Tag: Rights

  • الفئة الضائعة

    الفئة الضائعة
    بقلم الدكتور طه حسين
    هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
    هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
    هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
    وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
    هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
    ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
    لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
    وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
    شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
    وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
    ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
    أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
    فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
    هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
    وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
    والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
    وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
    ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
    كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
    والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
    فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
    صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
    طه حسين
    الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤

  • حرية

    حرية…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
    فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
    وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
    والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
    كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
    ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
    أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
    إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
    طه حسين
    صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.

  • صحة

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

  • ضرورة

    ضرورة
    يجب أن تكون قاسية ملحة. هذه الضرورة التي ألجأت الوزارة أمس إلى أن ترد مجلس النواب إلى أجمل عهود الاضطراب بعد أن كان قد ألف الهدوء والاستقرار منذ أيام. فقد يبحث الإنسان ويمعن في البحث، وقد يفكر الإنسان ويطيل التفكير ليلتمس تفسيرًا لموقف الوزراء أمس من رئيس مجلس النواب فلا يجد إلا شيئًا واحدًا، وهو أن ضرورة قاسية ملحة كانت تلزم الوزراء أن يخلصوا من هذا المشروع الذي طال الكلام فيه، وكان يريد فيما يظهر أن يستمر في الطول، وقد أمضى مجلس النواب للوزارة مشروعات إن لم تكن أعظم خطرًا وأبعد في حياته المالية أثرًا من مشروع بحيرة تانا، فليست أقل منه ولا أيسر شأنًا. أمضى لها مشروع جبل الأولياء، وهو يكلفنا الملايين وأعرض لها عن رأي وكيل المالية، وكان قاطعًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع الآن وأعرض لها عن رأي المستشار المالي، ولم يكن أقل من رأي الوكيل إلحاحًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع، وأجاز