاء حافظ سعادة، وبؤس حافظ نعيم. وما كان أحق شوقي رحمه الله وأجدره بأن يشارك حافظًا في هذا البؤس المجيد! فقد كان شوقي كما كان حافظ مجدًا لمصر وللشرق وللأدب العربي، ولكن السياسة استأثرت بشوقي فازدردته ازدرادًا، وعجزت عن أن تستأثر بحافظ. وأي غرابة في هذا؟ لقد كان شوقي رحمه الله هينًا لينًا رفيقًا رقيقًا، وكانت في حافظ صلابة الشعب وغلظته، وخشونة الشعب وشدته. قالت وهي محزونة: ولكن بؤس حافظ مهما يكن مجيدًا بالقياس إليه فهو عار على مصر، ومن حق مصر لنفسها أن تكشف هذا العار. وكانا قد بلغا ناديًا من هذه الأندية التي يكون فيها الرقص مع المساء والتي يؤخذ فيها الشاي، فاتخذا مكانًا منزويا فيه دون أن يتفقا على ذلك، إنما هي رغبتهما في اتصال الحديث، وزهدهما في هذا المتاع الذي يتهالك عليه الناس. ولم ينقطع حديثهما وقتًا طويلًا، إنما هي لحظة طلبا فيها إلى الخادم ما كانا يريدان، ثم اتصل بينهما الحديث، ولكنه لم يمس أمير الشعراء ولا شاعر النيل.

    قال: ومع ذلك فلم تسأليني عن مصر والمصريين، وأنت ترين مصر وأدباءها في فرنسا كأحسن ما تحبين أن تريهم؟ قالت: في فرنسا؟ وأين ذاك؟ قال: ماذا تصنعين إذن منذ تركت السفينة؟ ألا تقرئين؟ قالت: لا. قال: بل تكتبين، وقد كان ينبغي أن أفهم هذا، ولعلي قد فهمته حين رأيت تلك الصحف المنثورة على المائدة، والتي أسرعت إلى جمعها وإخفائها حين رأيتني مقبلًا عليك، كأنك خفت أن أمد إليها يدًا، أو أن أختلس إليها نظرة.

    قالت: لا تقل هذا، ولا تسرف في التجني، فما كنت أستطيع أن أمضي في الكتابة وقد أقبلت، وما كان ينبغي لي أن أدع المائدة مختلطة كما كانت. قال: فإذا سألتك أن أقرأ بعض هذه الصحف التي كانت منثورة، فهل تأذنين؟ قالت: هذا شيء آخر. دعنا من هذه الصحف المنثورة، فستقرأها يومًا ما. ولكن حدثني أين وكيف أستطيع أن أرى مصر والمصريين في فرنسا؟ قال: تستطيعين أن تري مصر والمصريين في فرنسا الآن، وفي هذا المكان، وعلى هذا النحو. ثم أخرج لها صحيفة **النوفيل ليترير** ونشرها، وقال: انظري.

    فنظرت فدهشت، فسكتت، ثم قالت: هذا غريب! صفحة أدبية عن مصر لا يكاد يكتب فيها مصري! قال: ولو تُرجم ما فيها للمصريين لرأوا أنفسهم كما يرونها في المرآة الصافية الناصعة. أليس قد صوّر لهم كاتب أمير شعرائهم العظيم تصويرًا لا يصفه من قريب ولا من بعيد؟ أليس قد زعم هذا الكاتب أن قد كان لأمير الشعراء خصوم كلهم بغيض؟ أليس قد أذاع هذا الكاتب بين الفرنسيين والأوروبيين الذين يقرؤون هذه الصحيفة صورة عن شاعر مصر وعن أنصاره وخصومه لا تلائم رأي مصر ولا حاجتها، وإنما تلائم رأي السياسة القائمة؟ قالت: سأقرأ هذا الفصل. ولكن انظر. قال: وما تريدين أن أنظر؟ قالت: أتظن أني لم أقرأ هذه الصفحة قبل الآن؟ ماذا تنكرين؟ فصل لصديقنا الأستاذ أنطون الجميل عن المجمع اللغوي الملكي. أي غرابة في هذا؟ قالت، وهي تضحك ضحكًا حزينًا: الغرابة أن يعلن عن هذا المجمع في فرنسا ولما يوجد في مصر بعد!

    قال: لم يوجد الآن فسيوجد بعد عام! قالت: فقد كنت أحب من صديقنا، بل كنت أحب لصديقنا أن ينتظر حتى يوجد هذا المجمع بالفعل قبل أن يكتب عنه فيطيل، فقد أرى أن فصله غير قصير. وما عسى أن يكتب بعد أن يوجد المجمع؟ قال: ليس على صديقنا بأس من أن يكتب عن مجمع إن لم يوجد بالفعل فهو موجود بالقوة، ولا سيما إذا طلبت إليه الكتابة وأثقلت عليه في الطلب. وليس إسراعه إلى الكتابة في شيء هو إلى الوهم أقرب منه إلى الخيال، فضلًا عن الحقيقة الواقعة، هو الذي أنكره عليه أو ألومه فيه، إنما أنكر عليه فهمه للمجامع اللغوية وتصويره لتاريخها عند العرب. أترين إلى أسواق الجاهليين؟ لقد كانت مجامع لغوية عند الأستاذ أنطون الجميل. ثم أترين إلى مدارس اللغة والنحو والأدب في البصرة والكوفة وبغداد، وفي حلب ودمشق والقاهرة وقرطبة؟ لم تكن من المجامع اللغوية في شيء عند الأستاذ أنطون الجميل. هذا كثير، ألا ترين ذلك؟ قالت: وأكثر منه أن يستجيب صديقنا لدعوة السياسة، وأن يرضى صديقنا لنفسه أن يضع الأدب من السياسة هذا الموضع. وقد كنت أرى أنه يجب إخضاع السياسة للأدب. لأكتبن إليه. قال: لا تفعلي، فليس هو الآن في القاهرة، إنه يطوف في لبنان. فانتظري حتى تعودي ويعود، ثم خذي معه في هذا الحديث. ولكن اقرئي هذا الفصل وفكري فيه، فهو فصل من فصول الصحف السيارة في مصر لا أكثر ولا أقل. ولكن حدثيني: أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟

    قالت: وأنت حدثني كيف وقعت إلى نيس وأنت تقصد إلى مدينة النور؟ قال: وهل يكون النور إلا حيث أنت يا آنسة؟ قالت، مغيضة: هل تعلم أنك تثقل عليّ أحيانًا بهذا العبث السخيف؟ قال: ما أردت هذا ولا فكرت فيه، وما أرى أني ألام إن كنت ثقيلًا، فلعل الثقل أن يكون بعض طبيعتي. فخذيني كما أنا. قالت: فإن لم يعجبني منك هذا؟ قال: فاحتمليه على أي حال، فلعل عندي ما يهون عليك احتماله. أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟ قالت: سأقيم أيامًا، وأنت؟ قال: سأقيم فيها ما أقمت إن لم يثقل عليك ذلك، وسنرتحل معًا، حتى إذا كنا في بعض الطريق تخلفت أنت في مدينتك الجامعية الصغيرة، فاصطليت فيها حر الصيف ونار العلم والأدب، ومضيت أنا إلى باريس. ومن يدري، لعل نار الأدب والعلم أن تستهويني فأتخلف وقتًا طويلًا أو قصيرًا. وهل أنا فراشة تستهويها النار، ولا تكره أن تحترق بها؟ قالت، في شيء من التفكير: أنت مقيم في نيس ما أقمت، مرتحل عن نيس إذا ارتحلت عنها، متخلف حين أتخلف، مصطلٍ للنار التي أريد أن اصطليها. قال: هذه خطة مرسومة. وكيف تريدين يا آنسة أن تغيري ما رسم القضاء؟

    أيهما خير يا آنسة؛ أن نفترق الآن لنلتقي غدًا، أم أن نظل كما نحن رفيقين في السفر والإقامة؟ قالت: بل أن نفترق لنلتقي بعد شهرين في القاهرة أو بعد شهر في باريس. وحسبنا أن قد أقمنا معًا أسبوعًا كاملًا في هذه المدينة من مدن البحر، نلتقي إذا أصبحنا، ونلتقي إذا أمسينا، ولا يفرق بيننا إلا الليل. قال: فإنك إذا قد سئمت هذا اللقاء وطال عليك أمده، وأخذت تودين لو فرقت بيننا النوى دهرًا طويلًا أو قصيرًا! وما رأيك في أني بعيد كل البعد عن هذا السأم، كاره كل الكره لهذا الفراق الذي تحبينه وتطمحين إليه؟ قالت: لك أن تفهم رأيي كما أحببت، وأن تقدره كما شئت، وأن ترضى عنه أو تسخط عليه، فمن المحقق أني لم أره لك وإنما رأيته لنفسي، ومن المحقق أني لم أعلنه إليك إلا وأنا محتملة لنتائجه، عالمة بموقعه من نفسك وتأثيره فيها، ولن يغير من رأيي ما تبدى وما تعيد. فقل لي: إلى اللقاء، ودعني أهيئ أمري فقد دنت ساعة السفر.

    قال: ما شككت في أن ساعة السفر قد دنت، ولكن الذي أشك فيه هو أن دنو هذه الساعة يضطرنا إلى أن نفترق، فقد نستطيع أن نسافر معًا كما أقمنا معًا. قالت: فإني لا أريد. قال: ما رأيت كاليوم ظرفًا ولا رفقًا ولا حسن مودة للأصدقاء! سنفترق يا آنسة، ما دمت حريصة على هذا الفراق، فهل تأذنين في أن أصحبك إلى القطار؟ قالت: ولا هذا، فإني لا أحب هذا الوداع السريع البطيء في وقت واحد. ولا أحب أن يفترق الناس لأن قوة غريبة عنهم تكرههم على أن يفترقوا. فلنفترق منذ الآن واكتب إليّ، ولعلنا نستطيع أن نلتقي في باريس، فإن أعيانا ذلك ففي القاهرة متسع للقاء المتصل والحديث الطويل. ثم صافحته في قوة، وعلى وجهها ابتسام يشبه العبوس، وفي وجهه عبوس يشبه الابتسام.

    ولم يكد يقبل المساء حتى كانت ماضية في قراءتها لا يصرفها عنها شيء، كما كان قطارها السريع ماضيًا في سيره لا يقفه عنه شيء، وكانت حركة الناس من حولها لا تسكن، وحديث الناس من حولها لا ينقطع، وأصوات الناس من حولها لا تهدأ. ولكن شيئًا من ذلك لم يكن ليلهيها عن هذا الكتاب الذي غرقت فيه. حتى إذا انتهت بها القراءة إلى شيء من الجهد والإعياء، ووضعت كتابها لتستريح، ورفعت رأسها تجيل الطرف فيما حولها، لم يرعها إلا صديقها الأديب جالسًا أمامها جلسة المتأدب الخاضع الذي ينتظر أن يفرغ سيده له ويلتفت إليه. فلما رأته لم تدهش ولم تنكر، ولكنها أظهرت ضيقًا به وغضبًا عليه، وقالت في لهجة حازمة: أتعلم أني أكره هذا النوع من اللعب، وأنك توشك أن تغيظني وتحفظني وتصرفني عنك إن مضيت فيه؟ قال في صوت خافت غير مطمئن: أعلم ذلك حق العلم، وآلم له أشد الألم، ولو استطعت أن أكون عندما تحبين ما أثقلت عليك، ولا ترددت في طاعتك، ولا تحولت عما يرضيك. ولكن ما رأيك في أني لا أحب أن أموت؟

    قالت، ولم تملك نفسها من ضحك غالبته فغلبها: لا تحب أن تموت؟ قال: نعم، لا أحب أن أموت، ألم تفهمي بعد؟ قالت: ومتى رأيتني أحل الألغاز؟ قال: والغريب أنك قد عاشرت الفرنسيين فأطلت عشرتهم، وأتقنت لغتهم وآدابهم الرفيعة والشعبية حتى كأنك واحدة منهم. فكيف يغيب عنك ما يتحدثون به كلما هموا برحيل أو فراق؟ وهل تعلمين شعرًا وجد عددًا ضخمًا من الرواة، تختلف طبقاتهم وتتفاوت منازلهم، كهذا الشعر الذي ينشده الفرنسيون كلما هموا أن يفترقوا؟ إنما السفر ضرب من الموت بالقياس إلى المحبين. قالت: وقد نسيت غضبها، واطمأنت إلى طبعها، وخرجت من التكلف، ولاءمت بين حديثها ومظهرها، وبين ما وجدت من الغبطة بلقائه الذي كانت ترجوه، والتي كانت تغضب وتحزن لو لم تظفر به: فأنت إذا تريد إلى هذا اللغو من الحديث؟ قال: أنت تزعمين أنه لغو، أما أنا فأراه الجد كل الجد، والحق كل الحق. ولولا أن السفر ضرب من الموت لما كرهه المحبون، ولا سخط عليه الشعراء، ولا تغنوا بآلامه وأحزانه. ولولا أن السفر ضرب من الموت حين يفرق بين الناس لما رأيتني الآن في هذا المكان بعد أن افترقنا على أن لا نلتقي حتى يمضي شهر أو أكثر من شهر. ولكني فكرت بعد أن افترقنا، فرأيت أني ميت بالقياس إلى كل الأصدقاء الذين تركتهم في مصر، مهمل بالقياس إلى كل هؤلاء الناس الذين كانوا حولي في نيس، والذين سألقاهم في باريس، وأني لا أحتفظ من الحياة إلا بشعاع ضئيل، هو هذا الذي أحسه حين أصحبك وأسمع لك وأتحدث إليك، فشق علي أن أجود بهذا الشعاع، وأن أسلم نفسي للموت المطبق والإهمال المطلق شهرًا وبعض شهر. ولولا خوف الموت والضيق بالإهمال ما خرجت عن طاعتك، ولا خالفت عن أمرك، ولا عرضت نفسي لهذا الغضب اللاذع وهذه الثورة المهينة.

