صراع
بين الحياة والرأي صراع خطير في هذه الأيام تشهده مصر، فيثير في نفسها ألماً لاذعاً، ويقر في قلبها حزناً عميقاً. وغريب جداً أن يقال إن بين الحياة والرأي صراعاً، ولكن هذا على غرابته هو الحق الذي لا شك فيه. فالمصريون جميعاً يحبون حرية الرأي، ويحرصون عليها، ويودون لو ظفروا بها، ويكرهون كل الكره أن يحرم بعضهم مهما يكن حق الاستمتاع بها. ولكن المصريين جميعاً يحبون الحياة، ويحبون الحياة الحلوة الناعمة – وكثير منهم مع الأسف الشديد – لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يكوّن هذا التكوين الذي يمكنه من أن يفهم الحياة على وجهها، ويقدرها حق قدرها، ويضعها في الموضوع الذي يجب أن تكون فيه. ويعلم أن الحياة في غير حرية موت، وأن الحياة في غير كرامة موت، وأن الحياة في غير عزة موت.
نعم بين المصريين – مع الأسف الشديد – جماعة يُخيل إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب، وهي اللذة واللهو، وهي الفكاهة والمزاح، وهي قضاء الوقت بين طائفة من الأعمال الآلية وطائفة من اللذات المنحطة، لا يستطيعون أن يرقوا بالحياة إلى ما فوق هذا، فهم راضون عن أنفسهم إذا أدوا هذا العمل الآلي، وهم راضون عن أنفسهم إذا ظفروا بهذه اللذات الفارغة، وهم على هذه الحياة حراص، يبذلون في سبيلها كل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، وينزلون من أجلها عن كل شيء، لأنهم لم يتعودوا أن يؤثروا بها شيئاً غيرها! ولا تقل لهؤلاء الناس إن حياتهم هذه لا ترفعهم إلى طبقة الإنسان المتحضر حقاً، الممتاز حقاً من الكائنات الحية الأخرى التي تحيط به، وتشاركه في الحياة! فهم لا يفهمون عنك هذا القول، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأن هذه الكائنات الحية الأخرى لا تختلف إلى المكاتب والدواوين كما يختلفون، ولا تذهب إلى الأندية والملاهي كما يذهبون، ولا تلعب النرد والشطرنج كما يلعبون، ولا تحكم الناس كما يحكمون، ولا تأخذ في ألوان الجد والهزل كما يأخذون. فهم إذن ممتازون من هذه الكائنات الحية. وهم يكتفون بهذا النوع من الامتياز الساذج اليسير. ولا تحدث هؤلاء الناس عن أن الإنسان ليس إنساناً بهذه المظاهر اليسيرة من مظاهر الحياة، وإنما هو إنسان بعقله الذي يفكر وينتج، وبإرادته التي تنظم عمله ونشاطه، وبكرامته التي ترفعه عن الذلة وتمنعه من قبول الضيم، وبعزته التي تكره له أن يكون أداة في يد إنسان آخر مهما يكن، أو في يد سلطان مهما يعظم حظه من القوة والبأس. لا تحدثهم عن هذا فلن يفهموه عنك، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الحديث، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأنهم يرون ذلك نوعاً من فلسفة الفلاسفة، وأحاديث الكتب، لا يحقق مأرباً قريباً، ولا يدني من لذة حلوة، ولا يمكن من نيل الدرجة الرابعة أو الثالثة! ولا يتيح الظفر بعلاوة تزيد المرتب ثلاثة جنيهات أو أربعة! ولا يجلو من ثغر الوزير إذا دخلت عليه! ولا يضمن حسن حديث الوكيل إذا وقفت بين يديه!
ومن يدري، لعله يقصيك عن المنصب، ويصرفك عن العمل، ويضطرك إلى الحرمان، ويكلفك الصبر على ما لم تتعود أن تصبر عليه، ومن تعود الأكل الرقيق فعزيز عليه أن يرد إلى الأكل الغليظ، ومن تعود الزي الأنيق فعزيز عليه أن يرد إلى الزي المهمل، ومن تعود البيت الجميل فعزيز عليه أن يهبط إلى البيت المتواضع، ومن تعود أن يعود إلى أهله فيراهم راضيين ناعمين، شق عليه أن يعود إليهم فيرى على وجوههم آيات الحزن، وعلى أشكالهم مظاهر الضر، ويحس في حديثهم نبرات الحزن.
وإذن فما الحرية والعزة والكرامة بالقياس إلى هذه الحياة الناعمة، يغبطك عليها الصديق، ويحسدك عليها العدو، وتمكنك من أن تجتني زهرات اللهو مختلفة، وتطمئن إلى أن أهلك آمنون، ليس عليهم خوف ولا بأس.
