Tag: Courage

  • فقيد

    فقيد

    كان جريئًا لا يعرف الخوف، صبورًا يستعذب الألم، وكان مفطورًا على حب التضحية واحتمال الأذى. لا يعرف الناس عنه أنه أذعن لجور، أو أشفق من بطش، أو تردد في أداء واجب. وكان وفيًّا لأصدقائه، لا يفهم الحياة بغير الوفاء، ولا يقدر الرجولة بغير وفاء، ولا يضن بالنفس في سبيل الوفاء. وكانت كل هذه الخصال سجية فيه، لا يتكلفها، ولا يأخذ نفسه بها أخذًا، وإنما تصدر عن نفس آثارها طبيعية حرة كما يصدر الضوء عن الشمس.

    فكان لهذا كله مثلًا من أصدق الأمثال وأرقاها لحياة الرجل الكامل في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واشتدت فيه المحن، وابتليت فيه أخلاق الناس، وظهرت فيه الحاجة إلى الرجال الذين يستحقون هذا الاسم.

    لم يكد يعمل في الحياة العامة حتى ظهرت فيه هذه الخصال كأوضح ما يمكن أن تظهر الخصال فعرفها الناس له وأحبوها فيه ولقبوه «النائب الجريء»، وكأنه قد عرف لشعور الناس هذا حقه، وأنزل ثقة الناس فيه منزلتها فوضع شجاعته وجرأته، ووضع احتماله وصبره وحبه للتضحية وحرصه على الوفاء موضع الامتحان.

    توالى عليه الابتلاء، وتعاقبت عليه الخطوب، وازدحمت عليه الأحداث، وأخذته الأهوال من كل مكان، وخرج منها منيعًا كما دخل فيها جريئًا صبورًا صادق العزم، حسن البلاء، وفيًّا للأصدقاء.

    لم يرعه النفي وآلامه، ولم يخفه البطش وأهواله، ولم يفتنه الإغراء ولم تخدعه الحياة بما فيها من ألوان الغرور، ولم يتردد في أن يستقبل الموت من دون صديقه ورئيسه، ولم يتردد في أن يصبر لألوان البأس التي عجز كثير من الناس عن أن يصبر لها في هذه الأعوام الأخيرة.

    وكان فيما حدثني عنه المحدثون الصادقون يألم أشد الألم في أيامه الأخيرة، لا لأن المرض يؤذيه ويضنيه، بل لأن المرض يحول بينه وبين مشاركة أصدقائه وزملائه في احتمال أثقال الحياة والجهاد. وكان يشكو من ذلك قليلًا ويألم لذلك كثيرًا. وها هو ذا الآن قد قضى ولما يبلغ مع أصدقائه أقصى الطريق، ولما ينته مع أصدقائه إلى غايات الجهاد، ولما ير مع أصدقائه حرية مصر وقد ردت إلى مصر، واستقلال مصر وقد خلص لمصر.

    فهو أحد هؤلاء الذين يختارون لاحتمال أثقال المحن وآلامها واقتحام خطوبها وأهوالها، فيلقون من ذلك أشد ما يلقاه الناس ثم يصرعون ولما يحققوا الأمل ويسقطون في الميدان ولما يبلغوا الأمد. هؤلاء الأصفياء أحق الناس بالحب وأجدرهم بالبر، وأولاهم بالإكبار، لأنهم جاهدوا ولم يروا من الجهاد إلا آلامه، ولم يذوقوا من ثمرات الصبر شيئًا، ثم قضوا وفي نفوسهم حسرات لا لأنهم لم يجنوا ثمرة الكد والجد، بل لأن الموت يحول بينهم وبين المضي في الكد والجد.

    والشعوب تعرف لهؤلاء الناس حقهم وتفي لهم بما هم أهل له من الحب والإكبار والإعظام، كأنها تشعر شعورًا قويًا بما كان لهم من حق في أن يذوقوا لذة الفوز، ويجنوا ثمرة النصر، وبأن القضاء قد شط عليهم حين حال بينهم وبين ذلك، فهي تريد أن تقدم إليهم من حبها وإكبارها ومن إعظامها وإجلالها ما يعوضهم من ذلك بعض الشيء، أو قل إن الشعوب تشعر بما كان لهؤلاء العظماء من حق، وبقسوة القضاء عليهم حين حال بينهم وبين هذا الحق، وبأن هؤلاء العظماء الذين جاهدوا وصبروا، لا يبتغون جزاء ولا شكرًا، ولم يظفروا بجزاء ولا شكر، هم المثل العليا حقًا، والقدوة الصالحة حقًا، هم الذين ينبغي أن يتأثرهم الجادون، ويقتدي بهم العاملون، هم الذين يجب أن تتخذهم الأمم مرآة صافية لخير ما فيها من الخصال التي تعينها على الحياة وتمكنها من الرقي والعظمة وارتفاع الشأن. فهي لذلك تحبهم وتؤثرهم، وهي لذلك تجلهم وتكبرهم، وهي لذلك تواري أجسامهم في التراب، ولكنها تحفظ صورهم في القلوب وتجري ذكرهم على الألسنة وتحفظ لهم عهدًا لا كالعهود، وتضمن لهم أنها قد تنسى كل شيء، وقد تنسى كل إنسان ولكن النسيان لن يجد إليهم سبيلًا.