    قالت: فقد عدت إلى ذكر الغضب والثورة، كأنك تريد أن أنكرهما أو أعتذر منهما أو أنبئك بأني تكلفتهما تكلفًا واصطنعتهما اصطناعًا. قال: لا تنكري شيئًا ولا تعذري من شيء. فأنا معترف بأني ملح، وأنا معترف بأني مثقل في الإلحاح، ولكنك تعودت احتمالًا لهذا الثقل، وتجاوزًا عن هذا الإلحاح. فدعي حديثهما وحديث الغضب والثورة، وحدثيني عن هذا الكتاب الذي لم تكادي تقبلين عليه حتى ألهاك عن كل شيء، وصرفك حتى عن هذه المناظر البديعة الخلابة التي تعرضها عليك الطبيعة عرضًا سريعًا أثناء سير القطار. قالت: هذا كتاب تعجب إن عرفت أني أقرأه للمرة الخامسة. فأنا لا أعرف كتابًا أهون ولا أيسر ولا أمتع ولا ألذ من هذا الكتاب أثناء السفر الطويل، أو حين يلح على الحزن الثقيل. هذا كتاب من كتب كورتلين.

    قال: هو كتاب «قطار الساعة الثامنة والدقيقة السابعة والأربعين». قالت: هو ذاك. قال: فإني لم أقرأه خمس مرات، لكني قرأته ثلاثًا، ولولا أني علمت أني سأصحبك في القطار لقرأته للمرة الرابعة! فأنا مثلك معجب بهذا الكتاب إعجابًا لا حد له، والغريب أني لا أدري بماذا أعجب من هذا الكتاب! بمعانيه أم بألفاظه أم بأسلوبه، أم بهذه الصور الرائعة التي يعرضها علينا في غير انقطاع؟ أم بهذا كله مما أعرفه، وما أحسه دون أن أعرفه؟ فهذا الكتاب عندي آية من آيات الأدب الفرنسي. قالت: وعند كثير من الفرنسيين أيضًا، وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد كان أناتول فرانس مشغوفًا به شغفًا عظيمًا، لست أدري أكان يعده بين آيات الأدب أم لا. وإني لأرجو أنه لم يضعه بين هذه الآيات، فقد كان أناتول فرانس يضيق بآيات البيان ويرى أنها ثقيلة مملة، وليس في هذا الكتاب شيء من الثقل ولا الإملال. قال: ومع ذلك فإن في هذا الكتاب ألفاظًا لا تكاد تحصى، وجملًا لا يكاد يبلغها العد، وكلها خارجة على النحو الفرنسي، مخالفة لأساليب البيان المألوف. قالت: فهذا مظهر من مظاهر الجمال في هذا الكتاب، ومصدر من مصادر الإعجاب به، وسبب من هذه الأسباب التي تضطرنا إلى مراجعة النظر فيه. وما رأيك لو أن كورتلين أنطق أبطاله بهذه اللغة الفرنسية الفصحى، وأجرى على ألسنتهم هذه الجمل الأدبية الرائعة التي تجدها في كتب كورتلين نفسه وفي كتب غيره من الأدباء؟ إذا لما وجدت في الكتاب لذة كهذه اللذة التي أجدها الآن، ولعلي أن أعجز عن المضي في قراءته إلى آخره، فضلًا عن أن أقرأه مرات. إن للغة الفصحى خطرها وقيمتها، وهي مقياس البيان وظرف الأدب، ولكنها قد تسخف وتسمج إذا جرى بها لسان هذا الجندي الذي اتخذه كورتلين بطلًا لقصته. قال: هذا حق، ومهما أنس فلا أستطيع أن أنسى هذه الجملة الطريفة التي يرددها جندي كورتلين كلما وقف موقف الحرج أمام الكابتن: «فلولا هذه اللحنة الظريفة الشائعة، التي تجري بها ألسنة العامة من الفرنسيين، والتي أذاعها كورتلين حتى تفكهت بها الخاصة، لما كان لهذه الجملة موقع في النفس حسن، ولا منزل من القلب عجيب.»

    قالت: وكل كلام الجندي وكلام رفاقه ظريف محبب إلى النفوس؛ لأن ما فيه من اللحن والتواء الأسلوب يصور روح الشعب كما هي، صريحة مستقيمة، لا غموض فيها ولا التواء. قال: فأنت إذا من أصدقاء اللغة العامية وأنصارها، وماذا لو عرف أعلام البيان في مصر عنك هذا الرأي؟ قالت: لا أصنع شيئًا، فليس يعنيني أن يعرفني أو ينكرني أعلام البيان في مصر أو في غير مصر. وما تعودت قط أن أرى الرأي فأسأل نفسي عن حظه من رضى الناس أو غضبهم. قال: قد علمت ذلك حق العلم، وجربته حق التجربة، ولم تمض ساعات على هذه التجربة اللذيذة الأليمة معًا. قالت: لم أزعم لك شيئًا! فلا تعبث ولا تفسد علينا بهذا الاستطراد ما نحن فيه من الحديث. لست من أصدقاء اللغة العامية، ولكني لست من أعدائها. وما أذكر أني كتبت شيئًا باللغة العامية، وما أظن أني سأكتب بها شيئًا؛ لأني لا أحب ذلك، ولو أحببته ما قدرت عليه. ولست أرضى أن تصبح اللغة العامية لغة البيان الأدبي، ولا أعطف على كاتب يتعمد الكتابة بها ويتخذها ترجمانًا لما يريد أن يعرضه من الخواطر والآراء، ولكني على هذا كله لا أستطيع أن أمحو هذه اللغة، ولا أستطيع أن أنكر أن لها جمالًا تنفرد به أحيانًا وتعجز عنه اللغة الفصحى. ولا أستطيع أن أمحوها من قلوب الأشخاص الشعبيين وأضع مكانها اللغة الفصحى، وأوفق مع ذلك إلى تصوير هؤلاء الأشخاص الشعبيين تصويرًا صادقًا كل الصدق، جيدًا كل الجودة، متقنًا كل الإتقان. قال وهو يبتسم ابتسامة ملؤها المكر والخداع: ألا تعجبين أن ينتهي بنا الحديث عن كورتلين إلى الحديث عن توفيق الحكيم؟

    قالت: ومن توفيق الحكيم؟ ما سمعت به قبل اليوم! قال: فأنت إذا من أهل الكهف. قالت: وأي عجب في أن أكون من أهل الكهف، ومتى زعمت لك أني أعرف الناس جميعًا أو أقرأ للناس جميعًا؟! قال: فإن أهل الكهف عنوان قصة لتوفيق الحكيم، هذا الذي لم تعرفيه ولم تسمعي به، وأؤكد لك أني أكره لك هذا الجهل. فتوفيق الحكيم شاب خليق أن يُعرف، ومن العيب كل العيب أن يجهله أديب شرقي. ولكنك قد أقررت على نفسك بأنك من أهل الكهف، فلا لوم ولا تثريب. قالت: قد أقررت، وأنا خليقة أن ألام، فأنبئني عن توفيق الحكيم، وكيف انتهينا من حديث كورتلين إليه، وأي سبب بين هذا الشاب المصري وهذا النابغة الفرنسي؟ قال: بينهما سبب لا أدري الآن ما هو، ولعله، إن صدقت الظنون وتحققت الآمال، أن يكون التفوق والنبوغ، ولعل الله قد أذن لمصر أن يكون فيها كورتلين كما كان في فرنسا.

    قالت: فإني لا أحب الإطالة، ولا أحب الالتواء، فأوضح وأبن عما تريد. قال: توفيق الحكيم يا آنسة شاب مصري، ظهر فجأة بقصة تمثيلية أنت أحد أشخاصها. قالت: أنا أحد أشخاصها! ماذا تقول؟ قال: نعم! لأن أشخاصها أهل الكهف، ولست أريد أن أطيل في تقريظ هذه القصة. وإنما أقول إني قرأت في هذا العام قصصًا تمثيلية كثيرة، ظهر بعضها بالفرنسية، وبعضها بالإنجليزية، وبعضها بغير هاتين اللغتين، وترجم إلى إحداهما أو إلى إحداهما، فكانت قصة أهل الكهف هذه خير ما قرأت من هذه القصص كلها وأحسنها موقعًا من نفسي، وأشدها إثارة لإعجابي. ولست أدري أمعجب أنا بموضوعها أم بأسلوبها السهل، أم بألفاظها الساذجة، أم بتحليلها الدقيق، أم بهذا كله. ولست أشك في أن إعجابي بها سيضاعف منذ اليوم؛ لأنك أحد أشخاصها. ومن يدري لعلك برسكا التي صورها توفيق الحكيم! قالت، وقد ضاقت بهذا المزاح: لو كنت برسكا لما جهلت مبدعي! قال: كم بين الناس يعرفون مبدعهم؟ قالت: وقد كتب صاحبك هذه القصة باللغة العامية؟

    قال: لا، بل بلغة لا تبعد كثيرًا عن العامية. وليست هذه القصة هي التي ذكرت حين تحدثنا عن كورتلين، فإن لتوفيق الحكيم قصة أخرى غير تمثيلية سماها عودة الروح. والغريب أن أهل الكهف ظفرت أول الأمر بإعجاب الشباب والشيوخ جميعًا. فلما ظهرت عودة الروح تنكر لها بعض أعلام البيان في مصر، ودعا هذا التنكر بعضهم إلى أن يراجعوا إعجابهم بأهل الكهف، فيخففوا منه ويقتصدوا فيه. أما الشباب فأضافوا إعجابًا إلى إعجاب، ورضى إلى رضى، وبدءوا يتخذون هذا الكاتب الشاب قدوة لهم ومثالًا. قالت: وماذا ينكر أعلام البيان من عودة الروح؟ قال: لغتها، فهي ككتاب كورتلين، أبطالها شعبيون، فينطقهم المؤلف بلغة الشعب. ولعله يغرق في ذلك بعض الشيء، وأعلام البيان يكرهون ذلك ويحرصون على ألا تظهر آيات البيان إلا في اللغة الفصحى، وهم يضنون بهذا الشاب على أن ينفق جهده الخصب ويضيع وقته العزيز في هذه اللغة المبتذلة. قالت: ولكن القصة نفسها ما رأيهم فيها؟ فليست القصة ألفاظًا خالصة ولا معاني خالصة، وإنما هي قوام من الألفاظ والمعاني، ولا بد من أن يستقيم لها جمال اللفظ وجمال المعنى. فهب ألفاظها رديئة عند أعلام البيان، فما حكمهم في معانيها؟ قال: قرأها بعضهم فلم يظهر رضى ولا سخطًا، ولم يستطع بعضهم الآخر أن يقرأها، فعابها؛ لأن لغتها العامية صرفته عن قراءتها. قالت: فهذا بخل بالإنصاف وتجاوز للقصد، وقد شوقتني إلى أن أقرأ هذين الكتابين، ولكن هلا حدثتني عنهما حين كنا في القاهرة؟ قال: ومتى حدثتك في القاهرة عما كنت أريد أن أحدثك عنه؟ إنما نلتقي فتمضي الأحاديث بيننا كما تريد هي لا كما نريد نحن، ولولا أني سألتك عن هذا الكتاب الذي تقرئين لما جرى بيني وبينك ذكر لتوفيق الحكيم. وهل فرغنا من الحديث عن أنفسنا لنتحدث عن هذا الأديب الجديد؟ قالت: كم كنت أحب أن أظفر بكتابيه لأفر إليهما منك ومن نفسي، فقد يخيل إلي أننا نسرف في الحديث عن أنفسنا ونغلو في الإعراض عن غيرنا. وقد يخيل إلي أن بين هؤلاء الكتاب الناشئين من هم أحق بعنايتك وعنايتي من هذا اللغو الذي نخوض فيه كلما التقينا. قال: وعلى ذكر كورتلين وتوفيق الحكيم، ما رأيك في هذا الكتاب الفرنسي الجديد الذي كثر الكلام فيه، واختلف فيه أدباء فرنسا كما اختلف أدباء مصر في كتاب توفيق الحكيم؟

    قالت: وما ذاك أيضًا؟ قال: ماذا، ألم تقرئي كتاب سيلين الذي سماه سياحة في آخر الليل؟ ألم تقرئي ما كتب النقاد حول اللغة التي أُلّف فيها هذا الكتاب؟ قالت: لا. قال وهو يضحك: معذرة، فقد أنسيت أنك نائمة، وأنك من أهل الكهف. قالت، وقد رمته بكتابها مغيظة منه محنقة عليه: هبني نائمة، فما لك لا توقظني؟ وما اختلافك إلي في القاهرة؟ وما لزومك لي في نيس؟ وما مرافقتك لي في هذا القطار على كره مني؟ قال وقد أغرق في الضحك: إنما رافقتك في القطار يا آنسة لأوقظك، ولأخرجك من الكهف، ولأنبئك بأن في مصر شابًا يقال له توفيق الحكيم، كتب قصة يقال لها أهل الكهف، وأخرى يقال لها عودة الروح. وبأن في فرنسا أديبًا جديدًا يسمي نفسه سيلين، وقد أظهر كتابًا أسماه «سياحة في آخر الليل»، اختلف الناس فيه اختلافًا كثيرًا.

    قالت: فيم اختلفوا؟ قال: في لغته، فهو أيضًا مسرف في حب العامية، وأنا معجب بكتابه إعجابًا شديدًا، مبغض للغته بغضًا شديدًا؛ لأنه يتعمدها تعمدًا، ولا تدفعه إليها الحاجة ولا الضرورة ولا الرغبة في التصوير الصادق والتعبير الصحيح. وكل هذه الكتب عندي، أستطيع أن أعيرك إياها لتقرئي وتحكمي، ثم لنتحدث بعد ذلك. قالت: فابدأ بقصة أهل الكهف، فأعرني إياها منذ الآن، فسأنفق ليلتي بينها وبين كورتلين. قال: ولكن أليس خيرًا منها ومن كورتلين أن ننفق ساعة أو بعض ساعة؛ لا أقول في الحديث، فقد يظهر أنك سئمته وضقت به؛ وإنما أقول في العشاء، فإني أسمع جرس الخادم يدعو إليه؟!

