خاتمة
أما المقدمة فقد قرأها من قرأها، وسمعها من سمعها من الناس يوم افتتحت الدورة البرلمانية في آخر العام الماضي، وألقى رئيس الوزراء خطبة العرش، فرأى الناس وعودًا كثيرة.
وأما الخاتمة فقد سمعها من سمعها، وقرأها من قرأها، ورآها من رآها أمس واليوم في هذه الخطب القصار والطوال التي ألقيت في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ. وفيها تسجيل وليس فيها وعد، وفيها آمال يرجو الشيوخ والنواب والوزراء أن تتحقق، وعند الله وحده تحقيق الآمال. والله وحده قادر على أن يمضي فيتم ما قضى، مهما يقل الناس، ومهما يعملوا، ومهما يرج الناس، ومهما يأملوا.
على أن هذه الخاتمة التي انتهت بها الدورة أمس لا تخلو مما يدعو إلى التفكير، ويثير في النفوس عبرًا وعظات يحسن أن يعتبر بها الحكماء، ويتعظ بها الألباء.
فقوام هذه الخاتمة شكر وثناء، وحمد وإطراء. كل إنسان في البرلمان شاكر ومشكور، وكل إنسان في البرلمان باذل للمدح، وقابل للثناء.
أما رئيس مجلس النواب فيبدأ بما يجب البدء به من حمد الله عز وجل، والثناء عليه، ثم ينثر باقة من الزهر تغمر الوزراء والنواب جميعًا، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال، فيحمد الوزراء ويثني عليهم، ويشكر النواب ويطريهم، ولا ينسى الموظفين من سكرتيرية المجلس.
ولا يكاد يفرغ الرئيس حتى يقفي على آثاره النواب، فإذا هم يحمدون ويثنون، وإنما هم يشكرون ويطرون. ثم يرد رئيس الوزراء بالنيابة، فيجزي الثناء بثناء، والإطراء بإطراء.
ويقع مثل هذا في مجلس الشيوخ، فقد شرب الوزراء والنواب والشيوخ إذن من الثناء، بالصغير والكبير، حتى ارتووا ريًا لن يظمؤوا بعده إلى آخر الصيف.
وكم كنا نحب أن تقدم أقداح الثناء وكؤوسه إلى الوزراء والنواب والشيوخ من غيرهم، لا من أنفسهم، وأن يثني عليهم الشعب، أفراده وجماعاته، بدل أن يثني بعضهم على بعض، ويهدي بعضهم إلى بعض هذه الباقات المنسقة من الحمد والإطراء.
ولكن المثل القديم لم يخطئ حين قال:
ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
فتولَّ أنت جميعَ أمرِك
فإذا قصر الشعب، راضيًا أو طائعًا، في ذات الوزراء والنواب والشيوخ، فمن الحق عليهم هم ألا يقصروا في ذات أنفسهم. وإذا بخل الشعب، راضيًا أو كارهًا، على الوزراء والنواب والشيوخ بالتقدير والشكر والاعتراف بالجميل، فمن الحق عليهم لأنفسهم أن يقدروها، ويشكروها، ويعترفوا لها بالجميل. وقد فعلوا، وبلغوا من ذلك أمس ما يريدون، وأكثر مما يريدون. ومهما ننقدهم، ومهما ننكر عليهم، فلن نستطيع أن نصفهم بأنهم قصروا أمس في ذات أنفسهم، أو بخلوا أمس على أنفسهم بالإكبار والإعظام، وبالتحية والتقدير.
أما الشعب فهو بين اثنتين: إما أن يكون جاحدًا للفضل، منكرًا للجميل، ظالمًا للذين يحسنون إليه، بخيلًا على الذين ينالونه بالفضل، ويغمرونه بالنعمة، وهو لذلك يستقبل الخاتمة فاترًا كما استقبل المقدمة فاترًا، فلا يحمد، ولا يثني، ولا يشكر، ولا يطري.
وإما أن يكون بليد الحس، نائم الشعور، يأخذه الإحسان من كل مكان فلا يحسه ولا يشعر به، وتغرقه النعمة إلى أذنيه فلا يشعر بهذا السيل الجارف من البركات الذي كاد يأتي عليه. وهو لذلك معقود اللسان عن الحمد والشكر، مغلول الأيدي عن التصفيق، قد غشيت وجهه سحائب فيها من ظلمة وحزن، كأنه شقي مع أنه سعيد، وكأنه محزون مكلوم مع أنه فرح مبتهج، وكأنه يائس قانط مع أن قلبه يملؤه الأمل، ويفعمه الرجاء.
