تبعات التعليم
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ أغسطس ١٩٥٤
كان يُقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من فتح مدرسةً أغلق سجنًا. وكانت هذه الجملة تتردد كثيرًا في أوائل هذا القرن حين كنَّا صبيةً وشبابًا، وحين كان المخلصون الناصحون لهذا الوطن يحضُّون على إنشاء المدارس الحرة، ويشكون من أن الحكومات الخاضعة لسلطان الاحتلال تقتر على الناس في إنشاء المدارس، ولا تنشر التعليم إلَّا بمقدار حاجتها هي إلى الموظفين، لا بمقدار حاجة الشعب إلى المعرفة والثقافة والخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد كانت جريدة اللواء — التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل — أكثر الصحف ترديدًا لهذه الجملة. والشيء المهم هو أن المصريين في أوائل هذا القرن كانوا يعتقدون مؤمنين أصدق الإيمان وأعمقه أن الجهل ظلمةٌ، وأن العلم نورٌ، وأن إنشاء المدارس واجبٌ وطنيٌّ من أعظم الواجبات الوطنية خطرًا، وأبعدها أثرًا في إخراج الشعب من الذلة إلى العزة، وفي تمكينه من مقاومة الاستعمار والتمرد على المستعمرين. ولأمرٍ ما أنشأ الزعيم مصطفى كامل مدرسته تلك التي لم تكن دار تعليم فحسب، وإنما كانت دار تعليم وسياسة ومقاومة للاحتلال.
وكان كاتبٌ معروفٌ — تُوفِّي منذ حين — معنيًا بفتح المدارس، فكان كلما فتح مدرسة أنبأ صديقه مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة، الأستاذ حسين فوزي، بأنه أغلق سجنًا.
كان يقول هذه الجملة لصديقه ضاحكًا مداعبًا، ولكنه لم يكن يضحك ولا يداعب استخفافًا بهذه الحكمة الشائعة أو شكًّا فيها، وإنما كان يضحك ويداعب ثقةً بها، وتثبيتًا لها، وابتهاجًا بانتصاره على الجهل في بيئة ما من بيئات مواطنيه.
كذلك كانت الحال في أوائل هذا القرن، وكذلك كانت الحال بين الحربين العالميتين حين ظفرت مصر ببعض حقها، وأقبلت على أمور التعليم تدبرها معنيةً بها، حريصةً على أن تنشئ المدارس الحكومية والحرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
كانت مؤمنةً بأن التعليم يرد إلى الناس نفوسهم الضائعة، ويشعرهم بحقوقهم المهدرة، ويحبب إليهم الكرامة، ويزينها في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الذلة، ويقبِّحها في نفوسهم. ومن أجل ذلك أنشأ المصريون جامعتهم الأولى على كرهٍ من المحتلين، وأنشئوا مدارسهم الحرة الكثيرة على كرهٍ من المحتلين أيضًا. كان ذلك في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كما كان القُصَّاص يقولون، فأمَّا الآن فقد تغيرت الدنيا، وأصبح فتح المدرسة شيئًا يوشك أن يكون شرًّا يجب أن يُتَّقى؛ فقد كثر العلم فيما يظهر حتى ضقنا به، وأشفقنا منه. وخير الأمور أوساطها كما يُقال. فالتقتير في العلم شرٌّ، والإسراف في العلم شرٌّ، والخيرُ كل الخير هو أن يكون الأمر وسطًا بين ذلك.
وأنا أعلم حق العلم أن هذا الكلام الذي أمليه مناقض أشد المناقضة لمبادئ الثورة المصرية وأغراضها، والجهود الخطرة التي تبذلها في إنشاء المدارس، وفي تنظيم هذا الإنشاء، بحيث لا تمضي أعوامٌ قليلةٌ إلَّا وقد أُتيح للأطفال المصريين جميعًا أن يتعلموا. وبحيث يصبح النص الدستوري على أن التعليم الابتدائي فرض على البنين والبنات من المصريين مصورًا للحقيقة الواقعة لا كلامًا يُقال ولا يُصوِّر شيئًا.