    ليتك لم تأمري وليتني لم أطع. فمن صواب الناس ما يكون خطأ، ومن خطأ الناس ما يكون صوابا. والمرء بخير ما عرف لنفسه قدرها ولم يعد بها حقها، ولم يكلفها الحياة في النجوم، وقد خلقت لتحيا في الأرض. ولقد حاولت في غير طائل أن أعرف ماذا كنت تنكرين من صحبتنا في بلاد الغربة. فقد كنا نلتقي ونفترق لا يكون بيننا إلا حديث نقي بريء فيه ذكر للأدب والأدباء، فما زلت تحبين ذلك وتظهرين كرهه، وما زلت تسرين الرغبة فيه، وتعلنين الضيق به حتى ملأت صدري ضيقا بنفسي، وحرجا بمكاني منك، وخيلت إلي أني أثقل عليك، وأكلفك من صحبتي مالا تطيقين، حتى إذا كان ذلك اليوم وليته لم يكن تقدمت إلي في الرحيل فامتنعت عليك وأسرفت في الامتناع، وألحت أنت وأغرقت في الإلحاح، ولم أجد بدا من الطاعة وان كنت لها لكارها، ولم تجدي بدا من المضي في الأمر، وان كانت نفسك لتحدثك في العدول عنه. ولم أكد أستقر في باريس، ولم تكادي تستقرين في مدينتك الجامعية الصغيرة حتى اتصلت بينك وبين هذه الكتب والرسائل التي لا أستطيع أن أصفها بأقل من أنها برهان قوي ساطع.

    على أننا نخدع أنفسنا عن أنفسنا. ونتكلف في إرضاء الناس وأوضاعهم ما لا يحفل به الناس، ولا يلتفتون إليه، وما لا نحتمله نحن إلا في جهد جاهد وعسر لا حد له.

    الآن وقد أضعنا من حياتنا أياما طوالا كنت تترددين فيها على حجرات الدرس الجامعة، وكنت أتردد فيها على الأندية وملاعب التمثيل أكتب إليك وقد آن لي أن أعود إلى القاهرة. لعلك تأذنين في أن نلتقي مرة قبل أن أعبر البحر. ولست أدري أيقع هذا الكتاب منك موقع الرضى أو موقع السخط؟ ولكني أعلم أن الأيام معدودة علينا في هذه الحياة وان من الحمق أن يستطيع الأصدقاء التلاقي ثم لا يلتقون، ينتظرون أن يتاح لهم ذلك في يوم آخر قريب أو بعيد. فمن يدري لعل هذا اليوم ألا يجيء. ولعل الأحداث والخطوب أن تحول بين الأصدقاء وبين ما كانوا يقدرون من اللقاء فيه. ولو عقل الناس لما تفرقوا إلا حين لا يكون من الفراق بد، ولكن الغرور يغرهم بأنفسهم ويطمعهم في الأيام، فيخيل إليهم أنهم مخلدون وأنهم ليمرون بالحياة كما يمر الطيف بالنائم المغرق في النوم وقد تعجبين حين تعلمين إني لا أكتب إليك من باريس، وإنما أكتب إليك وقد دنوت منك حتى لم يبق بينك وبيني إلا مسير دقائق على الأقدام. فقد وصلت إلى مدينتك الجامعية مع المساء وأنا أكتب إليك وستقرئين كتابي مع الصباح فان أردت لقائي فهذا رقم التلفون، وإن أبيت فان القطار يبرح مدينتك إلى مرسيليا مع الظهر، ولن أراك حتى أعلم بأن رؤيتي لا تؤذيك ولا تثقل عليك، ولا تخيل إليك أنك تخرجين على ما ألف الناس من أوضاع وأطوار.

    عجبت للأذكياء وكبار العقول انهم ليأخذون أنفسهم أحيانا بما لا يلائم الذكاء ولا تسيغه العقول.

    وكانت تختلف على وجهها الناصع وهي تقرأ هذا الكتاب مظاهر الوفاق والخلاف وآيات الرضى والسخط. فكان وجهها يشرق حينا، وتغشيه ظلمة رقيقة حينا آخر. حتى إذا فرغت من قراءة الكتاب وضعته في رفق أمامها على المائدة ومدت بصرها كأنما تريد أن تبلغ به أقصى الآفاق. لولا هذه الجدران التي تقوم غير بعيد وتقف عينها عند حد محدود وأرسلت نفسها الحرة إلى أبعد مما استطاعت أن ترسل إليه بصرها السجين، وظلت على هذه الحال وقتا لم تعرف أطال أم قصر ثم عادت إلى نفسها وثابت إلى غرفتها من الفندق، وأخذت كتابها برفق، وأعادت النظر فيه، وظلت كذلك تنظر في الكتاب ثم تدعه، ثم تعود إليه. حتى أدارت رأسها عن غير عمد فرأت التلفون، فقامت من غير عمد، وسعت إلى التلفون، ثم تحدثت فيه عن غير عمد، وعادت إلى مكانها، فأخذت الكتاب ونظرت فيه، ثم نظرت فيه، ثم طوته ثم أخفته، ثم ظهر عليها تردد شديد، كأنها تنبهت لأنها أتت أمرا عظيما وكأنها تراجع نفسها في استدراك ما فات، وإلغاء ما قدمت من الأمر، وكأنها تفكر في أن تتحدث إلى التلفون بغير ما تحدثت به إليه منذ حين.

    ولكنها لم تبلغ من ذلك ما تريد لأن طرقا خفيفا على الباب قد ردها عنه، واضطرها إلى أن تصلح من شأنها على عجل وترفع صوتها آذنة بالدخول.

    ولم يكد ينفرج الباب عن صاحبها الأديب حتى أقبلت عليه باسمة تحييه وتقول في جرأة متكلفة، واستحياء ظاهر، إن كنت أقبلت للوم والعتاب فعد أدراجك وارجع من حيث أتيت، وخذ قطار الظهر. فإن في كتابك من اللوم والعتب والفلسفة والتشاؤم ما يغني عن إضاعة الوقت.

    قال فإن ما أضيعه من الوقت في اللوم والعتب لن يكون شيئا بالقياس إلى هذه الأسابيع الطوال التي أضعتها أنت حين أبيت إلا أن تقيمي هنا، وأذهب أنا إلى باريس. قالت فذلك شيء قد كان، وقد مضى بأثقاله وأوزاره وليس إلى استدراكه من سبيل فلست أرى خيرا في ذكره، ولا نفعا لإعادة الحديث فيه، قال أما أنا فأرى في ذلك الخير كل الخير والنفع كل النفع، لأنك لم تستفيدي بما مضى ولن تنتفعي بذلك الفراق الطويل الأليم، قالت وما يدريك؟ قال أرأيتك لو أنبأتك بأني سأقيم معك في هذه المدينة وسأختلف معك إلى دروس الجامعة حتى ينقضي الصيف ونعود معا إلى القاهرة، ماذا تصنعين؟ قالت أو قادر أنت على ذلك وقد انتهت إجازتك، ولم يبق لك بد من القفول. قال فإن الإجازات تمد وإن الحيل أوسع من أن تضيق وإن رسالة برقية قد ذهبت إلى القاهرة خليقة أن تمنحني من الوقت ما يتيح لي أن اختلف إلى حجرات العلم بعد أن اختلفت إلى معاهد اللهو والفراغ. قالت كالواجمة أو فعلت هذا؟ قال نعم قالت فعد إلى باريس أو أذهب أنا إليها. قال محزونا البأس عليك فلن نلتقي في هذه المدينة إلا بياض هذا اليوم، ولكن كيف تريدين أن تقضيه؟ وأين تريدين أن تقضيه؟ فما أظن أن غرفتك هذه الضيقة تسع أحاديثنا وخواطرنا التي لا حد لها والتي ينبغي أن تكون حرة كالطبيعة الحرة. ومطلقة كالهواء الطلق. وإني لأعرف من هذه الأرض أكثر مما تعرفين. قالت فإني لا أعرف منها إلا الجامعة والفندق والطريق بينهما. قال أما أنا فلا أعرف الجامعة وإنما أعرف الجبل والسهل وأعرف الربى والوديان، وأعرف الغابات الملتفة والرياض النضرة، والغدران الجارية، ذات الصفحات النقية، والصوت الجميل، وأعرف بنوع خاص ربوة بديعة يجرى من تحتها جدول بديع لا تقع القدم فيها إلا على عشب. ولا ترى العين فيها إلا جمال الشجر والزهر، ولا تسمع الأذن فيها إلا هفيف النسيم وحفيف الورق وغناء الطير، وقد دارت حولها طائفة من الشجر الباسق الذي ارتفع في الجو كأنه يريد أن يبلغ السماء، والذي مد أغصانه في كل وجه حتى التفت واشتبك بعضها ببعض، وهيأت فوق هذه الربوة الجميلة الهادئة غرفات جميلة هادئة تصلح لتفكير المفكرين، وحديث المتحدثين، والرأي عندي أن نقصد إلى هذه الربوة فننفق فيها بياض هذا اليوم فإني مشوق إلى أن أراها بعد أن فارقتها منذ أعواما وأن أراك فيها بعد أن فارقتك منذ أيام تعدل أعواما وأعواما. قالت لا أرى بهذا بأسا ولكن على أن يسبق منك الوعد باثنتين أما أولهما فأن تكف عن اللوم والعتب وما يشبه اللوم والعتب من هذا التجني الذي تحسنه أكثر مما تحسن أي شيء آخر، قال زعموا أن قيمة كل امرئ ما يحسن، فإذا كنت ترين أني ممتاز في التجني لا أكاد أحسن شيئا غيره وتطلبين إلي مع ذلك إلا اقصد إليه ولا أخوض فيه فأنت إذا تريدين أن تضعيني موضع الذي يقول فيما لا يحسن، ويخوض فيما لا علم له به. قالت ذهابنا إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة رهين بهذا الوعد. فلك أن تختار بين الجد الخالص الذي لا عبث فيه ولا دعابة، ولا لوم فيه ولا عتب، ومعه ربوتك الجميلة الهادئة وغرفتك البديعة التي تصلح للتفكير والحديث، وبين ما تحب من العبث والخلط تذهب فيهما كل مذهب، وتندفع فيهما إلى غير الطريق، قال أوحرنا في الاختيار، فإني إذن أختار الثانية وأوثر أن نطوف بالعبث والخلط في شوارع هذه المدينة الصغيرة الهادئة، لا يضيق بنا مكان إلا تركناه إلى مكان آخر، ولا نستنفد فنا من فنون السخف إلا عدلنا عنه إلى فن آخر. فإني أصبحت أرى السخف أقوم ما في الحياة. قالت لقد أفسدتك باريس قال بل أفسدتيني أنت حين أكرهتيني على الذهاب إلى باريس، قالت فإني لا أدع لك حرية الاختيار وإنما أفرض عليك الربوة الجميلة الهادئة وحديثها البريء من العبث والتجني فرضا، قال لقد أطعتك حين نفيتني إلى باريس فأحرى أن أطيعك حين تذهبين بي إلى هذه الجنة الخضراء، وأكبر الظن أن طبيعة هذه الربوة الجميلة الهادئة ستكون أقوى منك ومني وستوجه عقلينا وقلبينا إلى حيث تريد هي لا إلى حيث تريدين، ولا إلى حيث أريد. قالت ما دمت واثقا بالطبيعة إلى هذا الحد، مؤمنا لها إلى هذا الحد، فلنذهب إلى ربوتك ولنحكم جمالها وهدوءها فيما ستفيض به قلوبنا من شعور، وفيما ستضطرب به عقولنا من تفكير، وفيما ستجري به ألسنتنا من حديث.

    وانتصف النهار وإذا هما في هذا المكان الجميل الذي خلت فيه الطبيعة إلى نفسها فاتخذت زينتها حرة طليقة لا متكلفة ولا خاضعة لعبث الناس. وإذا هما ينظران ويسمعان ويتنسمان هذا النسيم الهادئ القوي وقد أزيلت الحجب بين نفسيهما وبين ما في هذه الربوة من جمال هادئ قوي خصب مختلف الألوان. ولو قد خلي بينهما وبين ما كان يغرقان فيه من هذا الصمت الحلو الذي كان يمزجهما بهذه الطبيعة الحلوة لظلا صامتين هادئين حتى تزعجهما ظلمة الليل، فتخرجهما عما كانا فيه من صمت وهدوء، ولكن الطبيعة نفسها أبت عليهما ما كانا فيه كأنها أحبت أن تسمعهما وكأنها أحبت أن تمتزج أصواتهما بأصواتها. فما هي إلا أن يحسا نبأه تخرجهما من نعيم الصمت والذهول إلى شقاء الحديث والتفكير. أحسا نبأه فريعا لها، وهما أن يتعرفا مصدرها فلم يصلا مما أرادا إلى شيء ولكنهما تساءلا، وسمع كل منهما صوت صاحبه فأغري به واشتدت رغبته فيه، وعادا إلى ما كانا فيه من حوار، قبل أن يبلغا هذا المكان الجميل.