لإحدى هاتين الخصلتين، أو لهما جميعًا، كان الشعب فاترًا يوم افتتحت الدورة، وكان الشعب فاترًا يوم اختتمت الدورة.
وما رأيك في شعب يجتمع عليه العقوق وبلادة الحس؟ إنه لشعب خليق بما يلقى، حقيق أن تعبث به الأحداث، لعلها تعلمه شكر المحسنين إليه، ولعلها توقظه من هذا النوم العميق الذي يغرق فيه إغراقًا!
ومهما يكن من شيء، فلا بد من تسجيل هذه الظاهرة، ليعرفها الشعب حين يستيقظ ويفيق، وهي أن الشعب كان نائمًا غافلًا، مسرفًا في النوم والغفلة، على حين كان الوزراء والشيوخ والنواب يقظين متنبهين، وأن الشعب كان ماضيًا في نومه، يحلم بالأمل والرجاء، والنعمة وحسن الحال، ويشكو من الحزن والضيق والبؤس وسوء الحال، بينما كان الوزراء والشيوخ والنواب ماضين في يقظتهم وتنبههم، يرون الحقائق الواقعة، ويسجلون ما انتهت إليه مصر من رخاء وسعة، ومن رقي وتقدم، ومن ارتفاع الكلمة وعلو المنزلة، ويحمدون هذه النعم كلها للذين أسدوها، ويشكرون هذه الآلاء كلها للذين أهدوها، وهم الوزراء والنواب والشيوخ.
وما رأيك في شعب تذكر له هذه الملايين التي أرصدتها الوزارة، وأقرها النواب والشيوخ لحل الأزمة وتفريج كربها، فلا يزيد على أن يشكو الضنك والضيق، ويذكر الجوع والحرمان، والمرض والأوبئة، ويؤكد ويلح في التأكيد أن الأزمة ما زالت قائمة، لازمة، ملحة، ثقيلة؟ أليس من الحق عليك أن تنبئ هذا الشعب بأنه نائم يحلم، وبأن الحق كل الحق فيما يقوله الوزراء والنواب والشيوخ في خاتمتهم أمس؟ فليس هناك ضنك ولا ضيق، وليست هناك عسرة ولا أزمة، وإنما هي أحلام نيام قد اكتظوا بالثروة والغنى، فخيل إليهم عسر الهضم أنهم جياع محرومون!
نعم، وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أرصدوا أموالًا وأموالًا، وأنفقوا ألوفًا وألوفًا للري والصرف، وإقامة الخزانات والتمهيد لها، فلا يعترف بفضلهم في ذلك، بل يشكو ويلح في الشكوى، ويأسف لأن هذه الأموال قد كان يحسن أن ترصد لغير ما رصدت له، وتنفق في غير ما أنفقت فيه؟ أليس هذا الشعب نائمًا غافلًا، قد صرفه النوم عن منافعه، وألهته الغفلة عن مصالحه، فرأى كل حسن قبيحًا، وخيل إليه أن كل قبيح حسن؟ بلى، لقد أخطأ الشعب كل الخطأ، وأصاب الوزراء والشيوخ والنواب كل الصواب!
وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أقاموا له صرحًا مشيدًا متينًا، متناسب الأجزاء، من الثقافة، ففرضوا التعليم الإلزامي، وأصلحوا نظم الجامعة، ووسعوا نشاط الأزهر، فلا يعترف بشيء من ذلك، ولكنه يتعلل ويتجنى، ويزعم أن التعليم الإلزامي لم يدرس ويمحص، وإنما أرسل على عجل ليقال إن قانونه قد صدر، ويزعم أن الحكومة والبرلمان قد نشرا جناح الأزهر إلى أبعد مما ينبغي، وقصا جناح الجامعة حتى عجزت عن أن ترتفع في الجو، وأمضيا أمر هذا كله في سرعة لا يعرفها بلد من بلاد الأرض، وعجلة لا يعرفها جيل من أجيال الناس. وكانت الفكرة السياسية أظهر فيها من الفكرة الفنية، حتى لم يبق بد للأحزاب السياسية المعارضة من أن تجعل في برامجها إصلاح أمر الثقافة والتعليم، ورده إلى حيث كان، أو إلى خير مما كان قبل هذا العهد السعيد. أليس هذا دليلًا على أن هذا الشعب نائم حالم، يرى الخير فيحسبه شرًا، ويرى النعمة فيحسبها بؤسًا؟
ما أشد حاجة هذا الشعب إلى أن يؤخذ بشيء من العنف والقسوة، لتستقيم قناته المعوجة، ويعتدل مزاجه المنحرف، ويؤمن بما يقول الوزراء والنواب والشيوخ!..
