Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

كلمة وزير المعارف

كلمة وزير المعارف
طه حسين
جريدة الوفد المصري
٩ سبتمبر ١٩٤٣
في مثل هذا الحفل الباهر والجمع الزاخر، وبعد هذا البيان الساحر، لا عجب أن وقفتُ بلسان حائر لأترحم عن قلب شاكر. لقد أبيتم إلَّا أن تشرفوني بهذا الكرم والإكرام، وأكثرتم عند العرض من التجمُّل والكلام، ومضيتم على رأيكم من غير تردُّد ولا إحجام، فلم يسعني إلَّا الاستسلام. وآمنت بأنكم إلزاميون حقًّا؛ لأن حكمكم اللازم على المبتدئ الصغير أصبح لازمًا كذلك على الوزير. وممَّا يزيدني اغتباطًا بهذا الحفل الشائق أن الإلزاميين لا يعرفون التجمُّل الكاذب، وقد قاموا بهذه الحفلة على اعتقاد أنها ضريبة الحق على الواجب، ولكنني قبلتها كما يُقبل معروف الواهب أو كما يَقبل المنةَ صاحبٌ من صاحب.
ولم يكن يخطر في نفسي ومناها أن أرى هذه الحفلة وقد بلغت في البهجة مداها وفي الروعة منتهاها، وشرفت بحضور الرئيس الجليل فرفعها وعلَّاها.
إخواني! لقد اتصلت بيننا أودة منذ زمن طويل، وقام عليها ألفُ دليل ودليل، ولم يكُن في الإمكان شأن غير هذا الشأن. وكيف لا يستحكم الود المتين بين من يخدمون نشء الوطن من بنات وبنين، وبين من هو للمعلمين خادمٌ أمين!
إخواني! ما كان لأمة ديمقراطية أن تُغفِل شأن التعليم الإلزامي؛ لأن الديمقراطية هي حكم السواد الأعظم، أي حكم الشعب. والتعليم الإلزامي هو تعليم السواد الأعظم، أي تعليم الشعب. فالعناية بهذا التعليم ورجاله جرى مع الديمقراطية على حكمها؛ ولذلك قلت لكم في مؤتمركم في الخامس والعشرين من شهر يولية سنة ١٩٣٦ ما يأتي: «ليس لكم من أعداء إلَّا الحكومات الأوتوقراطية.» ثم قلت لكم: «إذا جاز لنا أن نلتمس العبرة من التاريخ وجدنا أن التعليم الإلزامي قد لقي في أوروبا من الاضطهاد والأذى ألوانًا مختلفة. وهذا الحكم جارٍ مع الأزمان في جميع البلدان. وقد حاربت الحكومات الأوتوقراطية هذا التعليم حربًا عنيفةً متصلةً قويةً؛ خوفًا من أن تتنبه الشعوب الغافلة فتطالب بحقها في النور والثروة والحكم. كان الزعم السائد أن جمهور الشعب إنما خُلِق ليعمل لا ليعلم ولا يفكر، فلا صلة له بشئون الحكم والسلطان، كما أنه لا شأن له بالعلم والعرفان. ولكن الله أبى إلَّا أن يُتِمَّ نوره، فلما تجلَّى نور الديمقراطية كتب الله لهذا التعليم نصرًا مبينًا ثابتًا؛ لأن التعليم الإلزامي هو سناد الديمقراطية وسرُّ نجاحها، به قوامها وبه تمامُها؛ وذلك لأنه المرحلة الأولى والأخيرة لتعليم الحاكم الحقيقي وهو الشعب. وكلما هبط مستوى هذا التعليم سقط مستوى الأمة العقلي، وازدادت الهُوة بين طبقة الخاصة وطبقة العامة؛ فاختلفت الأخلاق، وتباينت العقول، وضاق أفراد الأمة الواحدة عن أن يُفهِم بعضهم بعضًا؛ ولهذا قالوا إن الأمم الديمقراطية ينبغي لها أن تعنى بهذا التعليم عناية تامة، وأن لا تبخل عليه بجهد أو مال.» هذه لغة الديمقراطية، ولغة علماء الاجتماع الواقفين على أسرار تقدُّم الأمم. أمَّا علماء التربية فقد قالوا إن التعليم الإلزامي هو الأول وهو المدخل، ولا يمكن أن يطلب الآخر قبل الأول، ولا الغاية قبل المدخل. وإذا صح قيام الأول بنفسه فالآخر لا يمكن أن يقوم إلَّا بالأول؛ ولذلك ينبغي للأمم أن تعنى بالصغار المبتدئين قبل عنايتها بالكبار المراهقين.
