ثورة
ولكنها استحالت إلى هدوء هادئ، وقد كانت نارًا مضطرمة يتطاير شررها، ويتأجج لهيبها، ويخشى أن يأتي لظاها على كل شيء، فاستحالت بإذن الله بردًا وسلامًا، لا خطر له، ولا شر فيه، ولا خوف منه على أحد، ولا على شيء.
ظهرت هذه الثورة الثائرة يوم الخميس حين أراد وكيل مجلس النواب أن يتكلم في الدَّين، أيؤدَّى ذهبًا أم ورقًا؟ فاضطرب المجلس أشد اضطراب، واضطرم المجلس أشد اضطرام، وانطلقت الحناجر بالصياح، والألسنة بالتأنيب، وامتدت الأيدي في الهواء، وسكت وكيل المجلس، ثم استأنف الكلام، ثم سكت، ثم اضطر إلى أن يدع المنبر، ويعود إلى مجلسه محزونًا كاسف البال!
ثم أبى المجلس أن يثبت من كلام وكيله شيء في المضبطة، وأبى المجلس أن يثبت من ثورته بوكيله شيء في المضبطة، ولم يستطع المجلس أن يطلب إلى الصحف التي تحضر جلساته إهمال هذا الحادث، وما أذكى من نار في قلوب النواب وأفواههم وأيديهم، فنشرت الصحف من أمر هذا الحادث ما نشرت، وأصبح من الحق على المؤرخين أن لا يكتفوا بمضبطة مجلس النواب هذه بعد أن ثبت أنها لا تسجل كل ما يقع في المجلس، وإنما تسجل ما يريد النواب أن يثبتوه.
ثم أصبح من الحق على المؤرخين أن يتمموا بحثهم بقراءة الصحف. ومن يدري لعله لو كشف للمؤرخين عن كل شيء لعلموا أن من الحق عليهم ألا يثقوا بالمضبطة وحدها، ولا بالصحف وحدها، ولا بالصحف والمضبطة مجتمعة، وأن يلتمسوا عند الأفراد الذين اشتركوا في الجلسات أو شهدوها أو سمعوا من اشترك فيها أو شهدها تتمة ما يعمدون إليه من بحث، وما يرغبون فيه من تحقيق.
ومع ذلك فكم قيل للناس وكم سيقال للناس بأن المصادر الرسمية من أوثق المصادر التي يجب أن يعتمد عليها المؤرخون، فقد ظهر الآن أنه يكفي أن يقال إن هذا مصدر رسمي ليقف المؤرخ منه موقف الشك والاحتياط.
هذه ثورة حدثت في مجلس النواب، تحدثت عنها الصحف، واستفاضت بها الأنباء، وكادت تحدث آثارًا ذات خطر في مجلس النواب، ومع ذلك فليس لها ذكر في مضبطة المجلس، ولا سبيل إلى العلم بها، أو القول فيها إلا من خارج المجلس!
ومن قبل ذلك كانت قصة ميزانية الأشغال في مجلس النواب، زعمت المضبطة أن المجلس أقرها، وزعمت المضبطة أن بين الأعضاء من شك في صحة هذا الإقرار، لأن عدد النواب لم يكن قانونيًا، وزعمت الصحف أن العدد كان بعيدًا كل البعد عن أن يكون قانونيًا. وأن ميزانية الأشغال لم تقر وفقًا للدستور والنظام، وإنما خطفت إلى مجلس الشيوخ، كما خطف رئيس الوفد من قنا إلى القاهرة.
ولم ينكر مجلس النواب هذا، لا سرًا ولا جهرًا. فأصبح من الحق للناس أن يصدقوا من شاءوا، وأن يكذبوا من شاءوا، لأن الأمر كله عرضة لشك لا يشبهه شك! وكانت قصة هذه الميزانية في مجلس الشيوخ كقصتها في مجلس النواب. زعمت المضبطة أنها أقرت، وزعمت الصحف أنها لم تقر. وسأل الناس وألحوا في السؤال، فسكتت الصحف، وسكت مجلس الشيوخ.
وشاع أمر هذه الميزانية بين الصدق والكذب، وأصبح من حقك أن تصدق المضبطة وتكذب الصحف، أو أن تكذب المضبطة وتصدق الصحف. فمهما يكن من شيء فإن للصحف فضلًا على النواب والشيوخ يجب أن يؤمن به هؤلاء الذين يضيقون بالصحف، ويريدون أن يسرفوا في التضييق عليها، فلولا الصحف لما عرف الناس أن النواب ثاروا بوكيلهم يوم الخميس حتى هموا أن يخرجوه، ولولا الصحف لما استطاعت الأجيال المقبلة أن تعرف أن النواب كانوا أشداء في مسألة الدَّين، ألداء في الدفاع عن الورق حتى هموا أن ينالوا وكيلهم بأيديهم حين أظهر الميل إلى الدفع ذهبًا!!
لولا الصحف لما عرف شيء من هذا، ولما سجلت للنواب هذه المفاخر الرائعة، وهذه المآثر التي ستُشاع وتُذاع وتملأ الأسماع وتنتشر في كل البقاع.
