Tag: العدالة الاجتماعية

  • الديموقراطية

    الديمقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    سيدي صاحب المقام الرفيع، أصحاب المعالي والسعادة، سيداتي سادتي:
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والأفراد بدونهما. أما أولهما فهو طموح الشعب إلى أن يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها، ويستعين بها، وإلى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل إليه من كمال.. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديمقراطية، ولا أظن الديمقراطية نفسها تفهم نفسها إلا على هذا الوضع. فالديمقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه، وهي الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا. والديمقراطية في هذا ليست إلا العلم والمعرفة، فإذا كان هذا حقًا، وأظن أنه حق، فالصلة بين الجامعة والديمقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها.
    وعلى هذا الأساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح، وما أظن أن الشعب قادر على أن يستكشف شيئًا من هذا، إذا كان جاهلاً.
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت أن الديمقراطية لا تبغض شيئًا كما تبغض الجهل، ولا تحب شيئًا كما تحب العلم، وكما تحب المعرفة.
    سيداتي سادتي:
    إن الله لم يختص مصر بخصب أرضها فحسب، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل إليها من علم ومعرفة، فيصبح نافعًا لها ولغيرها، وما أكثر النباتات والأشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر، وأفادت بها غيرها من البلدان.
    فقد انتقلت إلى مصر في الأزمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الوسطى الحضارة الإسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الأوروبية الحديثة فتنمو وتزدهر وهي الآن مصدر نفع للإنسانية كلها. فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار، فإذا كان هذا حقًا فقد نقلت إلى مصر في هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل إليها حتى نمت وأثمرت وهي شجرة الديمقراطية.
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى أخذت تهدي ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب وإظهار الشعب على أنه في حاجة شديدة جدًا إلى أن يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع.
    فرقي التعليم في مصر واتساعه وتعمقه إنما هو مقترن بوصول الديمقراطية إلى مصر، وكلما أحست مصر حياة ديمقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم، وأن تتعلم إلى غير حد.
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الأخيرين، فلم تكد الديمقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدًا… وكم أتمنى أن أقول بغير حساب، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل إليه حتى نحيا حياة ديمقراطية صحيحة.
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديمقراطية والحكومات الديمقراطية، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل، وهي لا تريد أن تتوسع بغير حساب، ولكن الديمقراطية التي تختلط بدم الشعب، وهذه الديمقراطية تطلب بغير حساب. وإذا كان العقل مضطرًا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد، فإن طبيعة الأشياء أقوى وأبعد مدى من العقل… فإذا وصل إليه العقل اليوم إلى شيء، فإن طبيعة الأشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل، وإذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع في التعليم فستكرهنا غدًا على التوسع جدًا، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع.
    وإذا كانوا ينظرون إليه نظرة امتعاض، فإني أوكد لكم غير متردد، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية، ولكنها خطوة بدائية إن كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان، فإنها ستدفعنا حتمًا إلى تعميم التعليم الثانوي بالمجان، وإلى تعميم التعليم العالي بالمجان أيضًا….
    ذلك أن الديمقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء، وليحرص عليها غير متردد. ووسيلة الشعب إلى أن يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وإنما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديمقراطية، وحاجة الديمقراطية إلى العلم لا تنقضي.
    ليس المهم أن ديمقراطيتنا طموحة إلى العلم، فهذا شيء مقرر، وإنما يهمنا أن نزيل بعض الأوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديمقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديمقراطية.
    فينا مثقفون ممتازون جدًا، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود، وهم، يذهبون إلى أن التعليم الجامعي ينبغي أن يكون محدودًا أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغي أن يدفع إليه الشعب دفعًا عنيفًا، وإنما يجب أن نقدم عليه محتاطين، لأن الشعب إذا تعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا فقد يطمع فيما ينبغي ألا يطمع فيه، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه، وقد يأمل حياة لا ينبغي أن يكون له فيها أمل.
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي، ويدعون دائمًا إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم. ولكن يخيل إليّ أن هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها خطرة على الديمقراطية والنظام الديمقراطي، فضلًا عن أنها لا تستقيم مع طبيعة الأشياء. ذلك أن التعليم الجامعي إما أن يكون خيرًا وأما أن يكون شرًا، فإذا كان خيرًا فالديمقراطية تدعو إلى المساواة فيجب أن يتساوى الجميع في الخير. وإذا كان شرًا فلا ينبغي أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه، إنما الواجب أن يتساوى في الشر الجميع.
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر؟ وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد أن أجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين في الخلق والدين، ولكني أعني الماديين في الاعتبار المعتاد، الذي يرمي إلى الكسب والخسارة.
    أريد أن أجيب كما يحب هؤلاء ولا أجيب كالذين يحبون العلم للعلم، ولكني أحببت أن أجيب عنه على أساس الكسب والخسارة.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    إنها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئًا، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن أن تستثمر بها هذه الموارد.
    وإذن فحياتنا المادية نفسها، هذه الحياة التي تعني الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى أن نفكر فيها ونعمل لها.. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي، ولا شيء إلا التعليم العالي…
    قد يقال إن التعليم المتوسط، أو الأولي أو الثانوي كافٍ، ولكن صدقوني أن هذا كلام يقال، وأبسط ما يدل عليه أن الذين يقولونه لا يفكرون فيه، ذلك أن التعليم المتوسط والأولي والثانوي لا يمكن أن يوجد أو ينظم أو يؤتي ثمره القريب أو البعيد إلا إذا أشرف على إدارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظًا كبيرًا جدًا من التعليم العالي. فليس بكافٍ أن يريد الإنسان شيئًا، ولكن ينبغي أن يكون فاهِمًا ما يريد.
    فالذين يريدون أن يكتفى بالتعليم الأولي أو الثانوي أو المتوسط، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل. وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض، بل يوجه إلى الجامعة وإلى التعليم العالي أنه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعني بالحياة العملية، وهذا ممكن، ولكن في غير البلاد الديمقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره، ويقدر حاجاته ومطامحه.
    ذلك أن الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص، وإنما الجامعة بيئة للتعليم الذي يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرًا مستقيمًا جليًا مرنًا واسعًا يشمل كل ما يمكن أن يتجه إليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الإنسان النظرية والعملية في وقت واحد، فإذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان، فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة، وإذا رأينا جامعة تعني بالعلم لأنه يرقي العقل والحياة نفسها، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعًا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليًا وعلميًا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها.
    إذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديمقراطية من الجامعة، إنما يخطئون فهم الجامعة، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته، وأؤكد لكم أنه لو وجدت مدرسة تعني بالعلم من حيث هو علم، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية، لأعرض الشعب عنها إعراضًا تمامًا، ولباءت هذه المدرسة بالخذلان. فلنطمئن إلى أن الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت:
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه. والديمقراطية تقوم على العدل.
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل، هو هذه الفكرة التي أدخلها وزير المعارف في التعليم، وهي فكرة (تكافؤ الفرص).
    «تكافؤ الفرص» يعطي كل ما يمكن أن يعطيه للفرد، وهو لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من أنواع التعليم. بل لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من الحياة كلها. وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائي، وسيصل إلى التعليم الثانوي، ثم إلى التعليم العالي، وغدًا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياة كلها.
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتي كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمته، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفًا لما اصطلح عليه الناس في هذه الأيام وهو «العدالة الاجتماعية».
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وأؤكد لكم أن تحقيق التوازن بينهما، بين ما يطمح إليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال. لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير، وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي.
    إن هناك قومًا يرون قصر التعليم العالي على جماعة دون جماعة، فإن كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليمًا عاليًا.. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالي.. ولكن كيف ومن هم أولًا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟!
    أتصل ذلك بالثروة؟!.. لو أن الأمور عُقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديمقراطية. أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عُقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضًا للديمقراطية.. وإذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعًا أن يتعلموا تعليمًا عاليًا، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص.
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالي مصري مهما تكن ظروفه، وإنما ينبغي أن ترد الحياة نفسها، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضي في هذا التعلم.
    ليس هناك إذن سبيل إلى أن يحول في النظام الديمقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم.
    فإذا أتيحت المقدرة للشباب فينبغي أن تفتح في وجوههم أبواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعي والعالي عن اللون النظري الخالص، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد.
    ومن الخير أن ألاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا، فهي لا تنشئ مدارس إلا على أساس حاجات البلاد، وقد أخذت تعرف للتعليم قدره، وللجامعيين قدرهم، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على أنهم أعضاء كرام في شعب كريم، وهذا المثل الأعلى الذي أقدمت عليه اليوم، وما أشك في أنها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الأيام، فأنا جميعًا نتمنى أن تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب، بل أن يتعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا.
    الوفد المصري، ٩ يونية ١٩٤٤.

  • لو كنت عضوا في البرلمان

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
    إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل ١٩٤٤.