ومما لا شبهة فيه أن المعلمين هم ركن هذا التعليم وسناده؛ لأنهم هم الذين يعلِّمون السواد الأعظم أدب الدنيا وأدب الدين، وينقلون إلى الأبناء تراث الآباء، ويؤدُّون عن الجيل الحاضر إلى الجيل القادم وديعة اللغة والأخلاق والوطنية والدين.
ولقد كان يحزُّ في نفسي أن أرى المعلم ضائع الحقوق، فإذا اعتزل واجه الفقر المرير وسوء المصير، وإذا مات لم يترك إلَّا الصبية الصغار والدموع الغزار. وكنت أقول في نفسي كما يقول علماء التربية والاجتماع إن الأمة لا يجوز أن تتخذ من عقول المعلمين وجهودهم متجرًا تربح فيه ليكونوا من الخاسرين، ولا ينبغي لها أن تجري الأرزاق على غيرهم ويبقوا هم في الوحل والطين.
على أن علماء التربية لم يأتوا في ذلك بجديد، ومن قبلهم قال الشاعر الحكيم:
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
ولقد لَقِيَتْ مطالب المعلمين أذنًا صمَّاء يُعيي صداها من يناديها، حتى تولى مصطفى النحاس الحكم فعادت المياه إلى مجاريها، وأعطى القوس باريها، وما أن عُرضت عليه مطالب المعلمين حتى عطف عليها. ولولا عطفُه لبقيت مجرد آمال، تكاد تكون في حكم المحال. لقد خُلِق مصطفى النحاس للخير الأسمى العام، وهو يعلم أنه موضع الرجاء من النفوس، ومكان الحب من القلوب. فلما ولي الحكم ظهرت في جميع الشئون آياته ومناقبه، وأشرق الوادي واطمأنَّت جوانبه، بعد أن اشتدت ظلمته وفدحت مصائبه. وعلى قدر ما خيم على البلاد من ظلام، زاد نور مصطفى النحاس إشراقًا وبهاءً، فتألق الوادي وانجلت غياهبه. ولا عجب فالليل إذا زادت في العين ظلمته زادت ضياءً كواكبُه.
إخواني! إنه ليسرني أن يقترن عطف الرئيس الجليل على قضيتكم بعطف البرلمان بمجلسيه؛ فقد أثلج هذا العطف صدري ويسَّر أمركم وأمري، وبذلك أصبحت الاعتمادات المطلوبة للمعلمين نافذة ماضية، وإنني أتلو عليكم بمزيد من الغبطة نص تقرير اللجنة المالية بمجلس النوَّاب عن شئون المعلمين عامة والإلزاميين خاصة. قالت اللجنة:
ليس من شك في أن الأعباء الملقاة على عاتق المعلمين والتبعة التي يضطلعون بها تستوجب العمل على إنصافهم؛ فهذه الهيئة هي التي تقوم بصبر وقوة احتمال بأخطر وأدق الواجبات المدنية. والتعليم لا يصح ولا تستقيم أموره بإنشاء المدارس وضبط البرامج وتوزيع الكتب، إذا لم يقترن هذا كله بتزويد المعلم بالكفاية المادية بقدر تزويده بالكفاية العلمية. وبغير ذلك لا تطيب نفسه، ولا يَحسُن إنتاجه ولا يستطيع أن يبث في النشء حب العلم. أمَّا رجال التعليم الأوَّلِي فهم أشد من غيرهم حاجة لضآلة مرتباتهم وعدم تقرير معاش لهم. والواقع أن تناول التعليم الإلزامي بالإصلاح مع إشباع جو التعليم برُوح الشعور بالقومية، ومع الاتجاه كذلك إلى إقرار اليوم الكامل، ومع إراحة القائمين بهذا التعليم من متاعب العيش بزيادة مرتباتهم وإدخال نظام تغذية الأطفال، يبشر بأننا سائرون فعلًا في سبيل الخير.
إخواني! لقد وثقتم بحكومة الشعب في إنصافكم، وما كان لنا أن نكذِّب ثقتكم، وأن لا نرد إليكم حقكم، وأنتم الذين تملَئون الأرض علمًا ونورًا. فلا يجوز أن تُغبنوا وأن تكونوا كالسراج يحترق، وستنالون إن شاء الله سائر حقوقكم بعد أن أيَّدها البرلمان؛ لأن إشارة البرلمان فرض يجب أن يؤدَّى وحكمه نافذ لا يُترك سدى.
وفي الختام أشكر لكم عظيم مُروءتكم وجميل حفاوتكم، بل أشكر لكم هذا اليوم الأغر، الذي قلَّما يجود الدهر بمثله، والذي لا يفي ببعضه حمد ولا شكر.
والسلام عليكم ورحمة الله.

Share:

Comments

Leave a Reply