حق الخطأ (٢)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ يوليو ١٩٥٥
أملى الدكتور طه حسين هذا المقال القيِّم وهو في باريس، وكانت محاكمة الشيخ بخيت لم تنته بعد … والجمهورية تنشر هذا المقال اليوم حرصًا على إرضاء القُرَّاء وعُشَّاق طه حسين بخاصة، وفيما يلي المقال:
إذا أسرف مسلم على نفسه واقترف إثمًا من الآثام التي يمقتها الله، ويحذر منها عباده المؤمنين، ويوعدهم بالعقاب الشديد والعذاب الأليم إن تورطوا فيها، فأمر هذا المسلم لا يخلو من إحدى اثنتين: إما أن يكون قد اقترف خطيئة تؤذي غيره من الناس، وتضيع بعض حقوقهم، وإما أن يكون قد اقترف خطيئة لا تؤذي أحدًا غيره، ولا تمس إلا الصلة الدينية الخالصة بينه وبين الله الذي يعلم سره وجهره، ويراقب ضميره، حين يفكر أو يشعر، وشخصه حين يحسن في العمل أو يسيء.
فإذا كانت الأولى، فولي الأمر وحده هو المكلف أن يحاكم هذا المسلم، وأن يعاقبه على إيذائه للناس وإضاعته لحقوقهم كلها أو بعضها، وأن يقتص منه للذين آذاهم أو أصابهم ببعض ما يكرهون.
وولي الأمر هو القائم بالحكم بين الناس، وهو مكلف أن يقيم الحدود، وأن ينصف المظلوم من الظالم، وأن يكون الضعيف عنده قويًّا حتى يظفر بحقه كاملًا، وأن يكون القوي عنده ضعيفًا حتى يُؤدِّي ما عليه من الحق كاملًا.
وولي الأمر ينهض بهذا العبء بنفسه إن استطاع، وبوساطة القضاة الذين ينيبهم عنه في النهوض بهذا العبء حين لا يستطيع، وأداء هذا الواجب لا يعفي الخاطئ من حساب آخر أشد وأقسى وأعظم عسرًا من حساب ولي الأمر أو القاضي؛ وهو حساب الله له يوم القيامة، وعقابه له على ما قدَّم بين يديه من السيئات، والله مع ذلك يفتح لهذا الجاني أبوابًا واسعة من الأمل في عفوه ومغفرته ورحمته إن تاب وأصلح وكفَّ عن مقارفة السيئات.
فعقاب السارق والقاتل والغاصب والمعتدي على حقوق الناس بوجه عام، عقاب هؤلاء في الدنيا لا يعفيهم من حساب الله لهم في الآخرة، والله — عز وجل — يعاقبهم بعد هذا الحساب إن شاء، ويعفو عنهم إن شاء، ويبدل سيئاتهم حسنات إن شاء. بهذا كله ينبئنا الله — عز وجل — في كتابه العزيز، وفي آيات كريمة منه كثيرًا ما أظن أني محتاج إلى إثباتها في هذا الحديث؛ لأنها تتلى على المسلمين حين يصبحون وحين يمسون، والخطأ في اقتراف هذه الآثام التي تمس حقوق الناس لا يعفي الخاطئ من التبعات في الدنيا، وإن خفف عنه ثقل هذه التبعات تخفيفًا عظيمًا.
فمن قتل خطأ وجب على الحاكم أن يأخذه بخطئه، ويلزمه تعويض أولياء الدم عما أصابهم من جنايته، وذلك بأداء الدية إليهم، ولكن لا يجوز للحاكم أن يقتص منه ويقتله بمن قتل خطأ. فأما فيما بينه وبين الله؛ فإن الله يعفو عن الخطأ؛ لقوله — عز وجل: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )، والله قد أنبأنا بأنه قد يعفو عن الخاطئ المتعمد إن تاب وآمن وعمل صالحًا؛ فقد يبدل الله سيئاته حسنات.
والله يقول في سورة الفرقان: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) ضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).
وإن كانت الثانية ولم يجن الخاطئ المتورط في الإثم والكبيرة على أحد غيره من الناس، وإنما جنى على نفسه وحدها فضيع حقًّا من حقوق الله التي لا تمس حقوق الناس من قريب أو من بعيد، فأمره إلى الله وحده، وحسابه على الله وحده، وليس لأحد من الناس كائنًا من يكون أن يحاسبه أو يعاقبه، وإنما يجب على المسلمين، وعلى حكامهم وعلمائهم خاصة، أن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، ويحذروه من الشر. وقد يستطيع الحاكم أن يعذره باللوم أو ببعض العقاب الذي لا يتلف نفسه ولا يضيع حقه.
أما ما بينه وبين الله، فلسنا نعلم من أمره إلا ما أنبأنا الله به في القرآن من أنه أعد للذين يقترفون الكبائر عذابًا أليمًا، ومن أنه غفور رحيم يعفو إن شاء عن مقترف الكبيرة، إن تاب وأصلح، والله — عز وجل — يقول لنبيه ﷺ: ( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
ويقول: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ).
