Tag: intellectual freedom

  • إذلال

    إذلال
    يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكرة لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث. والسياسة مصدر هذه المحنة. فقد أبت إلا أن تتسلط فتجور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتخضع لأهوائها وشهواتها كل شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانا، والتي جعل الله بها للناس كرامة تحفظ، وحرمة تُرعى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، وملكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.
    وقد عرفت الأمم في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل وازدراء كرامته وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.
    أما في ألمانيا فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبطوا الأسفار حتى إذا ما انتهوا إلى ميدان أو ميادين؛ جمعوا لهذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها ثم أضرموا فيها النار فحرقوها تحريقا، وهم في أثناء ذلك فرحون مبتهجون. وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السكر، وتملأ قلوبهم هياما بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيمة.
    يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين، وتقرّه حكومة منظمة تعد نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.
    نعم، وتنفض المجامع العلمية والأدبية والفنية فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب فإن لم يُقصوا عمدًا، سلطت عليهم ظروف قاسية تضطرهم إلى أن يُقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها؛ أقيم مكانهم قوم آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يقدمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء حتى بالعلم والفن والأدب.
    نعم، وفي أثناء هذا كله تُحْظَر كتب مطبوعة على القراء، فلا يجوز أن تباع ولا أن تُشترى، وتعلن أسماء طائفة من المؤلفين قد محي حقهم في التحدث إلى الناس محوا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرؤوهم ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تعرضها للبيع.
    نعم، ولا يتحرج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان ويقول في هذه الخطبة: «لقد آن الوقت الذي تطهر فيه ألمانيا قاذورات العقل».
    تبارك الله، لقد آمن الناس منذ قرون وقرون أن جذوة العقل هي التي طهرت الإنسانية من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمان ينتج القاذورات، ويجب أن تطهر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا، هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة. سخط على الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية مصدره السياسة. سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة.
    ويل للناس من السياسة، لقد طغت عليهم وبغت فيهم حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.
    ومن قبل ذلك أُذل العقل في روسيا، فشُرد العلماء والكتاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا، وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى ما وصلت إليه في روسيا أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحسن والرقي، ولا من الأمن والدعة بحيث يُغبطون عليها أو يُهنَّؤون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علم وأدب وفن لسلطان الفاشية وإلا أصابه الإذلال وتعرض لضروب من الشدة وصنوف من الحرمان!
    يجب أن يُقسم الأساتذة والمعلمون يمين الولاء للنظام الجديد في حياتهم السياسية وحدها بل في التعليم أيضا، يجب أن ينزل العقل عن شخصيته وأن يكون مرنًا رخوًا، وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة أن يتشكل بها، فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير ففُصلت من الجامعات والمدارس وتفرقت في أقطار الأرض، تفِرُّ بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.
    ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر كتبًا لرجل من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوام طوال، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طلبت إليه، وإذا حياته بين المشقة والعناء بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.
    ولا بد لمصر من أن يُمتحن فيها العقل كما يُمتحن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل لا في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها مهما تختلف عصوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية وإنكار لها، وتبرّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها، قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقوم لا يجدون أمامهم عمالا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره. وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!
    ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها لولا أن هذه البلاد تضرب الناس أمثالا خطيرة، وتغري الناس بما أُغريت به هي بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.
    ليس لأحد أن يتحكم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة؟ أو وقف على شعب دون شعب؟ من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟ كلا ليس العقل ملكًا للألمانيين وحدهم، إنما هو ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا، والتعرض له بالإذلال والتمزيق طغيان على الناس جميعا، فمن حق الناس جميعا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسي.
    ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن، والتي تفتن العقل وتضطهده وتتجاوز في فتنته واضطهاده كل حد، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تحرم ألمانيا حب الأمم الشرقية التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناء شديدًا.
    يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظ من كل ما يقع في أوروبا!
    ظهرت الثورة الديمقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا فجدّت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟ إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا، لا يُعزَى الناس عنه إلا أنه موقوت، يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.
    لقد غيرت نظم الجامعة وقوانينها، وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكر بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه. وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد، وتظهر فيها آثاره السيئة، فيا له من شر، ويا له من نكر، ويا له من ذل لا تبيض له الوجوه!
    هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام فتُقصى عنه كثرة الجامعيين، ويقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شؤون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شر ما يقضي، حتى إذا فرغ من أمره دعا الكثرة الجامعية فجاءت طائعة، واشتركت فيما لا غناء فيه.
    عُرض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا أن يُرقّى جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة فأبى لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًا فاستثناه، لا بالترقية العلمية ولكن بالمال. رقاه درجة الأستاذية ومنحه علاوتين بالاستثناء، كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.
    هلمَّ أيها الجامعيون، تنافسوا في الدرجات وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء، فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!
    ومحنة أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصى عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون.
    ما هكذا يحترم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تهيأ مصر لاحتمال التبعات، ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين. هؤلاء علماء ألمانيا يستذلون، وهؤلاء علماء إيطاليا يستذلون، فلِمَ لا يستذل علماء مصر؟ هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمدت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضى حكومتهم المصرية.
    صنع الله لهذا البلد الشقي، فقد أبى حظه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!
    أما أنا فأقدم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقت إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد أن تطمع في مزيد من السلطان! وأقدم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا، وأي ضيم شر مما هم فيه؟!
    كوكب الشرق ١٨\٥\١٩٣٣