ولكن قناة هذا الشعب، مع الأسف أو مع السرور، ومع الحزن أو مع الابتهاج، تأبى أن تلين لغمز الغامزين، وتثقيف المثقفين، وتقويم المقومين. فستظل كما هي معوجة، وسيظل مزاج هذا الشعب كما هو منحرف، لا تستقيم القناة، ولا يعتدل المزاج، مهما يقل الوزراء والنواب والشيوخ، ومهما يعملوا.
ما أشد التناقض بين هاتين المصرين اللتين تعيشان في أرض واحدة، وتتنفسان هواءً واحدًا، وتشربان من نهر واحد: مصر الرسمية ومصر الشعب!
وأي دليل على هذا التناقض بين هاتين المصرين أكثر من أن تضطرب مصر الرسمية بما يثور فيها من عواطف الرضا والسخط، وبما يدفعها من بواعث الأمل واليأس، وبما يسيطر عليها من أسباب النشاط والفتور منذ تليت المقدمة في العام الماضي إلى أن تليت الخاتمة أمس، فلا يكون لشيء من هذا كله صدى في نفس مصر الشعبية؟
تناقض شديد، وافتراق بعيد بين هاتين المصرين، والله وحده قادر على أن يلائم بين هذين النقيضين.
كوكب الشرق سنة ١٩٣٣
Tag: government criticism
-
خاتمة٢
-
وزارة الإصلاح
وزارة الإصلاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٩ أغسطس ١٩٤٥
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.
لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.
وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.
ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.
وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.
فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.
ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!
أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.
ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.
أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟
وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.
يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.
وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.
وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!
يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.
أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.
لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.
وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!
متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية. -
السفينة الجانحة
السفينة الجانحة
طه حسين
جريدة البلاغ
١٢ يوليو ١٩٤٥
هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.
وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.
ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.
وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.
ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!
وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.
وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.
ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.
أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.
هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.
هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.
وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.
وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.
إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.
وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.
ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.
فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟ -
تفصيلات
تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين. -
نوم
حديث الوادي
عيسويات…
نوم
نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.
النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.
وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.
ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.
ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.
فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.
ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.
ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.
فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥. -
يوم
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934. -
صلح٢
حديث الوادي
صلح
الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. والصلح جائز بين النواب والوزراء، إلا صلحًا أضاع على الدولة حقًا، أو كلفها من الأعباء ما لا تطيق. وقد كان خصام بين بعض الوزراء وبعض النواب، اشتد وعظم، حتى خاف شره بعض البيئات، وجد في إصلاحه، وسعى في هذا الإصلاح سعاة مهرة، يحسنون الحذر، ويجيدون الإشفاق من تفاقم الخطوب في أيام يحسن ألا تظهر فيها الخطوب. ثم أذن الله أن يعقد مجلس الصلح أول أمس في غرفة من غرفات البرلمان، وأن يحضره النواب الغاضبون، ويحضره عن الوزارة ثلاثة منهم الرئيس؛ قد ندبوا أنفسهم، أو ندبهم زملاؤهم، لهذه المفاوضات الشاقة، أو التي كان يُخاف أن تكون شاقة. ولم يكن بين هؤلاء الثلاثة من الوزراء وزير المالية الذي هو أصل الخصومة ومثير الخلاف. وقد انقسم الناس في تأويل غيبته عن هذا المجلس، فزعم بعضهم أنه لم يشهده لأنه لم يحفل بالصلح، ولم يفكر فيه. ولم يسعَ إليه. بل لم يرد أن يستمع للساعين إليه. وإنما كان سواء عنده أن يرضى من رضي، ويغضب من غضب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه لم يرد إلا خيرًا، ولم يأتِ إلا حقًا وعدلًا. ولأنه كان، وما زال، يملك أدلة ناصعة قاطعة تفحم المجادلين، وتقطع حجة الخصوم وتثبت ما سجله في منشوره تسجيلًا من أن بين أعضاء الهيئات النيابية من استفادوا من استثناء غير مباح، فالتووا بالضرائب وتلكأوا في أداء الأموال. ومن كانت في يده مثل هذه الحجج القاطعة لم يحفل بالخصومة ولا بالخصوم، ولم يضره أن يتألب عليه المتألبون ويلح في حربه الملحون. ووزير المالية رجل أخص صفاته صفتان؛ الأولى أنه نابغة، لا يحفل بغير النابغين، والنابغون في مصر معدودون، لا يكادون يتجاوزون مجلس الوزراء. فوزير المالية يحفل بزملائه الوزراء، على تفاوت في ذلك بمقدار تفاوتهم في النبوغ.
