Tag: Censorship

  • حرية

    حرية…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
    فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
    وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
    والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
    كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
    ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
    أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
    إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
    طه حسين
    صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.

  • وداع

    وداع…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لعل صدقي باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية إلى حين بعد أن تفضل فأعلن إليهما أن مصر لم تعد لهما دار مقام، وأن عليهما أن يرتحلا عنها إلى حيث يحبان حتى إذا تمت المفاوضات بيننا وبين الإنجليز وانتهت إلى ما نحب أو إلى ما نكره وأذن الله لصدقي باشا أن يستريح كان من الممكن أن يحاولا العودة إلى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضي به الظروف حينئذٍ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقامًا في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان. فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبًا حارًا وتستقبلهما في كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحًا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح إلى الاستقلال وإن كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان وإتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان.

    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا في أي قطر من هذه الأقطار لأن حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرًا على الأمن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعًا من تحقيق الاستقلال.

    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد، لأن لها في المفاوضات مذهبًا غير مذهب الحكومة ورأيًا يناقض رأي الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الإنجليز وإنما ستفاوضها حكومة صدقي باشا فلا أقل من أن تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره وأن تذعن لما لا تحب حتى يمضي الله أمرًا كان مفعولًا وليس من سبيل إلى هذا الصبر ولا من أمل في هذا الإذعان إلا إذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل وأقاما حيث يحبان في الشرق أو في الغرب حتى تنتهي المفاوضات. في أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة أن تقول ما تشاء وأن تعمل ما تشاء وأن تظهر المصريين على ما تحب وأن تخفي عليهم ما تحب وأن تأمرهم بما تريد وأن تنهاهم عما تريد دون أن تخشى منهم إنكارًا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون أن تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه. هذا شرط أساسي لتستقيم الأمور ولتستطيع الوزارة أن تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التي لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وإنما هي حرة كالنسيم الذي يجري في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدًا أن حرية المفاوضات تقتضي تقييد الشعب. فليس من الممكن أن يجمع السيفان في غمد وأن تكون الحكومة حرة في مفاوضة الإنجليز ويكون الشعب حرًا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الإنجليز مفروضة لأن الشعب أرادها وطالب بها فطبيعة الأشياء تقضي بأن ينزل الشعب عن حريته لأن الذين يطلبون النتائج يجب أن يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هي تقييد حرية الشعب.

    هذا كلام يضحك منه الناس في أي بلد من بلاد الأرض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلًا، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وإنما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لأن المصريين أعقل من أهل الأرض جميعًا وأعلم بحقائق الأشياء وفلسفة أرسطاطاليس من أهل الأرض جميعًا وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطاليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب أن يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصري من البحث والتحقيق أولًا ومن الاحتجاج والإنكار ثانيًا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثًا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الإنجليز من هذا كله أيضًا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الإنجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهمها المصريون لتجنبوا كثيرًا من هذا الخطأ الذي يدفعون إليه كل يوم ولتنكبوا كثيرًا من هذا الشر الذي يتورطون فيه كل يوم أيضًا. فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين، ويفاوضون أممًا أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئًا وإنما ينتهون بها أو تنتهي بهم إلى الإخفاق وليس لهذا سبب إلا أن الإنجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي أن تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرًا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الإخفاق ولو أنهم عرفوا ما عرفته مصر من أن المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن أن إحداهما تطرد الأخرى ولو أنهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون في الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون. ولكن الإنجليز قوم فطروا على غرابة الأطوار، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها. يؤثرونها حتى أنهم ليحاربون في سبيلها، ويتعرضون لأعظم الهول: يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس، نستغفر الله، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الأوطان الأخرى. ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية أن نائبًا بريطانيًا قدم إلى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفًا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم.

    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة.

    الإنجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية إجازة يقضيانها في فرنسا مثلًا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التايمز ولا الديلي تلغراف ولا الديلي هيرالد ولا غيرها من الصحف.

    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقًا ولا يطمسون حروفها طمسًا، وهم من أجل ذلك لا يصدرون إليها التعليمات بما ينبغي أن تنشر وبما لا ينبغي أن تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات. هم لا يصنعون شيئًا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون في مفاوضاتهم إخفاقًا متصلًا ولكنهم يحبون مصر أكثر مما يحبون أنفسهم ويحرصون على مصلحة مصر أكثر مما يحرصون على مصلحة أنفسهم يريدون أن تنجح مفاوضاتهم مع مصر وإن أخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون في أن يكون جو المفاوضات صفوًا صحوًا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق. وقد هموا بأن يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئًا فاكتفوا مضطرين بأن يقيد صدقي باشا حرية الشعب المصري ويصادر الوفد والمصري والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التايمز والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء وإذا لم يمكن إذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من أن يذل أحدهما وأعقل الشعبين هو الذي يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وأن يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصري الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق أرسطاطاليس ويعلم أن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقبلوا الوسيلة ويقروها.

    لهذا كله يرغب الإنجليز إلينا صادقين في أن ننقي جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها في ربوع لبنان. ولهذا كله نرغب نحن إلى أنفسنا في أن نريح مصر من الحق والحرية حينًا ونريح الحق والحرية من مصر حينًا ونقضي أسابيع أو أشهرًا مطمئنين إلى الذلة مستنيمين إلى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس، يقال لهم إن الشمس تطلع من الغرب وتغرب في الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئًا. يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون إلى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء إلا لأنهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق أرسطاطاليس ويؤمنون بأن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقروا الوسيلة.

    كل هذا حق وكل هذا واقع، وإذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور.