ويجب أن تفهم الجهالة في الآيتين بمعناها العربي القديم الذي جاء في القرآن غير مرة؛ وهو التسرع عن غير روية ولا تفكر ولا أناة، فهي هنا نقيض الحلم لا نقيض العلم، كما قال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جِنًّا إذا ما نجهل
وكقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج، حين يجد إليه سبيلًا، من الخاطئين الذين أعد الله لهم عذابًا أليمًا، وأعد لهم الرحمة والمغفرة والعفو إن تابوا من قريب وأصلحوا.
هذه كلها أوليات مفهومة من الدين بالضرورة، كما يقول الأزهريون، ومفهومة من الدين بنص القرآن الذي لا يقبل تأويلًا ولا تبديلًا.
فما عسى أن يكون موقف ذلك الأستاذ الأزهري الذي قال مقالته تلك في الصوم، فأغضب الشيوخ، وأثار هذه القصة التي يظهر أنها لم تنقض بعد. إنه لم ينكر أن الصوم ركن من أركان الإسلام، ولم يُبح للناس أن يفطروا إن شاءوا بغير قيد ولا شرط، وإنما فهم نصًّا من نصوص القرآن الكريم فهمًا لا يقره عليه الشيوخ، وأعلن رأيه للناس. قرأ قول الله — عز وجل: ( وَعَلَى الَّذِين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ )، وفهم من هذه الآية ما فهمه بعض المفسرين القدماء، ومنهم الزمخشري مثلًا، من أن الذين يجدون المشقة في الصوم يستطيعون أن يفطروا، وأن يفتدوا من ذلك بإطعام مسكين، وقرأ آيات في القرآن وفهمها على غير ما يقرأ الشيوخ: قرأ قول الله — عز وجل: ( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا )، وقوله: ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )، وقوله: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، ورأى النبي ﷺ يقول فيما روى البخاري: «إنما بعثتم ميسرين لا معسرين.» ويقول فيما روى البخاري أيضًا: «ألا إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.»
قرأ هذا كله وقرأ نصوصًا كثيرة أخرى غيره، واعتقد أن الإسلام لا يأخذ الإنسان بالمشقة ولا بالعنف، وإنما يأخذه باللين والرفق؛ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا. وقد علم الله المسلمين أن يسألوه ألا يحمل عليهم إصرًا كما حمل على الذين من قبلهم، وألا يكلفهم ما لا طاقة لهم به. ورأى كثيرًا من المسلمين يظهرون الصوم إن لقوا الناس أو لقوا بعض الناس، ويفطرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى أمثالهم من الذين يقول الله فيهم: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ )، فأشار على هؤلاء بأن يفطروا إن وجدوا المشقة في الصوم، وبأن يفتدوا من هذا الإفطار بإطعام مسكين، واعتقد فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله، أنه بهذه المشورة ينصح للإسلام والمسلمين؛ فينهى الناس عن النفاق، ويحثهم على الصدقة.
والله ليس في حاجة إلى صيام الصائمين، والمساكين من الناس في حاجة أشد الحاجة إلى أن يطعمهم القادرون على إطعامهم مؤثرين للصدقة، أو مفتدين بها من الصوم.
كذلك رأى هذا الأستاذ. ولست أقول: إنه أصاب، ولست أقول: إنه أحسن فيما صنع، ولكني أقول: إنه لم يتعمد خروجًا من الدين، ولا مخالفة عن أمر الله، ولا انحرافًا عن نصوص القرآن وما صح من الحديث، فأقصى وأقسى ما يمكن أن يقال في شأنه أنه اجتهد فأخطأ. وليس على من اجتهد حرج في أن يخطئ، وما أكثر المجتهدين الذين أخطئوا فلم يقضِ عليهم أحدٌ بالكفر، ولم يُتَّهموا بالخروج من الدين، ولم يحاول أحد أن يحاكمهم أو يعاقبهم، أو يطلب إلى القضاء أن يفرق بينهم وبين أزواجهم، وليس لأحد أن يتهمهم بشيء من ذلك أو يقدمهم إلى القضاء في شيء من ذلك، أو يحاول التفريق بينهم وبين أزواجهم لشيء من ذلك. فكل شيء من هذا القبيل اعتداء على حق المسلم في أن يجتهد في رأيه، وينصح لله والناس ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
ولا ينبغي أن يقال: إن ذلك الأستاذ لم يبلغ منزلة الاجتهاد؛ فمنزلة الاجتهاد هذه شيء غامض غير محدد، ولا واضح الإعلام، ولم يستطع أحد من شيوخنا في الأزهر أن يحدد لنا منزلة الاجتهاد هذه، ولا أن يبين لنا متى يبلغها الناس ومتى يقصرون عن بلوغها، ولكن المسلم الذي يقرأ كتاب الله ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه، ويقرأ حديث النبي ﷺ ويفهمه كما يستطيع الناس أن يفهموه أيضًا، ثم يشارك فيما اتفق الناس على أن يسموه علوم الدين؛ سيأخذ بحظ من الفقه وأصوله، ومن الكلام ومذاهب الناس فيه، ويشهد له بهذا كله الأزهر الشريف الذي يعطيه إجازة مكتوبة معتمدة من الدولة تشهد بأنه عالم من علماء الدين.