لها تصرفات مالية مختلفة كان من الخير ألا يجيزها أو أن يخذلها إلا بعد درس وتمحيص. فتعودت الوزارة إذن من البرلمان عامة ولمجلس النواب خاصة ضروبًا من المجاملة وألوانًا من التسامح لم يكن من اليسير عليها أن تحرمها أمس، أو أن يخيل إليها أن المجلس سيضن بها عليها. والظاهر أن مشروع « تانا » هذا يعني الوزارة عناية خاصة، وأنها تحرص عليه حرصًا أقل ما يوصف به أنه شديد، وأنه غير مفهوم. فلم يكد يظهر هذا المشروع في الأفق حتى ضاق به الناس، ولجوا في إنكاره، وألحوا على الحكومة أن تصطنع فيه الآناة، وانتظروا من البرلمان أن يرفضه. وجاء رئيس الوزراء فاصطنع اللباقة والمهارة، وقال كلامًا طويلًا واضحًا خيل إلى الناس أن الحكومة لن تمضي في المشروع ولن تذهب فيه أبعد من أن تعرف رأي الحبشة، ثم كانت مفاوضات يظهر أنها لم تخلُ من الحدة، وتحدث الناس أن رئيس الوزراء ضاق بها في بعض
    الأيام، وتحدث الناس أيضًا أنه اصطحب وزير الأشغال إلى دار المندوب السامي ليتحدث فيه أو ليسمع ما تقول الدار فيه. ثم تكشفت الأيام عن اتفاق بين مصر وبين الشركة الأمريكية يلزمنا بأن ننفق منذ الآن خمسين ألفًا من الجنيهات. ثم مضى هذا الاتفاق في طريقه بسرعة غريبة مدهشة، وتحدث الناس أن وكيل المالية الذي أنكر خزان جبل الأولياء لم يوافق على هذا المشروع الأخير، وأن مجلس الوزراء أمضاه على كل حال. فلما انتهى إلى اللجنة المالية في مجلس النواب صرح وزير الأشغال لهذه اللجنة تصريحًا سجل في محضرها بأن تأجيل هذا المشروع لا يضر، ومع ذلك أمضى المشروع في هذه اللجنة وجاء إلى مجلس النواب فألح قوم في تأجيله وأبى عليهم المجلس هذا التأجيل.
    ولم يكد ينظر المشروع أمس حتى ظهر أن قومًا من الذين يضمرون المودة للحكومة ويظهرونها، يكرهون إقراره ويلحون في رفضه الآن، وطال الحوار وكثر الجدال وأظهر بعض النواب ما تعودوا إظهاره في مثل هذه المواقف من براعة خطابية ومهارة بيانية تجعلان لنا زعامة الكلام في هذه الأيام.
    ولأمر ما أراد الرئيس رفع الجلسة وأكبر الظن أنه تعب وأنه أشفق على نفسه وعلى زملائه، وكان الخطباء الذين يريدون أن يصولوا ويجولوا، وأن يظهروا حظوظهم المختلفة من البراعة البيانية كثيرين. فلم يرَ الرئيس بأسًا بأن يؤجلهم إلى غد، وأكبر الظن أن رئيس النواب قد استعذب هذا البيان فأراد أن يطول، وأي بأس على رجل أديب يستعذب لذة فنية فيضن بها أن تقصر أو تنقضي، ويريد لها أن تمتد وتطول. ولم يكن رئيس النواب وحده يستعذب هذا البيان ويحرص على أن يطول، بل كان زملاؤه يشاركونه في هذه اللذة العليا ويطلبون منها المزيد! ولم يكن رئيس النواب وحده يشفق على نفسه من التخمة البيانية إن اتصلت خطابة الخطباء، بل كان زملاؤه أيضًا يحسون امتلاء أجوافهم بهذا الحوار الدسم، ويخشون الكظة على أنفسهم، لذلك لم يعرض الرئيس رفع الجلسة حتى رضي النواب، وهموا أن يتفرقوا ولكن الوزراء قوم شرهون، لا يشبعون ولا تخشى عليهم كظة ولا تخمة في البيان فهم كانوا كإخوانهم يستعذبون الحديث ولكنهم لم يكونوا قد شبعوا منه بعد، فلما أحسوا رفع المائدة وتنظيف الخوان، ساءوا بذلك وضاقوا به ذرعًا وقالوا هذا يوم عصيب وأي يوم أعصب من هذا اليوم الذي تنزع فيه اللقمة من فم الجائع، ويرد فيه الماء العذب عن شفتي الظمآن!!