  • كرامة

    حديث اليوم: كرامة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٧ أغسطس ١٩٣٢

    وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

    واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه

    ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

    وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

    غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

    ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

    قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

    قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

    وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

    ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

    وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

    لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

    أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

    أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

  • لعب٢

    حديث اليوم
    لعب
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٦ يوليو ١٩٣٢

    لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.
    وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.
    وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.
    ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟
    أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.
    نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟
    لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.
    كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.
    ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.
    كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.
    ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.
    وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.
    ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟
    الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.
    لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.
    وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.
    فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
    وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟
    وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟
    ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.
    ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.

  • مصادرة

    حديث اليوم: مصادرة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.

    الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.

    لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.

    إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.

    ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.

    ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.

    إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟

    إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.

    وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.

    شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.

    ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.

    مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟

    بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.

    فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟

    وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.

    اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟

    كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟

    هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.

    فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.

    كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟

    اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.

  • قيود وأغلال

    قيود وأغلال

    طه حسين

    المجلة الجديدة

    فبراير ١٩٣٠

    أراد كليمنصو في أول هذا القرن أن يُصوِّر عَبثَ الناس بعضهم ببعض، وخداعهم بعضهم لبعض، وما
    يصطنعون في صلاتهم الخاصة والعامة من ضروب النفاق والغش والتضليل، فوضع قصة تمثيلية من فصل واحد
    سماها «نقاب السعادة»، ووُفِّق إلى الإجادة فيها كل التوفيق، فأدرك الغرض الذي كان يرمي إليه في
    رشاقة لفظ، وحلاوة أسلوب، وخفة روح، وبصر بحاجات الناس ومقدرتهم على احتمال الحق وإساغته، ولكنه
    مع هذا كله لم يظفر برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، ولعله تعرض للسخط والهزيمة، ولعله أوشك أن
    تُنال قصته بالأذى؛ فقد مُثِّلت هذه القصة في سنة ١٩٠٠م في بعض ملاعب باريس فلم يحفل الناس بها،
    ولم يُثنِ عليها النقاد إلا ثناء يسيرًا مصدره في أكبر الظن مكانة الكاتب في الأدب والسياسة
    والاجتماع.

    ثم مُثِّلت بعد ذلك بعشر سنين، فلم يكن حظها في المرة الثانية خيرًا من حظها في المرة الأولى،
    ونشرتها في هذه الأيام مجلة اللاللستراسيون بمناسبة موت كليمنصو، وما نظن إلا أن الناس
    سيقرءونها في فُتورٍ كما شهدوا تمثيلها في فُتورٍ.