هذا المسلم ليس عليه بأس إن حاول الاجتهاد مخلصًا في اجتهاده، ناصحًا فيه للإسلام والمسلمين. وذلك الأستاذ قد ظفر بتلك الإجازة كما ظفر بها حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر وزملاؤه من أعضاء هيئة كبار العلماء، وزملاؤهم من علماء الأزهر الشريف جميعًا. وإذا كان شيوخنا الأجلاء يأبون على أنفسهم الاجتهاد ويكتفون بتقليد واحد من الأئمة الأربعة؛ خوفًا من الزلل، وإشفاقًا من الخطأ، وإيثارًا للعافية؛ فذلك حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولكنه لا يبيح لهم أن يأخذوا الناس بأن يكونوا مقلدين مثلهم، هم أحرار في التقليد، وغيرهم حرٌّ في الاجتهاد، والله غالب على أمرهم جميعًا. سيسأل المقلدين عن تقليدهم، وسيسأل المجتهدين عن اجتهادهم، وسيجزي كلًّا منهم بعمله جزاء لا يشك في عدله إلا الجاحدون.
وإذن ففيم كل هذه الضجة؟ وفيم كل هذا الجدال؟ رجل اجتهد ومن حقه أن يجتهد، فإن يكن أصاب فأجره على الله، وإن يكن أخطأ فحسابه على الله وليس لأحد من الناس، لا من رجال الحكم ولا من رجال الأزهر أن يحاسبه على ذلك أو يعاقبه؛ لأنه لم يعتدِ على حق من حقوق الناس: لم يسفك دمًا حرامًا، ولم يأخذ مالًا حرامًا، ولم يؤذ أحدًا في شيء تعاقب القوانين على إيذاء الناس فيه.
كل ما يمكن أن يقال هو أنه أخطأ في حكم من أحكام الدين؛ فمن حق العلماء أن يُبيِّنوا له خطأه، وأن يدلوه على الصواب، ويدعوه إلى أن يثوب إليه. فأما أن يحاكموه أو يعاقبوه أو يؤدبوه أو يقدموه إلى القضاء ليفرق بينه وبين أهله؛ فذلك شيء لا يبيحه لهم الإسلام، وهم إن فعلوه يعطون أنفسهم حقًّا لم يعطه الله لهم، فهم يتجاوزون حدودهم، ويظلمون هذا الأستاذ، وينتحلون لأنفسهم ما لا يملكون.
ولست أدري إلامَ انتهت إليه هذه القصة الآن، ولست أعلم حين أملي هذا الحديث أُبرِّيءَ هذا الأستاذ أم أدين، ولكن الشيء الذي أقطع به هو أن محاكمته من أجل رأيه في الصوم إسراف وانحراف عن أصول الإسلام وسنته السمحة، ولا بد من أن يعود علماء الإسلام في الأزهر إلى قصد السبيل بعد أن جار بهم السلطان عنه، واستحب فريق منهم هذا الجور في وقت من الأوقات؛ فليس لعلماء الإسلام حق في أن يحاكموا مسلمًا أو يعاقبوه لأنه اجتهد رأيه فأخطأ أو أصاب؛ ذلك أن الإسلام لا يعرف الإكليروس، ولا يعرف هذه السلطة الدينية العليا التي يستأثر بها فريق من رجال الدين فيحكمون بإيمان هذا الرجل وكفر ذاك.
وقد عاش المسلمون قرونًا قبل أن يوجد الأزهر الشريف فلم يعرفوا هيئة تحاكم الناس على الاجتهاد في الرأي، وهم قد كرهوا من الخليفة المهدي تتبعه للزنادقة، وإسرافه في هذا التتبع، وأخذه بعض الناس بالشبهة، وقتله بالظنة، وهم كرهوا كذلك إسراف المأمون حين أراد أن يحمل الناس على الإيمان بخلق القرآن، وحين امتحن بذلك جماعة من أخيار المسلمين.
والأزهر نفسه قد عاش قرونًا لم يكن يملك فيها أن يحاكم أو يعاقب على الرأي، وإنما كان يملك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير كما أمر الله في كتابه العزيز، ولم يتح هذا الحق للأزهر إلا في آخر الزمان، وفي هذا القرن الذي نعيش فيه حين أنشئت هيئة كبار العلماء، وأعطيت ما أعطيت من الحقوق، وكان إعطاؤها الحق في محاكمة الناس ومعاقبتهم على الرأي بدعة لم يعرفها الإسلام من قبل.
وكان من الحق على الأزهر أن يذكر، وأن يذكر الحكومة التي أعطت هيئة كبار العلماء تلك الحقوق أن في ذلك بدعة، وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، كما كان ابن مسعود — رحمه الله — يتحدث إلى تلاميذه في الكوفة. وقد اختلف أئمة المسلمين في أمور كثيرة: اختلفوا في الفقه، واختلفوا في الكلام، واختلفوا في السياسة، وشنع بعضهم على بعض، وأسرف بعضهم على بعض في التشنيع، ولكن أحدًا منهم لم يقدم إلى المحاكمة، ولم يفرض عليه عقاب شديد أو يسير.