أفبعد هذا كله يمضي النواب في سوء ظنهم بالصحف، وقبح رأيهم فيها، وهي التي تجعلهم أبطالًا، وتصوغ لهم تيجان الفخر الذي لا يفنى. على أن هذه الثورة التي شبت نارها، واضطرم أوارها يوم الخميس لم يكن من اليسير إخمادها، فقد ردت إلى حدود ضيقة بعد أن أسكت الوكيل! ولكنها ظلت ملتهبة حادة اللهب، وثبت للذين كانوا يحاولون إطفاءها أن هذا الإطفاء لا سبيل إليه إلا أن يستأصل الوقود الذي يمدها بالحرارة والقوة، ويمكنها من الالتهاب والاضطرام. وهذا الوقود هو وكيل النواب نفسه. فرأى رجال المطافئ في مجلس النواب أن لا بد من فصل الوكيل وإخراجه من المجلس لتخمد النار وتهدأ الثورة! قالوا: وتقدم بعض النواب في ذلك إلى رئيس المجلس وأحس الوكيل أن قد أحيط به، فدافع عن نفسه في الصحف، ورجع عن رأيه فيما يقول جماعة، وكشف عن رأيه فيما يقول هو، ولكن رجال المطافئ في مجلس النواب أبوا إلا أن يفصلوه ويخرجوه ليؤمن على المجلس من الحريق، وليتنفس النواب هواء طليقًا، نقيًا بريئًا من الإثم، ومخالفة الإجماع والخروج على إرادة الأمة!!
فلما كان صباح أمس، أضحى وكيل مجلس النواب كئيبًا محزونًا، وكان النهار كلما تقدم به إلى موعد الفصل اشتد جزعه، وزلزلت به الأرض زلزالها. وكان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة، محاكمة رجل لأنه أخطأ، أو لأنه تعمد الخروج على إجماع النواب، أو لأنه أراد أن يكون فريدًا في مسألة الدَّين كما كان فريدًا في مسألة القطن منذ أعوام! أو لأنه أراد أن يكون سياسيًا ماهرًا، ونصيرًا ماكرًا يمهد لتأييد الوزارة والتماس المعاذير لها إن ضاقت بها الحال، وألجئت إلى التسليم للفرنسيين والإيطاليين!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة ليروا كيف يبلغ الاقتناع حد الثورة التي لا تقبل مناقشة ولا جدالًا، ولا خلافًا في الرأي، والتي لا تكتفي بإسكات المخالف في الرأي، ولا برده إلى كرسيه خزيان مبهوتًا. بل تريد أن تقطع عليه كل سبيل للخلاف في الرأي أو في غير الرأي، وترده إلى عزلة آثمة أو كالآثمة!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة ويسأل بعضهم بعضًا: لو أن النواب ثاروا هذه الثورة بالوزراء حين يخالفون إرادة الأمة في بعض ما يأتونه من الأمر، ماذا تكون الحال، وإلى أين يكون المآل؟!
ولكن الانتظار لم يكن طويلًا، والجواب لم يكن عسيرًا. فقد أخمدت النار ولما تنتطح فيها عنزان، ولم يحتج إخمادها إلا إلى نفخة يسيرة كهذه التي تطفأ بها الشمعة إذا أخذ منها الجهد، ولم يبق فيها إلا الذماء! وهل تدري من نفخ هذه النفخة، فأرسل هذا النفس الهادئ الفاتر فأطفأ تلك الثورة الحادة الجامحة؟ هو وكيل النواب نفسه. وقف ثم قال كلامًا دون الذي نشرته الأهرام، وأراد أن يطيل فاكتفى المجلس بالقليل، وبقي الوكيل نائبًا ووكيلًا متمتعًا بثقة النواب، ومتمتعًا أيضًا بثقة رئيس الوزراء التي كان يتمدح بها منذ أسابيع.
وكذلك شبت الثورة، وكذلك أخمدت. كلام شبّها، وكلام أخمدها. وكان الأمر كله كلامًا في كلام! وما ينبغي أن يكون الأمر إلا كلامًا في كلام! فهذا كل ما تسمح به الظروف. وكم يتمنى الذين يحبون الإنسانية ويشفقون على آجال الناس وآمالهم، وعلى منافعهم ومآربهم، لو تكون كل ثورة في العالم كهذه الثورة الهادئة التي شبت في مجلس نوابنا يوم الخميس وأخمدت يوم الاثنين، فلم تدمر شيئًا، ولم تحطم شيئًا، ولم تضيع شيئًا، ولم تمس واحدًا بسوء.
ما أشد حاجة الثائرين في أوربا وأمريكا، أفرادًا وجماعات إلى أن ينظروا إلى مصر، فسيجدون فيها القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنار التي لا تحرق، والثورة التي لا تؤذي، والكلام الذي لا يتجاوز أن يكون كلامًا.
كوكب الشرق ٢٣-٥-١٩٣٣
Tag: government criticism
-
العفو
العفو
إذا مرض الممثلون انصرفوا عن التمثيل، وإذا مرض المغنون كفّوا عن الغناء، وإذا مرض اللاعبون أعرضوا عن اللعب، وإذا مرض الوزراء تعلّقوا بالوزارة، وتهالكوا عليها، وشدّوا أجسامهم إلى كراسيها بأمراس من الكتان، كما يقول امرؤ القيس.
ومن الممثلين والمغنين من يعتزلون التمثيل ويكفّون عن الغناء قبل أن تتقدم بهم السن، ويدركهم الضعف؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن لكل شيء أمدًا لا يتجاوزه، وحدًا لا يعدوه. وأنهم إن مضوا في التمثيل والغناء حتى يدركهم الضعف عجزوا وقصروا، وأثاروا في النفوس عاطفتين مختلفتين: عاطفة السخط عند قساة القلوب المؤثرين لأنفسهم باللذة والمتاع، وعاطفة الرحمة والإشفاق عند رقاق الأفئدة، الذين يؤثرون الضعفاء بالعطف والرثاء.
وقد رأينا الممثلة الشهيرة «مارتيه» تترك بيت موليير سنة ١٩١٧ وهي في أوج مجدها؛ لأنها كرهت أن تتقدم بها السن فيتحول إعجاب الناس بها رثاءً لها، أو سخطًا عليها. ورأينا «سلفان» الممثل العظيم يبقى في بيت موليير على تقدم سنه حتى لقِيَه قوم بالرثاء، وآخرون بالصفير والعلاء.