    هنالك اشتد النزاع بين الشباع والجياع، وطال العناء بالرواء والظمأ، وصدرت عن الوزارة شرارة من كهرباء، لم تكد تتجاوزهم حتى اتصلت بالصفوف القريبة منهم فشبت فيها نارًا وأذكت أوارًا، وإذا المجلس لم يكن كله قد شبع ولم يكن كله قد جاع. وإنما خيل إلى قوم أنهم شباع وخيل إلى قوم أنهم جياع. أو قل إن جوع الوزراء أزال شبع النواب فشاركوهم في الجوع. وهنا ظهر الخلاف بين رئيس المجلس وكثرته. يريد الرئيس أن ينصرف، ويريد النواب أن يبقوا مجاملة للوزراء. فلما طال الأمر بالرئيس انصرف ومضت كثرة الحاضرين من النواب فيما كانت فيه من عمل. والظريف الطريف أن الرئيس لم ينصرف وحده وإنما انصرف معه بعض أعوانه من النواب. فلم تضق الكثرة بذلك، بل أقامت الوكيل مقام الرئيس وانتخبت سكرتيرًا مؤقتًا بدلًا من سكرتير دائم، وخطب بعض الخطباء وتكلم رئيس الوزارة بالنيابة ثم أجل المجلس ليقضي في الأمر مساء اليوم.
    هذا تأويل، وهناك تأويل آخر لموقف الوزراء، ذهب إليه الناس في موقف الوزراء هذا. وقد كان غريبًا عسير الفهم.
    زعم فريق من الناس أن الوزراء لم يكونوا جياعًا إلى خطابة الخطباء وإنما كانوا مكتظين بفضل من قوة يريدون بذله وبقية من نشاط يريدون إنفاقها، ووابل من كلام يريدون إرساله. قال هؤلاء الناس، وكان رئيس الوزراء بالنيابة قد أعد بيانًا طويلًا عريضًا عميقًا صبر عليه أول أمس، وعجز عن حمله أمس، فلم يكن له بد أن يلقيه ليهدأ ويقضي ليلًا مريحًا. وكان تأجيل الرئيس للمجلس مؤذيًا له، لأنه كان يريد أن يضطره إلى أن يحتفظ بهذا البيان الطويل العريض العميق يومًا آخر، وأنت تعلم أن ليس أشق ولا أمضى من كلام يريد أن يقال فيضطر إلى أن يظل محتجزًا مكتومًا.
    ومهما يكن من شيء فقد حدثت في مجلس النواب أمس ظاهرة جديدة، ثار فيها الوزراء وفريق من النواب برئيس المجلس ومكتبه وخرج فيها الوزراء وكثرة النواب على التقاليد التي تقضي برفع الجلسة إذا رفعها الرئيس إلا أن ينصرف معتذرًا ويقيم الوكيل مقامه. ولهذه الثورة خطرها ففيها استهانة ما برئاسة المجلس وفيها تحكم من الوزارة، لا في أمر الرئيس وحده، بل في أمره وأمر جماعة من النواب كانوا يريدون أن يتكلموا فلما انصرف الرئيس انصرفوا معه وأبوا أن يعودوا وأن يأخذوا بحظهم من الاعتداء على مقام الرئيس ونشأ عن هذا كله أن أصبح موقف الرئيس حرجًا حقًا. فهو إن أذعن أدخل في الحياة النيابية تقليدًا خطرًا، وهو إن أبى أن يذعن أحدث خلافًا عنيفًا بينه وبين الوزراء، وكل شيء يدل على أن الكثرة ستؤيد الوزارة اليوم كما أيدتها أمس. وإذن فسيضطر الرئيس إما إلى الإذعان فيسيء إلى الحياة النيابية. وإما إلى الاستقالة من الرئاسة. وأكبر الظن أن قد كانت أحاديث ومقابلات وأن الجو البرلماني سيصفو مساء اليوم كل الصفاء، ولكن هذا كله لن يمنع من أن حقيقة واقعة قد كانت أمس، وهي أن مجلس النواب قد اجتمع بإرادة الوزراء رغم إرادة الرئيس وأن فريقًا من النواب قد أرادوا أن يؤيدوا الرئيس ويدافعوا عن آرائهم في مشروع من المشروعات ذوات الخطر.
    وقد يكون هذا غريبًا وقد يكون هذا شاذًا، ولكن مصر قد ألفت كل شيء حتى لم يبقَ فيها غرابة ولا شذوذ.
    على أن هناك أمرًا أجلّ من هذا كله خطرًا وأبعد من هذا كله أثرًا، وهو أن الإنجليز كانوا يزعمون أن الوزارة القائمة لا رأسَ لها بعد مرض صدقي باشا وانتقاله إلى باريس أو إلى فرساي فقد ظهر الآن أن هذه الوزارة الحاضرة ليس لها رأسٌ واحدةٌ بل لها رؤوس. وأي دليل على ذلك أقوى مما كان أمس فقد جمعت مجلس النواب رغم رئيس المجلس وعدد غير قليل من أعضائه، أفهذه الوزارة التي تبلي هذا البلاء وتفني هذا الفناء لا رأسَ لها؟؟
    قال صاحبي: إنك لساذجٍ طيب القلب ومتى احتاج الوزراء إلى جهد أو عناء ليبلغوا من كثرة النواب ما يشاءون؟
    كوكب الشرق ١٤ – ٦ – ١٩٣٣