  • كلمة وزير المعارف

    كلمة وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٩ سبتمبر ١٩٤٣
    في مثل هذا الحفل الباهر والجمع الزاخر، وبعد هذا البيان الساحر، لا عجب أن وقفتُ بلسان حائر لأترحم عن قلب شاكر. لقد أبيتم إلَّا أن تشرفوني بهذا الكرم والإكرام، وأكثرتم عند العرض من التجمُّل والكلام، ومضيتم على رأيكم من غير تردُّد ولا إحجام، فلم يسعني إلَّا الاستسلام. وآمنت بأنكم إلزاميون حقًّا؛ لأن حكمكم اللازم على المبتدئ الصغير أصبح لازمًا كذلك على الوزير. وممَّا يزيدني اغتباطًا بهذا الحفل الشائق أن الإلزاميين لا يعرفون التجمُّل الكاذب، وقد قاموا بهذه الحفلة على اعتقاد أنها ضريبة الحق على الواجب، ولكنني قبلتها كما يُقبل معروف الواهب أو كما يَقبل المنةَ صاحبٌ من صاحب.
    ولم يكن يخطر في نفسي ومناها أن أرى هذه الحفلة وقد بلغت في البهجة مداها وفي الروعة منتهاها، وشرفت بحضور الرئيس الجليل فرفعها وعلَّاها.
    إخواني! لقد اتصلت بيننا أودة منذ زمن طويل، وقام عليها ألفُ دليل ودليل، ولم يكُن في الإمكان شأن غير هذا الشأن. وكيف لا يستحكم الود المتين بين من يخدمون نشء الوطن من بنات وبنين، وبين من هو للمعلمين خادمٌ أمين!
    إخواني! ما كان لأمة ديمقراطية أن تُغفِل شأن التعليم الإلزامي؛ لأن الديمقراطية هي حكم السواد الأعظم، أي حكم الشعب. والتعليم الإلزامي هو تعليم السواد الأعظم، أي تعليم الشعب. فالعناية بهذا التعليم ورجاله جرى مع الديمقراطية على حكمها؛ ولذلك قلت لكم في مؤتمركم في الخامس والعشرين من شهر يولية سنة ١٩٣٦ ما يأتي: «ليس لكم من أعداء إلَّا الحكومات الأوتوقراطية.» ثم قلت لكم: «إذا جاز لنا أن نلتمس العبرة من التاريخ وجدنا أن التعليم الإلزامي قد لقي في أوروبا من الاضطهاد والأذى ألوانًا مختلفة. وهذا الحكم جارٍ مع الأزمان في جميع البلدان. وقد حاربت الحكومات الأوتوقراطية هذا التعليم حربًا عنيفةً متصلةً قويةً؛ خوفًا من أن تتنبه الشعوب الغافلة فتطالب بحقها في النور والثروة والحكم. كان الزعم السائد أن جمهور الشعب إنما خُلِق ليعمل لا ليعلم ولا يفكر، فلا صلة له بشئون الحكم والسلطان، كما أنه لا شأن له بالعلم والعرفان. ولكن الله أبى إلَّا أن يُتِمَّ نوره، فلما تجلَّى نور الديمقراطية كتب الله لهذا التعليم نصرًا مبينًا ثابتًا؛ لأن التعليم الإلزامي هو سناد الديمقراطية وسرُّ نجاحها، به قوامها وبه تمامُها؛ وذلك لأنه المرحلة الأولى والأخيرة لتعليم الحاكم الحقيقي وهو الشعب. وكلما هبط مستوى هذا التعليم سقط مستوى الأمة العقلي، وازدادت الهُوة بين طبقة الخاصة وطبقة العامة؛ فاختلفت الأخلاق، وتباينت العقول، وضاق أفراد الأمة الواحدة عن أن يُفهِم بعضهم بعضًا؛ ولهذا قالوا إن الأمم الديمقراطية ينبغي لها أن تعنى بهذا التعليم عناية تامة، وأن لا تبخل عليه بجهد أو مال.» هذه لغة الديمقراطية، ولغة علماء الاجتماع الواقفين على أسرار تقدُّم الأمم. أمَّا علماء التربية فقد قالوا إن التعليم الإلزامي هو الأول وهو المدخل، ولا يمكن أن يطلب الآخر قبل الأول، ولا الغاية قبل المدخل. وإذا صح قيام الأول بنفسه فالآخر لا يمكن أن يقوم إلَّا بالأول؛ ولذلك ينبغي للأمم أن تعنى بالصغار المبتدئين قبل عنايتها بالكبار المراهقين.
    ومما لا شبهة فيه أن المعلمين هم ركن هذا التعليم وسناده؛ لأنهم هم الذين يعلِّمون السواد الأعظم أدب الدنيا وأدب الدين، وينقلون إلى الأبناء تراث الآباء، ويؤدُّون عن الجيل الحاضر إلى الجيل القادم وديعة اللغة والأخلاق والوطنية والدين.
    ولقد كان يحزُّ في نفسي أن أرى المعلم ضائع الحقوق، فإذا اعتزل واجه الفقر المرير وسوء المصير، وإذا مات لم يترك إلَّا الصبية الصغار والدموع الغزار. وكنت أقول في نفسي كما يقول علماء التربية والاجتماع إن الأمة لا يجوز أن تتخذ من عقول المعلمين وجهودهم متجرًا تربح فيه ليكونوا من الخاسرين، ولا ينبغي لها أن تجري الأرزاق على غيرهم ويبقوا هم في الوحل والطين.
    على أن علماء التربية لم يأتوا في ذلك بجديد، ومن قبلهم قال الشاعر الحكيم:
    إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
    ولقد لَقِيَتْ مطالب المعلمين أذنًا صمَّاء يُعيي صداها من يناديها، حتى تولى مصطفى النحاس الحكم فعادت المياه إلى مجاريها، وأعطى القوس باريها، وما أن عُرضت عليه مطالب المعلمين حتى عطف عليها. ولولا عطفُه لبقيت مجرد آمال، تكاد تكون في حكم المحال. لقد خُلِق مصطفى النحاس للخير الأسمى العام، وهو يعلم أنه موضع الرجاء من النفوس، ومكان الحب من القلوب. فلما ولي الحكم ظهرت في جميع الشئون آياته ومناقبه، وأشرق الوادي واطمأنَّت جوانبه، بعد أن اشتدت ظلمته وفدحت مصائبه. وعلى قدر ما خيم على البلاد من ظلام، زاد نور مصطفى النحاس إشراقًا وبهاءً، فتألق الوادي وانجلت غياهبه. ولا عجب فالليل إذا زادت في العين ظلمته زادت ضياءً كواكبُه.
    إخواني! إنه ليسرني أن يقترن عطف الرئيس الجليل على قضيتكم بعطف البرلمان بمجلسيه؛ فقد أثلج هذا العطف صدري ويسَّر أمركم وأمري، وبذلك أصبحت الاعتمادات المطلوبة للمعلمين نافذة ماضية، وإنني أتلو عليكم بمزيد من الغبطة نص تقرير اللجنة المالية بمجلس النوَّاب عن شئون المعلمين عامة والإلزاميين خاصة. قالت اللجنة:
    ليس من شك في أن الأعباء الملقاة على عاتق المعلمين والتبعة التي يضطلعون بها تستوجب العمل على إنصافهم؛ فهذه الهيئة هي التي تقوم بصبر وقوة احتمال بأخطر وأدق الواجبات المدنية. والتعليم لا يصح ولا تستقيم أموره بإنشاء المدارس وضبط البرامج وتوزيع الكتب، إذا لم يقترن هذا كله بتزويد المعلم بالكفاية المادية بقدر تزويده بالكفاية العلمية. وبغير ذلك لا تطيب نفسه، ولا يَحسُن إنتاجه ولا يستطيع أن يبث في النشء حب العلم. أمَّا رجال التعليم الأوَّلِي فهم أشد من غيرهم حاجة لضآلة مرتباتهم وعدم تقرير معاش لهم. والواقع أن تناول التعليم الإلزامي بالإصلاح مع إشباع جو التعليم برُوح الشعور بالقومية، ومع الاتجاه كذلك إلى إقرار اليوم الكامل، ومع إراحة القائمين بهذا التعليم من متاعب العيش بزيادة مرتباتهم وإدخال نظام تغذية الأطفال، يبشر بأننا سائرون فعلًا في سبيل الخير.
    إخواني! لقد وثقتم بحكومة الشعب في إنصافكم، وما كان لنا أن نكذِّب ثقتكم، وأن لا نرد إليكم حقكم، وأنتم الذين تملَئون الأرض علمًا ونورًا. فلا يجوز أن تُغبنوا وأن تكونوا كالسراج يحترق، وستنالون إن شاء الله سائر حقوقكم بعد أن أيَّدها البرلمان؛ لأن إشارة البرلمان فرض يجب أن يؤدَّى وحكمه نافذ لا يُترك سدى.
    وفي الختام أشكر لكم عظيم مُروءتكم وجميل حفاوتكم، بل أشكر لكم هذا اليوم الأغر، الذي قلَّما يجود الدهر بمثله، والذي لا يفي ببعضه حمد ولا شكر.
    والسلام عليكم ورحمة الله.

  • خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف

    خطبة الدكتور طه حسين بك في احتفال المعلمين الإلزاميين بتكريم وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٩ مايو ١٩٤٣
    سيدي صاحب المقام الرفيع …
    أصحاب المعالي الوزراء …
    سادتي …
    ربما كان هذا الاجتماع أصدق وصف لوزارتكم هذه القائمة لنظامكم هذا الذي تسعد به مصر منذ أكثر من عام، فهو اجتماع الإلزاميين الذين يعلِّمون طبقات الشعب، في دار الجامعة التي تهيئ لمصر صفوة المفكرين من أبنائها. ومعنى هذا أن هذا الاجتماع إن صوَّر شيئًا فإنما يصور مثلكم الأعلى، يصور هذه المساواة التي لا يختلف فيها المصريون مهما تكن مكاناتهم، ومهما تكن منازلهم.
    وإني لأستأذنك، يا صاحب المقام الرفيع، وأستأذن زملاءك الوزراء، وأستأذن هؤلاء السادة من رجال التعليم الإلزامي، في أن أصور وزارتكم تصويرًا ما، وربما كان هذا المقام ملائمًا لأن أستمد هذه الصورة الصادقة التي ترتسم في نفسي لك ولأصحابك من حديث نبوي كريم؛ فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين ذات يوم: «ألا أنبئكم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أنبئكم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون.» (تصفيق). وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من أحاسن الناس أخلاقًا، ومن المُوطَّئين أكنافًا، ومن الذين يألفون ويؤلفون.
    أنت وأصحابك تخدمون الشعب ولا تَمنُّون عليه، تهبون للشعب نفوسكم وجهودكم وعقولكم وما تملكون، دون أن تستعلوا على الشعب، أو دون أن تظنُّوا أنكم تسدون للشعب نعمة، وإنما تؤمنون بأن الشعب له عليكم حق، فأنتم تُؤدُّونه؛ لأنكم خدَّامه لا أكثر ولا أقل. (تصفيق). وأنتم مُوطَّئون أكنافًا، فقد سمعت، يا صاحب المقام الرفيع، منذ حين خطيب الإلزاميين يتحدث بأن هذا الاجتماع تاريخي؛ لأنه أول اجتماع شهد فيه رئيس الحكومة حفلة الإلزاميين، فأنت تسعى إلى الشعب، وأنت تسعى إلى الشعب لأنك تؤمن بأن من حق الشعب عليك أن تسعى إليه.
    وأنت وأصحابك، يا صاحب المقام الرفيع، من الذين يألفون ويؤلفون، لا ينكركم من المصريين أحد، ولا تنكرون من المصريين أحدًا، وأنت في قلوب المصريين جميعًا أمناء على مُثُلِ المصريين العليا، والمصريون جميعًا في قلوبكم أصحاب الحق فيما تملكون من جهد وقوة وإخلاص.
    وائذن لي، يا صاحب المقام الرفيع، في أن أُصوِّر وزارتك هذه وعهدك هذا وبرلمانك أيضًا تصويرًا ما، وائذن لي في أن أستعير هذا التصوير الثاني من حديث كريم للنبي الكريم، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصار في حديث جرَى: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.» وأنت وأصحابك سراع إلى نجدة مصر حين تحتاج مصر إلى النجدة، وأنت وأصحابك تكثرون حين تحتاج مصر إلى مَن يذودُ عنها، وإلى من يَحميها، وإلى من يُوطِّئ لها مكانها اللائق بها.
    وأنت وأصحابك أعفُّ الناس عن الغنائم، وأنت وأصحابك أطهر الناس يدًا، وأنزه الناس قلبًا، وأنقى الناس ضميرًا، وأزكى الناس نفسًا، وأسمى الناس طبعًا، وأرفع الناس عمَّا لا يليق بكرام الناس. (تصفيق وهتاف).
    ثم ائذن لي بعد ذلك في أن أتحدث إلى هؤلاء السادة الإلزاميين حديثًا أحب أن يسمعوا له، وأحب أن يتفضلوا فيستشعروا في نفوسهم، وأحب أن يتفضلوا فيذيعوه فيما بينهم، ويذيعوه في قراهم وفي مدنهم، في أقاليمهم وفي بيئاتهم التي يعيشون فيها، فهو حديث العلم، وحديث العلم في العهد الديمقراطي الراقي الذي نعيش فيه الآن. (هتاف متواصل).
    أخص ما يمتاز به زميلك، وزير المعارف، أن يؤمن إيمانًا قد مازج نفسه، وجرى في عروقه مع دمه بأن المصريين جميعًا أصحاب الحق المطلق في أن يتعلموه، وفي أن يكرموا، وفي أن يردَّ عن عقولهم فقر الجهل، وفي أن يردَّ عن أجسامهم الفقر المادي الذي يأتي من البؤس ومن المرض. هو مؤمن بهذا إيمانًا خالصًا، ولولا أنك رئيس الوزارة التي يعمل فيها لما استطاع أن يجد لإيمانه هذا منفذًا في الحياة العملية، ولما استطاع يومئذ أن يكون وزيرًا يعالج ما يعالج من الأمور.
    إنه يؤمن بحق المصريين جميعًا ألا يردُّوا عن التعليم، وقد عمل وأعنته على ما عمل، عمل على ألا يرد مصري عن التعليم مهما تكن فروع هذا التعليم. ضاقت الجامعة فأنشأ جامعة أخرى، ضاقت المدارس الثانوية فأضاف إليها فصولًا، وأضاف إليها مدارس، ضاقت المدارس الابتدائية فأضاف إليها فصولًا وأنشأ مدارس أيضًا.
    ثم رأى أن الفقر يقوم عقبة عنيفة جدًّا بين كثير من المصريين وبين التعليم، وخصوصًا في هذه الأيام الشاقة، فلجأ إليك ووجد منك خير ملجأ، وإذا أبواب التعليم تُفتح، وإذا الفقراء يدخلون المدارس والجامعات لا يُردُّون بالفقر مهما تكن ظروف الميزانية، ومهما تكن الظروف الأخرى. وإذا نسب المجانية تزداد وتزداد وتزداد، حتى إذا ضاق بطلب زيادة المجانية استصدر من مجلس الوزراء قرارًا بألَّا يرد طالب عن الامتحان إذا عجز عن دفع المصروفات.
    وزميلك وزير المعارف يريد أن يستفيد التلاميذ مما يُلقى إليهم من العلم، فهو يعنى بصحتهم ما وجد إلى هذه العناية سبيلًا، ويجد من زميله وزير الصحة ما يمكِّنه من هذه العناية، ثم يلجأ إليك وإلى البرلمان يستعينكما على أن يطعم الفقير، وعلى أن يردَّ عن أبناء المدارس الإلزامية عارض الجهل، وعارض الجوع، فإذا البرلمان يقيِّد الدولة بتغذية التلاميذ بالمدارس الأولية، ويرصد لذلك في العام الماضي مائة ألف من الجنيهات، ثم يرصد لذلك في هذا العام ثلاثمائة ألف، وإذا نجيب الهلالي يغذِّي أبناء المدارس الإلزامية مائة وخمسين ألفًا في العام الماضي، وسيغذِّي منهم في العام المقبل نصف مليون. (تصفيق متواصل).
    وزميلك وزير المعارف يشاركك في عاطفة تمتاز بها امتيازًا ظاهرًا جدًّا، وهو أنك تحب مصر لا كما يحب إنسان وطنه، ولكنك في الوقت نفسه تبغض الأثرة، وتحب للعالم الشرقي وللعالم العربي ما تحبه لمصر. فأنت لا تريد أن تكون مصر معتزلة، ولا تريد أن تكون مصر أثرة، وإنما تريد أن يكون الشرقيون جميعًا شركاء لمصر في هذه المائدة العلمية الهائلة التي يُولمها وزير المعارف. (تصفيق وهتاف).
    ومن أجل هذا لم يكد نجيب الهلالي يتولى وزارة المعارف في وزارتك هذه حتى أخذ الأساتذة من المصريين يخرجون من بلادهم عشرات إلى البلاد الشرقية، يعلِّمون فيها. وإذا من الأشياء المقررة عندنا في وزارة المعارف ألا يرد لشرقي طلب مهما يكن في سبيل العلم، وألا يرد لحكومة شرقية طلب مهما يكن في سبيل نشر الثقافة، فنحن قوم نحب العلم، لا نحبه لأنفسنا وحدها، ولكن نحبه للناس جميعًا، ثم ها نحن أولاء لم نكتف بنشر ثقافتنا والثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي وحده، ولكنَّا نرسل رسل الثقافة المصرية إلى بلاد الحبشة، ولأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تؤسس في بلاد الحبشة مدرسة مصرية تنشر الثقافة المصرية بلغة أجنبية في بلاد لا تتكلم العربية، لا لشيء إلا لأنك أبعد الناس عن البخل بالأشياء المادية، وبالأشياء المعنوية أيضًا، ولا لشيء إلا لأن وزارتك لا تفهم مطلقًا أن يعيش الإنسان لنفسه، وإنما يعيش الإنسان لوطنه، ويعيش الوطن للإنسانية كلها.
    وزميلك وزير المعارف، يا صاحب المقام الرفيع، يتصور مكانة مصر وكرامتها تصورًا أقل ما يوصف به أنه يلائم شعورنا بالكرامة المصرية، ويلائم اعتزازنا بهذه الكرامة، ويلائم هذه المثل العليا التي نطمع فيها، وهي أن تكون مصرنا العزيزة كأي وطن من أوطان الدنيا المستقلة. وهو من أجل هذا لم يكفه أن ينشر الثقافة المصرية في الشرق العربي، ولا أن ينشئ مدرسة ثانوية في السودان، ولا أن يبعث الذين ينشئون مدرسة في الحبشة، ولكنه يريد أن ينشر الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز نفسها، وإذا هو لا يقبل أن يكون للبريطانيين معهدهم في مصر حتى يكون للمصريين معهدهم العربي المصري في لندن. كذلك يفهم نجيب، وكذلك يفهم زملاؤك الوزراء الكرامة المصرية والاستقلال المصري على هذا النحو الذي تفهم أنت عليه كرامة مصر وعزتها واستقلالها، وعلى هذا النحو الذي لا يمكن أن تعيش مصر المستقلة إلا إذا فهمت نفسها عليه. (تصفيق وهتاف متواصل).
    ثم دعني أصورك وأصور وزرائك وأصور عهدك الديمقراطي هذا تصويرًا أخيرًا، فأنت قد دعوت إلى الاستقلال كما دعا إليه سعد من قبلك، وأنت قد جاهدت في الاستقلال، وأنت قد كسبت الاستقلال وعدت به كريمًا موفورًا، ولكنك حين عدت به إنما عدت به مكتوبًا على الورق، ثم تركت الحكم، فظل الاستقلال مكتوبًا على الورق، وأخذت تتخطفه الأيدي، وتنتقص أطرافه من يمين مرة ومن شمال مرة أخرى؛ لأنه كان استقلالًا مكتوبًا على الورق. فلما جئت وجاء معك زملاؤك وجاء معك برلمانك، جعلت الاستقلال حقيقة واقعة، ومادة تُلمس وتُرى وتُحس، يلمسها كل إنسان، ويراها كل إنسان.
    وليس أدل على ذلك من موقفك في شهور يونيو ويوليو وأغسطس الماضية، وليس أدل على ذلك من موقفك حين كان العدو قريبًا من أبواب الدلتا، وحين لم يستطع أحد أن يمسَّ مصالح مصر بأذًى، وحين عاد العدو عن مصر وردت الأخطار عنها، وخرجت مصر من هذه الأزمة كريمة موفورة. يشهد العالم كله بأنها لم تكن أقل كرامة، ولا أقل عزة، ولا أقل احتمالًا للخطب من أي بلد مهما يكن في الشرق أو في الغرب. كل هذا يا سيدي الرئيس تدين به مصر لك ولزملائك ولأعوانك من أعضاء البرلمان، تدين به لهذا العهد الديمقراطي الذي تسعد به، والذي نرجو أن تسعد به.
    فإذا احتفى بك وبزميلك وبزملائك هؤلاء الإلزاميون، فثقْ بأنهم لا يحتفون بك؛ لأنهم يريدون أن يتملقوك، فالأمر بينك وبين الشعب ليس أمر تملق، إنما هو أمر حب ومودة وإخلاص. (تصفيق وهتاف). ولماذا يمكن أن يتملقوك أو يتملقوا زميلك وزير المعارف، لقد أديتما إليهم بعض حقوقهم، ولا أقول كل حقوقهم، وهم لم يكرموكما قبل تأدية هذه الحقوق، وإنما كرموكما بعد أن أديتما إليهم هذه الحقوق، وبعد أن أُصلِح الكادر إصلاحًا ما، وبعد أن أنشئ صندوق الادخار، فهم إذن لا يحتفون بكما تملُّقًا، وإنما يحتفون بكما حبًّا، ويحتفون بكما شكرًا أيضًا.
    وكان زملاؤك الوزراء، وكان برلمان الوفد. قد أديتم للإلزاميين ما أديتم من الحق، فائذن لي أن أقول لمقامك الرفيع، ولزميلك وزير المعارف، ولزملائك الوزراء، ولمن حضر من أعضاء البرلمان: إن الذي أديتموه إليهم حسن، ولكن الذي بقي لهم في أعناقكم كثيرٌ جدًّا، لا لشيء يا صاحب المقام الرفيع إلا لأنك تريد — ولأننا نريد معك — أن يكون أبناء مصر كرامًا دائمًا، ولن يكون المصريون كرامًا إلا إذا كُرِّم الذين يُعلِّمونهم ويُنشِّئونهم. وهذا الشعور نفسه هو الذي حملكم على أن تؤدوا ما أديتم من الحق، وأنا واثق بأنه سيحملكم على أن تؤدوا ما بقي من هذا الحق. (تصفيق).
    وآية ذلك أنكم لم تختصوا الإلزاميين بعطفكم، وإنما شملتم رجال التعليم جميعًا، فلن يمضي هذا العصر، يا صاحب المقام الرفيع، حتى يشعر كل معلم في مصر — مهما يكن الفرع الذي يعلم فيه — بأن وزارتك الديمقراطية قد أحسَّت أن له حقًّا، وأن حقه يجب أن يُؤدَّى إليه. وهذا الحق هو أن يكون كريمًا، وأن يمكَّن من احتمال أعباء الحياة كما ينبغي أن يتحمل الرجل الكريم أعباء الحياة.
    أتريد آخر الأمر، يا صاحب المقام الرفيع، أن أُحدِّثك لماذا لا تجد وزارتك ولا يجد عهدك ارتياحًا من بعض القلوب؟ أمَّا أنا فأستطيع أن أُحدِّثك بهذا حديثًا صريحًا، لا لبس فيه، وأزعم أن أحدًا لن يستطيع أن ينكر ما سأحدِّثك به: إن وزارتك لا تريح؛ هي أولًا لا تريح نفسك، فهي متعبة متعبة، ولكنها لا تريح قومًا آخرين ليس من مصلحتهم أن يشعر الشعب بوجوده ولا بحقوقه ولا بكرامته، وإنما مصلحتهم أن يُستغل الشعب كما تُستغل الأرض، وكما تُستغل الماشية. وأنت ووزارتك تشعرون الشعب بأن له حقًّا، وبأن له كرامةً، وبأن لا فرق بينه وبين أحد كائنًا ما يكون.
    فمن أجل هذا كانت وزارتك متعبة لبعض القلوب، مؤرقة لبعض الناس، مانعة كثيرين من أن يستريحوا؛ لأنك تهيئ لهم عناءً عظيمًا يوم يشعر كل مصري بأن من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، لا فرق بين هذا الغني أو ذاك، وبين هذا القوي أو ذاك، وإنما المصريون جميعًا كما يقول الدستور سواء أمام القانون. أتريد أن تعرف الفرق بينك وبين الذين لا يحبُّونك؟ الفرق بسيط جدًّا: أنت أخذت الدستور على أنه جد، وغيرك أخذ الدستور على أنه مزاح.
    سيدي صاحب المقام الرفيع
    إن هؤلاء السادة الإلزاميين لم يسعوا إلى هذا المكان ليستمعوا لي، وإنما سعوا إلى هذا المكان ليشكروك وليشكروا زميلك وليكرموكما، وقد أقحمت نفسي بين الخطباء إقحامًا؛ لأن كلمة الحق يجب أن تُقال، ويجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وقد قلت هذه الكلمة الآن، فائذن في أن أحييك وأحيي زملاءك، وفيهم صديقي نجيب الهلالي، ثم ائذن لي في أن أدع هذا المكان، وقد يخيَّل إليَّ أن هؤلاء السادة يريدون أن يستمعوا منك ومن زميلك بعض الشيء. (هتافات مختلفة وتصفيق حاد متواصل).