    كان زعيم المعارضة لا يعلم أن الدستور وسيلة لا غاية وأن المفاوضات أعظم خطرًا من الدستور وأن الحرية شر لا بد منه. يحتمل حين لا يكون في احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين تخشى منه الضرر. ولو كنت عضوًا في مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقي باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجران إليه من الآثام.

    أنا إذن مؤيد لصدقي باشا كل التأييد يجب أن نصادر الصحف وأن يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون إلى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عامًا لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الإنجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادي النيل من منبع النيل إلى مصبه. فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها أصحاب الصحف. ومن هذا الضغط اليومي الذي يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم إنها قد صودرت. وما الذي يخسره المصريون إذا لم يجدوا الوفد والمصري والبلاغ وأنهم سيجدون صحفًا أخرى تنشر لهم الأخبار كما تحبها الحكومة، وكما ينبغي أن تنشر الأخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتني صحف لأن الناس سيشترونها راضين أو كارهين. وستفتقر صحف أخرى لأن الناس سيصدون عنها صدًا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون:

    غنى زيد يكون لفقر عمرو.

    إنا إذن أؤيد صدقي باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابي الصحف التي تذعن لأمره، وعلى أن يسير الشعب المصري على هوى صدقي باشا لا على هوى نفسه.

    ولو كنت وزيرًا مع صدقي باشا أو لو أتيح لي أن أشير على صدقي باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الإنجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة إلا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي أن يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور.

    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم أن يشتغل صدقي باشا بالاستعداد للمفاوضات أو أن يضيع وقته في الاستعداد للرد على الاستجوابات.

    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات. الدستور قائم نائم كهذا المريض الذي ينهض أثناء الليل ويسعى لا يحس أنه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس أنه يقدم أو يحجم.

    فأي بأس على صدقي باشا وأي بأس على المصريين من أن ينام الدستور نومًا عميقًا متصلًا حتى تنتهي المفاوضات إما إلى جنة وإما إلى نار. وإذا فرضت المصلحة على صدقي باشا أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه أن يمنح النواب والشيوخ إجازة يقضونها في الأقاليم، وأن يمنح الدستور نفسه إجازة يقضيها في درج من الأدراج.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن وقته أنفس من أن يضيع في هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور. فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء. ولست أطلب إليه إلا شيئًا واحدًا، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين.

    شيء واحد هو الذي أطلبه لا أطلب معه شيئًا آخر وهو أن يبتسم صدقي باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا في أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين.

    طه حسين
    البلاغ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦.