  • إعلان

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣

  • إضراب٢

    إضراب
    عاد الأمر إلى الاضطراب والفساد بين شركة تورنيكروفت وعمالها، وأصبح الناس اليوم قد حرموا وسيلة من وسائل الانتقال التي كانوا يعتمدون عليها، ويهيئون أمورهم على أنها متصلة غير منقطعة، وموفورة ليس عليها خوف. ومن حق الناس أن يضيقوا بهذا الإضراب الذي يتكرر فيعطل عليهم مصالحهم، ويفسد عليهم أمورهم، ويعرضهم لضرر قد يكون كثيرا. وهم على كل حال لم يأتوا من الأمر ما يجعلهم أهلا للقاء هذا الضرر، واحتمال هذا الأذى. ومن حق الناس أيضا أن يعرفوا مصدر هذا الإضراب الذي يتكرر، وهم إنما يستطيعون أن يعرفوه من العمال ومن الشركة ومن الحكومة التي يجب أن تسيطر على ما بينهم وبينها من صلات، وتتوسط فيما بينهم وبينها من خلاف.
    فأما العمال فهم لا يبخلون بتفسير موقفهم، وإظهار الناس على أسبابه ومصادره. وهم لا يتمنون إلا أن يؤذن لهم في القول، ولا يحبون إلا أن يسمع لهم الناس، لعل رثاء الناس لهم وعطفهم عليهم، وتأييدهم لما يطلبون، أن يدعو الشركة إلى أن تغير من موقفها الذي يرونه ظالما، مسرفا في الظلم. ولعله أن يخرج الحكومة عن خطة اللين للقوى إلى شيء من الحزم في المطالبة بالإنصاف. ولعله إذا لم ينته إلى هذا أن يبعث في نفوس العمال أنفسهم شيئا من الرضى، وقليلا من العزاء. فليس أحب إلى نفس المكروب المحروب من أن يحس عطف الناس عليه، ورثاءهم له.
    لم يبخل العمال بالقول ولا بالتفسير، فهم يستكثرون ساعات العمل، وهم يستقلون ما يعطون من أجر، وهم يشكون من معاملات أخرى قاسية، فيها فصل لبعضهم، وتعريض لبعضهم الآخر للفصل، وعبث بكثير من حاجاتهم وآمالهم.
    قالوا ذلك وكرروه، وألحوا فيه، وأضربوا منكرين له، محتجين عليه. ثم قيل لهم إن من اليسير إصلاح ما ينكرون إذا عادوا إلى أعمالهم. وكانت الحكومة قد توسطت بينهم وبين الشركة. وكانت وساطة الحكومة هي التي مكنت من أن يبذل للعمال هذا الوعد فصدقوه، واطمأنوا إليه، واستأنفوا عملهم، وانتظروا الوفاء.
    ويظهر أن هذا الوفاء لم يكن سريع الخطى، بل لم يكن ميالا إلى الحركة، فيقال إن الشركة لم تغير ما كانت وعدت بتغييره، ويقال إنها حين أرادت بعض التغيير راوغت وداورت وفصلت من العمال والموظفين عددا ليس بالقليل، فعاد الخلاف كما كان أو أشد مما كان، وعاد العمال إلى الإضراب.
    كذلك يقول العمال في تفصيل كثير مؤلم، تقرأه في غير هذا المكان من الكوكب.
    أما الشركة فلا تقول أو لا تكاد تقول شيئا. وأما الحكومة فتؤثر صمتا أقل ما يوصف به أنه لا يلائم مصلحة أحد. لا يلائم مصلحة الناس الذين لا يريدون أن تعطل مصالحهم، ويحبون أن يفهموا فيم تعطيلها. ولا يلائم مصلحة الشركة التي لا ينبغي أن يسوء بها ظن الناس، وأن يفهم الجمهور أنها تستغل العمال، وتسرف في العبث بهم. ولا يلائم مصلحة العمال الذين يحرصون على ألا يتهمهم أحد بالعنت والمبالغة والاستهانة بمصالح الناس. ثم هو لا يلائم مصلحة الحكومة بنوع خاص، فهي التي أذنت لهذه الشركة بالعمل، وهي التي قضت بهذا الإذن على نشاط جماعة من الوطنيين كانوا يعملون في النقل بالسيارات، وهي التي حملت الناس شيئا غير قليل من المشقة حين قضت على هذا النشاط مكان تشجيعه، ومحته مكان تقويته. وهي التي تعاقدت مع الشركة، فمن حقها على نفسها، ومن حق الناس عليها أن تشعر مصر بأن القضاء على النشاط الوطني لم يكن من شأنه أن يؤدي إلى الغلو في إذلال المصريين، واستغلالهم، وإهدار مصالحهم، وتعريض فريق منهم للبطالة، وما يتبعها من الجوع والحرمان. ومن الحق عليها لنفسها وللناس أن لا تتهم بالتقصير في المحافظة على عقد الإلزام، هذا الذي أمضته، والذي يجب عليها أن ترعى حرمته، وأن تأخذ الشركة برعاية حرمته أيضا.