    وآية ذلك أن مجلة اللاللستراسيون تركتها ثلاثين سنة ولم تنشرها إلا بعد أن مات صاحبها، مع
    أنها تنشر من القصص التمثيلية الجيد والرديء، والقَيِّم والسخيف، ومع هذا فقد احتاط كليمنصو في
    قصته احتياطًا كثيرًا؛ فزعم أن حوادثها تقع في الصين، لا في باريس ولا في فرنسا ولا في أوروبا،
    ولا في بلد من هذه البلاد التي تتصل بالفرنسيين اتصالًا قريبًا أو بعيدًا، واتخذ الرمز سبيله في
    هذه القصة، فلم يصارح الناس بأنهم منافقون أو مخادعون، ولم يعرض لنظام بعينه من نظمهم السياسية
    والاجتماعية، وإنما تصور رجلًا من أغنياء الصين وأشرافها كُفَّ بصرُه، فاحتمل محنته هذه سعيدًا
    مغتبطًا؛ لأنه لم يكن يحس من حوله إلا إخلاصًا ووفاءً، وعناية به وحرصًا على إرضائه.

    كان يحس من أصدقائه مودة لا تشبهها مودة، وكان يحس من ابنه برًّا لا يقاربه بر، وكان يرى زوجه
    المثل الأعلى للعفة والوفاء والإخلاص على جمالها الجسمي والنفسي.

    وكان شاعرًا بارعًا في الشعر، وقد عرض عليه بعض الأطباء الأوروبيين أن يرد إلى عينيه ملكة
    الإبصار، فقبل على شكٍّ شديد وتردد كثير؛ لأنه لا يثق بالأوروبيين ولا يطمئن إليهم، وتحدَّث إلى
    صديق من أصدقائه في ذلك فشاركه في الشك، وحذره الأوربيين؛ لأنهم جنود الشيطان، على أنه قبل عرض
    الأوروبي مستيئسًا، وكتم قبوله هذا عن أكثر من يليه من الناس.

    ونحن نراه في أثناء القصة سعيدًا مغتبطًا يتغنى بما قدمنا من وفاء أصدقائه له، وبر ابنه به،
    وتضحية امرأته في سبيله، ونراه مستمتعًا بحظه من السعادة حتى إنه ليحب أن يشاركه فيه الناس
    جميعًا، ويدخل عليه بائس قد قُضِي بنفيه وهو يسير إلى منفاه ذليلًا مهينًا يعذبه الجوع، فيعينه
    بالمال والكسوة مُتَعرِّضًا بذلك لسخط الحكومة.

    وقد أراد الله أن يتم عليه نعمته، وينتهي به من السعادة إلى أقصاها، فيصل إليه رسول
    الإمبراطور يحمل إليه الهدايا والتحف ولقبًا جليلًا؛ لأن الإمبراطور قد اطَّلع على ديوان من
    دواوينه فأكبره، وأمر أن يُقرَأ في جميع أقطار الدولة، وعطف على صاحبه فأجلَّه وكرَّمه
    وأعطاه.

    وصاحبنا ناعم البال، طيب النفس، يشرك أصحابه في سعادته فيشرب ويسقيهم، ويغني لهم لذة العيش،
    وجمال الطبيعة، وبهجة الحياة، ويغلبه الشراب فينام، ويتفرق عنه أصحابه حينًا، ثم يفيق من نومه
    وقد نجع دواء الأوروبي، فسقط عن عينيه النقاب، فهو يرى الأرض والشمس والسماء، ويرى ما حوله وهو
    دهش لهذه المعجزة، وهو لا يكاد يملك نفسه فرحًا واغتباطًا، ولكنه يرى رجلًا يتسلل إلى داره
    ويسرق بعض ما فيها من نقد ومتاع، وهذا الرجل هو البائس الذي أعانه صاحبنا بالمال والكسوة، وتضرع
    إلى الإمبراطور حتى عفا عنه.

    ولكن صاحبنا سعيد، فهو يدع هذا الشقي وما أخذ، على أنه يسمع صوتًا فينهض وينظر في حجرة تليه؛
    فإذا هو يرى ابنه قد أخذ يُقلِّد أباه في حركاته المضطربة، ساخرًا منه، هازئًا به، وأستاذه
    يُشجعه ويذكيه، ثم ينظر فإذا كتاب أمامه لا يكاد يحدق فيه حتى يعرف ديوانه الذي أجازه
    الإمبراطور من أجله، وقد نشره بعض أصدقائه وزعم أنه شاركه في إنشائه.