ونحن نقرأ من تشنيع بعض العلماء على بعض طرائف لا تحصى، ونقرأ في كتب ابن حزم مثلًا أن الأشعري كان قد أهدر دمه حين رأى هذا الرأي أو ذاك في الكلام، وأن أصحاب أبي حنيفة قد أهدروا نصوص القرآن وتكلفوا على النبي ما لم يقل من الحديث حين رأوا هذا الرأي أو ذاك في الفقه، ولكن هذا كله لم يعدُ أن يكون كلامًا يقال، فأما أن يحاكم فقيه أو متكلم على رأي له في الفقه أو الكلام، وأن يكون الذين يحاكمونه من الفقهاء أو المتكلمين؛ فذلك شيء لا يعرفه المسلمون إلا منذ أنشئت في مصر هيئة كبار العلماء.
وأغرب ما في هذه القصة أن صاحب تلك المقالة في الصوم لم يبتكر شيئًا ولم يقل جديدًا، وإنما سبقه علماء من المسلمين إلى مثل هذا الرأي، وقد أشرت في أول هذا الحديث إلى أنه لم يبتكر تفسير آية الصوم التي اعتمد عليها في رأيه ذاك، وإنما سبق إليه مفسرون قدماء ذكرت منهم الزمخشري.
وقد سبقه إلى رأيه من الفقهاء القدماء الذين لا يكفرهم الأزهريون جماعة، أذكر منهم ابن حزم، ولست أعرف أن الزمخشري حوكم على تفسيره لهذه الآية الكريمة، ولا أن ابن حزم قد حوكم على إباحة الإفطار والفدية لمن وجد المشقة في الصوم، ولكن آفة الأزهريين المعاصرين أنهم يقرءون كتبًا بعينها قد فرضتها عليهم ظروف الأزهر في بعض العصور، ولا يكادون يقرءون غيرها من الكتب التي كتبها علماء الإسلام في العصور الأولى وفي البلاد الإسلامية المختلفة. وهم من أجل ذلك يحصرون العلم والدين في حدود ضيقة جدًّا هي حدود الكتب التي يقرءونها، والعلم أوسع جدًّا من هذه الكتب، والدين أوسع جدًّا وأسمح جدًّا مما يراه الأزهريون.
ولولا أني أحب الأزهر حبًّا متأصلًا في نفسي، وأرفق بالأزهريين كما أرفق بالصديق الحميم؛ لقلت أكثر من هذا، ولكني على كل حال أتمنى مخلصًا للأزهريين، ولعلمائهم خاصة، أن يقرءوا القرآن نفسه، وأن يقرءوا الحديث في نصه أكثر مما يقرءون كتب الفقه وكتب المفسرين المتأخرين.
ولست أعرف شيئًا يعلم المسلم سماحة الرأي، وسماحة الخُلق، وأخذ الأمور بالرفق واللين، والحكم على الأشياء في غير تكلف ولا تعقيد كالإمعان في قراءة القرآن الكريم، والحديث الشريف، والاقتصاد في الرجوع إلى المفسرين والشراح، بحيث لا يرجع إليهم إلا عند الضرورة القصوى.
أما بعد، فأظن أني قد بلغت بهذا الحديث ما حاولت من إثبات أن من حق ذلك الشيخ الذي قال مقالته تلك في الصوم أن يجتهد، وأن يخطئ، وأن ليس لأحد من الناس، وإن كانوا شيوخ الأزهر، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن يحاكمه أو يعاقبه على شيء من ذلك، وأن لهم أن يجادلوه بالتي هي أحسن، وأن يأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، ويدعوه إلى الخير، لا يتجاوزون ذلك إلى أكثر منه؛ لأنهم لا يملكون أن يتجاوزوا ذلك.
أما ما كتبه الأزهريون الذين حاولوا أن يردوا على الحديث الذي نشرته الجمهورية لي قبل سفري من مصر، فليس لي رد عليه إلا قول الله — عز وجل: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )، وقوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ).
Tag: intellectual freedom
-
حق الخطأ (١)
حق الخطأ (١)
طه حسين
جريدة الجمهورية
٦ يونيو ١٩٥٥
وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.
أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.
فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ).
والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.
والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ( لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ).
بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.
وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.
فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!
كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.
وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.
وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.
أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!
أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!
وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟
وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.
ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.
كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.
تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.
من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟
ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.
نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.
كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض. -
الجامعة شعلة قوية حرة ملأت العقول نورًا والقلوب حرارة
الجامعة شعلة قوية حرة ملأت العقول نورًا والقلوب حرارة
طه حسين
جريدة الأهرام
٨ ديسمبر ١٩٥٠
مولاي صاحب الجلالة،
باسم هذه الجامعة — أساتذتها وطلَّابها — أرفعُ إلى جلالتكم أصدق الشكر وأعمقه، وأخلص الحمد وأوفره، لهذا الفضل العظيم الذي شملتمونا به حين تفضلتم ورضيتم أن تشهدوا هذا الحفل. وإن هذا الشكر العميق الذي أرفعه إلى جلالتك — يا مولاي — لا يعبر عن شعور هذه الجامعة وحدها، وإنما يعبر عن شعور الجامعات المصرية كلها، بل يعبر عن شعور الذين يعنون بالعلم — يَدرُسونه ويُعلِّمونه — في جميع أقطار مملكتك.