    قال، وإذا فأنت تجدين من المشقة في قراءة القصص التمثيلي ما يرغبك عن هذه القراءة، وينفرك منها، ويحبب إليك قراءة هذا القصص اليسير الذي لا أخذ فيه ولا رد ولا جدال فيه ولا حوار. قالت نعم وان كرهت ذلك ورأيته آية من آيات الضعف ومظهرا من مظاهر القصور. قال وكيف يكون ضعفا ما تحبين، وكيف يكون قصورا ما تكلفين به من الأمر؟ قالت تنبه فإني أراك مقدما على إخلاف الوعد الذي سبق. قال فإني لم أعد بشيء على أني لا أدري أين يكون هذا الإخلاف. لست عابثا، ولا متجنيا، إنما أقول ما أعتقد، وأصور ما أرى. وإني لأشعر بالنفور من قراءة التمثيل، وبالرغبة في الاكتفاء بهذا القصص اليسير. قالت فإنك تكبر التمثيل إكبارا أراك تسرف فيه، فلست أجحد قدره ولا مكانه بين مظاهر التعبير الأدبي، ولكن التمثيل خلق للملاعب لا للمكاتب. وخلق لينفذ إلى النفس من طريق الأذن والعين، لا من طريق العين وحدها. وخلق لينفذ إلى النفس ممتزجا بأصوات المتحاورين وحركات اللاعبين، لا لينفذ إليها كلاما غير منطوق، وعملا لا يأتي به أحد من الناس. قال حجة قوية هذه لا أريد ولا أستطيع أن أنقضها وليس من شك في أني أوثر أن أرى التمثيل في الملاعب على أن أخلو إليه في مكتبي، وأوثر أن أرى أشخاص القصة يذهبون ويجيئون، وأسمعهم يجادلون ويحاورون، ولكن ماذا أصنع إذا حيل بيني وبين الاختلاف إلى الملاعب، لأن ظروف الحياة لا تريد ذلك أو لأني أعيش في بلد لا يزهر فيه التمثيل، ولا يكاد يزوره إلا لماما أو لأن آيات من القصص التمثيلي قد قطعت الطريق بينها وبين الملاعب. أأجهل هذا الفن من فنون الأدب جهلا، وأهمله إهمالا، وأنسى أنه موجود وأن فيه للنفوس الراقية متاعا، وللعقول الراقية غذاء، وللقلوب الراقية لذة. قالت وقد أخذها شيء من الدهش كأنما رفع عنها حجاب فرأت نورا باهرا لم تكن تنتظر أن تراه. ماذا تقول! وأين ذهب بي الجدال! وإلى أي حد انتهى بي حب الخصومة. قال إلى حيث تأتين ما لم يستطع الدهر أن يأتي وتصدرين أحكاما عجز النسيان وعجزت الأيام وعجزت المحن والخطوب، وعجز الجهل والجمود عن أن تصدرها، إلى حيث تمحين من سجل التاريخ الأدبي أعلام الأدب القديم والحديث، إلى حيث تعتبرين إيشيل، وسوفوكل، وأوربيد، وأرستوفان، وشكسبير. قالت في شيء من الجزع لا تقل هذا، وكيف السبيل إلى قبر هؤلاء الأعلام ومحو هذه الأسماء، وإهمال لهذه الآيات وإن أصحابها لأبقى من الدهر كله وأقوى من الناس كلهم، وأحق بالعناية ممن شئت وممن لم تشأ من أبطال العلم والأدب والفلسفة جميعا. ثم انحدرت من عينيها دمعتان وقالت بصوت رقيق تقطعه العبرة، كيف يمكن أن ينسى قول سوفوكل على لسان انتيجون في حوار الملك: ولدت للحب لا للبغض.

    قال مهلا، فإنا لم نأت إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة، ولم ننزل ضيفا على هذه الطبيعة النضرة الباسمة لنسفح الدموع. ونثير في نفوسنا عواطف الحزن، وقد وعدتك أو قد وعدت نفسك بألا نعبث هنا ولا نلهو، ولكني لم أعدك، ولم تعدي نفسك بأن نبكي ونرسل الزفرات ونسفح العبرات. قالت والهدوء يثوب إليها وإشراق الابتسامة الهادئ الخفيف يذود عن وجهها ما غشيها من ظلمة الحزن، والبكاء، لولا شغفك بالجدال وكلفك بالحوار واحتيالك في خلق الخصومات التي لا تنتهي، ولما اضطررت إلى أن أتورط في هذا الكلام الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه فن من فنون السخف أو لون من ألوان الجحود، قال لست جاحدة، ومعاذ الله أن تكوني جاحدة، ولكني قلت لك أني أصبحت أرى أن السخف أقوم ما في الحياة. قالت فكن سخيفا ما شئت. فإني لا أحب السخف. لا أحب أن أسمعه ولا أحب أن أخوض فيه، ولولا إننا هنا بعيدان عما أحب من الكتب لفرضت عليك عقوبة. . . قال وهي أن أقرأ لك فصلا من فصول التمثيل، لأقيم لك الدليل على أن التمثيل يمكن أن يقرأ فيثير اللذة والإعجاب بعيدا عن الملعب، قالت ولمن تريد أن تقيم الدليل وقد عرفت أني أشاركك في الرأي، وإني لم أقل ما قلت ولم أذهب إلى ما ذهبت إليه، إلا حين اضطررتني أنت إلى هذا الحوار الذي لا ينقطع، والذي لا خير فيه. قال ماكرا، ومن يدري لعلك إن حاورتك في الشعر أن تقولي إنه لا يقرأ. وإنما يسمع من المنشدين. ولعلي إن حاورتك في الموسيقى أن تقولي إنها لا تقرأ، وإنما تسمع من الموقعين. قالت ومن يدري لعلك إن حاورتني في أي شيء أن تسيء رأيي في كل شيء، وان تردني إلى حيث كان أسلافنا في العصور الأولى، لا يعرفون الترف العقلي ولا يبتغون لذة العقل والشعور إلا من أقرب الطرق وأيسر الوسائل. فقد كانوا يسمعون الشعر ويسمعون الموسيقى ويسمعون التمثيل، لأنهم لم يكونوا يقرؤون فأما الآن فقد نستطيع نحن أن نسمع فإن فاتنا الاستماع فقد نستطيع أن نقرأ. وأني لأفكر في هذا فأعجز عن إحصاء نعمة الله على الناس حين ألهمهم الكتابة وعلمهم القراءة. فهذه النعمة هي التي حفظت لنا ما بقي في أيدينا من آيات البيان في العصور القديمة وأتاحت لنا أن نعجب بما كان يعجب به الناس من سحر الشعر والنثر، منذ القرون الطوال. وهذه النعمة هي التي تتيح لنا دائما أن نستبقي آيات التمثيل التي لم يبق بينها وبين الملعب من سبيل، لأن الأذواق قد أصابها من التغير والتبدل ما جعل تمثيل هذه الآيات أمرا لا مطمع فيه، فلولا أنها قد حفظت لنا بالكتابة ولولا أننا نستطيع أن نحييها في نفوسنا بالقراءة. لماتت موتا لا نشور بعده وكيف ترى تمثيل أرستوفان، وأي قصصه يمكن أن يظهر في الملاعب الآن وأين الآذان التي تستطيع أن تسمع لحواره وما فيه من تجاوز الذوق الاجتماعي ومخالفة الأدب المألوف. ومع ذلك فكيف يستطيع مثقف أن يجهل تمثيل أرستوفان، إني لأكره كل ما يشذ عن الأدب الذي تواضع عليه الناس ولأرفض كل الرفض أن أقرأ على أحد، أو أسمع من أحد كثيرا من قصص أرستوفان، بل إني لأكره أن أقرأ هذه القصص كما كان القدماء يقرؤون بصوت عال تسمعه الأذن، ولكني على ذلك أعترف بأني أطيل النظر في هذه القصص وأقرأه المرة بعد المرة وأقرأه كلما ضقت بالحياة أو ضاقت بي الحياة، أقرأه بالعين لا بالشفتين واللسان. قال ومالك تقفين عند أرستوفان وإن في آيات سوفوكل وصاحبيه لما يعجز الملعب عن إخراجه للناس الآن، لأن فن التمثيل نفسه قد تغير وتبدل، ولكن أي حرمان يصيب المثقفين لو قضي عليهم ألا يقرؤوا غناء الجوقة في شعر هؤلاء الأعلام. وشكسبير أيجب أن يحرم المصريون مثلا لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل في بلادهم، بل أيحرم الإنجليز أنفسهم لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل عندهم إلا بمقدار. قالت بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا فقد نستطيع أن نؤمن بأن القصص التمثيلي فن من فنون التعبير الأدبي يمكن أن يقصد إليه من حيث هو، وأن يكتب الكاتب قصة تمثيلية لتقرأ لا لتمثل، قال فإنك لا تذهبين إلى شيء مستحدث وهل كانت كتب أفلاطون كلها إلا فنا من فنون التمثيل كتبت لتقرأ لا ليلعبها الممثلون أمام النظارة، قالت بل أنا أجد القراءة تمنحني قوة لا أجدها حين اختلف إلى الملاعب فأنا أخلق الممثلين وأصورهم لنفسي وهم يذهبون ويجيئون ويجادلون، وأخلع عليهم من الصور الفنية ما يعجبني ويلائم طبيعتي، ومزاجي، وفهمي كما أقرأ. قال ولست أخفي عليك إني أكره أن أرى قصة تمثيلية قبل أن أقرأها، ولعلي أقرأ القصة التمثيلية فأعجب بها إعجابا، وأفتن بها فتونا. ثم أشهدها في الملعب فيدركني شيء كثير من خيبة الأمل لأن الممثلين لم يؤدوها كما كنت أريد أن تؤدى، أو كما كنت أنتظر أن تؤدى. قالت وكذلك آيات الجمال الفني كلها ترتفع في النفوس حتى تبلغ المثل الأعلى أو تدنو منه فإذا اشتملتها الحياة الواقعة وأخرجها الإنسان إلى الوجود الفعلي نزلت عن مرتبتها لأن طبيعة الجمال الفني فيما يظهر لا تحب الحدود التي يفرضها الزمان والمكان.

    قال في رفق مهلا فقد يخيل إلي أنا نصعد في السماء، ولو مضينا في هذا الحوار لبلغنا هذا السحاب الذي يوشك أن يفسد جمال هذه الطبيعة النضرة الباسمة. قالت ليس إلى إرضائك اليوم من سبيل، لقد كنت تراني منذ حين مقصرة مسرفة في التقصير، وأنت تراني الآن محلقة مسرفة في التحليق. قال أنا معجب بك على كل حال، ولكن ارفقي بي فقد أعجز عن أن أرتقي معك في الجو إلى حيث تريدين، عيشي مع أصدقائك من سكان النجوم إذا خلوت إلى نفسك فإذا لقيتني، فاذكري قول باسكال واعلمي إني مهما أقوى فلن أستطيع إلا أن أكون إنسانا يمشي على الأرض وينظر إلى السماء. قالت ما أبرعك في إفساد الحديث ها أنت ذا تعود بنا إلى عبثك الذي لا ينقضي، ألست ترى أن خيرا منه أن ننظر فيما حولنا وأن تتحدث نفوسنا إلى نفس هذه الربوة التي لقيتنا فأحسنت لقاءنا. وهيأت لنا ضيافة لم نكن نقدر أن نلقاها. قال لا أرى بذلك بأسا ولا سيما في يوم وداع فمن يدري لعلنا لا نلقاها بعد اليوم. قالت وما يمنعنا أن نعود إليها غدا وبعد غد فإن الإجازات تمد، ورسالة برقية تستطيع أن تذهب إلى القاهرة مساء اليوم فتكفل لك الإذن بالبقاء هنا إلى آخر الصيف. قال وقد استأثرت بنفسه غبطة لا حد لها أو تأذنين؟

    مجلة الرسالة، الأعداد ١٢، ١٣، ١٤، ١٥ (١ يوليو – ١٥ أغسطس ١٩٣٣)، والعدد ٢١ (١٥ نوفمبر ١٩٣٣)

  • هزل وجد

    هزل وجد
    بقلم الدكتور طه حسين
    أنفقت أياما عشرة لا تصل إليّ فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية. وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد في مصر من الأحداث. فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تقنع ولا ترضي ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدر في نفسي ألوانا من الفروض تصور لي الحياة الواقعة في مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم وفي حياتنا التي سنحياها غدا أو بعد غد.
    ولم أكن أشك في أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد. وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغي ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
    كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسي أن الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغي ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره.
    كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا. ولكن الصحف المصرية تصل إليّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة.
    رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما ورائه من خفي الأشياء والأسرار. كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع، وتتبع للصغائر وإغراق في البحث عنها ومضي في الجدال الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
    الأحزاب ماضية في خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية في تلقط النوادر التي يتفكه بها الناس حين يلقي بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإني لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض. فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمي باللغة العربية وسوء تصرفي فيها. وما رأي القارئ في أني لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط في حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف في هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال. فالناس جميعا يعلمون أني لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها. والناس جميعا يعلمون أني لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهي ولا أعرف كيف أقول. الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا. ولست أنا الذي طلب إلي الناس أن يسموني بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبوني بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه.
    لم أمعن في الضحك إذن لأني أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأني ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليّ الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها. ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير. وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع كل هذا في ناحية وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا. ولكن له أمثالا كثيرة في صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد وإنما تمس غيري من الناس. وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث.
    لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إليّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارا. فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
    وقد ساءلت نفسي دائما وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:
    وإذا كانت النفس كبارا
    تعبت في مرادها الأجسام
    كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليّ من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذي غير حياة مصر في أيام قليلة بل في ساعات قليلة فرد إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصري بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع في عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
    رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
    ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا.
    ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور.
    أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا. ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب:
    والشيخ إن قومته من زيغه
    لم يقم التثقيف منه ما انحنى
    فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهي تفكر في تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء. يسمعون هذا كله فلا تصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولابد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين. وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعتني بالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف. نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون.
    طه حسين
    الأهرام ٦\٩\١٩٥٢

  • تمصير

    تمصير

    هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، وظهر فيه الحرص واضحًا جليًّا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟

    وقد مضى عصر كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك، ونقدم عليه لا نجد فيه حرجًا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية مبتهجين بالإسراع إليها، مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يتمدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من أساليب الحياة.

    مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، فإن لنا مقومات خاصة ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجًا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى، ولابد لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادًا من حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودًا خليقًا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس.

    ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد الحرص. فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم، نقرأ ما نقرأ من ذلك ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها، وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ونستظهرها، دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلًا، فضلًا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف. ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان اللغة العربية واضحًا جليًّا في التعليم، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظًّا لا بأس به، وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ومضينا في ذلك موفقين أحيانًا ومخطئين أحيانًا أخرى، حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على الطلاب في الجامعة والمدارس العليا.

    وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض عليه لغتنا فرضًا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة الوطنية، فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور حياتنا المصرية الخاصة تصويرًا صحيحًا دقيقًا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها. فقد نقلنا عن الأوروبيين فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون شيئًا فشيئًا حتى بلغنا من ذلك حظًّا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون، وما أظن صديقنا «الصاوي» قد أنشأ صحيفته الجديدة هذه إلا ليشارك فيما يجب على كل محب لمصر أن يشارك فيه من تمصير الأدب والثقافة بوجه عام.

    طبيعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل كغيره من الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة، أو تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع، فنحن لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلًا ونقره فيها كما يستقر الضيف.

    فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى التقليد المستقيم، فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخًا، ونسيء إلى عقولنا كما نسيء إلى الأوروبيين أيضًا، فنصورهم صورًا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن أيضًا.

    والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا تريد أن تنقضي. ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه بعد ما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة أو جزءًا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا مساء الخميس. فقد انتهت إلى الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل عنوانًا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني».

    وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارًا، لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر وضعًا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأنني سأشهد مظهرًا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأعرف إلى أي حد انتهى كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل نفسه.

    ويجب أن أعترف بأنني لم أكد أسمع شطرًا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقًا شديدًا، فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. (لا يغضب صديقي توفيق الحكيم، فقد يكون لي في قصصه العامية رأي حين أقرأه، وسيكون لي معه على كل حال في ذلك يوم أو أيام. ولعله يذكر رأيي في لغة «عودة الروح»). على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس منه بد، وبأن الخير كما يقول الفيلسوف القديم إذا لم يكن ما أريد أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم وألهو مع اللاهين.

    وكان الممثلون مجيدين حقًّا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية. ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي تسليطًا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف وما قد يؤذي الناس الذين يجاورونني أن أحسوه أو أظهروا عليه.

    ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية ومثلت في كثير جدًا من الملاعب، ثم تجاوزت الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول.

    وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخًا وحرفها تحريفًا وذهب بما فيها من جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره، ولست أدري! أعلن الكاتب هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانًا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ وتشويه.

    القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا التعبير. فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر. فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آذاك هذا الاستماع وشق عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال.

    وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون، منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعًا بعيدون عن هذا الابتذال الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة والحارات في القاهرة.

    والقصة الفرنسية تصور لونًا من ألوان الحياة في باريس وهي تمتاز بالجرأة بل بالإسراف في الجرأة، جرأة على السياسة، جرأة على العرف، جرأة على المألوف من أخلاق الناس. وقد أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه.

    للقصة بطلان ممتازان من الرجال، أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثامًا مالية منكرة ويتستر في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ظاهر الأمر يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارهًا لحكم القضاء، ثم ما يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه وتشاركه في الإثم فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة والاختلاس.

    وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك ومنها المؤلم ومنها ما يجمع الأمرين معًا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي تمثلها القصة المصرية تمثيلًا واضحًا ملهيًا حقًّا.

    ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة.

    وقد عجزت القصة المصرية عن الصراحة والجرأة ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية. فالسارق المحتال عضو في شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول، فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن «توباز» ظهرت في فرنسا وتجاوزتها قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى.

    وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله. لأن من المؤلم حقًّا أن يشهد الإنسان أثرًا فنيًّا بارعًا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه.

    ومع ذلك فقد ضحكت النظارة وأغرقت في الضحك، ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرًا. ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعبارتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئًا. كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة الفرنسية وما يقولون.

    في هذا النحو من التمصير شر كثير لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن، يمسخه ويغير معالمه ويرد جماله قبحًا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان الجاحظ يكره أن تختصر آثاره يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا ونحن مصريون غرباء لم ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية وأبقاها؟

    وأنا أعلم أن هذا التغير الخطير يصيب كثيرًا من القصص لا في مصر وحدها بل في كثير غيرها من البلاد. ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرًا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له.

    وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئًا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده في قصة الشيخ متلوف والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف، إن صح أن يضاف الجمال إلى ترتوف.

    حسن جدًّا أن يمصر التمثيل وأن يتخذ العربية، ولا سيما العربية الفصحى، له لغة وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحًا صريحًا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون تمصيرًا مثبتًا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرًا جريئًا جليًّا لا يثير حزنًا ولا ندمًا ولا حياء.

    مجلتي، ١٩٣٤/١٢/١٥

  • همج

    همج
    نعوذ بالله أن نحب هذه الكلمة، أو أن نؤثرها أو أن نتخذها عنوانا لفصل من الفصول عن رضًا بها، أو ميل إليها، ولكنها كلمة أصبحت رسمية! وكسبت حقا من الحقوق المدنية! فلم يبق بد من أن نقر لها بهذا الحق الذي كسبته! ونؤمن لها بهذه المزية التي ظفرت بها! وأي حق أعظم من أن ينطق بهذه الكلمة نائب من النواب، في مجلس النواب على منبر النواب، وتحت قبة البرلمان! وأي مزية أميز، وأي فضيلة أفضل من أن تسجل هذه الكلمة في مضبطة مجلس النواب، ومن أن تسجل على أن نائبا قذف بها في وجه الوزراء وزملائه من النواب! نعم امتازت هذه الكلمة، وكسبت حقوقا، وليس على الصحف بأس أن تستعمل الألفاظ المهجورة وتتخذها عنوانا لما تكتب من الفصول بعد أن يمنحها النواب الحقوق المدنية، فيجب أن يقوم مجلس النواب الآن مقام المجمع اللغوي الذي أعلن عن تكوينه ثم لم يكن، وعزم على تأليفه ثم لم يؤلف. وأكبر الظن أن وزير التقاليد قدر في نفسه أن مجلس النواب يستطيع أن يستغني عن هذا المجمع، ليحيي المهجور من الكلام وقد كدت أن أملي الهجر، ويضيف إلى اللغة ما ليس فيها. وما دام مجلس النواب قادرا على أن يشرع في كل شيء، ويراقب كل شيء، ويقضي في كل شيء، فهو بإذن الله قادر على أن يشرع في اللغة ويراقبها ويقضي فيها!
    ولكن مجلس النواب لم يحدد أمس -ولعله يريد أن يحدد اليوم- معنى كلمة الهمج هذه، فليس لكلمة من الكلمات قيمة إلا أن يحدد معناها، ويضبط ما تدل عليه. وكان النائب الذي نطق بهذه الكلمة وأدخلها في معجم البرلمان مغضبا ثائرا، منتقض المزاج، فيجب إذن أن لا يكون قد أراد بها دعابة ولا فكاهة ولا مزاحا، فضلا عن أن يكون قد أراد بها تحية للمجلس أو ثناء عليه!
    وغضب رئيس المجلس حين سمع هذه الكلمة لنفسه ولنواب الأمة، ووزراء الدولة، فطلب إلى النائب المحترم أن يسترد كلمته هذه. ويظهر أن النائب المحترم من تلاميذ أستاذنا الشيخ محمد المهدي رحمه الله. فقد أساء إلى بعض الناس بكلمة ساقها إليه، فلما طلب إليه سحبها كما يقولون، أجاب «يا ولدي، كلمة قيلت فكيف أسحبها؟» لذلك أبى النائب أن يسحب كلمته بعد أن قالها، وقد غضب المجلس، أو بعبارة أدق اختلف المجلس في وقع هذه الكلمة: أكان شديدا فينبغي أن يألم النواب؟ أم كان خفيفا فينبغي أن يغضي عنه النواب؟ لذلك لم يثوروا بصاحب الهمج هذه! وإنما ألحوا عليه في رفق ولطف في أن يستردها ويعتذر منها! ولم يكن يعدل لين المجلس إلا شدة النائب! فقد كان المجلس يلح في الاعتذار، وكان صاحب الهمج يكرر الهمج حتى إذا أثقل زملاؤه عليه لم يسحب الكلمة وإنما سحب نفسه وخرج من المجلس حدة شديدة، يمزق بيديه مشروع القانون الذي كان يعرضه وزير التقاليد! وكان يدرسه المجلس ويظهر الميل إليه، والتأييد له. وكان النائب ينكره ويرى أن الهمج لا يعرضونه ولا يقبلونه! هنالك كانت حدة وشدة. وهنالك كانت ثورة وفورة، ولكنها لم تكن عامة ولا شاملة. وإنما مقصورة على جماعة من النواب، لهم فيما يظهر أمزجة حادة، وحس سريع التأثر. وكانت كثرة المجلس آخذة بالعفو، آمرة بالعرف، ميالة إلى الصفح، ولا سيما إذا قبل صاحب الهمج أن يتقدم بالاعتذار. وسنرى اليوم إلى أين تبلغ هذه القضية: أيسحب النائب كلمته فيبقى في المجلس؟ أم يأبى النائب سحب كلمته فيسحبه المجلس من بين أعضائه سحبا موقوتا أو غير موقوت؟!
    لكن هناك شيئا أجل خطرا من كلمة الهمج ومدلولها، ومن مرسل هذه الكلمة ورأيه في نفسه وفي زملائه ووزرائه، ورأي زملائه ووزرائه فيه. وهو أن فصل العمل قد طال على النواب، وتقدمت بهم الدورة حتى بلغ منهم الجهد وألح عليهم العناء فأصبحوا لا يملكون أنفسهم ولا أيديهم ولا ألسنتهم! وأصبحوا يغضبون لكل شيء، ويثورون لكل شيء، ويتنكرون لكل شيء.
    يحاول رجل أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيثور بعض النواب بالصحف. يحاول وكيل المجلس أن يعلن رأيا مهما يكن خاطئا، ومهما يكن سخيفا، فهو رأي أن يعلنه نائب له الحق في إعلان رأيه بحكم الدستور، فيثور به النواب، ويجمعون أمرهم على أن يفصلوه ويخرجوه، أو يذعن ويؤمن، ويخلع رأيا ويلبس مكانه رأيا آخر، كما يتبدل قميصا من قميص. ويحاول وزير التقاليد أن يدافع عن مشروع من مشروعات القوانين، أو يحاول المجلس نفسه أن يدرس مشروعا من مشروعات القوانين فيثور أحد النواب ويقذف في وجوه النواب والوزراء كلمة الهمج. وإذ بلغ الجهد من النواب هذا الحد، وانتهى بهم الإعياء إلى هذه المنزلة، فهم خليقون أن يستريحوا كما استراح رئيس الوزراء، وهم عاجزون عن أن ينهضوا بالعمل فستتصل فيهم الثورة، ويلح عليهم الغضب حتى يخرجهم من أطوارهم. ولست أذكر منفعة الأمة ومصالح الدولة، فليس عليها بإذن الله بأس من النواب، سواء سخطوا أم رضوا، وسواء هدأوا أم ثاروا. وإنما أذكر النواب أنفسهم، فقد يعرضون صحتهم وأمزجتهم وأعصابهم بهذه الثورة الدائمة، وهذا الغضب المتصل لشر لا نحب أن نتعرض له. ولو أن رئيس الوزراء بالنيابة مستعد لقبول النصح لأشرنا عليه بأن يتلو المرسوم الذي يأذن للنواب في أن يتفرقوا ويستريحوا، فإن جهد المكدود لا خير فيه.
    على أن هناك شيئا يعزى عن هذا الاضطراب المتصل بين النواب، وهو أنه اضطراب لا يؤذي، وثورة كنار القش أو كنار الورق، سريعة الهبوب، سريعة الخمود. فأما النائب الذي ثار على الصحف فقد اعتذر إلى الصحف. وأما النواب الذين ثاروا بالوكيل فقد عفوا عن الوكيل. وأما النائب الذي رمى في وجوه الزملاء والوزراء بكلمة الهمج فسيعتذر إلى الوزراء والزملاء. وما دامت نار النواب هينة هادئة، لا تحرق شيئا، ولا تمس أحدا بأذى فقد لا يكون بهبوبها وخمودها بأس، بل قد يكون في هبوبها وخمودها شيء من التسلية لهذا الشعب الذي يجب أن ينتظر من نوابه أن يسلوه إذا عجزوا عن أن يسعفوه.
    ويظهر أن الأمر لا يريد أن يقف عند مجلس النواب، وأن مجلس الشيوخ يريد أن ينافس زميله الشاب فيما يأتي من حركات الشدة والحدة. ومن الثوران والفوران، فقد صاح بعض الشيوخ منذ أيام في وجه الرئيس، أو في وجه الوكيل: إنكم تريدون أن تعاملونا كما يُعامَل زملاؤنا في مجلس النواب. ولم يحفل الرئيس أو الوكيل بهذه الصيحة، كما لم يحفل رئيس النواب بصيحات النواب!
    وخطفت ميزانية الأشغال فيما يقال من مجلس الشيوخ كما خطفت من مجلس النواب! ثم جاءت ميزانية السكك الحديدية، فجاءت ثورة أخرى وتبعتها خطفة أخرى! وظهرت الأهرام صباح اليوم، وإذا شيخ من الشيوخ يشكو المجلس إلى الشعب، ويتهمه بتهم أقل ما توصف به أنها خطيرة. فالمجلس -في رأي هذا الشيخ الوقور- يحرم أعضاءه حرية الكلام، ويحول بينهم وبين إعلان آرائهم، ويمضي أبواب الميزانية وفصولها في سرعة لا تلائم الأمانة -استغفر الله- بل يؤدي هذا المجلس عمله كله بطريقة لا تلائم الأمانة ولا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! وأؤكد لمجلس الشيوخ ومجلس النواب ومجلس الوزراء والنائب العام أني لا أقول هذا الكلام من عند نفسي. ولا أرتجله ارتجالا، وأعوذ بالله أن أدفع نفسي إلى هذا الموقف الحرج، والمأزق الدقيق. إنما ألخص ما قاله الشيخ المحترم في الأهرام. والشيخ المحترم قد قال أكثر من هذا، فأعلن إلى الناس وإلى الوزراء، وإلى الشيوخ أيضا أن له آراء في ميزانية السكك الحديدية، منع من إعلانها على منبر البرلمان فسيعلنها على منبر الصحافة في الأهرام. وإذن فنائب يتهم مجلس النواب بالهمجية، وشيخ يتهم مجلس الشيوخ بماذا؟ بالاستبداد، لأنه يمنع الناس من إعلان آرائهم، وبمخالفة الأمانة النيابية، لأنه يقضي في أمور الدولة على عجل، ولأن أعضاءه يؤثرون أعمالهم ورياضتهم على النظر في شؤون الدولة ثم يقبض أموال الدولة في غير حق، لأن أعمال المجلس لا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! ولست أريد أن أستنتج شيئا، فكل إنسان يستطيع أن يستنتج. ولست أريد أن أطلب شيئا، فليس يباح لنا أن نطلب شيئا في مثل هذه الحال، ولكني أرجح أن الشيوخ سيغضبون على زميلهم يوم يجتمعون كما غضب النواب على زميلهم أمس، وأن الشيوخ سيطالبون زميلهم، لا بأن يسحب كلمته، بل أن يسحب فصلا كاملا فيه كلمات وجمل وتهم تقال. وإذن فستشهد القاهرة مساء اليوم ثورتين، ثورة في مجلس النواب، وثورة في مجلس الشيوخ، ولكنهما ستكونان بإذن الله خفيفتين كل الخفة، هادئتين كل الهدوء. لن تضطرم فيهما النار حتى يطفئها الاعتذار! ثم يمضي الليل ويشرق النهار، وتقرأ أن مشروعات القوانين وأبواب الميزانية تمر في المجلسين في سرعة دونها مر القطار السريع.
    كوكب الشرق ٢٤ – ٥ – ١٩٣٣

  • سياسة

    حديث اليوم — سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.