وكذلك رأينا من رؤساء الوزارات من يحس الضعف أو تعتل صحته اعتلالًا يسيرًا فيستقيل، حتى لا تتعرض مصالح الدولة للخطر، وحتى لا تصبح كفايته مثارًا للقيل والقال. ورأينا منهم قومًا يلمّ بهم المرض فيطيل الإلمام، وينزل بهم الضعف فيطيل الإقامة، فلا يستقيلون ولا يستمعون لنصح الناصحين بالاستقالة، وإنما يحتفظون بمناصبهم، وكأنهم لا يكرهون أن يكون المرض لهم رفيقًا في طريقهم هذه التي يسلكونها في بطء، حتى يتهووا إلى غايتها، وهي اعتزال الحكم راضين أو كارهين.
رأينا من الممثلين أولئك وهؤلاء، ورأينا من رؤساء الوزارات أولئك وهؤلاء، وثارت في نفوسنا لأولئك وهؤلاء عواطف الرحمة حينًا، وعواطف الضيق والسخط عليهم حينًا آخر. وكم كنا نحب أن يكره رئيس وزرائنا لنفسه أن يثير هذه العواطف أو تلك. فهذه الصحف قد أخذت أمس واليوم تعلل اضطرابه وتهافته أمام تلك البرقية التي نشرتها الأهرام أول أمس، واستلحقتها بالبلاغ أمس، بأن صحته قد ضعفت، وأعصابه قد وهت، فأصبح عاجزًا عن المقاومة، قاصرًا عن ضبط النفس والسيطرة على الأمور. ولو كان صحيحًا قويًا موفور النشاط، مسيطرًا على نفسه وعلى غيره أيضًا، لما احتاج إلى هذا التصريح الطويل الذي أذاعه في الصحف أمس، والذي لا يثبت شيئًا ولا ينفي شيئًا، ولا يدل إلا على شيء واحد، هو أن الأمور قد أفلتت منه، وتفرقت عليه، فلا يستطيع لها ضبطًا ولا تصريفًا!
والناس يزعمون أن من أشد أعراض المرض الذي نرجو أن يبرئ اللّٰه منه رئيس الوزراء: النسيان، واعوجاج التفكير، والعجز عن حسن الاستنباط. وقد كان جماعة منهم يتحدثون أمس في تصريح رئيس الوزراء، ولم يكونوا جميعًا من خصوم الرئيس، ولم يكونوا جميعًا من أصدقائه؛ وإنما كان منهم من يخاصمه، وكان منهم من يؤيده ويسرف في تأييده. وكانوا جميعًا ينكرون هذا التصريح؛ ينكره بعضهم في سخط، وهم الأصدقاء، وينكره بعضهم الآخر في إشفاق، وهم الخصوم.
ووقفوا جميعًا عند آخر هذا التصريح حين يتحدث رئيس الوزراء عن أسطورة الوزارة القومية، فيضع لهذه الوزارة شروطًا وقيودًا كتلك التي وضعها السير برسي لورين منذ عام، والتي نشرتها «الأفريكان وورلد»، وتحدثت عنها الأهرام، وخاضت فيها الصحف منذ أسابيع، والتي تحتم على الذين يميلون إلى الوزارة القومية أن يؤمنوا بالدستور الجديد، ويذعنوا لمنفذيه، ويضعوا أيديهم في أيدي هؤلاء المنفذين، والتي ترى أن في البلاد دستورًا يجب أن يُطاع ويُحترم، وأن هذا الدستور يقتضي ألا تؤلف الوزارات القومية إلا على اتفاق مع الأحزاب البرلمانية القائمة!
وقف هؤلاء الناس عند هذا الموضع من تصريح رئيس الوزراء، فضحك بعضهم منه، ورثى بعضهم له. وقال بعضهم لبعض: لقد نهض رئيس الوزراء بالحكم منذ ثلاثة أعوام، وفي مصر دستور قائم كان رئيس الوزراء ممن أقسم يمين الإخلاص له والوفاء بحقه. وفي مصر برلمان أنشأه هذا الدستور، وكان من الحق على كل من يؤلف الوزارات أن يتفق مع أحزابه، ويجدّ في الظفر بثقته والوصول إلى رضاه. فما بال رئيس الوزراء لم يرع هذا الأصل الدستوري يوم ألف وزارته؟ ما باله لم يذعن للدستور ولم يرع حرمته، وقد كان أقسم ليذعنن له، وليرعين حرمته؟ ما باله لم يقم وزارته على رضا البرلمان والاتفاق مع أحزابه؟ ما باله ألغى ذلك الدستور، واستحدث مكانه دستورًا آخر، وصرف ذلك البرلمان، وأقام مكانه برلمانًا آخر؟ أكان يومئذ يؤمن بأنه يقترف إثمًا، فمن أظلم ممن يقترفون الإثم وهم يعلمون أنهم آثمون؟ أم كان في ذلك اليوم يؤمن بأنه إنما يأتي أمرًا مباحًا، فما بال هذا الأمر يباح له ويحرم على غيره؟ ومن الذي زعم أن مقاييس الأخلاق والقانون والنظام تقصر على رجل دون رجل، وعلى فريق دون فريق، فيُرى شرًّا ما يأتيه صدقي باشا، ولا يُرى شرًّا ما يأتيه غير صدقي باشا؟
إن الذين يشرعون للناس هذه السنن السيئة خليقون ألا يغضبوا ولا يسخطوا حين يلقاهم الناس بما شرعوا لهم من شر. إن الذين يفتحون للناس أبواب الخروج على النظام والاعتداء على الدستور خليقون ألا يجزعوا حين يدخل الناس من هذه الأبواب التي فتحوها، فيهيئوا أنفسهم ليحدثوا مثل ما أحدث السابقون لهم، والدافعون لهم إلى الشر. إن الذين يعرضون للنظم القائمة فيبدلون فيها ويغيرون، لا لشيء إلا لأنها لا تلائم آراءهم وميولهم ومنافعهم، خليقون أن يعلموا أنهم يفرضون على أمة كاملة هذه الآراء الخاصة، والميول الخاصة، والمنافع الخاصة؛ فهم خليقون أن يلقوا من غيرهم مثل ما لقِيَ غيرهم منهم، فضلًا عن أن تحاسبهم الأمة على ما أهملوا من منافعها، وما ضيعوا من حقها، وما أهدروا من كرامتها.