    لقد قضى فقيد اليوم ففارق أصدقاء أعزاء، ولحق بأصدقاء أعزاء، فنفسه محزونة لفراق أصدقائه في هذه الدار، كما أن نفوس أصدقائه محزونة لفراقه، نفسه سعيدة للقاء أصدقائه في تلك الدار كما أن نفوس أصدقائه سعيدة بلقائه. والشعب المصري كله يشاركه ويشارك أصدقاءه أولئك وهؤلاء في كل ما يجدون من غبطة وفي كل ما يشعرون به من رضا بقضاء الله وإذعان لحكم الله، وأمل في عدل الله وفي حسن جزائه للصادقين المخلصين.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء من قادة مصر وزعمائها الذين شقوا لها طريق المجد في هذا العصر الحديث، والذين شقوا لتسعد، وماتوا لتحيا، وألقوا في قلوب أبنائها أن الفرد لا قيمة له بغير الجماعة، وأن سعادة الأشخاص لغو إذا لم تكن مقترنة بسعادة الأمم وأن الوطنية الصادقة لا تعرف ضعفًا ولا مللًا، ولا هوادة ولا مساومة، وإنما هي قوة كلها ومضاء كلها، واستقامة كلها، وجد كلها وتضحية كلها.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين أكرهوا العالم الحديث على أن يؤمن لمصر بأنها بلد حي خليق بأرقى ما تطمع إليه الشعوب من الحياة.

    نعم وعزاء لهؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين يحتملون الآن آلام الحياة مضاعفة، ويصبرون الآن وحدهم على فقد الأصدقاء ومشقة الجهاد في سبيل هذا البلد الحزين.

    عزاء لهؤلاء الأصفياء الذين شاركوا إخوانهم الراحلين فيما احتملوا من ألم وما لقوا من ضر، وكانوا يجدون في مودتهم وحبهم، وفي إخلاصهم ووفائهم عونًا على الشدة وعزاء عن المكروه فأصبحوا الآن لا يجدون هذا العون إلا في الذكرى ولا يجدون هذا العزاء إلا في الصور الكريمة التي تملأ قلوبهم ونفوسهم من ثقة بالله وإيمان بالوطن. نعم وعزاء لمصر عمن فقدت من الزعماء والقادة بمن بقي من الزعماء والقادة، فإن زعماء مصر وقادتها سواء منهم من مضى ومن أقام لا يمثلون أشخاصًا وأفرادًا تعدو عليهم الأحداث وتعبث بهم الخطوب وإنما يمثلون فكرة هي أرقى وأصفى وأبقى من أن تعدو عليها الأحداث أو تعبث بها الخطوب. وهي فكرة العزة المصرية، والحرية المصرية والكرامة المصرية. ومادامت هذه الفكرة قد وجدت في مصر ونمت وسيطرت على قلوب المصريين جميعًا، واستأثرت بنفوس المصريين جميعًا بفضل هؤلاء الزعماء الصادقين، من مضى ومن أقام، فلن تذعن مصر لبأس، ولن يجد اليأس إليها سبيلًا.

    إن في رئيس الوفد وأصدقائه الأصفياء الأوفياء لعزاء أحسن العزاء لمن فقدت مصر من قادتها وزعمائها. وإن في حب مصر الصادق، ووفاء مصر الدائم وولاء مصر المتصل لعزاء لرئيس الوفد وأصدقائه عن هذه المحن التي تتصل عليهم فلا تزيدهم إلا ثقة وإيمانًا ويقينًا. وإن في هذا كله لعزاء لأسرة الفقيد العظيم ونفس الراحل الكريم.

    فليمنح الله مصر أجمل الصبر وليوفق الله مصر إلى حسن الاقتداء بفقيدها العظيم وأصدقائه الذين سبقوه إلى دار الخلود.