في مصر كثير من هؤلاء الناس، وهم سواء رضينا أو كرهنا مصدر ما تجده مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا، أو لا لشيء إلا لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعيشوا!
هؤلاء الناس هم رسل الذلة إلى قومهم! وهم طريق الخضوع إلى مواطنيهم! وهو العقبة التي تحول بين بلادهم وبين الكرامة والحرية والاستقلال! هم يريدون أن يعيشوا، والطغاة يمهدون لهم سبل العيش، ويمهدون لهم أسبابه، ويتقاضون منهم ثمناً لهذا العيش، شيئاً يسيراً لا يؤذيهم، ولا يعنيهم ولا يكلفهم مشقة، ولا يحملهم جهداً، وهو الطاعة. وأي شيء أيسر من الطاعة في سبيل العيش، بل أي شيء أيسر من أن تقدم الطاعة ولو لم تطلب منك، بل أي شيء أيسر من أن تسبق إلى أهواء سيدك فتعرفها حق المعرفة وترضيها حق الإرضاء، وتريح سيدك من أن يتقدم إليك في أمر من الأمور، أو غرض من الأغراض. لولا هؤلاء الناس ما وجد الطغيان سبيلاً إلى السيطرة على أي بلد من بلاد الأرض في هذا العصر الحديث. فقد ارتقى العقل الإنساني حتى تبين له الرشد من الغي، وحتى فرق بين الحياة الحرة والحياة المستعبدة، وحتى فرق بين العزة والذلة، وبين الكرامة والهوان، ولكن أخلاق الناس لم ترتق كما ارتقى العقل، فكان منها القوي، وكان منها الضعيف. وعَرَف الطغيان كيف يحارب الأخلاق القوية باستغلال الأخلاق الضعيفة المنحلة.
تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي مكنت للطغيان في الأرض فلن ترى إلا ضعف الأخلاق وفسادها، وإسراف فريق من الناس في حب أنفسهم، وإيثار منافعهم القريبة على كل شيء آخر.
كل شيء في هذه الأيام يدعو إلى أن تمتلئ النفوس بهذه الخواطر، هذا الاضطراب في الآراء بين حين وحين، هذا العجز عن الثبات على الرأي الواحد أكثر من يوم، هذا الإعلان للرأي صباحاً، والاعتذار منه إذا كان المساء، هذا الإقدام الذي يصورك في صورة البطل، ثم الإحجام الذي يردك إلى أيسر منازل الرضا والإذعان. هذا التحدث في الخلوة إلى أصدقائك وأصفيائك بما يملأ نفسك من السخط والإنكار، حتى إذا كان الجهر والعلن انقلب السخط رضا. واستحال الإنكار تأييداً. هذه البشاشة الظاهرة تخفي بغضاً لا يشبهه بغض، وهذا التنكر الظاهر يخفي حباً لا يشبهه حب. هذا التجنب للأصدقاء مخافة الرقباء، هذا التقرب إلى الأعداء لإرضاء الرؤساء. كل هذا ليس إلا مظاهر مختلفة لهذا الصراع الأليم بين حرية الرأي وحب الحياة.
حب الحياة وإيثارها على الحق والحرية، هو الذي يدفع جماعة من الموظفين إلى أن يتورطوا في ألوان من الإثم ينكرها النظام، ويعاقب عليها القانون، لأنهم يريدون أن يرضوا رؤساءهم، ولعلهم لو خُلِّيَ بينهم وبين ضمائرهم لما اقترفوا هذه الآثام، ولا فكروا فيها، ولكنهم ضعفاء، يريدون أن يعيشوا ولا بد من إرضاء الرؤساء ليمكن العيش!
حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يسكت العلماء على مضض، ويضطرهم إلى قبول الضيم في غير شكوى، إلا أن يخلوا إليك وأن تكون لهم صفياً ولياً. بل حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يضطر العلماء أحياناً إلى أن يثنوا على ما يكرهون، بل إلى أن يحبوا ما يكرهون أحياناً! فيشكروا لمن أساء إليهم إساءته، ويحمدوا لمن اعتدى عليهم عدوانه! ويتمنوا على هذا المسيء المعتدي أن يبالغ في الإساءة والاعتداء! حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي صرف وزارة المعارف عن كتاب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك عن عصر إسماعيل، وصدها عن أن تقرره لمكاتب المدارس.