  • أسبوع البر

    أسبوع البر
    طه حسين
    جريدة المصري
    ٢٥ مايو ١٩٤٢

    أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:

    ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.

    وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.

    والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.

    وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.

    لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.

    ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.

    أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.

    وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.

    فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.

    فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.

    ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.

    وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.

    وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.

    وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.

    وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.

    فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.

  • مستقبل الديمقراطية

    مستقبل الديمقراطية

    طه حسين

    مجلة الهلال

    ديسمبر ١٩٤١

    أنا واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم، وأنا من أجل هذا مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة.

    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!

    كذلك قال الطغرائي منذ قرون طوال، وكان موفَّقًا كل التوفيق إلى الحق والصواب فيما قال، وما أظن أن أحدًا من الذين يعيشون في هذه الأيام يستطيع أن ينازع في هذه الحكمة القديمة الجديدة سواء أكان من الذين يَصْلَوْن نار الحرب من قريب، أم من الذين يَصْلَونها من بعيد.

    فليس من شك في أن الحياة التي تحياها الإنسانية الآن ضيقة الآفاق، ضئيلة الخطر، قليلة العناء. لولا أن في كل نفس إنسانية حية سراجًا قويًّا يشق آفاقها المظلمة، وينفذ بالنفس الإنسانية إلى عالم آخر. وراء هذه الآفاق تستطيع الآمال أن تنطلق فيه حرة خفيفة سريعة قادرة على أن ترتفع حتى تبلغ ما شاءت في جو السماء، وقادرة على أن تمضي أمامها إلى غير أمد.

    وماذا تنتظر من هذه الحياة التي نحياها الآن، وقد أخذها الشر من جميع أنحائها، فلا يكاد الإنسان يفكر في أمسه إلا امتلأت نفسه حسرات على أنه قد مضى بكثير من الطيبات كنَّا نستقلها ونزدريها، فأصبحنا نستكثرها ونودُّ لو أُتيح لنا بعضها؟! ولا يكاد الإنسان يحاول التفكير في غده حتى يتساءل: أمدرك هو هذا الغد، أم مقصر هو عن إدراكه؟

    والغريب أن طبيعة الحياة الإنسانية لم تتغير؛ فهي في كل وقت كما هي الآن، معرضة للخطر الذي يأتيها من حيث ينتظر الناس ومن حيث لا ينتظرون، ولكن هذه الحوادث الهائلة والكوارث المنكرة التي تتكشف عنها الحرب في كل لحظة قد جلت طبيعة هذه الحياة للناس، وأشعرتهم بغرورهم وخداعهم لأنفسهم، فواجهوا الحقائق كما هي، وعرفوا أن مثل الحياة الدنيا كمثل هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، والذي ضربه الله لهم في القرآن الكريم، فهم يؤمنون به إذا تلوا الآية أو سمعوا الوعاظ، ولكنهم لا يلبثون أن ينسوا ما تلوا، وأن يعرضوا عمَّا سمعوا، وأن يقبلوا على لذاتهم وأهوائهم كدأبهم قبل أن يتلوا الآية، وقبل أن يسمعوا الوعاظ.

    فأما الآن فكل لحظة من لحظات حياتهم تتلو عليهم هذه الآية، وكل نبأ يصبحهم به النهار، أو يمسيهم به الليل يتحدث إليهم الوعاظ، ويذكرهم بأن الحياة الدنيا هشيم تذروه الرياح، وهم من أجل ذلك خليقون أن يدركهم اليأس، وكثير منهم يدركه اليأس فيفنى في التشاؤم المهلك، أو يندفع إلى التفاؤل المهلك، ولكن نفس الإنسان أقوى من اليأس، وأقوى من أحداث الزمان؛ فهي تستطيع دائمًا أن تأمل، وهي تستطيع دائمًا أن تذكر أمس، وأن تفكر في غد، وأن تستمتع بذكريات الماضي، وأن تحلم بطيبات المستقبل.

    والشر المطلق لا وجود له، كما أن الخير المطلق لا وجود له، أو قُلْ إذا شئت إن الإنسان العادي لا يستطيع أن يتصور الشر المطلق كما أنه لا يستطيع أن يتصور الخير المطلق وهو يسعد بمقدار، ولا أن يفسد الغرور عليه أمره وهو يشقى بمقدار إلا أن يفسد اليأس عليه أمره.

    وهو من أجل ذلك ينتفع بالكوارث؛ لأنها ترده وتصرفه عن غيِّه، وتشعره بأن الحياة لا ينبغي أن تُؤخَذ على أنها هزل خالص، ولا على أنها جد خالص، وإنما هي مزاج من هذا وذاك فيها الرضا والسخط، وفيها الفرح والحزن، وفيها الابتسام والعبوس.

    ولست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا التفكير القاتم، بل لست أدري ما الذي يدفعني إلى التعبير عن هذا التفكير القاتم الذي صحبته أو صحبني منذ تتابعت أهوال الحرب، ولكني احتفظت به لنفسي، وضننت به على غيري، أو ضننت بغيري عليه.

    لست أدري ما الذي يدفعني إلى هذا الحديث القاتم، ولم يطلب إليَّ أن أعظ الناس، ولا أن أبصرهم بجد الحياة وهزلها، وإنما طلب إليَّ أن أتحدث عمَّا أنتظره للديمقراطية بعد هذه الحرب.

    وليتني أدري أيمكن أن تأتلف هذه الكلمات بعد هذه الحرب، فقد طالت هذه الحرب، وثقلت، وتتابعت أهوالها، وتوالت كوارثها، وتعمقت آثارها حياة الناس الذين يشعرون، ويفكرون، ويحسون التضامن الاجتماعي.

    طالت هذه الحرب وثقلت، حتى أنستنا الماضي، وصرفتنا عن المستقبل، وشغلتنا باللحظات التي نحياها، أو التي يُتاح لنا أن نحياها، وحتى لو أرسلنا أنفسنا على سجيتها؛ لخُيِّل إلينا أن ليس لهذه الحرب قبل ولا بعد، ولكنا مع ذلك نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، وأننا قد أنفقنا أعوامًا وأعوامًا كانت تمر فيها بنا الأيام والليالي والأسابيع والشهور، ونحن فارغون لحياتنا الخاصة مقبلون على ما ينفعنا وينفع الناس، لا يصرفنا عن ذلك شيء من هذه الكوارث التي لا يكاد العقل يتصورها، والتي تأخذ الحضارة من كل وجه، وتسعى إليها من كل صوب.