أنا أعلم هذا كله حق العلم، ولكني أعلم أيضًا أن في مصر قومًا يضيقون بالتعليم، ويشفقون من خطره على الأخلاق، بل على الأمن، بل على النظام كله. ألم يقل بعض القائلين: إن وزارة المعارف مسئولة عن تلك الجريمة المنكرة التي اقترفها بعض التلاميذ في حيٍّ من أحياء القاهرة منذ أسابيع؟ ألم يكتب كتَّاب في بعض الصحف فصولًا يدعون فيها إلى ألَّا يُباح التعليم للناس جميعًا، وإنما ييسر للقادرين عليه المؤهلين له، وتصرف الكثرة الكثيرة من غير القادرين والمؤهلين إلى ما يلائمها من المهن والصناعات والعمل المألوف في كسب الحياة بالأيدي في الحقوق والطرق، وما شاء الله من ميادين العمل بالأيدي.
كُتِب هذا الكلام كله حين كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الثاني من أعياد الثورة، وحين كان رجال الثورة أنفسهم يتحدثون إلى المواطنين — كلما أُتيح لهم أن يتحدثوا إلى المواطنين — بأنهم قد أزمعوا أن ينشئوا المئات من المدارس في كل عام ليخرج الشعب من ذلة الجهل إلى عزة المعرفة.
وأنا أفهم حق الفهم أن يختلف المصريون في سياسة التعليم، وأن يذهبوا فيها المذاهب، يختصموا حول هذه السياسة، فينكر بعضهم سياسة بعض، ويعرف بعضهم سياسة بعضهم الآخر. ولكن الشيء الذي لا أفهمه ولا أسيغه، هو أن تدفعنا الخصومة إلى أن نرسل الكلام إرسالًا في غير تدبرٍ ولا رويةٍ ولا أناةٍ. فيقول قائل: إن التعليم مسئول عما يتورط فيه بعض التلاميذ من الجرائم والآثام، ويقول قائل آخر: إن التعليم يجب أن يُقصر على المؤهلين له القادرين على احتماله.
وتنقلب الآية في أقل من نصف قرن، فيُصبح من فتح مدرسة كأنه فتح سجنًا بعد أن كان من فتح مدرسة أغلق سجنًا. ما مصدر هذا التحول؟ أهو تحول عميقٌ حقًّا؟ خطيرٌ حقًّا! يجب أن نحسب حسابه في تقدير الحياة المصرية المعاصرة وتدبير أمورها في مستقبل أيامها، أم هو كلام تغري به الخصومة أحيانًا، ويغري به القصور الذهني أحيانًا أخرى، ويغري به البغض والموجدة الذين لم تبرأ منهما بعض القلوب؟
أمَّا أنا فأعتقد أوثق الاعتقاد وأرسخه أن الشعب المصري ما زال مؤمنًا بأن من فتح مدرسة قد أغلق سجنًا، وأن إيمانه بهذه الحكمة قد أصبح في هذه الأيام أكثر شيوعًا ورسوخًا مما كان في أول هذا القرن. وآية ذلك أن المدارس القائمة — سواء أكانت حكومية أم حرة — لا تستطيع أن ترضي حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم وبناتهم، وأن الثورة قد أنشأت مؤسسة خاصة للاستكثار من بناء المدارس في كل عام، وأن الثورة تهيب بالمواطنين أن ينشئوا المدارس الحرة الخاصة، وتمدهم بالمعونة والتأييد إن فعلوا.
ولو قد أحست الثورة نفورًا من التعليم أو زهدًا فيه لأراحت نفسها من هذا العناء، ولاقتصرت فيما تنفق من الجهد والمال، أو لاتخذت الوسائل الدكتاتورية لإكراه الناس على أن يعلِّموا أبناءهم وبناتهم، ولكن الثورة تنفق الجهود والأموال، ولا تعمد إلى أي وسيلة من وسائل الإكراه على التعليم، وإنما تعمد إلى الوسائل المختلفة لتُيسِّر التعليم للراغبين فيه والمقبلين عليه. وأخصُّ ما يؤخذ به هؤلاء الذين يقولون أن يعيش فيه المثقفون في هذه الأيام، ولا سيما حين ينهضون بالأعباء العامة، وتوجيه الشعب في حياته إلى ما يلائم منافعه القريبة والبعيدة.