    فانظر إليه وقد أفسدت كل هذه الأشياء سعادته وغبطته؛ فهذا صنيعته يسرقه، وهذا ابنه يسخر منه،
    وهذا صديقه يخونه في ديوانه، ولكنه على ذلك كله سعيد، فقد بقيت له امرأته، وهو يسرع إلى حجرته
    فإذا هي مغلقة، وإذا هو يحس فيها شيئًا، فإذا استَرَق النظَر رأى امرأته تأثم مع صديق له آخر؛
    فيفقد صوابه أو يكاد، ثم لا يلبث أن يذكر أنه كان مكفوفًا وكان سعيدًا، وأن شفاءه مع هذه الآفة
    إنما هو أثر لذلك الطبيب الأوروبي؛ أليس الأوروبيون جنود الشيطان؟ أليس هذا الأوروبي الذي رد
    إليه البصر قد سحره وخيَّل إليه؟

    بلى، إن كل ما يراه سحر من عمل الشيطان، فلم يسرق البائس، ولم يسخر الابن من أبيه، ولم يخن
    الصديق صديقه في ديوانه، ولم تأثم المرأة في عرضها. كل هذا سحر، ويجب أن يزول، وأي شيء أيسر من
    زواله؟

    لقد كان الطبيب الأوروبي حدَّثه أن قليلًا من دوائه يردُّ البصر، وأن كثيرًا من هذا الدواء
    يذهب به، فما أسرع ما يهوي صاحبنا إلى الزجاجة فيصبها في عينه، وإذا صيحة تتبعها ظلمة منكرة قد
    أسدلت على عيني هذا الرجل فعاد مكفوفًا كما كان! وهو يدعو إليه أصحابه وامرأته فيُقبلون مبتسمين
    عابسين به كما كانوا يعبسون به من قبل، ويتلقاهم هو راضيًا سعيدًا؛ لأنه لا يحس منهم إلا ما
    يحب، وهو يتناول عوده فيغنيهم — كما كان يفعل منذ حين — لذة العيش، وجمال الطبيعة، وبهجة
    الحياة.

    لم تظفر هذه القصة برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، وقد تكلف النقاد فعللوا هذا الإخفاق بأن في
    القصة طولًا هو بالخطابة أجدر منه بالتمثيل، ولكن التعليل الصحيح فيما يظهر هو أن هذه القصة لم
    تلائم هذا «الطاغية» الذي يتسلط على الأدب والأدباء في كثير من الأحيان؛ فيفسد عليه وعليهم كل
    شيء. وهذا «الطاغية» هو الذوق العام؛ فليس يكفي أن تنظم الشعر فتجيده، أو تكتب النثر فتحسنه، أو
    تضع القصة فتتقن وضعها لترضي الناس، وإنما يجب مع هذا كله، بل قبل هذا كله أن تُرضِيَ الذوق
    العام، وبعبارة أدق أن تتملق الذوق العام لترضي الناس.

    وليست الإجادة الفنية وحدها، وليست إصابة الحق وحدها تكفي لإرضاء الذوق العام، بل يظهر أن
    شيئًا من تملق بعض العواطف والميول، شيئًا من النفاق الأدبي بعبارة صريحة، ضروري ليرضي الذوق،
    وليعجب الناس. وآية ذلك أنَّا نعجب الآن بطائفة من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة كرههم معاصروهم
    كرهًا شديدًا؛ فأهملوا بعضهم إهمالًا، وآذوا بعضهم إيذاءً، وقضوا على فريق منهم بالموت، فإذا
    التمسنا الأسباب التي اضطرت الناس إلى أن يهملوا هؤلاء الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة، أو يؤذوهم
    أو يقتلوهم، فلن نجد إلا سببًا واحدًا هو النفور بين الشخصيات الفردية القوية ونفوس الجماعات
    وما كان يصورها من ذوق عام.

    هذا المفكر يرى في الدين رأيًا لا يلائم الجماعة فتنكره ثم تقاومه، ثم تؤذي صاحبه إيذاء يلائم
    مزاجها من جهة، ومقدار ما بينهما وبين هذا الرأي من التنافر من جهة أخرى.