    ليس من الملائم إذن لمصلحة الحكومة أن تؤثر هذا الصمت الذي آثرته، وليس من مصلحتها بنوع خاص أن يسوء ظن الناس بها ورأيهم فيها. وأن تتهم باللين المسرف والتهاون المنكر مع الأجنبي، وبالشدة المغرقة، والتعنت مع المصري. وليس من مصلحتها بحال من الأحوال أن تتساءل طائفة من المصريين، هي طائفة العمال: فيم وجود الحكومة إذا كانت تعجز أو تتكلف العجز عن حماية المصريين من جور الأجنبي وقسوته عليهم في بلادهم، وتعجز أو تتكلف العجز عن أخذ الشركة بتنفيذ عقد الإلزام؟
    فالناس لا ينشئون الحكومات لينظروا إليها ويلهوا بها، ويستمتعوا بجمالها، وبما تحيط نفسها به من مظاهر القوة والجلال. وإنما الحكومة أداة من أدوات العمل في الحياة، قد أنشئت لأغراض فإذا لم تحقق هذه الأغراض أصبحت عبئا ثقيلا، وأصبحت متاعا لغوا لا حاجة إليه.
    وأول ما يجب على الحكومة في مثل هذه الحال كما قلنا منذ أيام إنما هو حماية هؤلاء العمال مرتين: حمايتهم لأنهم عمال لهم حقوق يجب أن يظفروا بها، وعليهم واجبات يجب أن يؤدوها، ولهم آمال يجب أن لا تقطع بينهم وبينها الطريق. وحمايتهم لأنهم مصريون يعملون عند الأجنبي في بلادهم، فيجب أن توفر عليهم عزتهم وتحفظ عليهم كرامتهم، ويعاملوا كما يعامل الرجل العزيز في وطنه العزيز.
    ونحن نأسف أشد الأسف لأن سيرة الحكومة فيما بين العمال والشركة من خلاف لا يظهر فيها من الحزم والقوة ما يشعر الناس بأنها تؤدي هذا الواجب على أحسن وجه ممكن للأداء. نفهم إلى حد ما أن يسوء رأي الحكومة والبرلمان في رجال التعليم الأولى، وأن تستكثر عليهم مرتباتهم الضئيلة، وأن يختلف النواب في هذه المرتبات، أترقى إلى جنيهين أم تنزل إلى جنيه ونصف جنيه. نفهم ذلك إلى حد ما، فهو يدل على سوء فهم للتعليم، وعلى سوء تقدير لحق المعلم وواجبه، ولكن ما يبخل به من المال على المعلمين سيبقى في خزائن الدولة، ولكن ما يلم بالمعلمين من ظلم سيصدر عن المصريين وسيصيبهم من مواطنيهم. فأما أن تغلو شركة أجنبية في تخفيض أجور العمال المصريين ولا تشتد الحكومة في منعها من هذا الغلو، فشيء ليس إلى فهمه من سبيل. فالمال الذي ستبخل به الشركة على هؤلاء المصريين لن يرد إلى خزائن مصر، ولن يبقى في أرض مصر، ولكنه سيعبر البحر إلى حيث يستمتع به الأجنبي. والظلم الذي سيقع على العمال من نقص الأجور، وزيادة ساعات العمل، واضطرار فريق منهم إلى البطالة، لن يقع من مصري على مصري، لكنه سيقع من أجنبي على مصري.
    فلتقدر الحكومة هذا كله، ولتفكر الحكومة في أنها مدينة لنفسها ولوطنها وللكرامة والعدل ولمنفعة الجمهور الذي أنشئت لتخدمه وترعى مصالحه بأن تقف موقفا حازما كريما في هذا الخلاف، وأن تضطر الشركة إن كانت ظالمة إلى العدول عن هذا الظلم، وتضطر العمال إن كانوا جائرين إلى العدول عن هذا الجور، ولا تضيع مصالح الجمهور لخلاف من اليسير جدا أن يزال لو نهضت الحكومة بواجبها على الوجه الصحيح.
    كوكب الشرق في ٣ – ٦ – ١٩٣٣