لقد شرع رئيس الوزراء للطامعين في الحكم، والمتهالكين عليه، سنة إلغاء الدستور وصرف البرلمان. فلا ينكر أن ينجم في مصر من أصدقائه أو من خصومه من يفعل اليوم بالدستور الجديد والبرلمان الجديد مثل ما فعل هو أمس. وما دام الطمع في الحكم، والطموح إلى السلطان، والجشع إلى المناصب وما تغل من ثروة وجاه، ما دام هذا كله يبيح للناس أن يحنثوا في الأيمان، وأن يلغوا المواثيق والعهود، وأن يضعوا دستورًا مكان دستور، ويدعوا برلمانًا مكان برلمان، فقد فُتح على الأمة باب شر عظيم، وقد وُضعت حياة الأمة على شفا هوة عميقة توشك أن تتردى فيها بسياستها وأخلاقها ونظمها الاجتماعية، إذا لم يكن لها من الصبر والثبات وضبط النفس، والأمل في المستقبل، والثقة باللّٰه، ما يعصمها من السقوط.
تحدث أولئك الناس بهذا كله، وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما نمّ على نفسه بهذا الحديث. وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما قال في نفسه بلسانه وفي صحيفته ما يقول خصومه فيه منذ ثار بالدستور فألغاه، ومنذ ثار بالبرلمان ففرقه، ومنذ ثار بالحرية فألقاها في أعماق السجون، وقيدها بأثقل القيود والأغلال.
ولولا أن رئيس الوزراء مريض لما أنكر على خصومه ما أباحه لنفسه، ولما نهى الناس اليوم عما كان يدعوهم إليه منذ أعوام. فإلام كان يدعو رئيس الوزراء حين ألف وزارته؟ كان يدعو إلى الثورة بالدستور، وكأن يدعو إلى الخروج على النظام. ولو أنه دعا إلى ذلك وألح فيه قبل أن يتولى الوزارة ويظفر بانحياز الإنجليز له، وتأييدهم إياه، لكان حق الحكومة القائمة يومئذ أن تقفه أمام القضاء ليسأله عن ثورته بالدستور وخروجه على النظام. ولكنه فعل ذلك وهو رئيس الوزراء، فعل ذلك وأزمة الحكم في يده، وقوة الدولة مسخرة له، فلم يستطع أحد أن يقفه أمام القضاء، ولا أن يأخذه بما فعل. وإنما استطاع معارضوه، الذين كانوا يومئذ وما يزالون ينصرون القانون، ويؤيدون الدستور، ويرعون حرمة النظام، استطاع هؤلاء المعارضون أن ينكروا عليه سيرته، وهم ما يزالون ينكرون عليه سيرته، وقد لقوا منه، وما يزالون يلقون منه، شرًّا عظيمًا وبلاءً ثقيلًا.
بهذا كله تحدث أولئك الناس أمس. ويستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الناس يتحدثون بهذا وبأكثر منه، وأن الناس سيتحدثون بهذا وأكثر منه ما دام مستأثرًا بالحكم، مسيطرًا عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الذين يزينون له موقفه، ويصورون له أنه منتصر على طول الخط، وأن رأي الناس فيه حسن كل الحسن، يخدعونه ويكذبون عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بهذا، وأن يرجع به على نفسه، وأن يفكر فيه فيطيل التفكير. وهو إن فعل لم يلم هؤلاء الذين يحلمون بالوزارة القومية ويسعون إليها إن فكروا في أن ينتهزوا الفرص ويثبوا إلى الحكم دون أن يتقدموا إليه بالمودة، أو يضعوا يدهم في يده.
فهم لم يريدوا ذلك حين كان قويًا، فأجدرهم ألا يريدوا ذلك وهو ضعيف. وهم حين يتهيأون لتنحيته عن الحكم وخلافته فيه لا يزيدون على أن يفعلوا مثل ما فعل، لأن مقياس الحكم الآن في مصر قد أصبح – مع الأسف الشديد – بفضل صدقي باشا وأمثاله، هو القوة، والقوة وحدها، دون النظام ودون الدستور.
أما مصر، التي ينجم فيها الطامعون، ويعبث بحريتها العابثون، ويطمح إلى إذلالها الطامحون، فهي ثابتة في مكانها، لا تحب الكيد ولا تميل إليه. وهي تكره الحكم الذي يأتي من بعيد لا من قريب، والذي ينشأ عن العبث بالدستور لا عن الدستور، والذي لا يكون مرآة لإرادتها الحرة، ورأيها المستقل، وصورة عزتها وكرامتها.
مصر هذه تكره من رئيس الوزراء ما فعل، ولا تريد أن تفعل كما فعل، وإنما تحتفظ بإيمانها، وحقها، وكرامتها. وهي واثقة أن هذه الحرب الخفية الظاهرة بين الطامعين في الحكم، والطامحين إليه، ستضعفهم جميعًا، وستستنفد قواهم جميعًا، وستقر الأمر بعد قليل في نصابه، وترده إلى أهله.