  • الضمائر القلقة

    الضمائر القلقة
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    يظهر أن في الضمير المصري شيئًا من قلق يحتاج أن يعنى به الذين يهمهم أن يكون الضمير المصري راضيًا مطمئنًا وآمنًا مستريحًا فقلق الضمير مصدر شر كثير أيسره فتور العزم، وكلال الحد والتردد بين الإقدام والإحجام حين تقتضي ظروف الحياة أن نختار بين الإقدام والإحجام. ويكفي أن نلاحظ الفرد ذا الضمير القلق والنفس المضطربة لنعلم أنه لا يصلح لشيء حتى يرد إلى ضميره الاستقرار وإلى نفسه الاطمئنان فكيف إذا كان هذا القلق شائعًا وهذا الاضطراب شاملًا، وكيف إذا أحس الشعب أنه لا يستطيع أن يثق بشيء ولا أن يركن إلى شيء ولا أن يقدم عن بصيرة ولا أن يحجم عن روية، ولا أن يحكم على الأشياء والأحياء حكمًا يصدر عن التدبر والتفكير.
    ما أحب أن أطيل في المقترحات ولا أن أسلك إلى ما أريد طريقًا ملتوية، وإنما ألاحظ أن شيئًا من الريب قد شمل الناس جميعًا، فليس من كلمة تقال إلا اعتقد الناس أن لها ظاهرًا وباطنًا وأن لها معنى قريبًا يتخذ وسيلة إلى معنى بعيد، وغاية يسيرة تخفي وراءها غاية عسيرة، وليس من عمل يقدم عليه مقدم إلا وله غرض يقصد إليه في العلانية وغرض آخر يقصد إليه في السر الخفي، وإذن فقد عجز الناس عن أن يصدق بعضهم بعضًا أو أن يأمن بعضهم إلى بعض فضاعت بينهم الثقة وشق عليهم التضامن واضطروا إلى حياة منكرة فيها كثير من الشك وكثير من الخوف وكثير من سوء الظن الذي أوشك أن يصبح أصلًا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس.
    وإذا بلغ الشعب هذه المنزلة من القلق كان خليقًا أن يتعرض لشر عظيم وكان حقًا على الذين يدبرون أمره ويقودون الرأي فيه أن يطبوا لهذا الداء ما وجدوا إلى الطب سبيلًا. وقد أردت حين هممت بهذا الحديث أن أقصد إلى شيء من الفكاهة والدعابة ولكن وجدت الأمر أجل خطرًا من الفكاهة والدعابة فقصدت به إلى هذا الجد المر الذي قد يضيق به الكتاب والقراء في هذه الأيام.
    لم أكد أنشر في البلاغ الحديث الأول من هذه الأحاديث حتى أحسست حولي سؤالًا يلقيه بعض الناس إلى بعض، ويجيب بعضهم بعضًا بما يخطر له ثم يتجه إلى السؤال فأعرض عنه، ثم يتجه إليّ في إلحاح فألح في الإعراض، وأقول لنفسي حديث نشر بعد أن طال الصمت وبعد أن كنت منصرفًا إلى بعض الأعمال الهامة، فصرفت عنه فليس من الغريب أن يذهب الناس فيه المذاهب، وأن يلتمسوا له ألوان التأويل، وأن يتخذوا منه ثوبًا يفصلونه على قد هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة، أو يشاركون فيها. ولكني لم أنشر الحديث الثاني حتى ازداد السؤال انتشارًا وازداد السائلون إلحاحًا، وجعل الأصدقاء وذوو المعرفة يعرضون لي حين يلقونني بما فهموا أو بما خيل إليهم أنهم فهموا.
    ثم أمضي في الكتابة ويمضي الناس في التساؤل ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح فيه وإنما يختلف الناس فيما بينهم ويغلون في الاختلاف ويريد بعضهم أن يحتكم إليّ، ويجد عندي حلًا لهذه الرموز وتوضيحًا لهذه الألغاز، ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من هذا التعب الذي اضطررته إليه. ويتجاوز بعضهم هذا كله فيكتب إليّ الرسائل ينبئني فيها بما يعلم من حياة فلان وفلان ومن خصال فلان وفلان ومما يظهر فلان للناس ويخفي عليهم، ويطلب إليّ أن أصدر هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في البلاغ.
    ثم ألاحظ أن الأمر ليس مقصورًا عليّ ولا على هذه الأحاديث التي أذيعها ولكنه يتجاوزني ويتجاوز أحاديثي إلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية، وإلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تجرى على ألسنتهم حين يلقى بعضهم بعضًا. فقد كتب فلان هذه الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها إلى أن يمس فلانًا من قريب أو بعيد، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة أو موقف فلان في الإدارة. أو موقف فلان في البيع والشراء. حتى استيقن الناس جميعًا أنهم لا يتبادلون الحديث بينهم إلا رمزًا. وأن الصراحة والوضوح والجلاء كل هذه أمور قد بعد العهد بها حتى نسيت أو كادت تنسى.
    وليس موقف الناس مما ينشر أو يقال بأقل تحفظًا واحتياطًا من موقفهم إزاء ما يأتيه الساسة من الأعمال أو ما يكون بينهم من التزاور والتواصل. أو ما يكون بينهم من التنافر والتقاطع. ومن المحقق أن الأمر ليس مقصورًا على رجال السياسة وأشباههم من الذين ينهضون بالأعمال العامة. ولكنه يتناول ما يكون بينهم من صلات في حياتهم الخاصة.
    فالزملاء في ديوان من الدواوين أو معهد من معاهد التعليم يشك بعضهم في بعض. ويسيء بعضهم الظن ببعض ويحتاط بعضهم من بعض. قد تعقدت منافعهم. وارتبكت مصالحهم وقرب الرؤساء بعضهم وأبعدوا بعضهم الآخر، فساء ظن أولئك بهؤلاء، واحتاط هؤلاء من أولئك وارتاب الرئيس بهم جميعًا وجرت أحاديثهم حين يتحدثون على الشك والخوف، وجرت صلاتهم حين يتواصلون على الحيطة والتحفظ وأصبحت حياتهم شيئًا لا يطاق.
    ولست أدري – بل لعلي أدري – ولعل كثيرًا من الناس يدرون ما مصدر هذا القلق، وما أصل هذا الريب. فقد دفعتنا هذه الأعوام المتصلة إلى ألوان من الحياة لم نكن نألفها ولا نطمئن إليها وأولها وأظهرها هذه الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب والتي استتبعت مراقبة الصحف والتي ألقت في روع الناس جميعًا أن أمورهم لا تجرى على ما تعودت أن تجرى عليه قبل أن تعلن الأحكام العرفية وقبل أن تفرض الرقابة على الألسنة والأقلام. ومما لا شك فيه أن الأحكام العرفية لم تشمل حياتنا كلها، ولعلها لم تشمل إلا أقلها ولكن الناس قد فرضوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنها قد شملت كل شيء. ومما لا شك فيه أيضًا أن مراقبة الصحف إن اشتدت على الأنباء الخارجية والداخلية فإنها لم تكف الأدباء من أمرهم شططًا حين أرادوا أن يعرضوا للأدب الخالص أو حين أرادوا أن يمسوا الأمور العامة مسًا رقيقًا، فمن حق الصحف أن تضيق بالرقابة ومن حق الناس جميعًا أن يضيقوا بها وبالأحكام العرفية ولاسيما حين يتصل الخضوع لها والاكتواء بنارها. ولكن على كل حال لا تكفي لتشيع هذا القلق بين الناس وتملأ نفوسهم شكًا وريبًا وتجعل سوء الظن أصلًا من أصول الحياة. غير أن الناس لم يخضعوا منذ أعلنت الحرب للأحكام العرفية والرقابة وحدها وإنما خضعوا لأشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرًا في إشاعة القلق والريب، خضعوا لحياة الحرب نفسها وما تفرضه من الغموض في أنباء الحرب والسياسة، وما تقتضيه من هذه الأحاديث المتناقضة التي يكذب بعضها بعضًا والتي تذاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه من هذه الإشارات الغامضة التي تنشر في الصحف والمجلات حتى تعود الناس أن يسمعوا النبأ فلا يصدقوه أو أن يسمعوا النبأ فيستنبطوا منه غير ظاهره وربما استنبطوا منه نقيضه وحتى يتعلم الناس أن يقرأوا بين السطور وأن يسمعوا بين السطور إن أمكن أن يسمع الناس بين السطور.
    فاتصال هذه الحال التي تخلط بين الصدق والكذب وتغلب الكذب على الصدق أحيانًا وتذيع المتناقضات في غير انقطاع خليق أن يدفع النفوس إلى الريب ويعدها لسوء الظن. ثم خضع الناس بعد ذلك أو مع ذلك في حياتهم العامة والخاصة لخطوب ثقال. فأهوال الحرب من جهة ومصاعب الحياة الاقتصادية من جهة أخرى والتغييرات السياسية من جهة ثالثة والبؤس والحرمان اللذان ينتهيان إلى الجوع والشقاء في بعض الطبقات من كل جهة رابعة. كل ذلك خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد والجماعات وأن يضطر كل واحد من أفرادهم وكل جماعة من جماعاتهم إلى الاحتياط للنفس والاستكثار من الخير والاستعداد للمستقبل والتحفظ من الطوارئ والتخلص من المشكلات والنفوذ من الخطوب. فليس غريبًا أن يدفع هذا كله الناس إلى حياة لا تقوم على أمن الضمائر واطمئنان القلوب ولا تقوم على الثقة والصراحة وإنما تقوم على القلق والخوف وتقوم على الشك والحذر ولعلها أن تقوم على الكذب وعلى أخلاق أخرى تتصل بالكذب من قريب أو بعيد.
    فإذا أضفت إلى هذا كله حياتنا السياسية الخاصة وما يشوبها من هذا العنف الذي يدفع إلى التكلف ويسوق إلى سوء الظن ويحمل على المبالغة والتكثر ويغري بخلق الإشاعات وإذاعة المنكر من القول ويحرص على تشويه الحسن وتحسين القبيح. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن المثقف المصري محدود الثقافة متوسط العلم في أكثر الأحيان وأنه من أجل ذلك مستعد للتصديق والتكذيب في غير مقاومة أو في مقاومة ضئيلة. أقول إذا أضفت بعض هذا كله إلى بعض استطعت أن تحقق أسباب هذا القلق الذي يشمل الضمير المصري في هذه الأيام ويوشك أن يدفعه إلى خطر عظيم.
    والشيء المحقق هو أن هذا التساؤل الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث إن دل على شيء، فإنما يدل على ظاهرة مؤلمة حقًا وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس. فلا تكاد تذكر رجلًا حائر الضمير حتى يحس كثير من الناس أنه المعنى بهذا الضمير الحائر ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن ضميره مضطرب في شيء من الحيرة. وحتى يسأل الناس بعضهم بعضًا ألا يمكن أن يكون صاحب الضمير الحائر فلانًا أو فلانًا لأنهم يعتقدون أن فلانًا أو فلانًا يمكن أن يكونا من أصحاب الضمائر الحائرة. ولا تكاد تعرض صورة الرجل الذي يشبه الثعبان أو يشبه الثعلب أو يشبه ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة الحيوان حتى يحس كثير من الناس أنه هو المعنى بهذه الصورة، المراد بهذا الاسم، ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن في أخلاقه وخصاله شيئًا من أخلاق الثعبان أو من أخلاق الثعلب أو من أخلاق ما شاء الله من الحيوان، وحتى يخلع القراء من عند أنفسهم هذه الصورة أو تلك على هذا الرجل أو ذاك لأنهم يرون في أخلاقه شيئًا من أخلاق الثعلب أو الثعبان.
    ومن العسير أن نقنع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها فهو لم يرد شخصًا بعينه ولعله يكون قد كون صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كل واحد منهم طرفًا ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشئ منها صورة قد تعجب أو لا تعجب. ولكنها لا تخلو من عبرة وموعظة ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورهم ويخفوا من شرورهم فمن وجد في نفسه شيئًا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه فكف شره عن الناس قليلًا أو كثيرًا وكف شر الناس عنه قليلًا أو كثيرًا. وقل مثل ذلك فيمن يجد في نفسه شيئًا من خصال الثعلب أو من خصال العقرب. أو من خصال الذباب.
    والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعًا للعظة ومصدرًا للعبرة ووسيلة إلى استكشاف الحق والخير والجمال. والله عز وجل قد خلق الإنسان وعلمه البيان ليكشف الحق والخير والجمال ويدل عليها وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنها. فليكتب الكتاب وليقرأ القراء وليسأل السائلون وليجب المجيبون فليس بشيء من هذا كله بأس وإنما البأس الذي يجب أن نعاون جميعًا على علاجه واستئصاله هو هذا القلق الذي شمل الضمير المصري والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب.
    طه حسين
    البلاغ، ٤ فبراير ١٩٤٥.