    كوكب الشرق في ٢٤-٧-١٩٣٣

  • صراع

    صراع

    بين الحياة والرأي صراع خطير في هذه الأيام تشهده مصر، فيثير في نفسها ألماً لاذعاً، ويقر في قلبها حزناً عميقاً. وغريب جداً أن يقال إن بين الحياة والرأي صراعاً، ولكن هذا على غرابته هو الحق الذي لا شك فيه. فالمصريون جميعاً يحبون حرية الرأي، ويحرصون عليها، ويودون لو ظفروا بها، ويكرهون كل الكره أن يحرم بعضهم مهما يكن حق الاستمتاع بها. ولكن المصريين جميعاً يحبون الحياة، ويحبون الحياة الحلوة الناعمة – وكثير منهم مع الأسف الشديد – لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يكوّن هذا التكوين الذي يمكنه من أن يفهم الحياة على وجهها، ويقدرها حق قدرها، ويضعها في الموضوع الذي يجب أن تكون فيه. ويعلم أن الحياة في غير حرية موت، وأن الحياة في غير كرامة موت، وأن الحياة في غير عزة موت.
    نعم بين المصريين – مع الأسف الشديد – جماعة يُخيل إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب، وهي اللذة واللهو، وهي الفكاهة والمزاح، وهي قضاء الوقت بين طائفة من الأعمال الآلية وطائفة من اللذات المنحطة، لا يستطيعون أن يرقوا بالحياة إلى ما فوق هذا، فهم راضون عن أنفسهم إذا أدوا هذا العمل الآلي، وهم راضون عن أنفسهم إذا ظفروا بهذه اللذات الفارغة، وهم على هذه الحياة حراص، يبذلون في سبيلها كل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، وينزلون من أجلها عن كل شيء، لأنهم لم يتعودوا أن يؤثروا بها شيئاً غيرها! ولا تقل لهؤلاء الناس إن حياتهم هذه لا ترفعهم إلى طبقة الإنسان المتحضر حقاً، الممتاز حقاً من الكائنات الحية الأخرى التي تحيط به، وتشاركه في الحياة! فهم لا يفهمون عنك هذا القول، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأن هذه الكائنات الحية الأخرى لا تختلف إلى المكاتب والدواوين كما يختلفون، ولا تذهب إلى الأندية والملاهي كما يذهبون، ولا تلعب النرد والشطرنج كما يلعبون، ولا تحكم الناس كما يحكمون، ولا تأخذ في ألوان الجد والهزل كما يأخذون. فهم إذن ممتازون من هذه الكائنات الحية. وهم يكتفون بهذا النوع من الامتياز الساذج اليسير. ولا تحدث هؤلاء الناس عن أن الإنسان ليس إنساناً بهذه المظاهر اليسيرة من مظاهر الحياة، وإنما هو إنسان بعقله الذي يفكر وينتج، وبإرادته التي تنظم عمله ونشاطه، وبكرامته التي ترفعه عن الذلة وتمنعه من قبول الضيم، وبعزته التي تكره له أن يكون أداة في يد إنسان آخر مهما يكن، أو في يد سلطان مهما يعظم حظه من القوة والبأس. لا تحدثهم عن هذا فلن يفهموه عنك، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الحديث، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأنهم يرون ذلك نوعاً من فلسفة الفلاسفة، وأحاديث الكتب، لا يحقق مأرباً قريباً، ولا يدني من لذة حلوة، ولا يمكن من نيل الدرجة الرابعة أو الثالثة! ولا يتيح الظفر بعلاوة تزيد المرتب ثلاثة جنيهات أو أربعة! ولا يجلو من ثغر الوزير إذا دخلت عليه! ولا يضمن حسن حديث الوكيل إذا وقفت بين يديه!
    ومن يدري، لعله يقصيك عن المنصب، ويصرفك عن العمل، ويضطرك إلى الحرمان، ويكلفك الصبر على ما لم تتعود أن تصبر عليه، ومن تعود الأكل الرقيق فعزيز عليه أن يرد إلى الأكل الغليظ، ومن تعود الزي الأنيق فعزيز عليه أن يرد إلى الزي المهمل، ومن تعود البيت الجميل فعزيز عليه أن يهبط إلى البيت المتواضع، ومن تعود أن يعود إلى أهله فيراهم راضيين ناعمين، شق عليه أن يعود إليهم فيرى على وجوههم آيات الحزن، وعلى أشكالهم مظاهر الضر، ويحس في حديثهم نبرات الحزن.
