Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

دعابة

دعابة
زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.


Share:

Comments

Leave a Reply