    نعم؛ لا نزال نذكر أن قد كان لهذه الحرب قبل، نَعِمَ الناس فيه بلذات السلم واستمتعوا فيه بالعافية، ولا يزال تذكرنا لهذا الدهر القريب البعيد يُحبِّب إلينا العودة إليه، أو إلى شيء يشبهه، ويثير في نفوسنا الأمل في أن يكون لهذه الحرب بعد ينعم الناس فيه بالسلم، ويستمتعون فيه بالعافية.

    وما يخطر لي أن أتصور هذا الدهر الذي ستنجلي عنه الحرب، ولا أن أشيد فيه القصور الإسبانية، وإنما أنا أرى هذه الحرب كما كان شعراؤنا القدماء يرون الليل إذا شكوا طوله، فظنوا أن نجومه قد شُدَّتْ بالحبال إلى الجبال؛ فهي لا تكاد تنتقل، والناس مع ذلك يذكرون فينعمون بالذكرى، والناس مع ذلك يحلمون فيستمتعون بالأحلام.

    فلنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن تلك الأيام التي لم تكن فيها حرب وإنما كانت كلها سلمًا وأمنًا ولذة ونعيمًا، ولنتحدَّثْ إلى أبنائنا وشبابنا عن أيام مقبلة لا حرب فيها ولا ضرب، ولا قتال فيها ولا نزال، وإنما فيها السلم، والأمن، واللذة، والنعيم، وفيها الآمال العراض، والأماني الباسمة، والمطامع البعيدة، والطموح الذي لا حد له، والسعي في آثار المثل العليا، والظفر بكثير مما تطمع فيه النفوس، وتطمح إليه القلوب، والثقة بأن ما يعسر على بعض الأجيال قد يسر لعضنا الآخر، وبأن الأبناء قد يبلغون ما قصر عنه الآباء، وبأن الغد قد يحقق ما عجز عن تحقيقه الأمس.

    وإذا تحدثت إلى نفسي عن مستقبل الديمقراطية بعد أن تنتهي هذه الحرب فإن لي في هذا الحديث لغتين: إحداهما لغة التشاؤم والشك؛ لأننا شهدنا حربًا مضت، ورأينا بعدها سلمًا شملت الناس، وكنَّا نضيق بتلك الحرب الماضية كما نشقى بهذه الحرب الحاضرة، وكنَّا نعقد بتلك السلم التي انقضت آمالًا واسعة، وننوط بها أماني لا تنقضي، فلما أقبلت السلم لم تحقق من آمالنا الواسعة إلا قليلًا، ولم تُتِحْ لنا من أمانينا البعيدة إلا أهونها شأنًا وأقلها خطرًا.

    وكنَّا نظن أن الحرب الماضية قد قتلت نفسها، وأن السلم قد عفت على آثارنا، وأن أمور الناس ستصير إلى عافية دائمًا، وأن مشكلاتهم ستُحَلُّ بينهم بالرضا والثقة المتبادلة.

    وكنَّا نظن أشياء كثيرة، وكنَّا نأمل أكثر مما كنَّا نظن. فلم تكد تتقدَّم الأيام بتلك السلم؛ حتى تبين أن ظنوننا إنما كانت لغوًا، وأن آمالنا قد ذهبت هباء، وأن الحرب لم تقتل نفسها، وأن السلم لم يُعَفِّ آثار الحرب، فلا غرابة إذا فكرنا في غد مع كثير من التحفظ والاحتياط والإشفاق أن تكون عاقبة هذه الحرب كعاقبة الحرب الماضية، وأن تكون السلم المنتظرة عقيمًا مجدبة كالسلم التي انقضت في سبتمبر سنة ١٩٣٩؛ فهذه إحدى اللغتين اللتين أتحدث بهما إلى نفسي إذا فكرت في مستقبل الديمقراطية.

    فأما اللغة الثانية فلغة أمل ورجاء وثقة؛ ذلك أن الإنسان لم يُعَلَّم إلا ليعلم كما قال الشاعر القديم، وإن من طبيعته الانتفاع بالحوادث، والاستفادة من التجارب، وقد أسرف في الأمل على نفسه أثناء الحرب الماضية، فأسرف عليه اليأس بعد انقضاء تلك الحرب؛ فالخير إذن أن يقتصد في الأمل، وأن يكون رجاؤه معتدلًا، وأن تكون أمانيه معقولة تحد بطاقة الناس وقدرتهم على الإصلاح.

    وقد ظن الأوربيون في أعقاب الحرب الماضية أنهم قهروا الطغيان إلى أمد بعيد جدًّا، وأنهم قد أقاموا على أنقاضه عالمًا قوامه العدل، والقسط، والإنصاف، ولكنهم حين ظنوا ذلك لم يخدعوا أنفسهم وإنما خدعوا كثرة الناس؛ ذلك أنهم لم يكونوا فيما بينهم وبين أنفسهم واثقين بأنهم قتلوا الطغيان حقًّا، والطغيان الألماني لا يُقتَل بهزيمة تلقاها ألمانيا خارج حدودها، وإنما يُقتَل في موطنه حين تُقتحَم الحدود الألمانية، وحين يزول السلطان الألماني، وحين تذوق ألمانيا في وقت طويل أو قصير مرارة الغزو التي أذاقتها للآخرين، ومرارة التسلط الأجنبي الذي بعد عهدها به.

    هنالك يُنتظَر أن يثوب إلى الشعب الألماني شيء من رشد وحظ من قصد، وهنالك يُنتظَر أن يبرأ الشعب الألماني من بعض غروره، ويؤمن بأنه كغيره من الشعوب قد يُتاح له النصر وقد تقضي عليه الهزيمة، وهنالك يعتدل الشعب الألماني في أطماعه، ويكبح من جماحه، ويطمئن إلى أنه يستطيع أن يقنع بالمساواة بينه وبين غيره من الشعوب، ويومئذ يمكن أن يُقْبِل مخلصًا على التعاون مع غيره في إقامة النظام الجديد على أساس من العدل والقصد، وعلى رغبة في المساواة والإنصاف.

    فأما أن ينهزم الشعب الألماني خارج حدوده كما انهزم في الحرب الماضية، فذلك شيء يريح الناس من الطغيان الألماني وقتًا ما، ولكن الشعب الألماني نفسه لا يلبث أن يتساءل عن هذه الهزيمة التي لم يرها رأي العين، ولم يَذُقْ آثارها في أرضه ثم لا يلبث أن ينكرها، ثم لا يلبث أن يرى نفسه مظلومًا، ثم لا يلبث أن يحاول إنصاف نفسه.

    والمظلوم معرض متى استطاع إلى أن يصبح ظالمًا مسرفًا في الظلم؛ فحدود الإنصاف ليست واضحة، والفروق بين الإنصاف والانتقام ليست بيِّنة.

    وكما أن الذين نظموا العالم بعد الحرب الماضية لم يكونوا واثقين بالانتصار، فهم كذلك لم يكونوا واثقين بأنفسهم، أو بعبارة أدق لم يكونوا مخلصين لأنفسهم في تلك الثقة التي كانوا يظهرونها، فلم تكن معاهدة الصلح تمضي حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد عصبة الأمم تنشأ حتى جحدتها الولايات المتحدة الأمريكية، فتركت أوروبا لنفسها فلم تصنع شيئًا، وهي لم تصنع شيئًا؛ لأنها لم تخلص لنفسها، وإنما قام سوء الظن أساسًا لما كان بينها من الصلات؛ فألمانيا مغلوبة، فهي تسيء الظن بغالبيتها وهم يسيئون بها الظن، وإيطاليا ترى أنها قد ظفرت من الغنيمة بأقل مما كانت ترجو، وإنجلترا وفرنسا تتنافسان في سيادة البر والبحر. وقد انحازت روسيا إلى نفسها، وعكفت على ثورتها، وفرغت لبغض الغالب والمغلوب جميعًا؛ ولذلك مضت الحرب الكبرى دون أن يجني الناس منها إلا شرها، وأقبلت سَلْمٌ عرجاءُ لم ينتفع بها إلا المهرة الذين يحسنون الصيد في الماء العكر، ويحسنون ملأ حقائبهم وجيوبهم إذا أظلم الليل.

    وكذلك فرغت أوروبا من حرب الشعوب، ولكنها لم تنتهِ إلى السلم، وإنما انتهت إلى الهدنة، وإلى هدنة غير خالصة، إلى هدنة في السياسة الخارجية، وإلى حرب بين الطبقات فسدت بها السياسة الداخلية للأمم فسادًا عظيمًا.

    ولم تَمْضِ أعوام قليلة على السلم حتى استيقن أولو البصائر أن الحرب مقبلة لا محالة، وأن الشعوب عائدة إلى شر مما كانت فيه، وأن النظم السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها أمور أوروبا لم تكن صالحة للبقاء، وإنما كانت موقوتة تنتظر من يسبق إلى هدمها.

    وقد سبق الثائرون في روسيا فهدموا من ناحيتهم وحاولوا البناء. ثم سبقت إيطاليا، ثم تبعتها ألمانيا، وانقسمت أوروبا إلى قسمين متباعدين أشد التباعد أحدهما يقوم على دكتاتورية مهلكة لحرية الفرد والجماعة وكرامة الإنسان، والآخر يقوم على ديمقراطية مزعزعة مسرفة في حرية الفرد.

    والجماعة مقصرة مع ذلك في إنصاف الفرد من الجماعة، وفي إنصاف الضعفاء من الأقوياء، والفقراء من الأغنياء، والعاملين من الذين لا يعملون.

    ولم يكن الإنسان محتاجًا إلى كثير من الذكاء ليفهم أن دوام تلك الحال قد كان من المحال، ولم تلبث الحوادث أن أثبتت أن الحياة الأوروبية لم تكن معقولة، ولا قادرة على البقاء.

    كل هذا قد تعلَّمه الإنسان في هذا العصر الذي انقضى بين حربين، فواحدة من اثنتين: إما أن يكون الشاعر صادقًا حين قال:

    وَمَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إلا لِيَعْلَمَا

    وإما أن يكون التاريخ صادقًا فيما أنبأنا به من أن الإنسان منتفع دائمًا بالحوادث، مستفيد دائمًا من التجارب، ماضٍ دائمًا إلى أمام.