يجب أن يعرف المصريون أن كثيرًا من الحقائق يخفى عليهم، ولا يُجلى لهم، فليست مصر مثلًا هي البلد الوحيد الذي تزدحم فيه المدارس بالتلاميذ ازدحامًا يعرض التعليم للنقص والضعف، وإنما هذه آفةٌ شائعةٌ في كثيرٍ من البلاد، وفي كثيرٍ من البلاد التي يتخذها بعضنا قبلةً وإمامًا. فازدحام المدارس بالتلاميذ آفة يشكو منها الإنجليز، ويشكو منها الفرنسيون، ويشكو منها الأمريكيون أيضًا. وتُبذل الجهود الضخمة في تلك البلاد كما يُبذل في مصر لعلاجها والتخلص منها.
هذه واحدة، وحقيقة أخرى تخفى على المصريين، ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست وحدها هي البلد الذي يُنهض فيه بأعباء التعليم، قومٌ لم يُهيَّئوا له تهيئة كافية، فقلة المعلمين الأكفاء ليست آفة مصرية أو عربية، وإنما هي آفة عالمية تشكو منها أرقى بلاد العالم وأرسخها قدمًا في الثقافة والحضارة والعلم.
يشكو منها الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكيون، وغيرهم من بلاد أوروبا على اختلافها. والسر في هذا ليس عسيرًا، فالديمقراطية تريد أن يتعلم الناس جميعًا لأنها ترى التعليم حقًّا لا هبةً ولا منحةً، ولأنها ترى التعليم في بعض أطواره واجبًا لا خيرةَ للمواطنين في إهماله أو التخفف منه. والديمقراطية في حاجة إلى وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ ثقيلٍ، ومالٍ كثيرٍ، وسلامٍ مستقرٍّ مطمئنٍّ لتبني ما يجب أن يُبنى من المدارس، وتُهيئ من يجب أن يُهيَّأ من المعلمين، وتقيم التعليم على أسس متينة ترضي فقهاء التربية وفلاسفة البيداجوجيا جميعًا.
وحقيقة ثالثة تخفى على المصريين ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي يقترف التلاميذ والطلاب فيه بعض الجرائم والآثام، وإنما تورط الشباب في الجريمة والإثم قضية عالمية تشكو منه بلاد كثيرة جدًّا سبقت مصر إلى نشر التعليم والوصول به إلى أعماق الشعب.
وقد شهدت هذا العام في باريس إثمًا خطيرًا منكرًا، اقترفته جماعات التلاميذ إثر فراغها من امتحان الشهادة الثانوية. فاعتدت على الكرامات وعلى أجسام الناس وأموالهم، وخربت متاجر كثيرة، وأضاعت على الفرنسيين عشرات كثيرة من ملايين الفرنكات. ولم تُحمَّل وزارة المعارف الفرنسية تبعة هذا الفساد، وإنما ترك أمره إلى النيابة تدرسه وتستقصيه، ثم إلى القضاء يقضي فيه بحكم القانون، وتركت تعليله وتأويله للباحثين في شئون الاجتماع يقولون فيه بعد روية وتدبر واستقصاء.
ولو قد استجبنا لهؤلاء السادة الذين يحمِّلون التعليم تبعات ما يقترفه المتعلمون من الآثام؛ لأُغلقت المدارس في الأرض كلها، ولرُدَّت الإنسانية إلى الجهل الجاهل والظلمة المظلمة، ولحوَّلت الحكومات جهودها وأموالها عن إنشاء المدارس إلى إنشاء السجون؛ فالجهل لا يعفي الناس من الجرائم، وإنما يغريهم بها إغراءً ويدفعهم إليها دفعًا.