  • مظلمة الصحافة

    حديث الوادي
    مظلمة الصحافة . . .
    لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
    وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
    وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
    ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
    وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
    وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
    فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
    فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
    وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
    على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
    ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
    ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
    فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
    وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
    والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
    أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
    طه حسين
    الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .

  • بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    حديث الوادي: بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    طه حسين

    جريدة الوادي

    ٢٤ أكتوبر ١٩٣٤

    لا ينشر في الصحف ولا في المجلات، ولا تنطلق به ألسنة الخطباء في مجالس النواب والشيوخ أو في المجامع العامة، ولا تجري به الأحاديث في الأندية الخاصَّة وغُرفات الاستقبال، وإنَّما يكونُ حوارًا بين اثنين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، في مَلَاعِب التَّمثيل.

    وقد فهمتَ عني من غير شك أني أريد أن أتحدث عن التمثيل الذي يعرض للشئون السياسية فينالها بالنقد الثقيل العنيف أو بالنقد الرشيق الخفيف، ولكني مع ذلك لا أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن التمثيل السياسي من حيث هو؛ فالتَّمْثِيلُ السياسي كثيرٌ مُختلف شديدُ التنوع، وعهد الناس به قديم، ولعله كان أسبق جدًّا إلى التأثير في الحياة السياسية العامة من صاحبة الجلالة الصحافة، ولعله كان أسبق إلى التأثير في السياسة من الخطب البرلمانية، كما نعرفها في العصر الحديث.