ذلك أن تشريفكم هذا الحفل إنما هو مظهر من مظاهر هذه العناية السامية التي تشملون العلم والعلماء بها منذ ارتقيتم إلى عرش آبائكم الكرام.
إنَّا نحتفل اليوم بالعيد الفضي لهذه الجامعة التي أنشأها والدك العظيم، والتي تَشرُف بأن تحمل اسمه الخالد. فمنذ خمس وعشرين عامًا، أصدر والدك العظيم قانونًا ينشئ هذه الجامعة كما هي الآن، ولكن هذه الجامعة نشأت قبل ذلك بأعوام طوال، نشأت في أوائل هذا القرن حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يستنقذوا بلدهم من مخالب الجهل، ومن مخالب العلم المتوسط الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا، حين فكَّر جماعة من صفوة المصريين في أن يتيحوا للمصريين أن يطلبوا العلم العالي والثقافة الممتازة، وأن يطلبوهما في بلادهم دون أن يضطروا إلى أن يتغربوا أو يهاجروا من بلادهم.
هؤلاء الذين فكروا في هذه الجامعة لم يحتاجوا إلى تفكير طويل ليختاروا لهم رئيسًا وقائدًا، وإنما فكروا قليلًا ثم أسرعوا إلى والدك العظيم الأمير أحمد فؤاد، يطلبون إليه أن يكون رئيسهم وقائدهم، وأن ينشئ معهم هذه الجامعة. وفي سنة ١٩٠٨ ألف وتسعمائة وثمانٍ، افتتح والدك العظيم هذه الجامعة داعيًا شباب مصر إلى أن يُقبِلوا عليها ليتعلَّموا، وليأخذوا العلم من موارده الصحيحة. وقد كان والدك العظيم مُلهمًا — يا مولاي — فإنه حين أنشأ هذه الجامعة لم ينشئ معهدًا من معاهد العلم العالي فحسب، وإنما أنشأ معهدًا من معاهد تحرير المصريين، تحرير عقولهم وقلوبهم، ودعائهم إلى الحرية الكاملة.
إن الذين يذكرون الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الكبرى، يجب — حين يذكرونها وحين يؤرخونها — أن يضعوا بين المؤثرات التي دعت إليها وأثارتها: إنشاء هذه الجامعة التي كانت أشبه شيء بالشعلة القوية الحرة. أقامها والدك وسط القاهرة، فانبعث نورها وانبعثت حرارتها، فملأت العقول نورًا، والقلوب حرارةً.
ولم يكن والدك العظيم — يا مولاي — مغرورًا، ولا متواضع التفكير، ولا قانعًا بصغار الأمور، وإنما كان متواضعًا في نفسه، كبيرًا في آماله وأمانيه، كبيرًا في مطامعه لوطنه أيضًا.
فهو قد فهم منذ أنشأ هذه الجامعة أن العلم يجب أن يكون فوق الأجناس وفوق الوطنيات، وأن العلم لا وطن له، وأن العلم هو الميدان الوحيد الذي يلتقي فيه الناس من حيث هم ناس، يشعرون ويفكرون، وأن الاحتلال الأجنبي — يا مولاي — قد أضاع على وطنه وقتًا طويلًا، ولا بدَّ من أن يُعوض هذا الوقت. ومن أجل هذا طلب العلماء في جميع أقطار أوروبا، جاء بهم من فرنسا، ومن بريطانيا العظمى، ومن إيطاليا، ومن ألمانيا.
وأذكر — يا مولاي — أنه احتاج إلى أن يلقى إمبراطور ألمانيا بصفة خاصة ليستعينه على أن ترسل ألمانيا إلى مصر بعض المستشرقين.
ولم يكن يقصر في جهد، ولم يكن يتردد في احتمال مشقة مهما تكن، وإنما كان يرى الأشياء كما هي، ويأخذ لها عدتها كما ينبغي، ويسعى في تحقيقها، وكتب الله له التوفيق في كل ما سعى إليه.
هذه الجامعة، التي أنشأها والدك العظيم في أوائل هذا القرن، أعانه على إنشائها صفوة من المصريين لا أذكر منهم الأحياء، وإنما أذكر منهم بعض من انتقل إلى جوار الله، أذكر سعد زغلول، وأذكر حسين رشدي، وعبد الخالق ثروت، وقاسم أمين، والدكتور علوي، وأعانه عليها جماعة من خيرة العلماء الأوروبيين، قضى بعضهم نحبه، وبعضهم يشهد معنا هذا الحفل يا مولاي.
فللذين قضوا نحبهم أُرسل تحية هذه الجامعة، وأرسلها حارة خالصة مقدسة، وأذكر منهم — يا مولاي — شخصًا كان والدك العظيم يحبه ويؤثره إيثارًا شديدًا هو الأستاذ «كارلونللينو»، وأذكر من الأحياء شخصًا كان والدك يحبه ويقربه ويدنيه، وهو بيننا الآن «الأستاذ ليتمان».