فليفكر رئيس الوزراء إن سمحت له صحته بالتفكير، وليعمل رئيس الوزراء إن سمحت له قوته بالعمل، وليجتهد رئيس الوزراء إن استطاع في أن يرد عن منصبه هذه النفوس التي تتصل به وتريد أن تشب إليه؛ هذه النفوس التي قرأت كلام رئيس الوزراء أمس، واعتداده بقوته، واشتراطه أن يضع الناس أيديهم في يده ليصلوا إلى الحكم، فلم تزد على أن نطقت بهذه الكلمة التي تدل على شيء كثير من الإكبار والتقدير:
العفو…!
كوكب الشرق ٢٧\٤\١٩٣٣ -
دعابة
دعابة
زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦. -
جلسة
جلسة
كل شيء(١) مستعجل في هذه الأيام متى وصل إلى البرلمان! كأن قوة خفية عنيفة تدفع سادتنا الوزراء والنواب والشيوخ إلى أن يمضوا أمامهم مسرعين، لا يقفون عند شيء، ولا يلوون على شيء، ولا يتفكرون شيئًا!
فمن أحب منهم أن يتفكر أو يتدبر أو يصطنع الأناة، فهو كليل حسير، قد فقد أسباب السبق، وعجز عن إتمام الشوط، فلابد من أن يتخلف، ولابد من أن يرد عن المضي في الطريق. ولعل هذه السرعة في العمل: وهذا الميل إلى خطف الأعمال خطفًا، كما يخطف الناس خطفًا
(١) ١٣ — ٤ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٦٣
١٣٦
غرض من الأغراض التي من أجلها استحدث رئيس الوزراء الانقلاب الدستوري الخطير منذ أكثر من عامين…!
فللأناة منافعها، وللتفكير فوائده. ولكن الأناة في الأعمال العامة تكشف في أكثر الأحيان عن تقصير وشر كثير، والتفكير في الأعمال العامة يظهر أشياء لابد من أن تحق، ويجلو أمورًا لابد من أن تظل غامضة.
والتفكير والأناة يؤديان في أكثر الأحيان إلى ما لا يحمد ولا يحب. فمن يدري أي شيء كان مُحدَث لو لم يخطف رئيس الوفد من قنا؟ ومن يدري أي شيء كان يظهر لو لم تخطف ميزانية وزارة الأشغال من مجلس النواب أمس؟ لنصطنع إذن الأناة والروية في أعمالنا الخاصة، فلا نقدم على شيء حتى نقتله بحثًا ودرسًا وتفكيرًا. فأما الأعمال العامة فلنمسها مسًا رفيقًا، ولنمر عليها مرًا سريعًا، ولنخطفها خطفًا لبقًا بديعًا! وكذلك تجري أمورنا على وجهها، لا يظهر فيها عيب، ولا يتبين فيها فساد واضطراب.
وكذلك نقيم الدليل على أن الأمة تحب الحكومة: وتتولاها بالود والنصح والإخلاص حين نخطف منها رئيس الوفد خطفًا، أو نلقي بينها وبين رئيس الوفد حجابًا كثيفًا من الجند الكثيف.
وكذلك نقيم الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن وزارة الأشغال قد بلغت الكمال وحققت الآمال حين تعرض ميزانيتها على مجلس النواب، وتأخذ هذا المجلس بأن ينظر فيها ويناقشها ويقرها ويتخفف منها في جلسة واحدة، لا تزيد عن ساعتين أو عن ساعات.
وكذلك يشهد العالم المتحضر بأن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه صدق باشا قد آتى ثمره حلوًا شهيًا! فأقام في مصر إدارة منظمة حازمة سريعة لبقة! وأقام فيها برلمانًا متقنًا فطنًا بصيرًا حريصًا على مصالح الأمة، دقيق الإشراف على ما ينفق من أموالها، سريعًا على ذلك كله سرعة
١٣٧
لا تعرفها البرلمانات الأوروبية التي بعد عهدها بالحياة النيابية، والإشراف على أعمال الحكومات…!
قدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قوانين الجامعة، واستعجلت نظرها، فتعجل المجلس نظرها وأقرها في أقل من ساعة! وقدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قانون التخصص في الأزهر وتعجلت نظره، فأسرع المجلس في ذلك وفرغ من القانون في جلستين! وقدمت الحكومة أمس إلى مجلس النواب ميزانية وزارة الأشغال وتعجلت نظرها ففرغ منها المجلس في جلسة واحدة!!
وفي قوانين الجامعة مستقبل التعلم الحديث كله فتنظر في أقل من ساعة. وفي قانون التخصص مستقبل التعليم الديني كله فينظر في جلستين. وفي ميزانية وزارة الأشغال أكثر من ستة ملايين من الجنيهات وفيها خزان جبل الأولياء، وفيها مستقبل الري، وفيها مرافق أقل ما توصف به أنها تمس حياة الأمة في أدق فروعها فتنظر هذه الميزانية ويقرها المجلس في جلسة واحدة! ويقال بعد ذلك إن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه رئيس الوزراء لم يحقق منفعة مصر، ولم يصن مصالحها كلها من العبث، ولم يعصم منافعها من الضياع. اللهم جنبنا العناد في الحق ووفقنا إلى الإيمان بالخير..!