  • كثير

    كثير
    كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
    فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
    ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
    أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
    ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
    أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
    أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
    ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
    فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
    وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
    أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
    فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
    أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
    أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
    بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
    أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
    كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣

  • همج

    همج
    نعوذ بالله أن نحب هذه الكلمة، أو أن نؤثرها أو أن نتخذها عنوانا لفصل من الفصول عن رضًا بها، أو ميل إليها، ولكنها كلمة أصبحت رسمية! وكسبت حقا من الحقوق المدنية! فلم يبق بد من أن نقر لها بهذا الحق الذي كسبته! ونؤمن لها بهذه المزية التي ظفرت بها! وأي حق أعظم من أن ينطق بهذه الكلمة نائب من النواب، في مجلس النواب على منبر النواب، وتحت قبة البرلمان! وأي مزية أميز، وأي فضيلة أفضل من أن تسجل هذه الكلمة في مضبطة مجلس النواب، ومن أن تسجل على أن نائبا قذف بها في وجه الوزراء وزملائه من النواب! نعم امتازت هذه الكلمة، وكسبت حقوقا، وليس على الصحف بأس أن تستعمل الألفاظ المهجورة وتتخذها عنوانا لما تكتب من الفصول بعد أن يمنحها النواب الحقوق المدنية، فيجب أن يقوم مجلس النواب الآن مقام المجمع اللغوي الذي أعلن عن تكوينه ثم لم يكن، وعزم على تأليفه ثم لم يؤلف. وأكبر الظن أن وزير التقاليد قدر في نفسه أن مجلس النواب يستطيع أن يستغني عن هذا المجمع، ليحيي المهجور من الكلام وقد كدت أن أملي الهجر، ويضيف إلى اللغة ما ليس فيها. وما دام مجلس النواب قادرا على أن يشرع في كل شيء، ويراقب كل شيء، ويقضي في كل شيء، فهو بإذن الله قادر على أن يشرع في اللغة ويراقبها ويقضي فيها!
    ولكن مجلس النواب لم يحدد أمس -ولعله يريد أن يحدد اليوم- معنى كلمة الهمج هذه، فليس لكلمة من الكلمات قيمة إلا أن يحدد معناها، ويضبط ما تدل عليه. وكان النائب الذي نطق بهذه الكلمة وأدخلها في معجم البرلمان مغضبا ثائرا، منتقض المزاج، فيجب إذن أن لا يكون قد أراد بها دعابة ولا فكاهة ولا مزاحا، فضلا عن أن يكون قد أراد بها تحية للمجلس أو ثناء عليه!