    وإذن؛ فمن حقنا أن نرجو وأن نأمل، وأن نثق بأن للديمقراطية بعد الحرب مستقبلًا رائعًا مزهرًا، وإما أن يكون ظننا بحكمة الحكماء، وفلسفة الفلاسفة، وعِبَر التاريخ، واستعداد الطبيعة الإنسانية للرقي، وقدرة العقل الإنساني على قهر المصاعب، والخروج من الخطوب منتصرًا عليها كاذبًا. وإذن؛ فهو اليأس لا من الديمقراطية وحدها، ولكن من الحضارة الإنسانية كلها.

    والحمد لله على أني لست من اليائسين، وعلى أني لا أفهم لليأس معنى مع الحياة، كما كان يقول مصطفى كامل رحمه الله، فهذه الكارثة الهائلة التي تخضع لها الإنسانية الآن ليست الكارثة الأولى، ولن تكون الكارثة الأخيرة مع الأسف، وقد تعرضت الحضارة الإنسانية لكوارث أخرى ساحقة ماحقة، فظهرت عليها وانتفعت بها، وخرجت منها أشد تألقًا وأكثر إشراقًا مما كانت قبل أن تلم بها الكارثات.

    ولست أدري لِمَ لا تخرج الحضارة ظافرة من هذه الكارثة، كما خرجت من الكوارث الماضية، وهي الآن أشد أيدًا، وأصلب عودًا، وأمضى حدًّا، وأقدر على المقاومة، وأقدر على النفوذ أيضًا؟!

    أنا إذن واثق بأن ليس على الحضارة الإنسانية خطر حقيقي من هذه الحرب مهما يعظم هولها، وأنا إذن واثق بأن الديمقراطية هي خير ما عرف الناس من نظم الحكم من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأنا من أجل هذا كله مطمئن إلى أن الحضارة إن خرجت ظافرة من هذه الحرب، فستخرج الديمقراطية معها ظافرة؛ لأن الحضارة الصحيحة في هذا العصر لا تستطيع أن تقوم إلا على الحرية … الحرية التي تسع الأفراد والجماعات والشعوب، الحرية التي تمنع الأفراد من أن يظلم بعضهم بعضًا، وتمنع الشعوب من أن يظلم بعضها بعضًا.

    وأكاد أعتقد أن هذه الحروب التي خضعت لها الإنسانية، والتي عرَّضت الحضارة لشر عظيم، إنما هي لون من ألوان الجهاد الذي تبذله الإنسانية لتظفر بهذه الحرية، والذي تشقى به الإنسانية كثيرًا بين وقت ووقت لتنعم بما نتج لها من الحرية كثيرًا أيضًا.

    والشيء الذي لا أستطيع أن أشك فيه هو أن العقل الإنساني قد وصل إلى حد من الرقي لا يستطيع معه أن يقبل الضيم، أو يصبر على الذل، أو يعيش إلا في ظل الكرامة.

    وأنا أعلم أن نُظُم الطغيان قد قامت في أوروبا، وبأنها تكلف الناس من أمرهم شططًا في هذه الأيام, ولكني أعلم أيضًا أن هذه أزمات تتعرض لها الحياة الإنسانية بين وقت وآخر، وأن هذه الأزمات رهينة بالأشخاص الذين يثيرونها، أو بالظروف الطارئة التي تقتضيها. فمتى مضى هؤلاء الأشخاص ولا بد من أن يمضوا، ومتى تغيرت هذه الظروف ولا بد من أن تتغير لأن الحياة تغير مستمر؛ استأنف العقل الإنساني طريقه في سبيل الرقي.

    وهذه الطريق جميلة رائعة، تقوم فيها من حين عقبات وصعاب، ولكنها تمضي دائمًا في ظلال من الحرية والكرامة والأمل والمثل العليا.

    فإذا أردت أن تعرف رأيي في مستقبل الديمقراطية إذا انتهت هذه الحرب فلست أستطيع أن أعرض عليك رأيًا بعينه، ولا أن أرسم لك صورة بعينها، وإنما أستطيع أن أعرض عليك ثقة متينة وأملًا باسمًا.

    فأما الثقة فبانتصار الحضارة والنور على الجاهلية والظلمة، وأما الأمل ففي أن يستفيد الناس من دروس الحرب الماضية والسلم الماضية أيضًا، وفي أن يذكروا أنهم قد أقاموا الصلح الماضي على سوء الظن، وعلى سوء النية، وعلى سوء التقدير، وعلى التنافس والتحاسد، وعلى الخديعة والمكر، فجنوا من هذا كله شرًّا عظيمًا. فهم الآن خليقون ألا يتورطوا فيما تورطوا فيه أمس، وأن يقيموا صلحهم المقبل على حسن تقدير الأمور، وعلى أخذها بالحزم والعزم، وعلى الثقة الصادقة، والتعاون القائم على الإخلاص.

    ويُخيَّل إليَّ أن تجنب الأغلاط التي اقتُرِفَتْ في وضع معاهدة فرسايل وفي تنفيذها، كفيل بأن يضمن للناس ديمقراطية، لا أقول كاملة؛ فليس إلى الكمال من سبيل، ولكنها ديمقراطية قريبة من العدل، يستمتع فيها الفرد بحريته وكرامته، وينعم فيها بطيبات الحياة لا يظلمه القوي، ولا يستغله الغني، وتأخذ فيها الشعوب بحظوظها من الحياة الحرة. لا تستأثر فيها الشعوب القوية بالسيادة والغنى من دون الشعوب الصغيرة، وإنما تقوم حياة الأفراد والجماعات والأمم على شيء من الحب والرفق والعدل والإنصاف.

    منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

  • عيسويات٣

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين
    الوادي، ٢٣\٩\١٩٣٤

  • امتيازات

    حديث المساء: امتيازات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ فبراير ١٩٣٤

    ليست هي الامتيازات التي يستمتع بها الأجانب في مصر، وتضيق بها ضمائر المصريين، وكثير من الضمائر الحية للأجانب أنفسهم، ويضيق بها العدل والحق والإنصاف، فكل المصريين محب لإلغائها، مُلِحٌّ فيه، يراه غرضًا من أغراض النهضة الوطنية، وواجبًا من الواجبات التي ينبغي أن يبذل المصريون فيها ما يملكون من قوة وجهد، والتي لا ينبغي أن يُعرِض المصريون عنها حتى يؤدوها كاملةً، في غير تهاون ولا تقصير ولا فتور. المصريون مُجمِعون على إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، ولكن هناك امتيازات أخرى ليست أقل خطرًا من امتيازات الأجانب، ولعلها أعظم منها خطرًا، وأقبح منها أثرًا في حياة الناس، وأخلاقهم وصلاتهم؛ لأنها امتيازات لا يقبلها العقل، ولا يطمئن إليها القلب، ولا يستريح لها الضمير الحي النقي، ولا تقرها أيسر قواعد الأخلاق.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من المصريين دون فريق، والتي لم يكسبها أصحابها بمعاهدة، أو قانون، أو عُرْف مقرَّر محترم، أو وراثة أو تقليد من التقاليد، وإنما جاءتهم وحدها طائعة راغبة فيهم مدفوعة إليهم دفعًا، برغم أنف المصريين جميعًا.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريق من الوزراء وكبار الموظفين، لا لشيء إلا لأنهم تولَّوا الوزارة أو تقلَّدوا مناصب الحكم، وهي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من الناس ليسوا وزراء ولا موظفين، ولكنهم يظفرون بعطف الوزراء والموظفين. هي هذه الامتيازات التي لا تقوم إلا على مخالفة للقانون وانتهاك حرمات الدستور، ولا توجد إلا حيث يضعف الشعور بالعدل، والتقدير للكرامة، والاعتراف بضرورة النظام. هي هذه الامتيازات التي تعفي فلانًا من أن يُسأَل عمَّا قال أو عمل، بينما يفرض القانون أن يُسأَل الناسُ جميعًا عما يتعَدَّون به حدودَ القانون من قول أو عمل. هي هذه الامتيازات التي تبيح لفلان أن يستمتع من أموال الدولة وجاهها وسلطانها، في غير حق ولا عدل، بما لا يُبَاح لغيره من الناس، بل بما يُعاقَب غيره من الناس على الاستمتاع به أو السعي للوصول إليه.

    هذه الامتيازات الآثِمة خليقة أن تُلْغَى، وهي خليقة أن تُلْغَى قبل تلك الامتيازات الأجنبية. أقول هذا غير متحرج ولا متأثم ولا متردد؛ فإن شعور المصريين بكرامتهم، وحرص المصريين على حقهم، وجدَّ المصريين في استقلالهم؛ هي الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية من غير شك، وليس من الشعور بالكرامة، ولا من الحرص على الحق، ولا من الجد في الاستقلال أن يرضى المصريون أن يمتاز بعضهم من بعض، وأن يتفوق بعضهم على بعض، في غير عدل ولا دستور ولا قانون. وإذا رضي المصري أن يذله المصري، وأن يعتدي عليه، وأن يمتاز من دونه بما لا يطمع هو فيه، وأن يستمتع من دونه بالطيبات، وأن ينتهك من دونه حرمات القانون؛ فهو خليق أن يرضى بكل ما يصيبه من الظلم، وأن يذعن لكل ما ينزل به الجور، وأن يعجز عن إقناع الأجنبي بالرغبة عن الامتيازات، أو النزول عنها. فمَن رضي الظلم القليل خليق أن يرضى الظلم الكثير، ومَن احتمَلَ الهوان اليسير خليق أن يحتمل الهوان العظيم، ومَن عجز عن حماية نفسه في ظل القانون والدستور خليق أن يعجز عن حماية الأجانب في ظل هذا القانون والدستور، ومَن قَبِلَ أن يعبث به فلان وفلان دون أن ينتصف له القانون منهما، ضعيف أشد الضعف، عاجز أشد العجز عن أن يقنع الأجنبي بأن يسوي نفسه به، وأن يرضى أن يشاركه في حياته هذه التي لا تأمن من الظلم، ولا تبرأ من الذل، ولا تخلو من الفساد.