فالذين درسوا هذا الكتاب – ولست أعرفهم – متعلمون من غير شك، مثقفون من غير شك، مؤرخون من غير شك. وهم يعلمون حق العلم أن الحرية أساس التاريخ. وهم يعلمون من غير شك أن الذين يكتبون في التاريخ ليسوا مكلفين إرضاء القراء، سواء كانوا سادة أو عامة، وإنما هم مكلفون أن يرضوا ما يعتقدون أنه الحق. وهو يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع عقوبة، وإنما يستتبع مناقشة ورداً إلى الصواب. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع زهداً في كتب المخطئ، وإنما يستتبع بقاءها في المكاتب لأنها أوعية الإنتاج العقلي الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب. هم يعلمون هذا كله ولكنهم مع ذلك يأبون أن يوضع كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مكاتب المدارس لأنه نقد ناحية من نواحي إسماعيل!
ثم هم يعلمون إن كانوا مؤرخين – وما نظن وزارة المعارف عهدت بكتاب في التاريخ إلى جماعة من الرياضيين أو الفقهاء. إن الأستاذ الرافعي لم يقل في السياسة المالية لإسماعيل إلا ما يقوله المؤرخون المحققون جميعاً، فهو لم يخطئ، وهو لم يتعمد التشويه، ولكنه قال الحق، وجَدّ في تحري الصواب، ولكنهم مع ذلك أو قل ولكنهم لذلك يأبون تقرير الكتاب لمكاتب المدارس، لماذا؟ لأن هذا العهد السعيد لا يحب الحق، ولا يذوق حرية الرأي، ولا يستريح إلا إذا رسمت للناس آراؤهم ومذاهبهم في العلم والعمل، وفي السياسة والدين، وفي التاريخ أيضاً. وكذلك يجب أن يكون إسماعيل معصوماً من الخطأ، موفقاً إلى الصواب في كل ما أتى، وفي كل ما رأى وفي كل ما قال. فمن رأى غير هذا أو قال غير هذا فكتبه خليقة بالمصادرة، ولعلها أن تكون خليقة بالتحريق، يُعمل ذلك في ألمانيا، فلم لا يُعمل ذلك في مصر؟
كل شيء مؤلم في هذا البلد الآن. هؤلاء نفر من الأجانب يضعون كتاباً في تاريخ مصر، يُباع المجلد منه بعشرات الجنيهات، فتشترى الحكومة منه عشرات النسخ، وهؤلاء نفر من الأجانب يضعون دائرة معارف عن مصر القديمة فتشترك الحكومة منها في مئات النسخ إن لم تشترك في الآلاف. وهذا رجل مصري يقف حياته وجهوده على أن يدرس تاريخ وطنه، ويضع فيه كتاباً ممتعاً، لم يسبق له مثيل في اللغة العربية، ولم تستطع وزارة المعارف ولن تستطيع قبل أعوامٍ طوالٍ أن تضع مثله، أو أن تضع كتاباً قريباً منه. فإذا عرض كتابه هذا على الوزارة لتضعه في مكاتب المدارس قيل له: حَجْراً محجوراً، حرام أن يوضع هذا الكتاب في مكاتب الوزارة ومدارسها لأنك قلت في سياسة إسماعيل غير ما نحب!
تبارك الله، وهل وثقت وزارة المعارف بأن كل ما في هذه الكتب الأجنبية التي تشتريها وتنفق فيها الألوف ملائم لما تحب؟ ومتى كان حب الوزارة أو بغضها مقياساً لجودة الكتب أو رداءتها، ومقياساً لوضع هذه الكتب بحيث يستطيع أن ينظر فيها الأساتذة والطلاب!
يجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي بأنه مصري، وبأن المصري غريب في بلاده الآن! ويجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك بأن كتابه إن لم يوضع في مكاتب الوزارة الآن فسيوضع فيها غداً كما وضع فيها من قبل. وسيقرأه الأساتذة والطلاب في غير مكاتب الوزارة إلا أن تصادره إدارة الأمن العام. ويومئذ أهنئ الأستاذ بفوز الشهداء، ولكن كم أحب لهذا الجيل الناشئ، كم أحب لهذا الشباب الذي لم يتدنس بالإسراف في حب الحياة أن يتدبر هذا كله، ويفكر في هذا كله، ويجِدّ منذ الآن في أن يفهم الحياة على وجهها، والواجب على وجهه حتى إذا ارتقى بعد حين إلى حيث المناصب، والإشراف على المنافع العامة، لم يخضع لهذا الصراع الأليم بين الكرامة والحق والحرية، وبين حب العيش.
كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣
صراع
Share:
Leave a Reply