  • كلية الآداب٢

    كلية الآداب
    بقلم الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب
    إذا ذكرت الجامعة المصرية فهم منها كثير من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطا مصدره فيما يظهر أن كلية الآداب عرفت باسم الجامعة المصرية حين أنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضمت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياته الأربع التي تتألف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. ومما يسر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة يلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية ويلقى بعضها الآخر في دور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقلما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر لها صفتها العلمية العليا ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس مس اتصالا قريبا، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم، وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم وملكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم وملكاتهم ونظمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبا إذن أن تتصل هذه المحاضرات المتنوعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها، بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية وعلى تفاوت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم ويريدون أن يختلفوا إلى دروسها اختلافا منظما أو غير منظم متصلا أو مؤقتا، لا يقيدهم في ذلك قيد ولا يمنعهم منه منع. ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولا لا مغمز فيه، وهؤلاء المستمعون يقبلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين وهم أحرار لا يؤدون امتحانا ولا يدفعون رسما ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة والتي تمس حياة الناس جميعا والتي يحسب الناس جميعا مخطئين أو مصيبين أن لهم بها إلماما قليلا أو كثيرا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور وأن تستأثر أحيانا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم وأن تختص أحيانا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم لما ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورا على كلية الآداب المصرية إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب وقد تربى عليها أحيانا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطر وهو أن تكون عنوان الجامعات وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.
    ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعد كلية الآداب على وجهها. وكثيرا ما تمنت كلية الآداب لو جهلها الناس وأغضوا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعم بعض الكتاب منذ أسابيع أنها لم تؤد رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية ولم تقلبها ظهرا لبطن كأن كلية الآداب متى وجدت يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية فإذا هو قد خلق خلقا جديدا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.
    لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يدرس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يدرس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرس في الكليات الأخرى، فليس هو شيئا شائعا يساهم فيه الناس جميعا وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرا أو كاتبا لتكون أستاذا في الأدب. وليس يكفي أن نفهم كتابا في التاريخ لتكون مؤرخا، بل ليس يكفي أن تكون مؤرخا لتكون أستاذا للتاريخ، وليس يكفي أن تكون فيلسوفا لتكون أستاذا في الفلسفة.
    يوم ترتفع العلوم التي تدرس في كلية الآداب عن أن تكون نهبا للناس جميعا وشركة بين الناس جميعا يساهم فيها القادر والعاجز ويقضي فيها الجاهل والعالم — أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقروها في نظامها الطبيعي.
    وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر، فأما المسرفون فيكلفونها شططا كما رأيت. ولكن هناك قوما هم أشد خطرا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأما الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة؟
    فأما الأدب شعره ونثره فليس إلا كلاما، وتستطيع أن تثق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويا عنيفا مستعدا دائما للقص من جناحي كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالا ولا محاورة فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة، ولا تقل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلا في بيئة حظها من الآداب عظيم — لا تقل شيئا من هذا فسينفضون إليك رءوسهم ويقولون كلاما لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وقفا عند الخطأ والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قصد إليه الذين أنشأوا كلية الآداب وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر إنما هو إحياء العقلية المصرية ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة وتفهمها وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.
    إلى هذا قصد الذين أنشأوا الجامعة المصرية القديمة وكانوا موفقين كل التوفيق، وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن وهم موفقون كل التوفيق أيضا. وإذا لم يكن بد من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديد العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني أيده الله هذا الميل فحمده فيّ وشجعني على المضي فيه تشجيعا ماديا ومعنويا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية ورفعته هدية إلى سدته الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءا من برنامج الدرس في الكلية. ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعا على فهم هذه الحقيقة القيمة وهي: أن مصر لن تنهض حقا ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلا إذا استخرجتها من معدنها واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان والرومان.
    نعم ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلا إذا عرفت قديمها فأحيته ووصلت بينه وبين الجديد واتخذت من هذا وذاك مزاجا صالحا هو قوام الحياة الصالحة التي لا تفنى في القديم فتجمد ولا تفنى في الجديد فتضيع.
    نعم ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها فيفهمون الأشياء فهما متقاربا ويحكمون عليها حكما متشابها ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض. وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته ولن تقصر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يمكنها من التغلب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
    طه حسين
    المصور ٤ – ٣ – ١٩٣٢

  • إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    إصلاح اللغة | Linguistic Reform

    Arabic calligraphy merging into birds flying over a vintage parchment background

    طريقة الإصلاح
    المقتبس ١-٢-١٩١٢
    لا أعرف في إصلاح اللغة إلا طرقًا ثلاثًا، قديمة غير جديدة، أي أني لست مبتدعًا لها، بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى: نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين: إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول، والثانية شعور القراء بفخامة ذلكم الجد الضائع والشرف المفقود شعورًا يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع. ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس. وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطريق شأوًا بعيدًا، فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب، فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود. وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قرارًا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا، وقد مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة، وإني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر.

    الثانية: تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها، تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أشرت إليها آنفًا، وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب، وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى، وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب. وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية، فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها. وقد وجدت منذ سنين شيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير، فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء، ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق، وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال.

    الثالثة: تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية، فلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي. ولست أرى أكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانه الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام. فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الأخلاق والعقول، فقد حق له عليّ الثناء الجميل، وقد حق علينا جميعًا أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله.

    وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلًا نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم.

    طه حسين
    المقتبس ١-٢-١٩١٢

    من أوراق الدكتور طه حسين
    تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
    بقلم: د. محمد حسن الزيات
    مجلة الهلال ١-٦-١٩٨٨
    بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ، وجهه إلى وزير التربية والتعليم، أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت، عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية، يقول فيه: «إن لهاتين المسألتين المشكلتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان». وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم، مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي، إلى التفكير في استعمال الحروف اللاتينية، فأنكر طه حسين ذلك عليه، وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام. على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية. فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل لهاتين المسألتين المشكلتين.
    يقول طه حسين في خطابه:
    حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العموميةتفضلتم فتحدثتم إليَّ في مسألتين لهما في حياتنا الفعلية أبعد الأثر وأبلغه. إحداهما تتصل بتيسير النحو العربي وجعله ملائمًا لطبيعة العصر الذي نعيش فيه، موافقًا لمزاج العقل الحديث. والأخرى تتصل بإصلاح الكتابة العربية بحيث تعصم القارئين عن الخطأ، وتمكنهم من أن يقرؤوا الكلام كما أراد صاحبه أن يكتبه، وكما يحب صاحبه أن يقرأه الناس.

    وما أشك في أن لهاتين المسألتين خطرًا عظيمًا هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان، وحسبي أن أقول إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين. وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة، ونخادعها أشنع الخداع، حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية، وندققهم فيها، ونبصرهم بها، ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا عما يريدون، أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف، أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين، على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم، وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.

    فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا، وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا، ولا تتعرض لريب، أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة، فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها، العالم بها، المتقن لدقائقها وأسرارها. وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية، وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا، ويحتملون في ذلك، ويحتمل معهم أساتذتهم، جهدًا ثقيلًا. فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي، وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية، وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث، فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الأصيل.

    وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها بهذه الحقيقة، بعد أن أقنعتها التجربة بها، ودلتها الحوادث عليها، فساقت إلى الذين يعنون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر، وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب منه. وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر، فيمن تلقاه، وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة، وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات. ولكني آثرت الصمت، واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه، لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة، وواثقًا بأنها لن تغني شيئًا، مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة فيما يصل إليها من الإجابات، فتقرأ أولًا، ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين، أو تسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.

    وكنت محققًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء؛ لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها الهيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل، ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.

    وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم، وإلى الجرأة والإقدام، وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها. وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور، وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا، وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين، لولا أني وجدت من حديث معاليكم، ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية، ما رد إليَّ بعض الأمل، وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة، مغتبط أشد الاغتباط، حين ألاحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة لما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة. فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا، ومقدمة سعيدة لخطوات موفقة إن شاء الله.

    ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين أن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يعلم في البصرة والكوفة وغيرهما من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة؛ أي إننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يعلم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت، وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها، إلا علوم اللغة العربية، فإنها ظلت كما هي، لم تتطور ولم تتغير، إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا، ولعله يصعب السهل، ويدفع الواضح إلى الغموض.

    وليست العلوم وحدها هي التي تطورت، أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم، إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير، فأنتج علمًا مخالفًا لما كان نتيجة من قبل، وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يستسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير في أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي، أو بطليموس، أو أرسطاطاليس، أو جالينوس، ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.

    ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد، ثم استقر في نفوسهم، وامتزج بعقائدهم، وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة، وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفساد لها. ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل، وأن يبقى المساس بها، على أي وجه من الوجوه، يعرضها للتغير أو التطور.

    وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل، دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث، أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا أو كثيرًا، ولكن الناس لم يفطنوا لهذا، أو لم يحفلوا به، وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة، وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم.

    ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره. وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية، واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن، واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء، فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة، ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل.

    وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر؟ وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء، أو ترفع بضمة قبل الواو، وتنصب بفتحة قبل الألف، وتجر بكسرة قبل الياء، أو تعرب بالحركة والحرف جميعًا، أو تعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف؟ سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه، وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف، مهما تكن علامة إعرابها.

    وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة، ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو، فقلنا إن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا، لما كان لهذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي؛ لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان، فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه، هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين، وهو الابتداء، أو عناء الفهم لهذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر، والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.

    وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه، وتعقدت ألوان المعرفة، إلى أن نريحه من العناء الذي لا يغني، ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يستسيغه. ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا، وصرفناه عنه صرفًا. وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب، وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع؛ ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه، ولا تتحدث إلى عقله، ولا تلائم طبعه ومزاجه، وإنما هي ألغاز لا تفهم، أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليه نظرة الجد.

    وكيف تريد التلميذ أن يفهم أننا إذا قلنا: محمد أقبل، فلا بد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل، ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على محمد؟ وكيف تريد الطالب أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة، ويستتر وجوبًا مرة أخرى، وهو في كل حال مبني، ومحله دائمًا محل الرفع؟ كل هذا كلام لا يستسيغه العقل الحديث، ولا سيما في طور الطفولة والشباب. فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى، فإنما نفرضه على الذاكرة، ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم، وأن يردد ما لا يعقل.

    وأحسب أن إصلاح الكتابة العربية لا يقل حاجة عن إصلاح النحو، ولعلها أن تكون أشد منهما وأكثر شيوعًا؛ فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو، ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب، وهو في حاجة إلى أن يعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب. وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق حديثكم الذي أذعتموه منذ حين، وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة.

    فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة شيء مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير، كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يمس، ولا أن يناله التغيير. وقد نسي الناس أن الكتابة غيرت، وطورت، ونالها العلماء بالإصلاح، فلم يصب اللغة من ذلك ضرر، ولم يلم بها فساد.

    وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية، كغيرها من الكتابات السامية، ناقصة؛ تصور حروفها الجامدة، وتهمل حروفها اللينة. ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني، وهي على كل حال شديدة العسر، ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرؤوا.

    وقد يمكن أن يقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها، وتتفرد بها، كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور. فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا، وأن يكتبوا، وأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار، فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرؤوا، وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتخصصين، وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم، لا غاية يشق عليهم الفهم منها.

    وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق، فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة، كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا منطلق كتبنا منطلق بالكاف والتاء والباء وحدها، وإنما ننطقها مع هذه الفتحات الثلاث التي تشيع النطق لهذه الكلمة. فما بالنا نصورها في النطق، ولا نصورها في الكتابة؟ وكيف السبيل للقراء الساذجين إذا رأوا هذه الأحرف الثلاثة الجامدة، أن ينطقوها على الصورة التي أرادها لها الكاتب؟ وإذا فبم السبيل إلى ذلك، وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس؟

    وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد تنبهوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه، فحاولوا تصوير هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة، وبالشكل المعروف مرة أخرى، فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون؟ أفلا يسعنا أن نحسن ما أحسن أئمة القرن الأول والثاني؟ وكيف ينكر علينا ما لم ينكر عليهم، وكيف نلام على ما لم يلاموا عليه؟ وأيهما خير: أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها، فنتم ما بدأوا، ونحقق ما أرادوا، أم أن نبقى حيث نحن، فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء؟

    ولا يخطر لي أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك، أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله، إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها، وتركها عرضة لتقلب الظروف. ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة؛ فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتصلون بالعلم بأوضاع الكتابة والخط، ويحسنون التصرف فيها، ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا، ثم يعرضوا ما ينتهي لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة في هذا الأمر، بعد أن يستقر رأي العلماء، ويتم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.

    وخلاصة القول أني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تضع تيسير النحو، وترفع ما تنتهي إليه من هذا التيسير إلى معاليكم لتروا رأيكم، ولتعرضوه، إن شئتم، على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة. وثانيًا، أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها؛ فيستشار الأزهر، وتستشار دار العلوم، وتستشار الجامعة، ويستشار المجمع اللغوي. فإذا أجمعت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي، وهو أن تصوير الحروف اللينة، أو الحركات، على أنها جزء من الكلمات، ضرورة لا بد منها، وخير لا شر فيه، عرض موضوع هذا الإصلاح لمسابقة عامة، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، بل في الشرق والغرب جميعًا.

    وأنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا، مع أجمل الشكر، وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.