    هذه حقائق مُرَّة، ولكن مرارتها لا تمنع من أن تُقَال، بل مرارتها تفرض علينا أن تُقَال، فلَئِنْ يتحدث بعضنا بهذا خير من أن يتحدث به إلينا الأجانب، لئن يقول بعضنا لبعض: إن في مصر ظلمًا يجب أن يُرفَع، وامتيازات جائرة يجب أن تُمحَى، خير من أن يقول لنا الأجانب: أنصفوا أنفسكم من أنفسكم، ثم فكِّروا في إنصاف أنفسكم منا، وخير من أن يقول لنا الأجانب: ثقوا بأنكم قادرون على إنصاف أنفسكم من أنفسكم، ثم تحدَّثوا إلينا بعد ذلك بأنكم قادرون على أن تضمنوا لنا حياةً قوامها العدل والرعاية والإنصاف، وليس من الشجاعة أن نخفي عيوبنا أو نتستر عليها، وإنما الشجاعة الصحيحة هي أن نُلقِي عيوبنا وجهًا لوجه، وأن نجاهدها ونتخلَّص منها. فَلَئن نُظهِر عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُظهِرها لنا الناس، وَلَئن نُصلِح عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُصلِحها لنا الناس. وهذه الامتيازات التي يستمتع بها إلى الآن صدقي باشا، وأمثال صدقي باشا، عيوب في حياتنا السياسية والخُلُقية يجب أن نُظهِرها ونُنبِّه إليها، ونجهر بالدعوة إلى إصلاحها؛ فَلَذلك خير من أن يُفاجِئنا بها الأجانب على غير انتظار.

    وإني لأُوثِرُ ألف مرة ومرة أن أتحدث بهذه العيوب إلى المصريين، وأن يتحدث بها المصريون إليَّ، وأن يُثقِل بعضنا فيها على بعض، أُوثِرُ هذا ألف مرة ومرة على أن أتحدَّث يومًا من الأيام إلى بعض الأجانب في إلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فيصدمني بهذه الجملة القاسية اللاذعة التي يتصبَّب لها جبين الرجل الكريم عرقًا: إنما يحسن بكم أن تطلبوا إلغاء الامتيازات حين تستطيعون إقناعنا بأنكم قادرون على ألَّا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يمتاز بعضكم من بعض، ولا يرتفع فريق منكم فوق القانون. ويستطيع صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وتستطيع الوزارة وأنصار الوزارة أن يقولوا ما يشاءون، ولكنهم سيعجزون دائمًا عن أن يُقنِعوا أحدًا بأن صدقي باشا ليس مستمتعًا الآن بطائفة من الامتيازات، لا ينبغي أن يستمتع بها رجل في بلد يخضع لحكم الدستور والقانون.

    رجل يقال فيه وفي تصرفاته كلُّ ما قيل، ويُنشَر عنه وعن تصرفاته كلُّ ما نُشِر، وتُؤلَّف لجنةٌ للتحقيق في طائفة من التصرفات هو الذي أجازها وأمضاها؛ فتحقِّق وتدقِّق، وتسأل الناس، ولكنها لا تستطيع أن تبلغه، ولا تستطيع أن تصل إليه؛ لأن الدستور يحول بينها وبين ذلك. ثم يقال له: قَدِّمْ أنت إلى اللجنة ما يزيل عن موقفك كل لبس، ويمحو عن تصرفاتك كل شك؛ فلا يتحرك كأنه لا يسمع. ثم يقال للحكومة: أنفذي فيه حكم الدستور، ودعي البرلمان يسأله عن تصرفاته هذه؛ فلا تتحرك الحكومة، كأنها لا تسمع؟ ثم يقال للبرلمان: أنفذ في هذا الرجل حكم الدستور، سَلْهُ عن هذه التصرفات ليزول عنها كل لبس، ويُمحَى من حولها كلُّ شك، وتبرأ سمعة الوزارة وأعضاء البرلمان من كل شائبة؛ فلا يتحرك البرلمان، كأنَّ أحدًا لم يقل له شيئًا.

    رجل هذه حاله، وهذا موقفه من الدولة، وهذا موقف الدولة منه، ممتاز من غير شك، ومن أين جاء هذا الامتياز؟ لم يجئه من القانون، ولا من الدستور؛ لأن القانون والدستور يُحَتِّمَان سؤالَ الوزراء عمَّا فعلوا وهم وزراء. ولم يجئه من ورائه، فما نعلم أن في مصر نظامًا يحمي الباشوات وكبار الناس من احتمال التبعات. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بينه وبين الدولة تضمن له أن يكون فوق السؤال والجواب. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بين الدولة وبين دولة أخرى تجعله فوق السؤال والجواب، وإنما جاءه من أنه صدقي باشا ليس غير، جاءه من أنه كان وزيرًا، والوزراء لا يُسأَلون إلا أمام البرلمان، والدولة لا تريد أو لا تريد إلى الآن أن تسأله أمام البرلمان، ومع ذلك فالدولة معنية بقصة الكورنيش، حريصة فيما تقول على أن تحقِّق أمرها، وتأخذ المسئولين فيها بالعقاب، فإذا سألت الدولة مَن المسئولون؟ فستجيبك هم الذين ستُظهِرهم اللجنة. فإذا زعمت الدولة أن هناك وزيرًا مسئولًا أجاز بعض هذه التصرفات، سكتت الدولة، وسكت صدقي باشا، وسكت الناس جميعًا. والغريب أن امتياز صدقي باشا لا يفرض نفسه على الوزارة وحدها، ولا يفرض نفسه على البرلمان وحده، وإنما يفرض نفسه على الصحف أيضًا. فهل تذكر كل تلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، وتناله بأقسى ألوان النقد والتشنيع، حين كانت الوزارة جادة في خصومته؟ هل تذكر تلك الصحف التي أثارت قصة الكورنيش وخاضت فيها فأكثرت الخوض؟ إنها الآن صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تقول، ومع ذلك فلم يجد شيء يغيِّر من أمر قصة الكورنيش، فما زالت هذه القصة فضيحة منكرة، ذهبت فيها مئات الألوف من الأموال العامة، وما زال حول هذه القصة تحقيق، وقد خرج صدقي باشا من السؤال والجواب، كما تخرج الشعرة من العجين، وتلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، مطمئنة مستقرة، لا تظهر الآن غيرةً على الحق، ولا حبًّا لوضوحه، ولا حرصًا على معرفة المسئولين جميعًا. فما مصدر هذا الامتياز الذي يستمتع به هذا الدكتاتور العظيم؟ وما مصدر تلك الضجة الهائلة التي أثيرت حول صدقي باشا والكورنيش، ثم سكتت عن صدقي باشا والكورنيش؟ وأين قانون التضمينات هذا الذي يرفع صدقي باشا عن السؤال والجواب، لا لشيء إلا لأنه كان وزيرًا؟

    وأغرب من هذا كله أن السياسة تتحدث إلينا اليوم بأن الجنة التحقيق سألت بعض الناس، أو بعبارة أدق سألت بعض الموظفين في إقليم البحيرة عن أمور تمس صدقي باشا ومقاول صدقي باشا الذي هو مقاول الكورنيش؛ فأجاب الموظف عمَّا سُئِل عنه، وأظهر استعدادًا للإجابة عما يُسأَل عنه. قالت السياسة: فنُقِل هذا الموظف إلى أقصى الصعيد، أهذا صحيح؟! وإذا كان صحيحًا فما تأويله؟ وما تفسيره؟ وما موقعه من الحق والعدل؟ وما ذنب هذا الموظف الذي لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، والذي لم يزد على أن سُئِل فأجاب، ثم تزعم لي بعد ذلك أن المصريين سواء أمام القانون لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يتفوق بعضهم على بعض، وزير لا يُسأَل، وموظف يُسأَل فيجيب، فيُنقَل إلى أقصى الصعيد.

    أما أنا فإني أتمنى أن يكفي الله لجنة التحقيق عواقب هذا التحقيق، فهي قد سألت عن أمور تمس صدقي باشا، وصدقي باشا رجل فوق السؤال، فلعل اللجنة لا يمسها لوم ولا عقاب لأنها سألت عن أمور رجل هو فوق السؤال والجواب. هذه الامتيازات وأمثالها — وثِقْ بأن أمثالها كثير — هي التي يجب أن تُلْغَى وأن تُلْغَى قبل كل شيء، وأن تُلْغَى قبل أن نطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فقد نظن أن من الحق علينا أن نكرم على أنفسنا لنكرم على الناس، فإذا هنَّا على أنفسنا فَلْنَقْبَلْ راضين وكارهين أن نهون على الناس.

  • ظلم

    حديث المساء: ظلم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ أكتوبر ١٩٣٣

    الذي أعلمه ويعلمه رئيس الوزراء وزملاؤه من الوزراء، وأعوانه من الموظفين، ويعلمه الناس
    جميعًا علم يقين، هو أن في مصر نظامًا دستوريًّا ينص في صراحة لا تحتمل اللبس على أن الأمة مصدر
    السلطات.

    وجد هذا النص في الدستور الذي ألغاه صدقي باشا، ووجد هذا النص في الدستور الذي استصدره صدقي
    باشا، والذي نهضت الوزارة القائمة لتحميه وتصونه، وتنفذ أحكامه بالعدل — فيما تقول — بين الناس
    جميعًا، لا تفرق بين أحد منهم. وهذه السلطات التي تصدر عن الأمة بنص هذين الدستورين الصريحين هي
    سلطة النواب والشيوخ حين يشرعون، وسلطة الوزراء والموظفين حين ينفذون، وسلطة القضاة حين يقضون.
    معنى ذلك أن النواب والشيوخ والوزراء والموظفين ورجال النيابة والقضاء لم يُسلطوا على الأمة
    تسليطًا، ولم يفرضوا على الأمة فرضًا، ولم يستمدوا سلطانهم من قوة أجنبية بعيدة عن الأمة، مسلطة
    عليها، ليصبوه عليها صبًّا، وإنما أقامتهم الأمة نفسها، ومنحت بعضهم من الحق والقوة ما يمكن من
    التشريع، ومنحت بعضهم الآخر من الحق والقوة ما يمكنهم من التنفيذ، ومنحت فريقًا ثالثًا من الحق
    والقوة ما يمكنهم من الفصل في الخصومات، وأرصدت لهم جميعًا من مالها ما يهيئ لهم تأدية هذه
    الواجبات على أحسن وجه وأكمله.

    فأيهم تجاوز هذه الحدود، أو أعان على تجاوزها، وأيهم خرج عن هذا الوضع الذي حدده الدستور
    تحديدًا صريحًا، أو أعان على الخروج عنه، فهو ظالم جائر، وهو معتدٍ على الحق، مُسرفٌ في إهدار
    العدل. هذا شيء لا يمكن أن يشك فيه أحد، ولا أن يماري فيه إنسان، ولعل مصدر ما نحن فيه من الشر
    هو أن كثيرًا من الناس يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون إلى ما تدل عليه من المعاني، ولا يتمثلون كما
    ينبغي حقوقهم الخالصة التي لا سبيل إلى أن تمس إلا بالظلم والجور، والبغي على النظام
    والدستور.