ولم تكن المصاعب التي وجدها والدك في تقوية هذه الجامعة وتنشئتها يسيرة، فقد كان السلطان في ذلك الوقت لا يكتفي بأنه لا يعترف بالجامعة، وإنما كان يبث المصاعب أمامها خشية أن ينتشر النور في مصر، وأن يستيقظ المصريون، ومع ذلك فقد انتشر النور واستيقظ المصريون، ولم تلبث هذه الجامعة الناشئة أن آتت ثمرها — يا مولاي — في وقت قصير، وإني أستأذن جلالتك في أن أترك التواضع دقيقة أو بعض دقيقة لأقول: إن وزير المعارف الذي يشرف بالحديث الآن بين يدي جلالتك إنما هو الثمرة الأولى لغرس فؤاد الأول.
على أن فؤادًا لم يكن ينسى، ولا يحب الذين ينسون، فلم يكد يرقى إلى عرش محمد علي وإسماعيل حتى ذكر جامعته، وحتى أبى إلَّا أن تكون هذه الجامعة هي الجامعة الأولى في مصر، بل هي الجامعة الأولى في الشرق العربي كله.
ففي سنة ١٩٢٥ أصدر قانونًا ينشئ هذه الجامعة، ويفرضها على السلطان فرضًا. منذ ذلك الوقت أخذت هذه الجامعة تعمل قوية حازمة ماضية في طريقها، لا تتردد ولا تتلكأ ولا تخشى شيئًا؛ لأن فؤادًا كان يسندها ويؤيدها، ويمنحها معونته ونصره دائمًا، وما هي إلَّا أن تمضي أعوام حتى تأخذ الجامعة في تخريج الطلاب الذين يؤثرون التأثير العميق القوي في الحياة المصرية كلها من جميع نواحيها، بل في الحياة الشرقية كلها من جميع نواحيها.
ويكفي أن أقول — يا مولاي: إنها إلى الآن قد أخرجت أربعة وعشرين ألفًا ونصف ألف من حملة الليسانس أو البكالوريوس، وأخرجت ثلاثة آلاف من حملة الدرجات العليا الجامعية. فقدِّر يا مولاي أثر هذا الجيش العظيم الذي أنشأه والدك وقوَّيته أنت لمقاومة الجهل والغفلة ونِصْف التعليم، لا في مصر وحدها، بل في الشرق العربي كله.
منذ عشر سنين — يا مولا ي— كنَّا نتحدث بأن مصر تمتاز بأنها تقوم فيها جامعتان: إحداهما هي أقدم جامعات العالم، وهي الأزهر الشريف، والأخرى هي أحدث جامعات العالم، وهي جامعة فؤاد، ولكنك أبيت — يا مولاي — إلَّا أن تُغيِّر هذا كله، فلم تصبح جامعة والدك العظيم أحدث الجامعات؛ لأنك أبيت إلا أن تسلك طريقه، وتنهج نهجه، وتدفع مصر إلى الأمام كما دفعها هو إلى الأمام، وما هي إلَّا أن تُنشئ الجامعة الثانية التي تشرف باسمك العظيم، هذه الجامعة التي تحمل اسمك الخالد، والتي تعيد إلى مصر مجدها القديم حين ترسل أشعة العلم ونوره من وراء البحر الأبيض المتوسط، فقلنا: أصبحت جامعة فاروق الأول هي أحدث الجامعات.
وتقدمت جامعة فؤاد الأول في السن شيئًا، وظلت مصر ممتازة بأنها البلد الذي فيه أقدم الجامعات وأحدثها، ولكنك أبيت إلَّا أن تدفع جامعتك الأولى إلى شيءٍ من تقدم السن، وأن تأبى أن تكون هي أحدث الجامعات، فأنشأت جامعة ثالثة هي جامعة محمد علي. ولم نكد نفكر في هذه الجامعة ونوازن بينها وبين أختيها حتى سبقتنا جامعة إبراهيم، كأن بينك — يا مولاي — وبين الجامعات خصومة تأبى على كل واحدة منها أن تكون أحدثها وأصغرها سنًّا.
في هذه المدة القصيرة — منذ رقيت إلى عرش آبائك — أنشأت جامعات ثلاث، وكلأت جامعة والدك بهذه الرعاية التي أتاحت لها أن تنمو وتسمو وتنتشر، وتنشئ من المعاهد ما لا أكاد أحصيه، وتنشئ مكتبة لها خطرها بين مكاتب الشرق، بل بين مكاتب العالم الإسلامي كله.
في هذه المدة القصيرة أنشأت هذه الجامعات، ونمَّيت جامعة والدك. أليس من حقنا أن نحسب لروحك هذا الحساب كله، ونعتقد أنك صممت ألَّا تريح ولا تستريح، وألَّا تترك المصريين يهدءون قبل أن تكون لهم الجامعات التي ليس منها بد؛ ليكون وطنك كغيره من الأوطان الراقية؟
مولاي
باسم هذه الجامعة التي أنشأها فؤاد، وباسم الجامعات الثلاث التي أنشأتها، وباسم مصر التي تنعم بوجودك وجهودك وقوتك وشبابك، وباسم الحكومة التي يجب أن تكون تحت أمرك كلما أردت أن تنشئ ممهدًا للعلم جامعة هنا وجامعة هناك. باسم أولئك جميعًا، وباسم هؤلاء الأصدقاء الأجانب، أصدقاء مصر الذين قبلوا دعوتنا ليشتركوا معنا في هذا الاحتفال، والذين حضروا الآن ليرفعوا إلى جلالتك شكرهم كما نرفع شكرنا.