    والذين يعرفون الشاعر الممثل اليوناني أرسطوفان ويذوقون قصصه السياسية، ويعرفون من أسرار هذه القصص ومن أخبارها ما نقله إلينا التاريخ، يعلمون حق العِلم أنَّ المَلْعَب سبق إلى التأثير في الحياة السياسية منذ خمسة وعشرين قرنًا، قبلَ أنْ يخطر للناس المُتحضرين أن صاحبة الجلالة الصحافة تستطيع أنْ توجِد أو أن تُحدِث في الحياة العامة أثرًا قويًّا أو ضعيفًا.

    وكثير جدًّا من الذين سيقرءون هذا الفصل يعلمون من غير شك أنَّ أرسطوفان كان أرستقراطي الهوى، وكان شديد الضيق بالديمقراطية في أثينا، وبالديمقراطية المُتطرفة بنوع خاص، وكان مُسرفًا في مُهَاجَمَة الزُّعماء الديمقراطيين في كثير من قصصه التي الآن يشهدها الأثينيون جميعًا، فكانَ يُضحِك الجمهور الأثيني من نفسه، ويَعْبَثُ بالنظام الديمقراطي ما وَسِعَه العَبَثُ، وكثيرًا ما كان ينتهي إلى إحفاظ الزُّعماء الدِّيمقراطيين، وخُطباء الشعب منهم بنوع خاصٍّ.

    ولعله قد أدى ثمن ذلك غاليًا، ولم يستمتع بحريته الفنية، ولم يضحك الجمهور اللاتيني من ديمقراطيته التي كان يُحِبُّها أشد الحب دون أن يحتمل في ذلك شيئًا من الأذى، ودون أن يرصد له خصومه من زعماء الديمقراطية من كان ينتظره في بعض الطريق ليشبعه ضربًا ولكمًا، ويُسمعه ما يكره، ويُعرِّضه من الأذى لما كان يخاف إذا خلا إلى نفسه، ولمن كان ينسى إذا تلقى الوحي عن شيطانه، أو إذا أراد أن يلهي الجمهور.

    وهم يعلمون من غير شك أنَّ هؤلاء اللاتينيين كانوا يَخْتَلِفُون إلى الملعب، ويضحكون منْ أنْفُسِهم مع الضَّاحكين، ويعجبون مع المُعجبين، ويعفون في أكثر الأحيان، ولكنهم كانوا يَضيقون من حين إلى حين؛ فيعبثون بجسم الشاعر العظيم كما كان يعبث بمكانتهم وزعامتهم وبيانهم، وحسن أثرهم في الجماعات.

    وليسَ من الإسراف أنْ تزعم، أو أنْ تُؤَكِّد أنَّ التَّمثيل لم يسبق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد السياسي وحده، بل سبقها إلى النقد الأدبي أيضًا، وكان أرسطوفان هو بطل هذا السبق؛ فكما أنَّ الذين يقرءون قصة الشعب يرون فيها النقد السياسي اللاذع، فالذين يقرءون قصة الضفادع يرون فيها النقد الأدبي البديع الذي قد نَعْرِضُ له في يوم من الأيام.

    بل لسنا نُسْرِفُ أيضًا حين نُؤكد أنَّ التَّمْثِيل قد سَبَق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد الفلسفي، سواء في ذلك النقد الفلسفي الذي يعتمد على الجد، والنقد الفلسفي الذي يعتمد على الهزل والمزاح، فأمَّا أوربيد، صاحب التراجيديا والمُنتهي بها إلى طور الكمال عند اليونان، فكان ناقدًا فلسفيًّا جادًّا، أو قُل: كان فيلسوف الملعب.

    وأما أرسطوفان فيكفي أنْ تقرأ له قصة السحاب لترى كيف عبث بالفلسفة والفلاسفة، وكيف أضحك الناس من زعيم الفلسفة سقراط. فالتمثيل إذن صديق النقد من زمن بعيد، والتمثيل المضحك خاصة هو الذي أسس النقد العام الذي يَشترِك فيه الجمهور، أو الذي يُوجَّه إلى الجمهور لا إلى الأخصائيين. وقد مَضَى التمثيل المُضحك في سنته هذه على اختلاف العصور لم يتحول عنها، ولم يغير مذهبه فيها، وإنما تأثر بما كان يحيط به من الظروف، فأنتَ واجدٌ عند موليير من النَّقد السِّياسي والفَلْسَفي والأدَبي مثل ما تجده عند أرسطوفان، مع مُلاحظة الفرق بين هذين الرجلين العظيمين اللذين كان يعيش أحدهما في ظل الديمقراطية اليونانية الحرة، وكان يعيش ثانيهما في ظل لويس الرابع عشر.

    لستُ إذن أريدُ أنْ أَتَحَدَّث عن هذا النَّحو من النَّقد التمثيلي العام الذي يعرفه الناس جميعًا، ويرون آثاره في كل تمثيل خليق بهذا الاسم، إنَّما أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن فنٍّ خاصٍّ من فنون النَّقد التمثيلي يمس نواحي ضيقة أشدَّ الضيق من الحياة السياسية العَامَّة، هو هذا الذي تراه فيما ترك الكاتب الفرنسي العظيم كورتلين من هذه الآيات التمثيلية البديعة القصيرة، التي لا تكاد الواحدة منها تجاوز فصلًا واحدًا في أكثر الأحيان.