الثانية أنه مُرّ كالحنظل، أو أمرّ من الحنظل، عند الذين لا يُسيغون نبوغه، ولا يستطيعون أن يفهموه، أو يطمئنوا إليه. وهو يشفق على عامة الناس من نبوغه ومرارته معًا. فإذا كانت بينه وبينهم خصومة أو خلاف، خاصمهم من بعيد، لا خوفًا منهم، ولكن خوفًا عليهم. وهو من أجل ذلك خاصم سماسرة البورصة من بعيد، وهو من أجل ذلك خاصم النواب الغاضبين من بعيد. وكل ما يمنّ به على خصومه الضعفاء إنما هو أن يتفضل، فينيب عنه رئيس الوزراء الرجل الطيب ليجبر خاطرهم، كما يقول العامة ويردهم إلى الهدوء والاستقرار كما يقول المتحذلقون، وهو من أجل ذلك أناب رئيس الوزراء عن نفسه، أو ترك رئيس الوزراء يرضي السماسرة، كما تركه يرضي النواب أول أمس. وانصرف هو إلى أعمال أخرى أجلّ خطرًا، وأحق بعناية عظماء الرجال من إرضاء السماسرة وبعض النواب. وزعم قوم آخرون أن الوزراء أنفسهم هم الذين يأبون على زميلهم وزير المالية أن يشهد مجالس الصلح؛ لأنهم يعرفون أنه موفق دائمًا فيما يعمل، ولكنه قليل التوفيق فيما يقول. فهم يخشون أن يشهد مجلسًا من مجالس الصلح، فيقول كلمة يريد بها الخير، ولكنها تنتهي إلى الشر المستطير. والناس لم ينسوا بعد أن وزير الحربية سجل عليه مرة في مجلس النواب أنه لا يوفق في الكلام.
فزملاؤه إذن هم الذين منعوه من أن يشهد مجلس الصلح الذي عقد أول أمس، حرصًا منهم على أن يتم هذا الصلح بالفعل، وخوفًا منهم أن يستحيل إلى خصام عنيف. وزعم قوم آخرون أن وزير المالية لم يشهد مجلس الصلح أول أمس خوفًا وإشفاقًا، فقد كان النواب الغاضبون يريدونه على أن يعتذر، ولا يرضون منه غير هذا. وهو لا يريد اعتذارًا، فخاف أن يشهد المجلس فيستدرج إلى ما لا يريد طوعًا أو كرهًا. والظريف أن خصومه من النواب حين دُعوا إلى مجلس الصلح ظنوا أنهم سيلقون خصمهم، فلما لم يروه سألوا عنه، وألحوا في حضوره. فأما رئيس الوزراء فآثر الصمت، وأما وزير الزراعة فاضطرب بعض الشيء. قال إن زميله مشغول في مجلس الشيوخ، وأما وزير الداخلية فهو أفصح من أن يلتزم الصمت، وأثبت من أن يضطر إلى الاضطراب، وأذكى من أن يُعبأ بالجواب. ولذلك رد على السائلين بأن رئيس الوزراء هو الذي دعا إلى هذا الصلح، ثم ارتقى في الرد، وانقلب سائلًا بعد أن كان مسئولًا، فقال: ألا يرضيكم أن يكون رئيس الوزراء نفسه القاضي في هذا الخصام؟ وأي النواب يستطيع أن يقول إن حكومة رئيس الوزراء لا ترضى؟
وكذلك اصطلى رئيس الوزراء حَرّ هذه الحرب، مع أنه لم يجنها ولم يدعُ إليها. وظل وزير المالية بعيدًا عن الميدان ينظر ويسمع ويبتسم وينشد قول الشاعر القديم:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
على أن الحرب لم تكن ضروسًا ولا عنيفة، ففي كلام رئيس الوزراء بركة، وفي صوت رئيس الوزراء عذوبة ترد القلوب إلى صفائها، والنفوس إلى نقائها. ولم يكد رئيس الوزراء يتحدث إلى النواب بكلمة من كلماته العِذاب حتى بلغ من إرضائهم ما كان يريد. فَتَمّ الصلح – ولكن بين مَن؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الجواب عليه. تَمّ الصلح بين النواب ورئيس الوزراء، ولكنهم لم يكونوا مختصمين، وإنما كانت الخصومة بين النواب ووزير المالية، فهل تم الصلح بينهم وبينه؟ وأي الفريقين نزل عن رأيه واعتذر إلى صاحبه؟ هل استرد وزير المالية منشوره من المديرين والمأمورين والعمد؟ هل اعترف وزير المالية بأن ليست هناك ضرائب متأخرة عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية؟ هل غير وزير المالية أمرَه للمديرين والمأمورين والعمد بأن يجبوا الضرائب من المصريين جميعًا، على قاعدة المساواة، وأن يحجزوا على الملتوين بالضرائب جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب، وأن يرفعوا إلى النيابة أمرَ المبددين جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب؟ كلا. لم يسترد وزير المالية منشورًا فيما نعلم، ولم يغير وزير المالية أمرًا من أوامره هذه فيما نعلم. ووزير المالية أنبغ وأذكى وأدنى إلى البطولة من أن ينهزم في هذا الموقف، أو يغير رأيًا لا يشك في أنه الحق. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي قاعدة أُقيم؟
ولا تصدق ما يُشاع ويُذاع ويملأ الأسماع من أن غضب الغاضبين لم يكن من هذا المنشور، وإنما كان من منشور آخر سري، فالغضب قد كان من هذا المنشور نفسه، فلما أُذيعت أنباء التعليمات السرية، اشتد الغضب حتى غلت مراجلُه في صدور الغاضبين. وقد لا يكون وزير المالية أصدر منشورًا سريًا غير هذا الذي أذاعته الأهرام وغضب منه الغاضبون، ولكن من المحقق أن هذا المنشور الذي أصدره وزير المالية قد انتهى إلى المديرين وصدرت التعليمات بتنفيذه إلى المأمورين ثم إلى العمد. ولم يخطئ من قال لرئيس الوزراء إنه رأى في دفتر بعض العمد إشارة تليفونية تمس هذا الأمر. وإذن فوزير المالية النابغة البطل مقيم في مكانه لا يريم ثابت في موقفه لا يتحول، مُعلن إلى الناس جميعًا أن هناك أموالًا للدولة قد تأخرت عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية، وأن هذه الأموال يجب أن تُجبى، وإن دعا ذلك إلى الحجز، وإلى رفع الأمر إلى النيابة. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي أساس أُقيم؟ كان بين النواب ورئيس الوزراء، الذين لم يختصموا قط. أو قل إن شئت، لم يكن هناك صلح، وإنما كانت هناك تسوية، وإعانة على تجرع الكأس، وقبول من الغاضبين لهذه الكأس المرة التي أهداها إليهم صبري بك، وأي غضاضة عليهم من أن يشربوا كأسًا مُرّة؟ أليست مرارتها تأتي من أن الشراب الذي تحتويه هو الحق والعدل والمساواة؟ نظن أن وزير المالية لم يُقدم على هذا الصلح الحرام، الذي يُضيع على الدولة حقًا أو يكلفها ما لا تطيق، ولكن هذا لا يغير موقفًا مؤلمًا حقًا، وهو أن وزيرًا أراد أن ينفذ القانون فثار به وتألب عليه نيف وثلاثون من حماة القانون.