    وغضب رئيس المجلس حين سمع هذه الكلمة لنفسه ولنواب الأمة، ووزراء الدولة، فطلب إلى النائب المحترم أن يسترد كلمته هذه. ويظهر أن النائب المحترم من تلاميذ أستاذنا الشيخ محمد المهدي رحمه الله. فقد أساء إلى بعض الناس بكلمة ساقها إليه، فلما طلب إليه سحبها كما يقولون، أجاب «يا ولدي، كلمة قيلت فكيف أسحبها؟» لذلك أبى النائب أن يسحب كلمته بعد أن قالها، وقد غضب المجلس، أو بعبارة أدق اختلف المجلس في وقع هذه الكلمة: أكان شديدا فينبغي أن يألم النواب؟ أم كان خفيفا فينبغي أن يغضي عنه النواب؟ لذلك لم يثوروا بصاحب الهمج هذه! وإنما ألحوا عليه في رفق ولطف في أن يستردها ويعتذر منها! ولم يكن يعدل لين المجلس إلا شدة النائب! فقد كان المجلس يلح في الاعتذار، وكان صاحب الهمج يكرر الهمج حتى إذا أثقل زملاؤه عليه لم يسحب الكلمة وإنما سحب نفسه وخرج من المجلس حدة شديدة، يمزق بيديه مشروع القانون الذي كان يعرضه وزير التقاليد! وكان يدرسه المجلس ويظهر الميل إليه، والتأييد له. وكان النائب ينكره ويرى أن الهمج لا يعرضونه ولا يقبلونه! هنالك كانت حدة وشدة. وهنالك كانت ثورة وفورة، ولكنها لم تكن عامة ولا شاملة. وإنما مقصورة على جماعة من النواب، لهم فيما يظهر أمزجة حادة، وحس سريع التأثر. وكانت كثرة المجلس آخذة بالعفو، آمرة بالعرف، ميالة إلى الصفح، ولا سيما إذا قبل صاحب الهمج أن يتقدم بالاعتذار. وسنرى اليوم إلى أين تبلغ هذه القضية: أيسحب النائب كلمته فيبقى في المجلس؟ أم يأبى النائب سحب كلمته فيسحبه المجلس من بين أعضائه سحبا موقوتا أو غير موقوت؟!
    لكن هناك شيئا أجل خطرا من كلمة الهمج ومدلولها، ومن مرسل هذه الكلمة ورأيه في نفسه وفي زملائه ووزرائه، ورأي زملائه ووزرائه فيه. وهو أن فصل العمل قد طال على النواب، وتقدمت بهم الدورة حتى بلغ منهم الجهد وألح عليهم العناء فأصبحوا لا يملكون أنفسهم ولا أيديهم ولا ألسنتهم! وأصبحوا يغضبون لكل شيء، ويثورون لكل شيء، ويتنكرون لكل شيء.
    يحاول رجل أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيثور بعض النواب بالصحف. يحاول وكيل المجلس أن يعلن رأيا مهما يكن خاطئا، ومهما يكن سخيفا، فهو رأي أن يعلنه نائب له الحق في إعلان رأيه بحكم الدستور، فيثور به النواب، ويجمعون أمرهم على أن يفصلوه ويخرجوه، أو يذعن ويؤمن، ويخلع رأيا ويلبس مكانه رأيا آخر، كما يتبدل قميصا من قميص. ويحاول وزير التقاليد أن يدافع عن مشروع من مشروعات القوانين، أو يحاول المجلس نفسه أن يدرس مشروعا من مشروعات القوانين فيثور أحد النواب ويقذف في وجوه النواب والوزراء كلمة الهمج. وإذ بلغ الجهد من النواب هذا الحد، وانتهى بهم الإعياء إلى هذه المنزلة، فهم خليقون أن يستريحوا كما استراح رئيس الوزراء، وهم عاجزون عن أن ينهضوا بالعمل فستتصل فيهم الثورة، ويلح عليهم الغضب حتى يخرجهم من أطوارهم. ولست أذكر منفعة الأمة ومصالح الدولة، فليس عليها بإذن الله بأس من النواب، سواء سخطوا أم رضوا، وسواء هدأوا أم ثاروا. وإنما أذكر النواب أنفسهم، فقد يعرضون صحتهم وأمزجتهم وأعصابهم بهذه الثورة الدائمة، وهذا الغضب المتصل لشر لا نحب أن نتعرض له. ولو أن رئيس الوزراء بالنيابة مستعد لقبول النصح لأشرنا عليه بأن يتلو المرسوم الذي يأذن للنواب في أن يتفرقوا ويستريحوا، فإن جهد المكدود لا خير فيه.