    وهذا الشاعر أو الكاتب يذهب في الفن الشعري أو النثري مذهبًا جديدًا فتنكره، ثم تقاومه مقاومة
    تختلف قوة وضعفًا باختلاف مزاج الجماعة وما بينه وبين المذهب الجديد من تنافر.

    بعض الكُتَّاب والشعراء والمفكرين يؤثرون الراحة والعافية فيُماشون الجمهور، ويظفرون برضاه،
    وبعض الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة يؤثرون شخصياتهم أول الأمر، فإذا أحسوا مقاومة الجمهور ضعفوا
    وأذعنوا إذعانًا تامًّا، أو إذعانًا فيه شيء من المهارة والمداورة.

    أولئك وهؤلاء يتبعون الجماعة، فهم ظلالها، وقليل جدًّا من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة
    يؤثرون شخصياتهم، فإذا أحسوا مقاومة الناس لم تزدهم هذه المقاومة إلا قوة وشدة، فتكون الحرب
    بينهم وبين الجماعة، وتختلف حظوظهم من الفوز والهزيمة باختلاف الظروف المعاصرة لهم، ولكنهم
    ينتهون في أكثر الأحيان إلى فوز محقق تظفر به آراؤهم ومذاهبهم، بعد أن تذهب أشخاصهم وينساهم
    الناس.

    فأنت ترى أن حرية الأديب أسطورة من الأساطير، وأن من الإسراف والغرور أن يُنظر إليه كما ينظر
    إلى الرجل الذي يستمتع بحرية كاملة أو شبيهة بالكاملة، فقد رأيت في غير هذا الحديث أن الأديب
    مقيد في الإنتاج الأدبي نفسه بمزاجه وطبيعته، فهو لا يقدر على أن ينتج ما تريد، وإنما هو ينتج
    ما يستطيع، وأنت ترى الآن أنه قلما يستطيع إذاعة كل ما ينتجه، وإنما هو مقيد في ذلك بالبيئة
    التي يعيش فيها أو بالذوق العام.

    وأنت تعلم أن هناك سلطانًا آخر يقيد الأديب ويغله في الإنتاج وإذاعة ما ينتج، وهو سلطان
    الحكومة، تهيمن على حماية المظاهر العامة للحياة الاجتماعية؛ كالدين والأخلاق والنظم المختلفة،
    أفبعد هذا كله تذكر حرية الأدباء في الإنتاج والإذاعة دون أن تقترن بهذا الذكر ابتسامة ملؤها
    السخرية والإشفاق؟ ليس الأدباء أحرارًا، وإنما هم مغلولون، ومَن يدري لعل من هذه الأغلال ما
    يحمي الأدباء أنفسهم ويحمي الجماعات من شر كثير؛ فليست الحرية كلها خيرًا، وليست الأغلال كلها
    شرًّا.

  • حقيقة الدين

    حقيقة الدين
    — طه حسين —
    مجلة الهداية
    يناير ١٩١٢
    زعموا والزعم في هذه الأيام كثير أن الرجل لا يكون خيراً صالحاً ولا مسلماً متورعاً ولا تقياً رشيداً إلا إذا اصطنع أموراً خاصة وانتحل نحلاً معينة وذهب مذاهب معروفة، فليس له أن يلبس إلا لبوساً خاصاً فيكبر العمامة ويرسل أردان الثوب ويطيل الأكمام ويمشي مشية المتخشع الذي يتكلف الوقار ويظهر الحرص عليه. وينبغي أن يأخذ في يده مسبحة طويلة كبيرة الحبات ويغرس في عمامته سواكاً طويل القامة ويملأ أنفه من حين إلى حين بألوان من السعوط ويطلق لسانه من آن إلى آن بأنواع من الكلام تكثر فيها القاف وغيرها من الحروف الضخمة الفخمة. فكل هذه أمور لازمة وصفات ضرورية هي مقومات العلم والدين فليس لمسلم صالح أن يحيد عنها أو يتكلف غيرها إلا إذا أراد أن يحيد عن السنة ويميل عن العقيدة الطاهرة ويذهب مذهب الملحدين.