باسم هؤلاء جميعًا أتوجه إلى الله — عز وجل — أن يمنحك القوة والجلد، وأن يتيح لك من الحياة الخصبة النافعة ما يملأ مصر والشرق العربي كله حياةً ونورًا، وأن يتيح لك — يا مولاي — أن تحيي الأعياد الفضية لجامعاتك كما تحيي الآن العيد الفضي لجامعة والدك.
أطال اللَّه بقاءك — يا مولاي — وجعل حياتك كلها عيدًا لعقول مصر ولقلوبها، وللشرق العربي كله. -
مبادئ
حديث الوادي
مبادئ . . .
تخافها الوزارة القائمة كل الخوف وتفزع منها أشد الفزع حتى يخرجها ذلك عن طورها وينأى بها عما ينبغي لها من المهل والأناة، ويدفعها إلى أن تهمل نظم الجامعة إهمالاً، وتعرض عن مجالسها إعراضاً، وتفصل أستاذاً من أساتذة القانون، في غير سؤال ولا تحقيق، وتغلو في كتمان هذا الفصل كأنما تشفق من إعلانه فلا يذاع في الناس إلا عفواً أو بقصد رجل أراد أن يضع الوزارة أمام الأمر الواقع. وهذه المبادئ الخطيرة التي تخيف الوزارة إلى هذا الحد وتدفعها إلى ما دفعت إليه من هذا العمل الغريب الجريء، هي المبادئ التي وضعت لجماعة الشبان المصريين التي أنشأها الأستاذ السنهوري.
ولعلك حين تقرأ هذا الكلام وترى حذر الحكومة وإشفاقها وجزع الوزارة وفزعها، تظن الظنون بمبادئ هذه الجماعة وتقدر لها مبادئ خطيرة حقاً، من شأنها إذا أذيعت بين الناس، أن تقلب النظام السياسي والاجتماعي رأساً على عقب، وأن تحدث في مصر أحداثاً جساماً لا ينبغي أن تحدث فيها. ولكن تمهل بعض الشيء، ولا تندفع كما اندفعت الوزارة إلى الفزع والهلع ولا إلى الخوف والإشفاق. فهذه المبادئ بريئة جداً يسيرة جداً، لا ينبغي لرجل يكرم نفسه أن يتخذ مبدأ يخالفها، أو ينأى عنها، وإنما هي المبادئ التي تكون الرجل الخليق بهذا الاسم، والتي ينتحلها لنفسه كل إنسان.
هذه المبادئ ثلاثة: أولها تقويم الخلق، وثانيها تهذيب العقل، وثالثها تنمية الجسم. فحدثني عن رجل يرضى أن يكون خلقه معوجاً، أو يطمئن إلى أن يظن به الناس اعوجاج الخلق؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من حضارة لا يطمع في أن يقوم خلقه ما وجد إلى ذلك سبيلاً؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من ذكاء لا يحب أن يظن الناس به أن خلقه معتدل مستقيم؟ وإذن فماذا تنكر الوزارة من قوم يريدون أن يقوموا أخلاقهم ومن أستاذ يعينهم على تحقيق ما يريدون؟ وأي بأس على الوزارة من أن تكون أخلاق الناس مستقيمة ومن أن يطمح الشبان إلى أن يصدقوا في القول ويخلصوا في العمل ويجتنبوا الضعف والفتور، ويحرصوا على القوة ومضاء العزم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين أن تعتدل أخلاقهم وتستقيم، وأنها تريدهم على أن تكون أخلاقهم معوجة، وسيرتهم ملتوية ونفوسهم فاترة ذليلة وعزائمهم واهنة مغلولة؟ وهل تطمئن الوزارة إلى أن يظن بها الناس أنها لا تستطيع أن تحكم إلا إذا فسدت الأخلاق، ولا تستطيع أن تستقر في الحكم إلا إذا ساءت السيرة، وأنها تخاف الخير، وتشفق من البر، وترى الفضيلة لها عدواً خطيراً؟
ثم حدثني عن رجل، مثقف أو متحضر، لا يطمع في أن يهذب عقله، ويزيد حظه من الثقافة ونصيبه من العلم، بل حدثني عن رجل متحضر، لا يحب أن يظن الناس به سعة العقل، وغزارة العلم، وقوة الذكاء؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين سعة العقل، وغزارة العلم، وإنما تحب لهم الجهل وضيق الأفق، وقصور الذكاء؟ وهل يستطيع وزير التعليم أن يعلن إلى الناس أنه لا يحب أن يعنى الشبان بالتعليم ولا يرضى لهم أن يستزيدوا من العلم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن أنها لا تقدر على الحكم، ولا على الاستقرار فيه، إلا إذا ظل المصريون جهالاً مغلقين، تضيق عقولهم عن كل شيء، وتعجز عقولهم عن استكشاف الحقائق أو فهمها أو الحكم عليها؟ ثم حدثني عن رجل له حظ من ذكاء، لا يطمع في أن ينمي جسمه، ويلتمس له من أنواع الرياضة، ما يقويه ويكفل له حظاً من الصحة، وقدرة على النشاط، واحتمال أثقال الحياة؟
وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين قوة ولا صحة، وإنما تريدهم ضعافاً مراضاً، ينهكهم السقم، ويفنيهم الضنى، وأنها لا تقدر على الحكم ولا على الاستقرار فيه، إذا قويت أجسام المصريين وتمت لهم الصحة الموفورة والبراءة من العلل والأسقام؟
نحب أن نعلم ماذا أنكرت الوزارة من هذه الجماعة التي أنشأها الأستاذ السنهوري؟ هل تستطيع الوزارة إن صعدت إلى السماء السابعة، أو هبطت إلى الأرض السابعة أن تثبت أو أن ترجح، أو أن تخيل أن في هذه المبادئ أو في نظام هذه الجماعة سياسة أو شيئاً يشبه السياسة أو شيئاً يمس نظم الحكم من قريب أو من بعيد؟ فقصة الأغراض السياسية إذن كلام فارغ، وضرب من العبث وفن من التجني، وتكأة يعتمد عليها في الاعتذار من هذا الفصل الذي ليس إلى تعليله المعقول من سبيل، وإنما العلة الحقيقية لهذا الفصل، العلة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي هذه المبادئ نفسها. فأي شيء في هذه المبادئ يخيف الوزارة ويفزعها ويدفعها إلى مثل ما أتت من الأمر؟ ألا تستحي الوزارة من أن يظن الناس بها الظنون، ومن أن يقول بعضهم لبعض، إن الحياة السياسية في هذه الأيام، لا تريد للمصريين أن يكونوا رجالاً، ومن أن الوزارة المصرية تحرص على أن يبعد المصريون كل البعد عن استكمال رجولتهم، وتعاقب كل من يدعوهم إلى الرجولة بألوان العقاب المختلفة؟
لقد نعلم أن الأستاذ السنهوري ذهب يتحدث إلى مدير الأمن العام في أمر جماعته هذه، وفي أنها لا تعنى بالسياسة، ثم طلب إليه أن ينظر في أغراضها، فلما انتهى إلى تقوية الجسم قال إن تقوية الجسم تهيئ جيشاً. فمدير الأمن العام إذن يخاف أن تقوى أجسام المصريين لأنه يخاف أن يكون للمصريين جيش قوي. في أي عصر نعيش، وأي حياة نحيا؟ أجد هذا الكلام أم هزل؟ إنا نريد أن نعتقد أن مدير الأمن العام لم يظن، ولم يقدر أن الأستاذ السنهوري يريد أن يكون من جماعته جيشاً يستعين به على مقاومة الجيش النظامي، وعلى إحداث الأحداث، في هذا البلد المطمئن. فمدير الأمن العام عندنا أذكى من أن تخطر له مثل هذه الخواطر. وإذن فماذا يخاف مدير الأمن العام، إن قويت أجسام المصريين؟ وماذا يخاف إن قويت أخلاقهم، واتسعت عقولهم؟ سؤال نستطيع أن نردده ما شئنا فلن نظفر عليه بالجواب الصحيح، وإذن فنحن نبيح لأنفسنا أن نجيب إذا استقامت أخلاق المصريين وامتنعت على الفساد والاعوجاج، وإذا ارتقت عقول المصريين وارتفعت عن الضعف والضيق، وإذا قويت أجسام المصريين وبرئت من العلل والأسقام، وإذا استكمل المصريون رجولتهم حقاً، لم يرضوا من الأمر إلا ما يرضاه الرجال، ولم يقدموا من الأمر إلا على ما يقدم عليه الرجال. ولم يطمئنوا إلى أن يسخروا كما تسخر الأنعام، أو يحكموا كما يحكم الضعاف، أو تكون مصالحهم موضوعاً للعبث، أو يكون استقلالهم موضوعاً للمساومة، أو تكون حريتهم عرضة لتحكم وزير أو موظف كبير، أو تكون جامعتهم صورة من الصور، وشكلاً من الأشكال، أو تكون حياتهم السياسية نفاقاً وحياتهم الاجتماعية رياءً وحياتهم العلمية غشاً وخداعاً. وإذا انتهى المصريون إلى هذا الحظ من الرقي العقلي والخلقي والجسمي، فأبوا الضيم، وامتنعوا على الذل لم تطب للمستعمرين من الإنجليز حياة على ضفاف النيل. . نرجو أن يفهم الشباب المصريون هذا الدرس البليغ، الذي ألقي عليهم بفصل الأستاذ السنهوري من منصبه لأنه أراد أن ينشئ جماعة تعمل على تنمية الأجسام، وترقية العقول، وتهذيب الأخلاق.
نرجو أن يعرف الشباب المصريون أن من الناس من يكره لهم أن يكونوا رجالاً ويعاقب من يريد لهم أن يكونوا رجالاً.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٢ .