ونظن أن وزير المالية ورئيس الوزراء والذين يُعنون بأن تكون مصر بلدًا متحضرًا، حسن السمعة، نقيَّ الخلق، يوافقوننا على أن هذا كثير.
طه حسين
حديث الوادي، ١٤ يونية ١٩٣٤. -
تواضع!
حديث المساء: تواضع!
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ مارس ١٩٣٤
أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ
السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى
اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ
تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا،
فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا
أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في
حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا
السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير
الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.
وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون،
أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما
نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه
إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي
له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر
مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل
أُلْغِيَ.
وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف،
فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين
الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي
لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها
أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع
الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان
عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان
الخيال.
وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه
الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام
صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة
واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه
الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء
الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم
مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه
الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على
إلغاء الامتيازات.
أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا
يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب،
بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات،
فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام
الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ
العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع
الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.
ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي
الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ
إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح
وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت
تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة
أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟
أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من
الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من
الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة
والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا
شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!
وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي
فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير
طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون
القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي
القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا
يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع
المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى
رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من
الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر
في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع
المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم
على تصريف الأمور.
والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم
المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء
الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ
لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان
بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع
المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء
الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.
أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة
القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر
على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى
الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟ -
دفاع (١)
حديث المساء: دفاع (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٤ يناير ١٩٣٤
أُريد أَنْ أنهض بأعباء هذا الدفاع تطوعًا للخير، وتصدقًا ببعض ما أملك مِنَ الجَهْدِ، وابتغاء للرَّحْمة من حيث هي رحمة، وحبًّا للإشفاق من حيث هو إشفاق.
ولستُ أدري، لِمَ يَكُون المُعَارِضُ قَاسيًا دَائِمًا؟! ولِمَ تكون المعارضة قسوة خالصة؟! ولِمَ يَقْطَعُ المُعَارِضُون للأيام على أنفسهم عهدًا أن يكونوا قُسَاة لا يعرفون الرحمة، وجُفاة لا يعرفون اللِّين، ولم يقُل أَحدٌ من أصحاب اللغة ولا من أصحاب السِّياسة إنَّ المُعَارَضَة لا ينبغي أن تكون إلا قسوة خالصة وشِدَّة لا هوادة فيها ولا رفق؟!
وليكن رأي أصحاب اللغة ما يكون، وليكن رأي أصحاب السياسة ما يكون، وليغضب المُعارضون أو ليرضوا، وليعرف القُرَّاء أو لينكروا؛ فإني مُصِرٌّ اليوم على أن أُدافع عن الوزارة لأني أصبحت اليوم شديد المَيْل إلى الرحمة، عظيم الرغبة في الرفق والإشفاق.
وأنا أُريدُ أَنْ أَنْتَهِزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأَنْ أُدَافِعَ عن الوزارة في هذا الفصل قبل أن تُعاودني قسوة المعارضة، أو قبل أن أَعُود أنا إلى قَسْوَة المُعَارضة، أو قبل أن تذهب عني هذه العاطفة التي تجعلني رفيقًا رحيمًا، وتعطفني على الضعفاء الذين لا يَجِدُون لهم ردءًا يَقِيهم، ولا ذائدًا يَحْمِيهم، ولا مُنَاضِلًا يرد عنهم عدوان المُعتدين.
والمعتدون هُنَا هم هؤلاء المُعارضون الذين يَصِفُون الوزارة بالضعف والقصور أو العجز والتقصير، ويُسمون سياستها سياسة الرُّكود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يسرفون؛ فيتفكهون، ويتندرون، ويقترحون على الرَّجُل الطيِّب حَقًّا وصِدْقًا كما تقول الشعب أن يستريح كل ما هبَّتْ عليه عاصفة أو هدأت عنه زوبعة، وأن يستريح لا في داره كما يستريح الناس، بل في سفينة من سفن الدولة تصعد به في النيل وتهبط به إلى البحر كما يستريح المُترفون.
هذا كثير! وأكثر منه أنَّ الذين يكتبونه لا يشعرون بأنهم يَظْلِمُون ويسرفون في الظلم، وبأن هذا النوع من الفكاهة اللاذعة والدعابة المُرَّة لا ينبغي أن يُساق إلى الرَّجل الطيب، إنَّما ينبغي أن يُساق، وقد كان يُساق بالفعل إلى صدقي باشا؛ فصدقي باشا كان قويًّا صلبًا يستطيع أن يتلقَّى الجد والهزل، وأن يصبر على الجد والهزل، لم يكن يحفل بشيء، ولم يكن يَتَأَذَّى بشيء، بل لم يكن يصل إليه شيء مما كان يُكتَب عنه، أو يُقال فيه.
أمَّا الرجل الطيب فدقيق الحس، رقيق المزاج، مترف مُحِبٌّ للترف، مُؤْثِرٌ للعاقبة، حريص على السلم، مبغض للخصومات، كاره للجدال والنِّضال. فلا ينبغي أنْ يُهَاجِمَهُ أو يُخَاصِمَه أو يتجنى عليه إلا الذين انتُزِعَتِ الرَّحمة من قلوبهم انتزاعًا، واقتُلِعَتِ الشفقة من نفوسهم اقتلاعًا، وصُوِّرَتْ قلوبهم من صوان، ونفوسهم من حديد.