    فكورتلين كما يعرفه الناس صاحب فكاهة وهزل، أو هو الكاتب الفرنسي الحديث الذي تفوق في الفكاهة والهزل، وترك فيهما الآيات الخالدة، بعضها في صورة القصص، وبعضها في صورة التمثيل، ولكنه عُني في تمثيله بنقد النَّاحية القانونية والقضائية عناية خاصة، فلا نكادُ نقرأ له قصة من هذه القصص القصار إلا رأيتها قد اتخذت لنفسها مَوضُوعًا يمس القضاء، أو يمس الشرطة، ويمس القانون، وقد يمس الجيش أحيانًا، وقد يمس بعض النواحي التي تتصل بالحياة الاجتماعية والخلقية أحيانًا أخرى.

    ولكن عنايته بالشرطة والقضاء والقانون مُمتازة حقًّا، وهو قد أتى فيها بالآيات البينات، ولستُ أتَحَدَّثُ عن هذا النحو من التمثيل لأُبَيِّن عمَّا فيه من الجَمَال الفني، فذلك شَيءٌ قد أعرض له في غير هذا المكان، إنما أريد أن أبين ما فيه من هذه الحرية السياسية الممتازة التي يستمتع بها الأدب في البلاد التي تعرف للحرية حقها، والتي تراها ضرورة من ضرورات الحياة العامة، كما أنَّ الهواء ضرورة من ضرورات الحياة الطبيعية.

    ولقد أحبُّ أن يقرأ قضاتنا ورجالُ النيابة عندنا ورؤساء الشرطة بعض هذه القصص، وأن يقدروا أنها تُمثَّل في الملاعب، وفي أكبر الملاعب الفرنسية، في بيت موليير خاصة، ويشهدها الشعب الفرنسي مُتهالكًا عليها، مفتونًا بها، ويسبق رجال القضاء والنيابة والشرطة إلى شهودها والاستمتاع بما فيها من الفكاهة والهزل، دون أن يتعرض الكاتِبُ لشيء مما يتعرض له أشد كُتَّابنا احترامًا للقضاء والنيابة والشرطة، وأعظمهم حِرْصًا على أنْ لا ينال رجال هذه النظم المُقدسة بما يؤذيهم.

    إنهم إن فعلوا هونوا على أنفسهم، وعلى النَّاس، وابتسموا للحياة، وأبَاحُوا للنَّاس أنْ يَبْتَسِموا لها، وعرفوا أنَّ جلال النُّظم العُليا لا يأتيها من التشدد ودقة الحس والضيق بكل شيء، والغضب من كل شيء، والتحرج من أيسر الأشياء، وإنَّما يأتيها من السَّماحة والسهولة واللين، واستقبال الحياة كما هي، واستقبال الناس كما هي، والإيمان بأنَّ الحياةَ تفسد أشد الفَساد إنْ أصْبَحَت كلها جدًّا، وتقبح أشنع القبح إنْ حرصت أشد الحرص على مرارة الجد، والتزيد منه.

    والغريب أنَّ كورتلين لم يعبث برجال القضاء والنيابة والشرطة إلا من النواحي التي يتشدد رجال القضاء والنيابة والشرطة فيها، ويحرصون على أنْ تَكُون فوق النقد، فضلًا عن أن تكون فوق العبث والمزاح.

    ما نظنُّ أن شيئًا يؤذي صاحب الشرطة ويغيظه ويُحرجه، ويدفعه إلى استثارة القضاء والاستغاثة بحماية القانون من أنْ يعرض له الناقد المَازح فيما يمس مَنْصِبه، وفيما يمس واجبه الخَاص، ومذهبه في تأدية هذا الواجب، ومع ذلك فلم يعرض كورتلين للشرطة الفرنسية إلا من هذه الناحية.

    تستطيع أن تقرأ قصته التي سماها «المأمور رجل طيب»، فسترى أنه قد عبث بمأمور القسم عبثًا لو أنَّ شيئًا منه أقدم عليه كاتب مِصْري لما أمنت عليه أن تغتاله العوائل، وتجتاحه الجوائح، ولما ضمنت له أنْ تَطْمَئنَّ به الدارُ بين الأهل والأصدقاء، فمَأمُور القسم في قصة كورتلين رجلٌ قد تعوَّد الدقة في أداء واجبه، وحرص أشد الحرص على أنْ يُطبق القوانين تطبيقًا حَرْفيًّا، ومضى في ذلك حتى اكتسب منه عيوبًا هي التي سجلها كورتلين. يدخل عليه الشاكي فلا يكاد يتحدث إليه بشكاته حتى يسبقه المأمور إلى إتمامها كأنه كان معه، وكأنَّه شهد ما يشكو منه، ولكنه مع ذلك لا يحفل به ولا يغيثه؛ لأنه لا يُرِيدُ أنْ يشق على نفسه، ولا يريد أن يتكلف كتابة المذكرات، وإنشاء المحاضر، واتخاذ الإجراءات، فهو يلتمس الحيلة لصرف هذا الشاكي عن نفسه، يحوله إلى النيابة حينًا، ويُغريه بالدعوى المُباشرة حينًا آخر، ويرُدُّه ردًّا عنيفًا دون أن يحوله على شيء مرة أخرى؛ فإذا ألح الشاكي فويل له؛ لأنَّ المأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بإخراجه، فإذا أغلى في الإلحاح فالمأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بحبسه؛ لأنَّه أهان صاحب السلطان أثناء قيامه بالواجب.