ماذا تبتغي مصر أكثر مما وصلت إليه؟ هذه قوانينها تشرع في دقائق. وهذه ميزانياتها تقر في ساعات، وهذه وزارتها تستمتع بثقة البرلمان، وهذه إدارتها تستأثر بحب الناس جميعًا. كل شيء يجري على وجهه مستقيمًا لا عوج فيه ولا اضطراب، فماذا نريد؟ وماذا نبتغي؟ وما لنا لا نرضى؟
ولكن ما هذه الأزمة التي أثيرت أمس في مجلس النواب؟ وما بال فريق من النواب قد أخذهم هذا الغضب المتأخر فسخطوا وطالما رضوا، وثاروا وطالما هدأوا واستقروا. وخرجوا من الجلسة وطالما لزموا كراسيهم لزوم الغريم؟
١٣٨
زعموا أن هؤلاء السادة كانوا في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، رفعوا إلى مجلس النواب استجوابًا عن خزان جبل الأولياء فأهمل ثم أجل ليرد عليه رئيس الوزراء حين يمن الله عليه بالشفاء. فلما كان أمس، وجاءت ميزانية الأشغال أرادوا أن يؤجلوها كلها أو بعضها حتى يكون الاستجواب وتكون المناقشة فيه، فضاق بهم وزير الأشغال، وضاق بهم رئيس المجلس، وضاقت بهم كثرة المجلس نفسها، وظهر لهؤلاء السادة أنهم مبطئون والدنيا من حولهم مسرعة، وأنهم مقصرون والدنيا من حولهم مشمرة، وأنهم يريدون الجد، والدنيا من حولهم تؤثر الهزل. وما هذا الجد الذي جاء بعد إبانه وتأخر عن أوانه؟
ظن هؤلاء السادة أن الوزارة كانت جادة حين طلبت تأجيل الاستجواب، وقد قيل لهم مع ذاك إن الوزارة إنما تؤجل لتخرج بهذا التأجيل من التأويل والتعليل، ولترجي هذا الاستجواب إلى الفصل الذي ينضج فيه التين والعنب كما يقول الشاعر القديم. فلما أحس هؤلاء السادة ضيق الوزير والرئيس والكثرة، غضبوا واحتجوا وانصرفوا! فماذا كان؟ دار الفلك كما يدور، ومضى المجلس كما كان يمضي، وانتهى إلى أقصر الشوط، وأقرت الميزانية وفيها خزان جبل الأولياء، وسيعود النواب المحترمون مساء اليوم إلى المجلس كأن لم يكن شيء بالأمس، وقد برئت ذممهم، ورضيت ضمائرهم، ولم لا؟ لقد غضبوا وأنكروا، وخرجوا وامتنعوا من إقرار ما لم يكونوا يريدون. ما أسهل هذه البراءة وما أيسر هذا الرضا، وما أسهل أسباب الفكاهة واللعب في مصر!
ثم ينهض وزير الأشغال فيعلن أنه كان يرى في الخزان رأيًا، ثم بدا له فرأى فيه رأيًا آخر. وكان ينكره فأصبح يكبره، وأي حرج في ذلك؟ وأي بأس؟ كل شيء يدور حتى الحق والباطل وحتى الخطأ والصواب وحتى الرفض والقبول. وسواء أرضي وزير الأشغال عن الخزان أم غضب عليه فسيقام الخزان! لقد قبله مجلس النواب منذ عام، وأقر له
١٣٩
الأموال أمس. ليغضب وزير الأشغال وليرضَ، كما غضب النواب ورضوا، فلن يغير ذلك من الأمر شيئًا. ويأبى الله إلا أن تكون في المجلس فكاهة أمس، فقد اعترف وزير الأشغال في صراحة ظريفة بأن وزارته لم ترسم لنفسها سياسة بعد! وإذن فهي لا تستطيع أن تقدم هذه السياسة إلى المجلس، لأنها لا تحب أن تقدم إليه إلا الكامل الشامل الذي قد يكمل غدًا أو بعد غد. ولكنه سيكمل بعد أن يتم إقرار الميزانية على كل حال.
ويؤخذ الرأي على الميزانية جملة، ولم تناقش تفصيلاتها، فإذا أنكر النواب غضب الرئيس، وإذا غضب الرئيس وجب أن يرضى النواب، وإذا رضوا فمرت الميزانية كما يمر البرق. قالت الأهرام: «وكان الأعضاء الباقون خمسة وثلاثين عضوًا» عدد يكفي ليقر أكثر من ستة ملايين، ثم يزعم المصريون أن أمورهم لا تجري على ما يحبون. وهل إلى ما يحبون من سبيل؟ -
زيارتان
زيارتان
من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.
وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.
ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.
في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.
ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.
وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.
فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.
ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.
أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.
وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟
ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.
وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.
ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.
أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.
لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.
لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.
فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.
كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣ -
عهد
عهد
أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضا الناس عني، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي. فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين يتفضلون عليّ فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضا.
كذلك كنت منذ بدأت أكتب، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا. فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم، ويحسنوا بها الظن، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال.
لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في «الكوكب» فأحبوا ذلك، ورضوا عنه، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له. نعم، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في «الكوكب»، وألحوا عليّ في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر، والرغبة في الخير لي، وللقراء مما سأكتبه.
نعم، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون. ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين، وقبلت مغتبطًا رضا الراضين، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني. فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي، ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين.
وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب. فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب «الكوكب» وقراؤه، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء.
وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور؟ كل شيء ضيق من حولنا، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي، فضيقته وبالغت في تضييقه. ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق، وتأخذنا بتصغير عقولنا، وتقصير ألسنتنا، والكبح من أقلامنا، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة، وبسلطانها الإداري مرة أخرى. وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة، رقيقة مسرفة الرقة، حساسة حادة الحس، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله، لا بما ينكر العرف، ولا بما ينكر الدستور، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق. وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر، فيباح أو يحظر. وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا، وعلى غير وجهه أحيانًا. وإذا تفكيرنا يتهم، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه، وكل شيء نأباه مرغوب فيه. وتمضي الأسابيع والأشهر، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة. فلابد إذن من أن تضيق العقول، وتضعف الإرادة، وتنحل العزائم. وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم، ولتجمعه كله إليها، ولتحصره كله في يدها، ولتضغطه ما وسعها الضغط، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا.
هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان، فيجب أن تظلها بجناحها، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق. وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر. وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي؟
هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي. فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله.
نعم، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط، ويقودونه إلى الرقي والخير.
لندع التفكير في هذا كله، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء، ويستأثر بكل شيء، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة.