    يسروا النحو والكتابة
    بقلم الدكتور طه حسين
    الآداب ١\١١\١٩٥٦
    سيداتي وسادتي،
    أريد أن أتحدث إليكم في موضوع عسى أن يكون ثقيلاً، وأعتذر إليكم من ثقله، فالحق ثقيل دائماً، لا يخف إلا على أولي العزم من الناس، والعهد بكم أنكم من أولي العزم؛ لأنكم من العرب الذين يؤثرون الجد على الهزل، ويفضلون الصراحة على المداراة والمراوغة. وبيني وبين الذين سينكرون ما أقول، ما قاله أبو العلاء:

    خذي رأيي وحسبك ذاك مني ٭ على ما فيَّ من عوجٍ وأمتِ
    وماذا يبتغي الجلساء مني ٭ أرادوا منطقي وأردت صمتي
    ويوجد بيننا أمد قصي ٭ فأموا سمتهم وأممت سمتي

    والموضوع ثقيل؛ لأنه يتصل باللغة العربية الفصحى، وبتعليم الشعب. فما أكثر ما نتحدث عن هذه اللغة العربية الفصحى، وما أكثر ما نعلن اعتزازنا بها، واعتدادنا بتراثها، وحرصنا عليها وعلى تراثها العظيم، ويقيننا أنها هي أساس وحدتنا، وهي العروة التي تجمع الشعوب العربية على اختلاف أوطانها وتباعدها، والعروة التي لا انفصام لها. نتحدث عن هذا فنكثر الحديث، ونقول في هذا فنطيل القول، ونملأ به أفواهنا، وتطمئن إليه قلوبنا، وتثور له نفوسنا. وإذا نحن نفيض حماسة وثقة وأملاً ويقيناً. فإذا فرغنا من هذا كله، وثبنا إلى نفوسنا، أو وثبت نفوسنا إلينا، وهدأت عنا الحماسة، اكتفينا بما قلنا، وبما سمعنا، وبما صفقنا، وبما صحنا، ثم لم نكد نصنع شيئاً.

    ولست أنكر أن علماء اللغة في البلاد العربية، على اختلافها، يبذلون جهوداً عنيفة، وينفقون من أوقاتهم ومن نشاطهم أكثر مما يطيقون لحماية اللغة وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها من كل عبث أو كل شر يمكن أن يصيبها. ولكن السؤال الخطير الذي ألقيه الآن، وأريد أن يلقيه كل واحد من حضراتكم عن ثقة، هو: لمن نحفظ هذه اللغة؟ ولمن نصونها؟ ولمن نريد أن نخلدها؟ ولمن ننفق كل ما ننفق من جهد ووقت ومال في سبيل هذا كله؟ أنفعل هذا كله لأنفسنا، لنستأثر بالعلم، وليقال إننا علماء، حفاظ، نتصرف في اللغة العربية بعد أن طوعناها بقدرتنا، ونستطيع أن نصرفها كما نحب ونهوى؟ أم نحن نفعل ذلك لتكون هذه اللغة ملكاً للشعوب كلها، لا لطبقة معينة منها، هي طبقة العلماء، الأئمة، الحفاظ، ولكن لجميع طبقات الشعوب العربية: الطبقات الممتازة أو الراقية، والطبقات الوسطى، والطبقات الفقيرة؟

    وهذا السؤال هو الذي أريد أن أدير الحديث حوله.

    أما أن فينا علماء، فهذا ليس فيه شك، ويكفي أن أكون في دمشق، وأن ألقى الأعلام من أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وأن ألقى هذه الطائفة الممتازة من المثقفين الشاميين، لأقتنع بأن اللغة العربية حية قوية، وأن لها حفاظاً، وأن لها أنصاراً يذودون عنها ويحرسونها، يذودون عنها الشر والعبث والفساد. وما أشك أن في البلاد العربية الأخرى شيئاً يشبه ما في الشام، كبيراً أو قليلاً. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن هذه اللغة العربية، التي يبذل في سبيلها كل هذا الوقت، لم تصل بعد إلى الشعوب، أو لا يكاد يصل منها إلى الشعوب إلا أصداء لا تغني عنها شيئاً.

    وليس أدل على هذا من أننا إذا استقصينا أمر اللغة العربية في الأقطار العربية الأخرى، فسنرى أن أكثر الذين يقرؤون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم على هذه اللغة الفصحى. وسنرى شراً من هذا؛ سنرى كثيراً من الشباب في غير قطر من الأقطار العربية يفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن ذات النفوس في هذا العصر الحديث، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة، ولغة الأدب في بعض البيئات. وما أكثر الذين أخذوا ينحرفون عن هذه اللغة إلى اللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع، وفي القرى، وفي أعماق الريف، يكتبون بهذه اللغة، ويرون الكتابة بها أيسر من الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأطوع لهم، وأقدر على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم، وما يجول في رؤوسهم من الخواطر والمعاني، من اللغة العربية الفصحى.
    وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأنها عسيرة، ولأنها مملة. ولأن التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة، واستمع إلى دروس الأستاذ في اللغة العربية، في النحو أو في الصرف أو في البيان، لم يستفد من أستاذه إلا شيئاً واحداً، وهو النفور من الأستاذ، والنفور من اللغة العربية، والانصراف إلى أي شيء آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل.

    ولا تظنوا أنني أبالغ أو أكثر، فهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا المكابرون. ولا تقولوا إن المدارس قد أخرجت طائفة من الكتاب والأدباء الممتازين، فهؤلاء هم الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أو الاستثناء الذي يحقق القاعدة كما يقال. ولكن التلاميذ في المدارس لا يبغضون شيئاً كما يبغضون دروس اللغة العربية. وهم مع ذلك إذا استمعوا إلى محاضرة عن اللغة العربية، ومجدها القديم، وتراثها الخالد العظيم، ثاروا حماسة، وامتلأوا نشاطاً وإيماناً وإعجاباً بهذه اللغة. ولكنهم حين تسقط عنهم الحماسة يعودون إلى تذكر الأستاذ، وكلامه الثقيل الذي كان يمليه عليهم، أو يلقيه عليهم في المدرسة، وهذه الأسئلة الشاقة التي كان يمتحنهم بها بين حين وحين.

    والأمر أشد من هذا كله خطورة. فنحن في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه قد آمنا بأن التعليم حق للشعب كله، منذ السن المبكرة إلى أن يبلغ الفتى أو تبلغ الفتاة الرشد. وإذن فنحن لا نبيح التعليم للقلة التي وفقت نفسها على أن تتعلم، وأتاحت لها الحياة أن تتفرغ للتعلم، وأن تنفق فيه شيئاً من الجهد والوقت والمال، وإنما نفرض هذا التعليم على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى القادرين والعاجزين. نفرض هذا التعليم على الشعب كله، ونعاقب الذين يقصرون في أداء هذا الواجب، وهو تعليم أنفسهم أولاً، وتعليم أبنائهم وبناتهم بعد ذلك.

    قوانيننا تعاقب الذين يقصرون في تعليم أبنائهم وبناتهم، ومعنى هذا أننا نفرض التعليم على هذه الملايين الكثيرة التي تتألف منها الأجيال في هذه البلاد العربية.

    وإذا فرضنا التعليم على كل هذه الملايين، فيجب أن نبتغي إلى هذا التعليم وسائله الصحيحة التي تنتهي به إلى النجاح حقاً، ويجب ألا نكلف الكثرة الضخمة التي نعلمها، هذه الكثرة الضخمة من البنات والبنين، ما نكلف به القلة التي يتاح لها الوقت والجهد والمال. وإذن فلا بد أن يكون التعليم يسيراً، وأن يكون قريباً، وأن يكون سائغاً، لا تجد فيه هذه الكثرة مشقة ولا عنتاً، ولا تحتاج فيه إلى هذا العناء الثقيل الذي يفرض على أبنائنا فرضاً.

    وأخرى ليست أقل من هذه خطورة، وهي أننا نعيش الآن في القرن العشرين، أي في العصر الذي تغير فيه التاريخ، وتغيرت فيه الحضارة المادية تغيراً تاماً، وتغيرت فيه الثقافة العقلية تغيراً يوشك أن يكون تاماً أيضاً، وتغير فيه العقل نفسه بحكم ما طرأ على الحضارة والثقافة من تغير. وما زلنا نعلم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا كما كان القدماء يعلمونها في معاهدهم ومدارسهم منذ أكثر من ألف عام.

    وقد نستطيع أن نطلب إلى القلة القليلة جداً أن تحتمل هذا العناء، وأن تتكلف هذا الجهد، وأن تخرج من القرن العشرين أو التاسع عشر للميلاد، لتتعلم النحو والصرف واللغة كما كان القدماء يتعلمونها. ولكنك لا تستطيع، بحال من الأحوال، أن تطلب إلى هذه الملايين الكثيرة أن تبذل هذا الجهد، وتحتمل هذا العناء، وتخرج من حياتها التي تحياها بالمشقة، والكد، والعناء، لتعود إلى حياة أخرى لعلها لا تعرف من أمرها شيئاً.

    فعندما تريدون أن تعلموا هؤلاء الأطفال في المدرسة الابتدائية، أو هؤلاء الشباب في المدارس الثانوية، عندما تريدون أن تعلموهم النحو، تعلمونهم النحو كما كان المبرد، وأستاذه المازني، وتلاميذهما المختلفون يعلمون في مساجد البصرة، وكما كان الكسائي والفراء يعلمان في مساجد الكوفة، أو في مساجد بغداد. والفرق بعيد بين المدرسة الابتدائية التي ننشئها في أعماق القرى وبين مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد بغداد، والفرق هائل جداً بين القرن العشرين وبين القرن الثامن أو التاسع حين كان يعيش هؤلاء العلماء.

    كان القدماء يعيشون عيشة خاصة، ويتأثرون من ناحية بالبادية العربية الأولى، ومن ناحية أخرى بالفلسفة اليونانية الطارئة، ومن ناحية ثالثة بالحضارة الفارسية المادية التي أحاطت بهم وشملتهم شمولاً. أما نحن فقد صرفنا عن البداوة العربية الأولى، وأغرقتنا الحضارة الحديثة إلى آذاننا، وقد أنستنا فلسفة أرسطاطاليس وغيره من قدماء اليونان، وأصبحت هذه الفلسفة لا يعرفها إلا الأقلون من أمثال الصديق الدكتور منصور فهمي، والدكتور جميل صليبا. وأصبحت الحضارة الفارسية شيئاً يعني الفرس حين يدرسون تاريخهم، أما حضارتنا الآن فهي الحضارة الحديثة، ونحن نعنى بحضارتنا القديمة لنستبقي منها ما يصلنا بالقديم، حتى لا تفنى شخصيتنا، وحتى لا نفقد عروبتنا، وحتى يظل الاتصال قوياً بيننا وبين ماضينا المجيد.

    فإذا أردتم أن تعلموا النحو لهؤلاء التلاميذ المساكين، فكيف تريدونهم أن يفهموا أن قولك: “قُرِئَ الكتابُ” فعل مبني للمجهول، والكتاب نائب عن الفاعل؛ لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني، وعلم النحو، وأنيب عنه المفعول به؟ فكيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي، الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة، أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ وما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟

    وعندما تريد أن تفهمه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، قلت له: إن “أحد” في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره “استجارك”، وإن تقدير الآية: “وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك”.

    فيسألك التلميذ: وأين توجد “استجارك” الأولى هذه؟ ومن أين نأتي بها؟ وما وجه وجود هذا الفعل مرتين؟ ولم لا نكتفي بهذا الفعل الذي اكتفى به القرآن الكريم؟ كيف تجيبون؟

    أما أنا فقد سألت أحد الشيوخ عن إعراب هذه الآية، فأعربها كما تسمعون، فقلت له: “يا سيدي، أتزيد في كتاب الله؟”.

    وعلة هذا أن النحاة القدماء قرروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا على فعل. ولما جاء في القرآن، وفي كلام العرب، (إن) وبعدها اسم، لم يخضعوا لما جاء في القرآن، ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرًا وشعرًا، وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها. وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف، واستطاعوا أن يحتملوه، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله؛ لأن عقولهم في تلك الأوقات، في تلك السنين، كانت عقولاً فلسفية متأثرة بالميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، كما يقولون، التي تركها أرسطاطاليس، وورثها العرب، فكانوا يستطيعون أن يفهموا مثل هذا الكلام. ولكن شبابنا في هذه الأيام يعيش في عصر لا يكاد يحفل بالميتافيزيقا وما بعد الطبيعة، ويعيش في عصر لا يكاد يعرف أرسطاطاليس منه إلا المختصون. فإذا حدثتهم بالفعل، وحدثتهم عن الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده، وذكرت لهم هذا الفعل، حاروا في أمره حيرة بعيدة.

    وإذا أردتم أن تعلموا التلميذ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فأفهمتموه أن “ثمود” ليست مفعولاً لـ “هديناهم”، وإنما هي مفعول لفعل محذوف تقديره “هدينا”، ثم قلتم إن معنى الآية، أو تقدير الآية: “فأما هدينا ثمود فهديناهم”، لم يستطع التلميذ إلا أن يضحك أولاً، ويسخر ثانياً، وأن ينصرف عن الأستاذ والدرس بعد ذلك. والحمد لله على أنه لا ينصرف عن الإسلام، ولا عن القرآن؛ لأن الإسلام أقوى، والقرآن أقوى من أن يؤثر فيهما مثل هذا العبث.

    أو إذا قلت للطالب أو للتلميذ: “نحن المصريين نفعل كذا”، أو “نحن السوريين نفعل كذا”، وطلبت إليه أن يفسر هذا أو يعربه، ألهمته أن هناك فعلاً محذوفاً تقديره: “أخص نحن المصريين”، أو “أخص السوريين”. فما موقع “أخص” هذه؟ لا معنى لها مطلقاً، إلا أننا وجدنا هذه الكلمة منصوبة، ووجدنا هذا التعبير يدل على الاختصاص، فقدرنا هذا الفعل، وقدرنا هذا العقل، ولنا أن نقدر ما نشاء، ولكن التلاميذ لهم أيضاً عقول صغيرة ساذجة، لا ينبغي أن نكلفها ما لا تطيق.