    وانظر إلى هذا الرجل قد التقط ساعة في بعض الطريق، وكان أمينًا، فأقبل بالساعة يحملها إلى المأمور، فيسأله المأمور: أين وجدتها؟ فإذا قال: وجدتها في مكان كذا، فيسأله: في أي وقت وجدتها؟ فإذا أجابه: في وقت كذا من الليل، سأله: وماذا كنت تصنع في هذا المكان أثناء الليل؟ فإذا أجابه: كنت في الطريق إلى بيتي، سأله: مَنْ تكون؟ وأين يكون بيتك؟ فإذا أنبأه باسمه، سأله: ومن يثبت لي أنك صادقٌ؟ ومن يضمن لي أنك لم تَسرق هذه الساعة؟ وما يزال الحوار بين هذا الرَّجل الأمين يُحرجه تحكُّم المأمور، وبين المأمور يغيظه دفاع هذا الرجل عن أمانته؛ حتى ينتهي الأمر إلى إقصاء، وإذا المأمور يدعو الشرطة ويكلفها أن تقود هذا الرجل الأمين إلى السجن؛ لأن الشبهات تأخذه من كل مكان.

    ثم انظر إلى هذه المرأة قد أقبلت تُريد أن تتحدث إلى المأمور، فيسألها: لعلك إنما تريدين أن تشكي زوجك؟ فإذا أجابت: نعم، قال: فلا ينبغي أن تشكي إليَّ؛ لأني لستُ مُكلفًا أنْ أَسْمَع شكاة الزَّوجات إلا في أمور خاصة؛ هي إثبات الزِّنا، فإذا زعمتْ له أنَّ زوجها مجنون أبى عليها ذلك أشد الإباء، وزعم لها أنَّها تُسيء الظن به، وتتهم سيرته، وأنها قد تكون هي المجنونة، وأنَّ زوجها قد يكون رجلًا بريئًا كامل العقل، ولكنها تنغص عليه الحياة لتضطره إلى ما تكره، وما يزال بها حتى يردها عنه.

    ولكن انظر إلى الانتقام الذي يتم في أقرب وقت وأقصره: فهذان الشرطيان قد أقبلا يسوقان إليه رجلًا يزعمان أنَّه كان يصيح في الشارع بما يُخالف القانون ويغري بالثورة، فلا يكاد المأمور يتحدث إليه ويسمع منه حتى يأخذ هذا الرجل في أن يعرض عليه نظريات فلسفية في السياسة، وقد خلا بالمأمور، وانصرف عنه الشُّرطيان، وأخذ المأمور يسمع له ويحاوره، ولكن الرجل يَنسَلُّ شيئًا فشيئًا إلى الباب فيغلقه، ويخفي المُفتاح في جيبه، ويمضي في الحوار حتى يستيقن المأمور بأنَّ صاحبه مجنون، ولكنه يهم أن يدعو الشرطة فلا يستطيع؛ لأنَّ صاحبه قد صوَّب المسدس إليه.

    وما يزال المجنون بالمأمور يصدر إليه الأمر إثر الأمر: يكلفه أن يطفئ النار والبرد شديد؛ لأنَّ الله لم يخلق البرد عبثًا، وإنما خلقه ليجده الناس، فيجبُ أن يجد الناس البرد في الشتاء، والحرَّ في الصيف، وإلا فهم خارجون على الطبيعة، والمأمور مُضطر إلى الإذعان؛ لأنَّ المُسدس مصوبٌ إليه إنْ لم يفعل، ثم يأمره أن يخرج من أكثر ثيابه، وأن يخلع نعليه، ثم يأمره أن يفتح النافذة، ثم يرى بابًا صغيرًا؛ فإذا سأل عما وراءه وقال المأمور: إنه مُستودع الفحم، فتح المجنون هذا الباب وكلَّف المأمور أن يدخل المستودع، فإذا أبى صوَّب المسدس إليه، والمأمور مُضطر إلى أن يُذعن، وإذا هو يدخل وإذا الباب يُغلق من دونه، ثم يُحْكِم إغلاقه، وإذا المجنون يأخذ قلنسوته ويفتح الباب ويخرج كأحسن ما يخرج العقلاء، ثم يدخل الشرطيان فلا يجدان المأمور، وهما يبحثان عنه فلا يجدانه، وإنما يجدان آثاره، وهما في ذلك فإذا صوت المأمور يبلغهما من وراء الباب، فإذا فُتح له الباب خرج عليهما وقد جلله الفحم بالسواد.

    ما رأيك في قصة كهذه تراعى فيها صنوف الحياة المصرية، ثم تقدم إلى ملعب من الملاعب، ثم يمثلها الممثلون؟ فنلاحظ أولًا أنها لن تبلغ الملعب؛ لأنَّ الرِّقابة في وزارة الداخلية ستحول بينها وبين بلوغه، وهب الرقيب لم يقرأ القصة، أو قرأها ولم ير بها بأسًا فأذن بتمثيلها، فما رأيك إذا مُثلتْ وشهدها الناسُ، وشهدها رجل من رجال الشُّرطة المُثقفين: أيضحكُ كما يضحك رجال الشرطة في فرنسا، ثم ينصرف وكأنَّه لم ير شيئًا، أم يُسرع إلى الإنكار والاحتجاج والاستغاثة بالقضاء؟

    فإذا قرأت قصة أخرى لكورتلين سماها «هذا الشرطي لا شفقة له»، رأيت العبث بالشرطي قد انتهى إلى أقصاه، فبطل القصة شرطي حساس جدًّا، كل شيء يؤذيه، وكل شيء يغيظه، وهو يرى في كل شيء إهانة له أثناء القيام بواجبه، وهو يقدم إلى النيابة في كل يوم مُذكرات لا تُحصى؛ لأنَّ فلانًا أهانه بهذا اللفظ، أو لأنَّ فلانًا أهانه بهذه النَّظرة، أو لأنَّ فُلانًا لم يستجبْ له حين دعاه، ووكيل النيابة ضَيِّقٌ به وبمُذكراته، يُؤنبه حينًا، وينصح له حينًا آخر، حتى يقرأ مُذكرة من هذه المذكرات؛ فإذا هو يتهم رجلًا من خير أهل المدينة، وأعظمهم ثراء، وأكثرهم إحسانًا إلى الناس، بأنَّه أهانه أثناء تأدية الواجب، والإهانة صارخة لا يستطيع وكيل النيابة أن يغضي عنها، والرجل عظيم لا ينبغي أن يُؤخذ في شيء كهذا.