كل شيء ضيق من حولنا، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان، وإنما الغريب أننا لم نتأخر، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة. وليس الغريب أن عقولنا لم تزدد سعة، وأن إرادتنا لم تزدد قوة، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية، وأخذت علينا كل سبيل.
نعم، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه. فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية، والعزيمة الماضية، والقوة على المقاومة.
وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد.
كوكب الشرق ٩ – ٣ – ١٩٣٣ -
فراغ …
فراغ …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ فبراير ١٩٣٤
يجب أن تهنأ الوزارة بما تنعم به من فراغ البال، وراحة القلب، واطمئنان الضمير؛ فهذه نعمة لا تتاح لكثير من الناس، ولا تتاح لوزارة من الوزارات في هذه الأيام الحافلة بالأحداث والخطوب. ولكن وزارتنا بحمد الله راضية العيش، قريرة العين، فارغة البال، ليس عندها من كبار الأمور ما يشغلها أو يقلقها، أو يضطرها إلى شيء من الجد والتفكير.
ليست في مصر أزمة اقتصادية لتَجِدَّ الوزارة في حلها، وليست في مصر مشكلات سياسية لتفكر الوزارة في إزالتها، وكان يقال: إن بين مصر وبين أوروبا شيئًا من الخلاف في أمر الدين العام، ولكن الله قد قَيَّضَ الإنجليز لمصر يكفونها شر هذا الخلاف، ويَنُوبُونَ عنها في تدبير حل له، قد يظفرون به وقد لا يظفرون، ولكنهم يعالجونه على كل حال؛ فمن حق الوزارة أن تريح نفسها من السعي إليه أو التفكير فيه. وكان يُحْكَى أن المصارف الأجنبية تريد أن تستوفي دَيْنَها، وأن الناس عاجزون عن توفية هذا الدين، وأن أرضهم وثروتهم تتعرضان للخطر بحكم هذا العجز، ولكن وزير المالية يَقِظٌ يدرس الأمر، ويلتمس له العلاج، لا ينفق يومًا من أيامه حتى يتكلم فيه أو يتناوله بالبحث والدرس، وهو من أجل ذلك يطلب إلى بعض الدول الأجنبية في أوروبا وأمريكا أن تنبئه بما سلكت إلى حل هذه المشكلات من طريق؛ فيتلقى رد بعض الدول، وينتظر رد بعضها الآخر، وهو يدرس ما وصل إليه من ردود، ويتهيَّأ لدرس ما لم يصل إليه بعد، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح وتنعم بما لا تنعم به الوزارات في بلاد الأرض على اختلافها من راحة القلب وفراغ البال.
وكان يُرْوَى أن شيئًا يحدث في بعض حدود السودان، ولكن الله قد أَلْهَمَ الإنجليز — الذين يحبون مصر أعظم الحب، ويعطفون عليها أحسن العطف — أن يُرِيحُوا مصر من حدود السودان، كما أراحوها من السودان كله؛ فهم يفاوضون الإيطاليين، وهم يرسلون الجند والأسلحة إلى الحدود ليسندوا هذه المفاوضة، ويضمنوا لها الفوز، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من قرة العين وفراغ البال، وكان يُشَاعُ أن طائفة من الفضائح تمسُّ الإدارة وتمسُّ المال قد ظهرت في الجو المصري؛ فكدرته ولم يكن صافيًا، وسمَّمتْه ولم يكن هنيئًا، ولكن الله قد ألهم الوزارة أن تَطْوِي كشحًا عن أكثر هذه الفضائح وتفترض أنها أحلام وأوهام، وأن تُؤَلِّفَ لجنة للتحقيق في واحدة منها، كما تستطيع وكما تمكنها الظروف. وبينما تحقق اللجنة، وبينما تذوب الفضائح الأخرى في بحر النسيان تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تستمتع بما لا تستمتع به الوزارات الأخرى من رضا الضمير وفراغ البال.
ثم كان يُذاع أن أمورًا كثيرة أخرى نشأت، وأن أمورًا كثيرة أخرى تريد أن تنشأ، وأن من شأن هذه وتلك أن تشغل الوزارة وتعنِّيها، وتكلِّفها من الجهد والمشقة ما تتكلف الوزارات اليقظة المتعبة. ولكن وزارتنا قد أُلْهِمَتْ أن تُعْرِضَ عما نشأ من الأمور، وألا تتعجل التهيؤ لما قد ينشأ منها، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من هدوء الحال وفراغ البال.
وليس ضروريًّا أن تكون راحة الوزارة صورة لراحة الشعب؛ فذلك شيء يفكر فيه الأشقياء الذين ينظرون إلى الحياة نظرة الجد، وأما الفلاسفة المترفون، فإنما ينتهزون فرص الحياة، وينعمون بما يسنح منها، ويستمتعون بالراحة حين تتاح لهم الراحة، ولا يُحَمِّلُون أنفسهم عناء البحث عن المُتْعَبِين والمرَزَّئِين ليخففوا عنهم ما يصيبهم من تعب، وما يُلِمُّ بهم من أرزاء.
وإذا استراحت الوزارة وفرغ بالها؛ فلا بد لها من بعض اللهو، ولا بد لها من بعض التسلية؛ لأنها إن لم تفعل أدركها السأم وألحَّ عليها الملل، وليس شيء أثقل من السأم على نفوس المترفين. ولا بد للوزارة أن تتحدث إذا اجتمعت، ومن أن يتحدث أعضاؤها إلى أصحابهم إذا لقوهم أو خلوا إليهم، وهيهات أن يكون في الفراغ ما يملأ الحديث؛ فلا بد من بعض الأعمال يُنْفَقُ فيه الوقت، ويُسْلَى به الهم، ويُمْلَأ به الحديث. وأي شيء يُلَائِمُ حياة المترفين وحاجتهم إلى التسلية والعبث، يشبه جمع الجند وتفريقه، وتوزيع الشرطة في أنحاء الأرض، وتصعيدها إلى مصر العليا، والهبوط بها إلى ساحل البحر، والتضييق على الناس في حياتهم الضيقة، والعبث بالناس فيما يصيبهم من جد الأمر؟!