    وإذن فما الحرية والعزة والكرامة بالقياس إلى هذه الحياة الناعمة، يغبطك عليها الصديق، ويحسدك عليها العدو، وتمكنك من أن تجتني زهرات اللهو مختلفة، وتطمئن إلى أن أهلك آمنون، ليس عليهم خوف ولا بأس.
    في مصر كثير من هؤلاء الناس، وهم سواء رضينا أو كرهنا مصدر ما تجده مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا، أو لا لشيء إلا لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعيشوا!
    هؤلاء الناس هم رسل الذلة إلى قومهم! وهم طريق الخضوع إلى مواطنيهم! وهو العقبة التي تحول بين بلادهم وبين الكرامة والحرية والاستقلال! هم يريدون أن يعيشوا، والطغاة يمهدون لهم سبل العيش، ويمهدون لهم أسبابه، ويتقاضون منهم ثمناً لهذا العيش، شيئاً يسيراً لا يؤذيهم، ولا يعنيهم ولا يكلفهم مشقة، ولا يحملهم جهداً، وهو الطاعة. وأي شيء أيسر من الطاعة في سبيل العيش، بل أي شيء أيسر من أن تقدم الطاعة ولو لم تطلب منك، بل أي شيء أيسر من أن تسبق إلى أهواء سيدك فتعرفها حق المعرفة وترضيها حق الإرضاء، وتريح سيدك من أن يتقدم إليك في أمر من الأمور، أو غرض من الأغراض. لولا هؤلاء الناس ما وجد الطغيان سبيلاً إلى السيطرة على أي بلد من بلاد الأرض في هذا العصر الحديث. فقد ارتقى العقل الإنساني حتى تبين له الرشد من الغي، وحتى فرق بين الحياة الحرة والحياة المستعبدة، وحتى فرق بين العزة والذلة، وبين الكرامة والهوان، ولكن أخلاق الناس لم ترتق كما ارتقى العقل، فكان منها القوي، وكان منها الضعيف. وعَرَف الطغيان كيف يحارب الأخلاق القوية باستغلال الأخلاق الضعيفة المنحلة.
    تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي مكنت للطغيان في الأرض فلن ترى إلا ضعف الأخلاق وفسادها، وإسراف فريق من الناس في حب أنفسهم، وإيثار منافعهم القريبة على كل شيء آخر.
    كل شيء في هذه الأيام يدعو إلى أن تمتلئ النفوس بهذه الخواطر، هذا الاضطراب في الآراء بين حين وحين، هذا العجز عن الثبات على الرأي الواحد أكثر من يوم، هذا الإعلان للرأي صباحاً، والاعتذار منه إذا كان المساء، هذا الإقدام الذي يصورك في صورة البطل، ثم الإحجام الذي يردك إلى أيسر منازل الرضا والإذعان. هذا التحدث في الخلوة إلى أصدقائك وأصفيائك بما يملأ نفسك من السخط والإنكار، حتى إذا كان الجهر والعلن انقلب السخط رضا. واستحال الإنكار تأييداً. هذه البشاشة الظاهرة تخفي بغضاً لا يشبهه بغض، وهذا التنكر الظاهر يخفي حباً لا يشبهه حب. هذا التجنب للأصدقاء مخافة الرقباء، هذا التقرب إلى الأعداء لإرضاء الرؤساء. كل هذا ليس إلا مظاهر مختلفة لهذا الصراع الأليم بين حرية الرأي وحب الحياة.
    حب الحياة وإيثارها على الحق والحرية، هو الذي يدفع جماعة من الموظفين إلى أن يتورطوا في ألوان من الإثم ينكرها النظام، ويعاقب عليها القانون، لأنهم يريدون أن يرضوا رؤساءهم، ولعلهم لو خُلِّيَ بينهم وبين ضمائرهم لما اقترفوا هذه الآثام، ولا فكروا فيها، ولكنهم ضعفاء، يريدون أن يعيشوا ولا بد من إرضاء الرؤساء ليمكن العيش!
    حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يسكت العلماء على مضض، ويضطرهم إلى قبول الضيم في غير شكوى، إلا أن يخلوا إليك وأن تكون لهم صفياً ولياً. بل حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يضطر العلماء أحياناً إلى أن يثنوا على ما يكرهون، بل إلى أن يحبوا ما يكرهون أحياناً! فيشكروا لمن أساء إليهم إساءته، ويحمدوا لمن اعتدى عليهم عدوانه! ويتمنوا على هذا المسيء المعتدي أن يبالغ في الإساءة والاعتداء! حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي صرف وزارة المعارف عن كتاب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك عن عصر إسماعيل، وصدها عن أن تقرره لمكاتب المدارس.