    قالوا: ولا بد من التردد على مقابر الأولياء ومشاهد الصالحين والطواف بها والوقوف عليها وإظهار الخشية والرهبة لها والتقرب إلى الله عز وجل ببركة سكانها، ومن حاد عن ذلك فقد اختار الأولى على الآخرة وآثر الباطل على الحق ورغب إلى الدنيا عن الدين.

    قالوا: ولا بد مع ذلك من الاحتفاظ بعقائد السلف وعادات الأولين والابتعاد عن استحداث الأمر الصالح والسنة النافعة وعن الجهر بالرأي والتصريح بذات النفس وعن القول في العلم والدين بما لم يقله قائل ولم يذهب إليه ذاهب، فإن ذلك أدنى إلى حسن العاقبة وأخلق بمن يريد أن يلقى الله بنفس بريئة وقلب سليم.

    ذلك هو القانون الذي رسموه وأوجبوا على المسلم الصالح أن يتبعه ويحرص عليه ليسلم له دينه وتصح له عقيدته ويأمن من حر النار وعذاب الجحيم، وقد رأوا أن العدول عنه والتبديل فيه نوع من الشرك وضرب من الزندقة وطائف من المروق.

    بذلك انطلقت ألسنتهم وفاضت فتياهم وعليه دلت أعمالهم وبرهنت أطوارهم، فلنبحث الآن عن نصيبه من الحق وحظه من الصواب وليكن بحثنا في هذا الفصل مجملاً موجزاً لنتبعه فيما بعد بفصول ضافية متصلة نشرح فيها حقيقة العقائد الدينية لتهتدي إليها الأمة ويظهر عليها الجمهور.

    لا نفهم للدين معنى يقصد إليه أكثر من هداية النفوس إلى ما يصلح أمرها في الآخرة والأولى، فإن الإنسان اجتماعي بطبعه مدني بفطرته نزاع إلى إيثار نفسه بالصالحات واختصاصها بالطيبات، وذلك مؤدٍ لا محالة إلى اختلاف الأهواء وافتراق الآراء وتباين المذاهب والأغراض، فقد تتعارض المصالح وتتنافى المنافع فيدعو ذلك إلى اضطغان الصدور وامتلاء القلوب بالموجدة والبغض، وذلك مصدر فساد في الأرض يعقبه سفك للدماء المحرمة وإهدار للنفوس المعصومة وقطع لأواصر المودة والألفة بين الناس وهدم لصروح الحضارة والعمران، فلا بد من حاكم حازم وسلطان رشيد يحكم بين الناس بالقسط ويرد عادية القوي الظالم عن الضعيف المظلوم ويصرف الأفناء والجماعات إلى العمل الصالح والرغبة في الخير والمنفعة العامة.

    ثم إن مما لا شك فيه أن لكل عمل من أعمال الإنسان أثراً حسناً أو سيئاً ونتيجة محمودة أو مرذولة كما أن له مقدمة وعلة، وأقصى ما لأعمال الإنسان من النتائج والآثار هو ما يلقاه بعد الموت من خير أو شر ومن نعيم أو جحيم، وذلك كله يقتضي أن هناك مصرفاً للأمور ومسيراً للعالم ومثيباً بالحسنات ومعاقباً على السيئات ومسيطراً على النفوس ومستأثراً بالقلوب، فلا بد للإنسان من مرشد إلى هذا كله ودال عليه لأن عقله لا يستقل بالوصول إلى حقيقته، ولئن استطاع أن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعلم قليلاً من أمر الآخرة لانقطاع الأسباب بينها وبين العقل. وقد امتن الله على الإنسان فأرشده إلى كل ذلك بمن أرسل إليه من رسل وما أنزل عليهم من كتب وما شرع لهم من دين.

    فليس لأحد أن يذهب في فهم الدين غير هذا المذهب أو ينحو غير هذا النحو أو يسلك غير هذه السبيل، لا لأنا نحجر على الرأي أو نستبد في النظر بل لأن ذلك هو الحق الواضح الذي ينطق به الدين وينادي عليه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.

    هذه آيات الكتاب ناطقة بأن الله لم ينزل كتبه ولم يشرع دينه إلا لهداية القلوب وإرشاد الناس إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، وقد أحل لهم فيه الحلال وحرم عليهم الحرام وماز لهم الحق من الباطل والرشد من الغي والحسن من القبيح، فمن بدّل فيه أو زاد عليه فهو حريّ بالإثم خليق بسوء الجزاء.