    ولو أن أعضاء الوزارات وأعوانهم من الموظفين آمنوا بهذا النص وأمثاله من نصوص الدستور إيمانًا
    لا تجري به الألسنة وحدها، وإنما تطمئن به القلوب أيضًا، كما تطمئن قلوب المؤمنين بذكر الله،
    لتجنبوا كثيرًا من الشطط، ولتنكبوا فنونًا من الإرهاق.

    ولو أن المصريين على اختلافهم، وتباين منازلهم وطبقاتهم الاجتماعية تمثلوا هذا النص وأمثاله
    من نصوص الدستور، فجرت به ألسنتهم عن إيمان واعتقاد، لا عن ترديد ظاهر كما تردد الببغاء ما تحفظ
    من الكلمات، لما أباحوا لوزير أن يشط عليهم، ولا قبلوا من موظف أن يُحمِّلهم من الظلم ما لا
    ينبغي له أن يحملهم، ولا ينبغي لهم أن يحتملوه، ولكن الناس عادةً يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون
    إلى المعاني، فيعجزهم فهم ما لهم من حقوق، ويعجزهم فهم ما عليهم من واجبات، وقد أحب أن أفهم بعد
    هذا الذي لا سبيل إلى الشك فيه: كيف يُباح لموظف من الموظفين أن يشتم جماعة من أبناء الشعب الذي
    منحه ما بيده من السلطان، وخوله ما بيده من القوة، وكيف يُباح لموظف من الموظفين — مهما يكن،
    وليكن رئيس الوزراء — أن يقول لجماعة من المصريين — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر أبناء مصر
    وأدناهم إلى البؤس والضعف والإعدام: إنهم أبناء كلاب؟!

    أحب أن أفهم كيف يباح لموظف من الموظفين المصريين في ظل حكم دستوري متحضر أن يجري لسانه بهذا
    الكلام، وأن يوجهه إلى إخوانه في الوطنية — مهما يكونوا — وأين يوجد النص الدستوري أو القانون،
    بل أين يوجد العرف الدستوري أو القانون الذي يبيح لموظف مصري أن يسمي إخوانه في الوطنية أبناء
    كلاب؟

    وأحب أن أفهم أيضًا كيف يباح لموظف مصري — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يكلف عمدة من
    العمد بأن يمتص دماء المصريين، وفي أي معجم من معاجم الفقه الدستوري أو من معاجم النظام الإداري
    يوجد هذا اللفظ؟! لفظ امتصاص الدماء، دماء أبناء الشعب الذين هم مصدر السلطات بنص
    الدستور!

    وأحب أن أفهم كيف يتاح لموظف من الموظفين المصريين — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يعلن
    إلى جماعة من مواطنيه — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر الناس وأضعفهم وأدناهم إلى البؤس
    والإعدام — أنه مكلف خراب بيوتهم. وأين توجد هذه القوة التي تكلف الموظفين تخريب بيوت الشعب،
    وأين يوجد النص الدستوري أو القانوني الذي يخول الموظفين تخريب بيوت الشعب، ويأذن لهم في أن
    يجهروا بذلك ويعلنوه إلى الناس في غير حرج ولا حياءٍ؟

    أحب أن أفهم هذا كله، أو على أقل تقدير، أحب أن يؤكد رئيس الوزراء للناس أن شيئًا من هذا كله
    لم يقل، وأن شيئًا من هذا كله لم يكن، وأن شيئًا من هذا كله لا يمكن أن يقال، ولا أن يكون. وأحب
    أن يكون تأكيد رئيس الوزراء لهذا صريحًا قاطعًا لا يعتمد على القول وحده، وإنما يعتمد على القول
    والعمل؛ فقد ذكرت السياسة صباح اليوم أن مأمورًا من مأموري المراكز قال هذا الكلام لجماعة من
    أهل الريف بمحضر من قوم آخرين سمعوه. فهل روت السياسة حقًّا، أم هل روت السياسة شيئًا غير الحق؟
    فإن تكن الأولى فإن واجب رئيس الوزراء واضح لا غموض فيه، قاطع لا يحتمل الرد؛ وهو أن يسأل زميله
    وزير الداخلية كيف كان هذا، وأن يكلف زميله وزير الداخلية إحالة هذا المأمور على مجلس التأديب،
    فإن فعل وزير الداخلية فذاك، وإن لم يفعل؛ فواجب رئيس الوزراء واضح أيضًا، وهو أن يختار بين
    إقرار وزير الداخلية وموظفيه على شتم الشعب وتكليف العمد أن يمتصوا دماءه، وتكليف الموظفين أن
    يخربوا بيوته. فيعلم الشعب أن الوزارة القائمة تعترف في صراحة بأنها لا تستمد سلطانها من الشعب،
    وبأنها قد جاءت لإذلال هذا الشعب، وبين أن يخرج وزير الداخلية من وزارته إخراجًا.

    وظلم آخر بشع لا يتناول فردًا من الناس، وإنما يتناول مئات وألوفًا، ولا يتناول قرية من
    القرى، وإنما يتناول جماعات ضخمة من المصريين، منبثة في أقطار مصر كلها. ونحب أن يُعنى به رئيس
    الوزراء، وأن يتبين جلية الأمر فيه، فإن كان حقًّا واقعًا لام فيه وزير التقاليد، وكلفه إصلاحه
    ومحو آثاره السيئة. وإن لم يكن حقًّا أعلن إلى الناس أنه شيء يختلق اختلاقًا، ويخلق من لا شيء.
    وهذا الظلم هو الذي تراه مفصلًا في غير هذا المكان من الكوكب، وهو الذي يقال أنه يصب على رجال
    التعليم الأولى منذ حين.

    فقد عرض بعض النواب برجال التعليم الأولى في بعض جلسات المجلس أول الصيف، ولم يدفع عنهم
    الوزير — وأول واجباته أن يدفع عنهم إن كانوا مظلومين، وأن يفصلهم من العمل إن كان النائب قد
    وصفهم ببعض ما فيهم.

    وقد أنكر المعلمون تعريض النائب وصمت الوزير، وكتبوا في ذلك إلى الوزارة، فعدَّ إنكارهم هذا
    ذنبًا لا بد له من عقاب، وعدَّ دفاعهم عن أنفسهم إثمًا لا بد له من كفارة، ودافع كاتب من الكتاب
    عن هؤلاء الناس، فشكروا له دفاعه عنهم، فعدَّ شكرهم هذا سيئة لا بد من أن يُؤخذوا بها، وجريمة
    لا بد من أن يُطهَّروا منها، ثم صب عليهم لونًا من العذاب غريبًا، فيه تشريد في أقطار الأرض:
    يكون بعضهم في القاهرة، فإذا هو في أقصى الصعيد، ويكون بعضهم في الصعيد فإذا هو في أقصى
    الواحات، ويكون بعضهم في إدفو فإذا هو في الحدود، ويكون بعضهم رئيسًا فإذا هو معلم، ويصبح بعضهم
    فإذا مرتبه قد خصمت منه أيام.

    ويكون بعضهم آمنًا فإذا هو موضوع التحقيق، وإذا هو يتوقع الشر، وينتظر أن يأتيه به الصبح إذا
    أشرق، أو الليل إذا أظلم، ويكون بعضهم مطربشًا فإذا هو مخير بين العمة وبين الفصل من العمل،
    ويكون بعضهم في مدرسة فإذا العمدة يزوره، ثم يزوره شيخ الخفراء، ثم يزوره بعض الشرطة؛ ليتبينوا
    أنه قد غير الزي أثناء التعليم. ويخرج بعضهم من المدرسة فإذا هو مراقب تنتظره الشرطة الظاهرة
    والخفية في الطريق؛ لتتبين أنه لا يعود إلى الطربوش بعد أن يخرج من المدرسة.

    يقول رجال التعليم الأولى: إن هذا كله قد وقع، وما يزال بعضه واقعًا، وما يزال شيء يشبهه
    منتظرًا أن يقع مساء اليوم أو صباح الغد، أو بعد ذلك بوقت قصير أو طويل. فنحب أن يعنى رئيس
    الوزراء بهذا؛ لينفيه نفيًا صريحًا إن لم يكن حقًّا، وليرفعه رفعًا صريحًا إن كان حقًّا، ويعاقب
    الذين يسلطون شره على الناس.

    ورئيس الوزراء يعلم من غير شك أن وزارة المعارف لم تنشأ لتظلم المعلمين وترهقهم، وتأخذهم
    بقبول الإهانة والصبر على الضيم، وتصادرهم في أبسط حقوقهم من الحرية، وإنما خلقت لشيءٍ آخر بعيد
    عن هذا كل البعد، كما أن رجال الإدارة لم يُبثُّوا في الأقاليم ليقولوا للناس: إنهم أبناء كلاب،
    وليكلفوا العمد أن يمتصوا دماء الشعب، وليعلنوا إلى الناس أنهم قد كلفوا تخريب البيوت.

    هذا كله ظلم يجب على رئيس الوزراء أن يرفعه فورًا، ويعاقب مقترفيه، أو أن ينفيه فورًا، ويثبت
    للناس أنه غير صحيح، فإن أعياه هذا أو ذاك؛ فبقاؤه في منصبه لا معنى له، وواجبه الأول أن
    يستقيل.

    أما بعد، فيجب أن يتنبه الحاكمون والمحكومون جميعًا إلى أن نصوص الدستور لم توضع لتكون زينة
    أو حلية، وإنما وضعت لتكون أساسًا للحياة المصرية، وقوامًا للصلة بين الشعب والسلطان. إن أظهر
    هذه النصوص وأحقها بالفهم والاحترام إنما هو هذا النص الذي يسجل أن الأمة مصدر السلطات، ويبين
    بهذا أن رجال الحكم ليسوا سادة الشعب، وإنما هم خدَّامه، وأول ما يجب على خادم الشعب أن يكون
    مخلصًا، ناصحًا، أمينًا.

  • نزاهة

    حديث المساء: نزاهة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أكتوبر ١٩٣٣

    أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

    وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

    ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

    نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

    ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

    أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

    فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

    أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

    وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

    وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

    ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.