    فالذين درسوا هذا الكتاب – ولست أعرفهم – متعلمون من غير شك، مثقفون من غير شك، مؤرخون من غير شك. وهم يعلمون حق العلم أن الحرية أساس التاريخ. وهم يعلمون من غير شك أن الذين يكتبون في التاريخ ليسوا مكلفين إرضاء القراء، سواء كانوا سادة أو عامة، وإنما هم مكلفون أن يرضوا ما يعتقدون أنه الحق. وهو يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع عقوبة، وإنما يستتبع مناقشة ورداً إلى الصواب. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع زهداً في كتب المخطئ، وإنما يستتبع بقاءها في المكاتب لأنها أوعية الإنتاج العقلي الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب. هم يعلمون هذا كله ولكنهم مع ذلك يأبون أن يوضع كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مكاتب المدارس لأنه نقد ناحية من نواحي إسماعيل!
    ثم هم يعلمون إن كانوا مؤرخين – وما نظن وزارة المعارف عهدت بكتاب في التاريخ إلى جماعة من الرياضيين أو الفقهاء. إن الأستاذ الرافعي لم يقل في السياسة المالية لإسماعيل إلا ما يقوله المؤرخون المحققون جميعاً، فهو لم يخطئ، وهو لم يتعمد التشويه، ولكنه قال الحق، وجَدّ في تحري الصواب، ولكنهم مع ذلك أو قل ولكنهم لذلك يأبون تقرير الكتاب لمكاتب المدارس، لماذا؟ لأن هذا العهد السعيد لا يحب الحق، ولا يذوق حرية الرأي، ولا يستريح إلا إذا رسمت للناس آراؤهم ومذاهبهم في العلم والعمل، وفي السياسة والدين، وفي التاريخ أيضاً. وكذلك يجب أن يكون إسماعيل معصوماً من الخطأ، موفقاً إلى الصواب في كل ما أتى، وفي كل ما رأى وفي كل ما قال. فمن رأى غير هذا أو قال غير هذا فكتبه خليقة بالمصادرة، ولعلها أن تكون خليقة بالتحريق، يُعمل ذلك في ألمانيا، فلم لا يُعمل ذلك في مصر؟
    كل شيء مؤلم في هذا البلد الآن. هؤلاء نفر من الأجانب يضعون كتاباً في تاريخ مصر، يُباع المجلد منه بعشرات الجنيهات، فتشترى الحكومة منه عشرات النسخ، وهؤلاء نفر من الأجانب يضعون دائرة معارف عن مصر القديمة فتشترك الحكومة منها في مئات النسخ إن لم تشترك في الآلاف. وهذا رجل مصري يقف حياته وجهوده على أن يدرس تاريخ وطنه، ويضع فيه كتاباً ممتعاً، لم يسبق له مثيل في اللغة العربية، ولم تستطع وزارة المعارف ولن تستطيع قبل أعوامٍ طوالٍ أن تضع مثله، أو أن تضع كتاباً قريباً منه. فإذا عرض كتابه هذا على الوزارة لتضعه في مكاتب المدارس قيل له: حَجْراً محجوراً، حرام أن يوضع هذا الكتاب في مكاتب الوزارة ومدارسها لأنك قلت في سياسة إسماعيل غير ما نحب!
    تبارك الله، وهل وثقت وزارة المعارف بأن كل ما في هذه الكتب الأجنبية التي تشتريها وتنفق فيها الألوف ملائم لما تحب؟ ومتى كان حب الوزارة أو بغضها مقياساً لجودة الكتب أو رداءتها، ومقياساً لوضع هذه الكتب بحيث يستطيع أن ينظر فيها الأساتذة والطلاب!
    يجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي بأنه مصري، وبأن المصري غريب في بلاده الآن! ويجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك بأن كتابه إن لم يوضع في مكاتب الوزارة الآن فسيوضع فيها غداً كما وضع فيها من قبل. وسيقرأه الأساتذة والطلاب في غير مكاتب الوزارة إلا أن تصادره إدارة الأمن العام. ويومئذ أهنئ الأستاذ بفوز الشهداء، ولكن كم أحب لهذا الجيل الناشئ، كم أحب لهذا الشباب الذي لم يتدنس بالإسراف في حب الحياة أن يتدبر هذا كله، ويفكر في هذا كله، ويجِدّ منذ الآن في أن يفهم الحياة على وجهها، والواجب على وجهه حتى إذا ارتقى بعد حين إلى حيث المناصب، والإشراف على المنافع العامة، لم يخضع لهذا الصراع الأليم بين الكرامة والحق والحرية، وبين حب العيش.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