    فإذا دعاه وكيل النيابة وسأله واعترف بالذنب، ولكنه قص قصته، فأنبأ وكيل النيابة بأنه خرج ذات يوم يتنزه ومعه كلب يسعى وراءه، وإنه لفي بعض الطريق إذ لقي هذا الشرطي فتهيأ لتحيته، ولكن الشرطي استوقفه وعنَّفه؛ لأنَّه يترك الكلب يسعى وراءه مُطلقًا، وإذ هو يكتب له مُذكرة، ويذهب الرجل إلى العُمدة فيعتذر ويستغفر، ويقبل العمدة منه ذلك، ويعده أن يشفع له عند الشرطي ليلغي مُذكرته، وينصح له بأنْ لا يُرسل كلبه بغير حبل حتى يعفو عنه الشرطي. وقد أذعن للرجل، فجعل لا يخرج إلا وهو يجر كلبه وراءه بحبل، حتى إذا كان يوم أو يومان لقي الشرطي في بعض الطريق، فأقبل عليه الشرطي يُنبِئه بأنَّ العُمدة قد شفع له، وبأنَّه قبل شفاعته، والرجل يتهيأ ليشكر الشرطي، ولكنَّ الشرطي ينظر فإذا الرجل قد ربط كلبه إنفاذًا لأمره الأول؛ فيَغْتاظ الشرطي فيقول: ما بالك تربط هذا الكلب وأنت تعلم أني أذنت لك في إرساله؟ لأكتبن لك مُذكرة، فيخرج الرجل عن طوره ويشتمه.

    وإذا سمع وكيل النيابة هذه القصة دعا الشرطي وأخذ يترضاه ويستعطفه، والشرطي لا يزداد إلا شدة وإلحاحًا، والرجل نفسه يترضى ويستعطف ويغلو في ذلك حتى يعرض مُكافأة، وإذا الشرطي ينتهز الفرصة ويقدم إلى وكيل النيابة شكوى جديدة بأنَّ هذا الرجل حاول أن يشتري ذمته بالرشوة، ويغتاظ الرجل فيُنذر ببعض اللفظ، وإذا الشرطي يقدم شكوى أخرى بأنَّ هذا الرجل يعتدي عليه أثناء قيامه بالواجب في مكان لا ينبغي الاعتداء فيه.

    وقد غضب وكيل النيابة من تشدد الشرطي غُلوِّه، ولكنه مضطر إلى أن يقبل الشكوى، وإلى أنْ يُقدم صاحبه إلى القضاء، ثم يبدو له فيسأل الشرطي عن السَّاعة، فإذا أنبأه بأنها الساعة الثانية عشرة والرُّبع قال له: «وإذن، فما وقوفك هنا في هذا الزَّمن الذي يُخالف القانون؟» ثم يكتب كلمات يدفعها إليه ويأمره أن يرفعها إلى رئيس الشرطة. وينظر الشرطي في هذه الكلمات فلا يشك في أنها العقوبة إنْ وصل هذا الكتاب إلى رئيسه، فيستعطف ويتضرع ويذكر ماضيه الذي لم يُعاقب فيه، ولكنَّ وكيل النيابة لا يسمع له ولا يَحفَل به، والشرطي مُضطرب يُعاني صدامًا هائلًا بين حقه وبين خوفه، ثم ينتهي إلى تمزيق المُذكرات التي كتبها لهذا الرَّجل مُعلنًا أنَّ الشرطي قد يكون لا قلب له، ولكنه قد يكون كبير النَّفس يتَجَاوزُ أحْيانًا عن السيئات. هنا يعفو عنه وكيل النيابة، ويأمُرُ صاحبه أن ينصرف، ولكنَّ الرجل سعيد مسرور قد أفلت من المُحاكمة، وهو يريد أن يشكر للشرطي عفوه، وأن يُثني عليه؛ فإذا هَمَّ بذلك سبقه لسانه إلى شتم الشرطي.

    أرأيت إلى هذه الحرية التي يصطنعها كورتلين مع الذين جعلت إليهم الدولة حماية النظام؟ أرأيت كيف يمضي بها هذا الكاتب إلى أقصاها، وكيف لا يجدُ رجال الشرطة ولا رجال القضاء بأسًا لا نقُول بقراءتها ولا بشهودها، بل بالاستمتاع بها والرضا عنها، ومع ذلك فليس هذا كله شيئًا بالقياس إلى قصص أخرى يمزح فيها الكاتب مع رجال النيابة والقضاء، ولعلي أُحدثك عن بعض هذه القصص في الأسبوع المُقبل بعد أن أستشير رجال القانون، وأتثبت منهم أنَّ الحديث عن هذه القصص لا يدفعني إلى التحقيق، ولا إلى المحاكم، فإلى اللقاء.

  • الأدب العربي والتمثيل

    الأدب العربي والتمثيل
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١ يونيو ١٩٣٤

    وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

    فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

    وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

    وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

    وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

    ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

    نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

    ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

    والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.

  • أحاديث الأسبوع

    أحاديث الأسبوع
    كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
    وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
    لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
    وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
    على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
    فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
    وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
    والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
    أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
    لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
    فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
    ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
    طه حسين
    الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤

  • إسراف

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

  • استعداء

    استعداء
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.
    كوكب الشرق ١٠\٨\١٩٣٣

  • تجن

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.