وقد يَقول هؤلاء النَّاس القُساة أنَّ الرَّجل الطيب قد خاصم صدقي باشا، وصبر لخصومته. تولى رِيَاسَة الوزارة بعد أنْ أَنْزَل عنها صدقي باشا، فلم يخف من خلافته، ولم يشفق من احتمال تركته، بل ما يزال يداور صدقي باشا ويناوره حتى اضطره إلى أن يستقيل من الحزب مَرَّتين، هازلًا في الأولى وجادًّا في الثانية، ثُمَّ إلى أنْ يَسْتَقِيل من مجلس النواب مرة واحدة هازلًا، ولكنه من غير شك سيستقيل للمَرَّة الثانية، جادًّا متى انتهى شهر الصوم، وَمتى رَأَى في مجلس النواب كيف يجدُّ الجد، وكيف يدعو الزَّعيم أَنْصَاره، فلا يُجِيبه منهم أحد، ولا يعود إليه إلا صدى صوته الذي يملأ الهواء، ثُمَّ لا يصل إلى أذن ولا يطرق سمعًا، ولا ينتهي إلى نفس.
وإذا استطاع الرَّجُل الطيب أنْ يَبْلُغ بطاغية مصر في القرن العشرين ما بلغ، وأنْ يُذِيقَه من العذاب ألوانًا؛ فهو قوي جلد، وهو صبور صلب، وهو قادر على أن يحتمل من الجد والهزل، ومن الفكاهة اللاذعة والدُّعابة المُرَّة، مثل ما احتمل صدقي باشا أو أكثر مما احتمل صدقي باشا.
ولكنَّ الذين يَقُولون هذا الكلام غُلاة مُسرفون، يعتذرون لأنفسهم عن أنفسهم ولا يقنعون أحدًا ببعض ما يقولون؛ فالرجل الطيب لم يصنع بصدقي باشا شيئًا، وما كان له أنْ يَصْنَع به شيئًا، وإنما دُعِيَ إلى رِيَاسَة الوزارة فقبل رياسة الوزارة، ولو قد خُلِّي بينه وبين صدقي باشا لما ثبت في رياسة الوزارة، ولكنَّ الظروف أحاطته بسياج مَنِيعٍ، وحِصْنٍ حصين، وسلطت على صدقي باشا جنودًا رَمَتْه فأصمَّتْه، وجهدته فاضطرته إلى الانهزام.
وقد كانت لصدقي باشا درع متينة حصينة تزل عنها السهام، فلما خلعه الحكم تجرد من هذه الدرع، فجعلت السِّهَامُ لا تُوجَّه إليه حتى تُصيبه وتثبت فيه، وإذا جسمه كله سهام أو آثار سهام؛ فليسَ الرَّجُل الطيب هو الذي رمى، وإِنَّما الظروف هي التي رَمَتْ! وليس الرَّجل الطيب هو الذي أقصى صدقي باشا عن الحزب وإنما الظروف هي التي أقصته، وليس الرجل الطيب سيقصي صدقي باشا عن مجلس النواب، وإِنَّما الظروف هي التي ستقصيه!
وإذن؛ فليس الرَّجُل الطيب بصاحب جهاد وحرب، وليس الرجل الطيب بصاحب طعان وضرب، وإنما الرَّجل الطيب صاحب دعة وسلم وهدوء وأمن؛ فتوجيه اللوم إليه، وتَسْلِيطُ الأَلْسِنَةِ عليه تجنٍّ لا يَنْبَغِي، وتحرشٌ لا يُطاق. سيقولون: ولكن الرجل الطيب قد ثبت للمُحاماة والمحامين، بل هجم على المحاماة والمحامين؛ فأنذر وأعذر، ثم أبرق وأرعد، ثم هيَّأ التشريع، ثم تقدَّم به إلى المَجلسين، ثم أصدره وجعله قانُونًا، ثم أنكر المُحامين إنكارًا وجَهِلَهم جهلًا، وأقام حفلين لم يشترك فيهما المحامون. ومن فعل هذا كله، ونهض بهذا كله؛ فهو خليقٌ أنْ يَحْتَمِل النقد، ويثبت للهزل والجد.
ولكنَّ هذا الكلام كغيره من الكلام لا يثبت للنقد ولا يستقر أَمَام النظر الصحيح؛ فالرجل الطيب خير بطبعه لا يُحِبُّ الشَّر، عَادِلٌ بِطَبْعِهِ لَا يُحِبُّ الجور، حسن بطبعه لا يحب السوء، هادئ بطبعه لا يحب الاضطراب، رفيق بطبعه لا يحب العنف. ومن كانت هذه حاله وتلك خصاله، لم يُهاجم المحاماة ولم يعرض للمحامين؛ فليس هو الذي هاجم تلك أو عرض لهؤلاء، وإنما هي الظروف، وويل للناس من الظروف!