ولم خُلِقَ الجند؟ ولم خُلِقَت الشرطة؟ إذا لم تستطع الوزارات أن تُخضعها بما يخضع له جند الشطرنج من ألوان الجمع والتفريق، ومن فنون الحركة والانتقال، وما دام الله لم يهيئ لمصر حربًا تستخدم فيها الجيش، فلا أقل من أن تهيئ مصر بنفسها فرصة تُظْهِر فيها أن عندها جيشًا، وأن هذا الجيش قادر ماهر يستطيع أن يتقدم، وأن يدور حول العدو وينفرج عنه، وأن يأتي من الحركات ما يقنع الناس بأن فنون الحرب لم تُجْهَلْ في وادي النيل، وإن لم تكتب الحرب على أهل وادي النيل.
ثم مَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله لم يكتب الحرب على مصر، وكل شيء يدل على أن الله قد كتب على مصر حربًا لا كالحروب، وأقرَّ في مصر صراعًا لا عَهْدَ للناس بصراع مثله؟! متى رأيت دولة من الدول تحارب فردًا فتحشد له وتؤلِّب عليه، وتشغل به نفسها آناء النهار وزلفًا من الليل؟!
متى رأيت دولة من الدول تحتمل ألوان الكد والجد، وتتكلف ضروب المشقة والعسر، وتنفق من الذكاء ما مُنِحَتْ وما لم تُمْنَحْ، وتنفق من المال ما يُطَاقُ وما لا يُطَاق، لتحارب سيدة ترحل من بعض الأرض إلى بعضها الآخر؟! كلا، لم يكتب الله على دولة ما كُتِبَ على الدولة المصرية من الحرب والجهاد، ومن الصراع والنضال. أم المصريين في الصعيد، ورئيس الوفد في الإسكندرية؛ هذا كثير، وأكثر منه أن بين الرحلتين أمدًا قصيرًا لا يسمح بالاستعداد والتهيؤ، والاحتياط للطوارئ. أما أنا فأشهد أن وزارتنا ماهرة حقًّا، وأن وزير داخليتنا نابغة حقًّا، وأن الظروف قد هيأت لحمايتنا قومًا لا يمكن أن يؤخذوا على غرة أو يبيتهم العدو وهم نائمون.
أرأيت كيف استحالت مصر السُّفْلَى أمسِ إلى ميدان حرب؟! أرأيت كيف استحالت الإسكندرية أمسِ إلى قلعة منيعة حصينة؟! أرأيت كيف طارت وزارتنا بالقوة الهائلة من أعلى الأرض إلى أدناها؟! أرأيت كيف كان الفرسان يحيطون بسيارة رئيس الوفد في الإسكندرية؛ جماعة من أمام، وجماعة من وراء، جماعة من يمين، وجماعة من شمال؟! أرأيت كيف كان المشاة يحيطون بنقيب المحامين وهو يسعى في الأقصر منذ أيام: يتقدمه عشرون، ويمشي عن يمينه عشرون، ويمشي عن شماله عشرون، ويسعى خلفه من شئت منهم؟!
أرأيت كيف كانت شواطئ النيل تُحْمَى حين كانت أم المصريين تعبر النيل؟ أرأيت كيف كانت تحيط بسفينتها سفن الدولة لتقطع الصلة بينها وبين الأنصار والأعوان؟! أتشك بعد هذا في أن وزارتنا لا تُنْفِقُ ما مُنِحَتْ من فراغ البال في غير طائل، وإنما تنفقه فيما ينفع ويفيد، تنفقه في حماية الصعيد من أم المصريين، وفي حماية الإسكندرية من رئيس الوفد؟! ستقول: ولكنها لم تحمِ الصعيد من أم المصريين، ولم تحمِ الإسكندرية من رئيس الوفد؛ فقد زارت أم المصريين الصعيد وبلغت من زيارته ما شاءت، وزار رئيس الوفد الإسكندرية، وبلغ من زيارته ما شاء.
ولكنك تعلم حق العلم أن المهم هو أن تعتقد الوزارة أنها عملت شيئًا وأنها بلغت شيئًا؛ لأن المهم هو أن ترضى الوزارة عن نفسها، وتسعد الوزارة بحياتها، وتفخر الوزارة بقوتها وذكائها ونشاطها. وما دامت الوزارة راضية فنحن راضون، وما دامت الوزارة سعيدة فنحن سعداء.
والمهم بعد هذا وقبل هذا وفوق هذا هو أن يرى الإنجليز من براعة الوزارة ومهارتها في نقل الحرب من أقصى مصر إلى أقصاها، وفي التضييق على الوفد والوفديين ما يُقْنِعهم بأنها قادرة على البقاء، صالحة له، مُوَفَّقَة إلى ما يحبُّون من التسلية واللهو على حساب مصر؛ فالإنجليز أيضًا محتاجون إلى أن يضحكوا وإلى أن يلهوا، وإلى أن يستمتعوا بما لا يستمتع به غيرهم من فراغ البال. ومن المؤكد أن المندوب السامي الجديد سيشهد من ذلك شيئًا لم يشهده حين كان في الصين، ومن المؤكد أنه سيسعد بما يرى؛ فقد تعب هناك فيما عالج من الأمور الصعاب، فمن حقه أن يستريح هنا بعد ما احتمل من العناء، وأنا مطمئن إلى أنه سيستريح، وسيقضي أيامًا حلوة بين صيد البط والنظر إلى مطاردة الوفد والوفديين.