    وإذا قلت للتلميذ: “إياك والكسل”، وطلبت إليه أن يعرب هذه الكلمة، اخترعت له فعلاً مقدراً لا أدري، ولا يدري هو، أنى يكون ولا من أين جاء، وهو “أحذرك”. ونظراً لأنك حذفت الفعل فقد اضطررت إلى أن تستعمل الضمير المنفصل مكان الضمير المتصل، فلم تقل: “حذارك”، وإنما قلت: “إياك والكسل”.

    كل هذا الكلام أنا شخصياً أحبه أشد الحب، وأؤكد لكم أن النحو هو أحب علوم اللغة العربية إليَّ، وأؤكد لكم أنني أجد لذة لا تعدلها لذة حين أجلس إلى الصديق إبراهيم مصطفى، ونتذاكر باباً من أبواب النحو، ونحاول إعراب آية من آيات القرآن على قواعد النحويين، أو إعراب بيت من أبيات الشعر على قواعد النحويين.

    ولا أنسى أني تذاكرت معه غير مرة في إعراب الآية الكريمة:

    ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

    كيف يكون إعراب هذه الآية؟ لأن هناك: “إذا ما أتوك لتحملهم”، “قلت لا أجد”، ثم “تولوا”. فعلان، و”إذا” محتاجة إلى جواب. أين يكون الجواب؟ أهو “قلت لا أجد”، أم “تولوا”؟ ويكفي أن تنظروا إلى “إعراب القرآن” لأبي حيان لتروا ما يقال هناك. ولكن هل هذا العمل مما يعمل به التلاميذ في المدارس، صغاراً أو كباراً؟

    هذا فصل، وفصل آخر ليس أهون منه.

    الأصل أن الناس يكتبون ليقرأوا، ويقرؤون ليفهموا، ونحن نكتب لنقرأ، ولكننا لا نقرأ لنفهم، وإنما نفهم أولاً لنقرأ بعد ذلك. وإذا كان هذا جائزاً بالقياس إلى الممتازين النابهين الأذكياء، فهذه الملايين ما الذي تطلبونه إليها؟ كيف تطلبون من هذه الكثرة من الأطفال الصغار، في هذه السن المبكرة، أن يفهموا الكتب التي تعطى إليهم في المدارس ليقرؤوها كما ينبغي أن تقرأ؟ ويجب عليهم أن يفهموا قبل أن يقرؤوها، أو أن يقرؤوها خطأ، فيلقون من أساتذتهم ومعلميهم سخطاً.

    فلا بد إذن من أن نختار بين اثنتين: إما أن نريد المحافظة على اللغة العربية في مجامعنا العلمية، على اختلافها، فنذود عنها كل شر، ونحميها من كل بأس، ونحيي تراثها القديم، ونجتهد في أن نضيف إليه كل جديد ممكن، ينفع ولا يضر، وإما أن نكون نفعل هذا كله لأنفسنا، وأشباهنا من المتخصصين، ولا نحفل بالشعب، ولا بتعليم الشعب. وإذن فنحن لا نصنع أكثر مما يصنع المتخصصون في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغة اللاتينية القديمة، أي ما يصنعه المتخصصون في اللغات الميتة.

    أتريدون أن تكون اللغة العربية إحدى هذه اللغات الميتة التي يفرغ لها المتخصصون، ولا يحسنها غيرهم؟

    هذه واحدة.

    والثانية: أن نكون إنما نفعل هذا كله لتكون اللغة العربية لغة حية حقاً، كما تحيا اللغة الألمانية، والإيطالية، والفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، وغيرها من اللغات الحية التي يتكلمها الناس، ويكتبون بها، ويفهمونها حين يقرؤونها، أو يقرؤونها ليفهموها. فإذا قرؤوها فهموها في غير مشقة ولا عسر، وإذا تعلموها فلا يجدون فيها جهداً، ولا مشقة، ولا عناء، إلا ما يجده التلميذ في حياته العادية حين يتعلم أي شيء من هذه الأشياء التي يتعلمها في صباه.

    ولم أذهب بعيداً. انظروا إلى تلاميذنا في المدارس الثانوية! إننا نعلمهم اللغة العربية، ونعلمهم لغة أجنبية أو لغتين أجنبيتين. في أي اللغتين يتثقف هؤلاء التلاميذ؟ وبأي اللغتين يسرع هؤلاء التلاميذ إلى النطق والفهم والحديث؟ أتظنون أنهم يتثقفون باللغة العربية؟ أتظنون أنهم يسرعون إلى التحدث بالعربية الفصحى، ويسرعون إلى قراءتها أو فهمها؟ أم أن الواقع شيء آخر؟

    أما أنا فقد جربت كثيراً، والذي أعرفه من التجربة أن تلاميذنا يتعلمون اللغة الإنكليزية والفرنسية أسرع مما يتعلمون اللغة العربية، لولا أن عواطفهم تفرض عليهم شيئاً من التحفظ، وتفرض عليهم شيئاً من الجهد.

    أؤكد لكم، أيها السادة، أن كل هذا الذي عرضته عليكم حتى الآن إنما يصور خطراً حقيقياً أشرت إليه في افتتاح مؤتمر المجامع العلمية منذ يومين، وأضيف إليه أن هناك كتاباً كباراً يقرؤون في الشرق العربي كله، ويطالب بعضهم الآن بإلغاء الإعراب وإلغاء قواعد النحو. وأنا أطالب بتيسير قواعد النحو، وتيسير الكتابة العربية، لتشيع اللغة العربية، وتصبح لغة الشعوب حقاً، ولغة حية حقاً. ولكن من الناس من كتبوا في هذه الأيام القريبة يطلبون إلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، لا لشيء إلا لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية حين كانوا تلاميذ في المدارس، ولا لشيء إلا لأن النحو القديم، والكتابة الموروثة، والأساتذة الذين يعلمون النحو القديم والكتابة الموروثة، كل أولئك عجزوا عن أن يحببوا هذه اللغة إلى الكاتب الكبير، ويبغضوا إليه العربية الفصحى، وغرسوا في نفسه هذا البغض، وأصبح الآن لا يكاد يحب شيئاً كما يكره التكلم بهذه اللغة، ولا يتحرج أن يطالب بإلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، وجعل اللغة العربية الفصحى كأي لهجة من اللهجات العامية.

    إنكم كذلك بين اثنتين: إما أن تريدوا وحدة الشعوب العربية حقاً، وتكونوا مؤمنين بهذه الوحدة، حراصاً عليها، مستعدين للجهاد في سبيلها بالحياة، والنفوس، والأموال، والمنافع، مهما تكن، وإذن فلا بد أن تجعلوا لغتكم العربية لغة الشعوب، لا لغة الخاصة.

    وإما أن يكون حديثكم عن هذه الوحدة كلاماً لا أكثر، وأعوذ بالله وأعيذكم من ذلك. وإذن فدعوا اللغة العربية تموت، ودعوا اللغات العامية تصبح لغة الكتابة، وانظروا بعد ذلك إذا أراد السوري أن يقرأ الكتاب المصري، عليه أن يترجمه إلى لهجته السورية، ويضطر العراقي إذا اضطر أن يقرأ للسوري أن يترجمه إلى اللهجة العراقية.

    اختاروا، فليس لكم بد من الاختيار. إن نحن مضينا فيما نحن عليه، وأبينا أن ننصرف عن النحو والكتابة، وأن نتيح للشباب والصبية أن يقرؤوا ليفهموا، لا أن يفهموا ليقرؤوا، إن أبينا أن نمضي كما كان النحو، وكما كانت الكتابة، فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة، كما نشأت الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة.

    لقد ماتت اللاتينية، وخلفها أبناؤها وبناتها، فهل تريدون أن تموت اللغة العربية، وأن تخلفها بناتها التي نشأت بالفعل في الأقطار العربية المختلفة؟

    هذه هي المسألة: اختيار. وأنا أعلم أنه ليس أشق على الإنسان من الاختيار. فنحن نحب القديم، ولا نستطيع التفريط فيه إلا بعد مشقة، وجهد، وعناء، وبعد أن تتمزق قلوبنا حسرة، ولكن لا بد مما ليس منه بد.

    وبعد، فلا أدعو إلى هجر القديم مطلقاً، وعسى أن أكون أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لم لا يكون النحو القديم، والكتابة القديمة، والبلاغة القديمة، وكل هذه العلوم العربية التي أنشئت في عصر غير هذا العصر الذي نعيش فيه، متطوراً كما تطورت العلوم؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد، ونخصص للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلماً يسيراً سهلاً، عسى أن يتخرج من بينهم من يضيف إلى ثروة هذا القديم، ويحسنه أكثر مما نحسنه نحن، ويحيي هذا التراث القديم أكثر مما نحييه نحن.

    أنا أعرف أن هذا كله لا يرضي كثيراً من الناس، لا في دمشق وحدها، بل في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولكني لا أحب أن أكذب العرب، وقد قيل إن الرائد لا يكذب قومه، ولا أحب أن أكون كأولئك الذين يقولون إن أمة محمد بخير، ولا أريد أن أكون كأولئك الذين يطمئنون في المكان القلق، إنما أحب، وأحب للمواطنين من العرب، أن يكونوا أيقاظاً دائماً، وأن لا يؤخذوا على غرة، وأن لا ينظروا ذات يوم فإذا هم يدرسون، ويجهدون، ويجدون، ويكدون لأنفسهم لا للشعوب.

    لا بد إذن أن ننظر في هذا كله، وأن ننظر فيه نظرة الشجعان الذين يواجهون الحقائق ولا يستخفون منها، ونظرة الناصحين الذين لا يريدون أن يستأثروا بالعلم دون العامة ودون الشعب. وحسب الناس شقاء أن يكون المستأثرون بالمال هم المستأثرين بالحياة المادية، وشر الاستئثار هو الاستئثار بما خلقه الله ليكون شائعاً بين الناس جميعاً، وهو العلم والمعرفة والثقافة.

    لا ينبغي لعلماء اللغة العربية أن يستأثروا أنفسهم بالعلم العربي، بل يجب عليهم أن يشيعوه، ولا ينبغي عليهم أن يظنوا أنهم حين ينشرون كتاباً من كتب القدماء يشيعون حقاً. فالكتاب لا يشاع إلا بين الذين يستطيعون أن يفهموه، ويتصرفوا به.

    سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذا الكتاب أو ذاك من كتب الجاحظ؟ سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ كتاب “البخلاء”، أو كتاب “التربيع والتدوير”؟ وما أشبه من الكتب القديمة التي نقرؤها فنجد فيها المتعة، والتي يقرأها بعض المستشرقين فيجدون فيها المتعة. سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذه الكتب؟ قرأها العلماء، وأشباه العلماء، وطلاب العلوم العالية، فأما ملايين العرب فلا يعرفون عنها شيئاً. وأعرف قوماً إذا ذكرت لهم هذه الأشياء هزوا رؤوسهم، ورفعوا أكتافهم، واستهزؤوا بذاكرها.

    وقرأت ذات يوم في الصحف من ينكر على دار الكتب نشاطها في مصر، وقال إن هذه الدار لم تطبع إلا كتاباً واحداً، وهو كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد. ينشر هذا، أيها السادة، في صحيفة يومية! كتاب “الفاضل” لأبي يزيد المبرد! هذا الكاتب ينشر، والصحيفة التي نشرت له لا تعرف أن المبرد يسمى “أبا العباس محمد بن يزيد”، وإنما تجعله أبا يزيد المبرد، والكتاب لا يسمى “الكامل”، بل يسمى “الفاضل”، وعلى هذا النحو. وبالطبع “فوق كل ذي علم عليم”. وقد يكون للمبرد كتاب يسمى “الفاضل”، ولكني أعترف أنني لم أقرأه، ولم أسمع به قبل اليوم.

    ليس من شأني أن أتحدث في هذا كله، وإنما أتحدث إلى فريقين من الناس: أتحدث قبل كل شيء إلى العلماء الذين يستطيعون الخير ولكنهم لا يقدمون عليه، ثم أتحدث إلى الشباب المتعلمين الذين من حقهم أن يطالبوا العلماء أن ييسروا لهم لغتهم، وألا يباعدوا بينهم وبين عروبتهم.

    ولا شك، ولا يجد الشك إلى نفسي سبيلاً، بأن الحكومات العربية، إذا قال لها العلماء: هذا هو النحو الجديد الميسر الذي يلائم عقول الشباب في هذا العصر، ولا يمس جوهر اللغة العربية من قريب ولا من بعيد، ولا يغير من طبيعة اللغة العربية شيئاً، وهذا هو الذي يعين الشباب على أن يتقنوها، وأن يتكلموها، وأن يقرؤوها، وأن يفهموها، فلا شك مطلقاً بأن الحكومات، عندما يقدم إليها العلماء هذه الكتابة اليسيرة التي تتيح للشباب أن يقرؤوا قراءة صحيحة، ويفهموا فهماً صحيحاً، ويجعلوا اللغة جزءاً من قلوبهم، ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية، لا لغة متكلفة يتكلفونها إن استطاعوا أن يتكلفوها في أوقات الحاجة، إذا قدم العلماء هذا كله إلى الحكومات، فأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن جميع الحكومات العربية لن تتردد في إقرار هذا النحو، وفي إقرار هذه الكتابة، وفي إشاعة هذا النحو في المدارس، وفي إشاعة هذه الكتابة أيضاً.

    ولقد رأيت مرة كتاباً من كتب المطالعة في المدارس الابتدائية عندنا في مصر طغت عليه “البيداغوجية”، فويل لنا من البيداغوجية! زعمت أن اللغة العامية قد تكون أيسر لإفهام الصبية، فأدخلت بعض الجمل وبعض الألفاظ العامية في هذا الكتاب. فلما تحدثت في ذلك إلى وزير التربية والتعليم، لم يتردد في أن يعدني بالنظر في تلك الثورة.

    فتقدموا، أيها السادة العلماء، والحديث هنا موجه إلى مجامعنا الثلاثة التي تأتمر الآن في هذه العاصمة العربية، تقدموا أيها السادة العلماء إلى الحكومات بكتابة ميسرة، ونحو ميسر، وقربوا لغتكم من الشعوب، وثقوا بأنكم إن فعلتم فستبلون بلاءً خيراً من البلاء العظيم الخطير الذي أبلاه نحاة البصرة والكوفة وبغداد في العهد القديم.
    الآداب ١\١١\١٩٥٦