    على أن هناك شيئا يعزى عن هذا الاضطراب المتصل بين النواب، وهو أنه اضطراب لا يؤذي، وثورة كنار القش أو كنار الورق، سريعة الهبوب، سريعة الخمود. فأما النائب الذي ثار على الصحف فقد اعتذر إلى الصحف. وأما النواب الذين ثاروا بالوكيل فقد عفوا عن الوكيل. وأما النائب الذي رمى في وجوه الزملاء والوزراء بكلمة الهمج فسيعتذر إلى الوزراء والزملاء. وما دامت نار النواب هينة هادئة، لا تحرق شيئا، ولا تمس أحدا بأذى فقد لا يكون بهبوبها وخمودها بأس، بل قد يكون في هبوبها وخمودها شيء من التسلية لهذا الشعب الذي يجب أن ينتظر من نوابه أن يسلوه إذا عجزوا عن أن يسعفوه.
    ويظهر أن الأمر لا يريد أن يقف عند مجلس النواب، وأن مجلس الشيوخ يريد أن ينافس زميله الشاب فيما يأتي من حركات الشدة والحدة. ومن الثوران والفوران، فقد صاح بعض الشيوخ منذ أيام في وجه الرئيس، أو في وجه الوكيل: إنكم تريدون أن تعاملونا كما يُعامَل زملاؤنا في مجلس النواب. ولم يحفل الرئيس أو الوكيل بهذه الصيحة، كما لم يحفل رئيس النواب بصيحات النواب!
    وخطفت ميزانية الأشغال فيما يقال من مجلس الشيوخ كما خطفت من مجلس النواب! ثم جاءت ميزانية السكك الحديدية، فجاءت ثورة أخرى وتبعتها خطفة أخرى! وظهرت الأهرام صباح اليوم، وإذا شيخ من الشيوخ يشكو المجلس إلى الشعب، ويتهمه بتهم أقل ما توصف به أنها خطيرة. فالمجلس -في رأي هذا الشيخ الوقور- يحرم أعضاءه حرية الكلام، ويحول بينهم وبين إعلان آرائهم، ويمضي أبواب الميزانية وفصولها في سرعة لا تلائم الأمانة -استغفر الله- بل يؤدي هذا المجلس عمله كله بطريقة لا تلائم الأمانة ولا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! وأؤكد لمجلس الشيوخ ومجلس النواب ومجلس الوزراء والنائب العام أني لا أقول هذا الكلام من عند نفسي. ولا أرتجله ارتجالا، وأعوذ بالله أن أدفع نفسي إلى هذا الموقف الحرج، والمأزق الدقيق. إنما ألخص ما قاله الشيخ المحترم في الأهرام. والشيخ المحترم قد قال أكثر من هذا، فأعلن إلى الناس وإلى الوزراء، وإلى الشيوخ أيضا أن له آراء في ميزانية السكك الحديدية، منع من إعلانها على منبر البرلمان فسيعلنها على منبر الصحافة في الأهرام. وإذن فنائب يتهم مجلس النواب بالهمجية، وشيخ يتهم مجلس الشيوخ بماذا؟ بالاستبداد، لأنه يمنع الناس من إعلان آرائهم، وبمخالفة الأمانة النيابية، لأنه يقضي في أمور الدولة على عجل، ولأن أعضاءه يؤثرون أعمالهم ورياضتهم على النظر في شؤون الدولة ثم يقبض أموال الدولة في غير حق، لأن أعمال المجلس لا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! ولست أريد أن أستنتج شيئا، فكل إنسان يستطيع أن يستنتج. ولست أريد أن أطلب شيئا، فليس يباح لنا أن نطلب شيئا في مثل هذه الحال، ولكني أرجح أن الشيوخ سيغضبون على زميلهم يوم يجتمعون كما غضب النواب على زميلهم أمس، وأن الشيوخ سيطالبون زميلهم، لا بأن يسحب كلمته، بل أن يسحب فصلا كاملا فيه كلمات وجمل وتهم تقال. وإذن فستشهد القاهرة مساء اليوم ثورتين، ثورة في مجلس النواب، وثورة في مجلس الشيوخ، ولكنهما ستكونان بإذن الله خفيفتين كل الخفة، هادئتين كل الهدوء. لن تضطرم فيهما النار حتى يطفئها الاعتذار! ثم يمضي الليل ويشرق النهار، وتقرأ أن مشروعات القوانين وأبواب الميزانية تمر في المجلسين في سرعة دونها مر القطار السريع.
    كوكب الشرق ٢٤ – ٥ – ١٩٣٣