هي الظروف التي تجنَّتْ على المحامين كما يتجنى خصوم الرَّجُلِ الطيب على الرجل الطيب، وأساءت إلى المُحامين كما يُسيء خصوم الرجل الطيب إلى الرجل الطيب؛ فالمُحَامُون مَظْلُومون، والرجل الطيب مظلوم أيضًا.
والظروف — وويل للناس من الظروف! — هي التي ظلمت هذا وهي التي ظلمت أولئك.
وقد انتصر المحامون وانتصفوا لأنفسهم، ولكنهم لم ينتصروا على الرَّجُل الطيب؛ لأنَّ الرَّجُل الطيب لم يُحَارِبهم، وإنما انتصروا على الظروف وانتصفوا لأَنْفُسِهِم من الظروف فالذين يلومون الرَّجُل الطيب يسرفون عليه ويسرفون على أنفسهم، وإذا لم يكن بد من أن يلوموا، وإذا لم يكن بد من أن يقسوا، وإذا لم يكن بد من أن يجربوا مهارتهم في النقد، وبراعتهم في الهزل والجد؛ فليدعوا الرجل الطيب وما هو فيه وليوجهوا لومهم كله، ونقدهم كله، وجدهم كله، وهزلهم كله إلى الظروف؛ لأنَّ الظروف هي التي جنت ما يُنكرون من نشاط في حرب صدقي باشا، وعنف في حرب المحامين، وإعراض عن جلائل الأعمال، ونوم عن عظائم الأمور. بل الظروف هي التي أزعجت هذا الرجل الطيب، وحملته من أوروبا حملًا على جناحَيْ نعامة حتى أقرَّتْه في رياسة الوزارة، ثم أَجْرَتْ على يديه البريئتين ما أَجْرَتْ من الأعمال.
والقراء جميعًا يشهدون أني لا أكره النقد، ولا أخاف الإقدام عليه، ولكنهم يشهدون أني لا أُحِبُّ زيادًا ولا سيرة زياد، ولا آخذ البريء بِذَنْبِ المُسِيء. والرَّجُل الطيب بريء، بريء من كل ما يُوجَّه إليه من لوم؛ لأَنَّه طَيِّبٌ حَقًّا وصدقًا، كما تقول الشعب، وإنما المسيء الذي يستحق اللوم كل اللوم هي الظروف.
لذلك لا ألوم إلا الظروف، ولا أحب لخصوم الوزارة أن يخاصموا إلا الظروف، فإذا لم يكن بد من أن تُذكَر سياسة الركود، فلتُذكَر على أنها سياسة الظروف، وإذا لم يكن بد من أن تُقترَح الراحة في سفينة نيلية؛ فلتُقترَح هذه الراحة على الظروف! ستقول: وكيف تستريح الظروف في دار أو في سفينة؟! وكيف تصعد الظروف في النيل أو تهبط إلى البحر؟! فأقول: وكيف قهرت الظروف صدقي باشا؟! وكيف نصبت الظروف حربها للمحامين؟! ألم تفعل ذلك كله على يد رئيس الوزراء؟! فلتسترح إذن في شخص رئيس الوزراء.
ستقول: فاللوم موجه إلى رئيس الوزراء ما دامت الظروف لا تأتي شيئًا ولا تحتمل شيئًا، إلا إذا تقمصت رئيس الوزراء؛ فأقُول: هذا صحيح، ولكِنْ فرق عظيمًا بين أن تلوم رئيس الوزراء من حيث هو صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا أو تلومه من حيث هو مظهر لما تريد الظروف، ولما تأتي الظروف من الأعمال.
وأظُنُّ أنَّ رئيس الوزراء نفسه ترضيه هذه التفرقة، ويريحه هذا النحو من تصوير الأشياء؛ فهو لا يُلام لأنه رجل طيب حقًّا وصدقًا، ولكن تُلام الظروف في شخصه؛ لأنَّ هذه الظروف مَاكِرَةٌ مَاهِرَةٌ غَادِرَةٌ تأبى إلا أن يكون لها شخص وإلا أن يكون لها اسم، وقد بالغت في المكر والمهارة والغدر؛ فتقمَّصَتْ شخصَ رئيس الوزراء، وتسمَّتْ باسمه في هذه الأيام، فلنلُمْها في هذا الشخص ولنَدْعُها بهذا الاسم حتى تتقمَّص شخصًا آخر أو يتقمصها شخص آخر، وحتى تتسمى باسم آخر أو يُفرَض عليها اسم آخر!
ولعل هذا أن يكون قريبًا؛ فيستريح الرجل الطيب حتى مِنْ لَوْم الظروف.