    فلنبحث الآن عن هذه الأوضاع المحدثة والأطوار المبتدعة ولننظر أين مصدرها من الدين وهل جاء بها نص ظاهر أو مؤول من سنة أو كتاب.

    نعرف أن ليس في القرآن الكريم آية أو سورة أنزلت لبيان ما ينبغي أن يتخذ الناس من لبوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذنا بنوع خاص من الثياب أو شكل معين من الأزياء، وإنما ترك لنا ذلك لأنه لم يبعث ليعلمنا كيف نلبس أثوابنا أو نصور أشكالنا، وإنما بعث ليعلمنا كيف نعبد الله عز وجل وماذا ينبغي أن نتخذ إلى السعادة في الدنيا والآخرة من سبيل.

    لذلك لم يقيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهم بزي خاص بل اتخذوا العمائم قبل الفتح ولبسوا القلانس بعده واستبدلوا المخيط من الثياب بالأزر والأردية واتخذوا القصور الشامخة في العراق والشام بل وفي المدينة نفسها، وقد تحلى معاوية بالذهب والفضة ولبس الديباج والحرير، ولعمري إنا لأسمح ديناً من أن نضيق بما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نعرف أن الإسلام إنما شُرع حرباً على الوثنية وماحياً لها وعدواً للباطل وقاضياً عليه، فهو أطهر وأنقى وأكرم عنصراً من أن يأمر بتعظيم القبور والأنصاب وتقديس الأحجار والأشخاص. وإنما الذي ينبغي تعظيمه ويجب تقديسه والإذعان لسلطانه هو الله الذي لا إله إلا هو قد استأثر بالعزة والسطوة وانفرد بالعظمة والجلال.

    قالوا: لا نعبد هذه القبور والأشخاص ولا نقدسها وإنما نتقرب بها إلى الله ونتشفع بها لديه. ولعمري ما قالوا إلا شراً وما ذهبوا إلا إلى بدع من الأمر ومنكر من الباطل. فليس بين الناس وبين الله من سبب ولا وسيلة إلا الطاعة الخالصة والإنابة البريئة من الشرك والرياء والله عز وجل يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ويقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وإنما التوسل بالأشخاص والتماثيل سبيل المشركين به الخارجين عليه الذين أنكرت عليهم عبادة الأصنام والتماثيل فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ومن ذا الذي يتقرب إلى الله بشخص لا حول له ولا طول أو تمثال لا حس به ولا حياة ثم يعتقد بعد ذلك أنه صادق في دينه مخلص في إيمانه قد خلصت عقيدته من الشك وتمحضت لليقين.

    نعرف أن الإسلام إنما شرع محرراً للعقول والآراء مستنقذاً للأفراد والجماعات من الرق الأدبي والمادي، وبهذه المزية أحيا الأمم ورقى الشعوب، فمن أين لهؤلاء المبتدعة القول بأن الاجتهاد في الدين غي والتصريح بالرأي إثم وإيثار المنفعة للمسلمين مروق؟ ومن قبلنا قد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وجهروا بآرائهم واختاروا المصالح للناس، لم يتقيدوا إلا بالكتاب والسنة وعلى سنتهم مضى التابعون.

    أفكان سلفنا الصالح مبتدعاً مارقاً؟ كلا، وإنما هو الحرص على القديم السيئ والتمادي في الباطل المهلك قد انتهى بهم إلى ما يقولون، ويا ليتهم ذهبوا في هذا الأمر إلى شيء مجمل أو قالوا فيه مقالة موجزة قابلة للتأويل، ولكنهم قد أكثروا القول وبسطوه وفصلوا الأمر ولجوا فيه، فزعموا أن دين المرء لا يصح إلا إذا قرأ عقيدة السنوسي التي يعلمها الخليل أطفال الجنة إلى غير ذلك مما لا مصدر له إلا الأوهام والأباطيل.

    الآن قد أشرنا إشارة مجملة إلى حقيقة الدين وبينا أنه لا يتناول أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن زاد على ذلك فيه فقد ضل وأضل. ولنا فيما بعد فصول مبسوطة نفصل فيها القول ونبسط فيها الكلام.