وأنا أقرأ في صحيفة الموند الفرنسية تقريرًا لرئيس الشرطة في نيويورك، يؤكد فيه أن الجرائم التي تُرتكب في هذه المدينة لا تُحصى بالأيام ولا بالأسابيع ولا بالشهور … بل لا تحصى بالساعات، وإنما تُحصى بالدقائق، فتُقترف في كل دقيقتين جريمة من الجرائم.
والتعليم في نيويورك أكثر انتشارًا وتغلغلًا في أعماق الشعب منه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية، ورئيس الشرطة في نيويورك لا يلقي التبعة على التعليم ولا يطلب تضييقه، وإنما يطلب أن تيسر له الوسائل لحماية الأمن، وتتبُّع المجرمين.
فلنخلص أنفسنا للحق، ولنخلص نصحنا للشعب، ولنستأني فيما نصدر من الأحكام، ولنتجنب ما استطعنا إرسال الكلام في غير تثبت ولا تحفظ ولا احتياط … ولنسأل الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة حين نعمل، وحين نفكر، وحين نقول، فإنه عزَّ اسمه يقول: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ).
Tag: Public Policy
-
من بعيد … ثورتنا (٤)
من بعيد … ثورتنا (٤)
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أغسطس ١٩٥٤
أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.
وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.
وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.
وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.
وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.
وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.
وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.
كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.
وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.
وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.
هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.
كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.
وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.
ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال. -
طه حسين يروي «للأخبار» لماذا قال لفاروق إنه أستاذ الشعب
طه حسين يروي «للأخبار»: لماذا قال فاروق إنه أستاذ الشعب
طه حسين
جريدة الأخبار
١١ يونيو ١٩٥٣
سألت «الأخبار» الدكتور طه حسين عمَّا ورد في مرافعة الأستاذ أحمد رشدي المحامي من أنه خطب وهو وزير للمعارف، فوصف الملك السابق بأنه أستاذ الشعب في الأخلاق … إلخ …
فقال الدكتور طه: إني لم أتكلم عن فاروق، ولكن تكلمت عن الملك، كما ينبغي أن يكون الملك. ولم أُرِدْ بما قلته أن أمدحه، ولكن أردت أن أكسب لبلادي عملًا صالحًا، وأظن أني حققت كثيرًا مما أردته.
لقد كان معروفًا أن هناك خلافًا بينك وبين الملك السابق، فهل أنهت هذه العبارات ما بينك وبينه من خلاف؟
فقال: إن الخلاف بين الملك السابق وبيني لم ينتهِ في أي وقت … وآية ذلك أني اقترحت في آخر خطبة للعرش أعدتها حكومة الوفد أن ينص فيها على مجانية التعليم الجامعي، فوجدت أن بعض الوزراء مترددون في قبول هذا الاقتراح، ولما بحثت الأمر تبين لي أن الملك السابق أبدى لهم عدم ارتياحه من سياسة نشر التعليم بين طبقات الأمة، وقال: إن طه حسين يريد أن يقلبها شيوعية!
– هل نشأ خلافك مع فاروق بعد توليك منصب الوزارة؟
فقال: لست أدري على وجه التحديد متى نشأ الخلاف، وكل ما أدريه أني قابلته لحلف اليمين في يناير سنة ١٩٥١ مع الرئيس السابق مصطفى النحاس وزملائه الوزراء، والرئيس السابق حسين سري وكان رئيسًا للديوان، فقال لي على مشهد من الجميع: يا حسين … هذه تجربة لك … هذه آخر مرة أمتحنك فيها، وأنا موش عاوز مبادئ هدَّامة. يا حسين … هذه هي التجربة الأخيرة!
ولما خرجنا من المقابلة أخذ زملائي يداعبونني، فكانوا يخاطبونني قائلين: يا حسين … يا حسين … يا حسين.
وبطبيعة الحال لم أَرُدَّ على الملك وهو يوجه لي نصائحه … ولكني عرفت كيف أرد عليه عمليًّا …
ففي خطبة العرش التي أُلقيت بعد يومين من المقابلة وضعت سياسة الوزارة في مجانية التعليم … وهي السياسة التي وصفها بأنها هدَّامة … لأنها تبني مستقبل مصر … وتجعل التعليم حقًّا لكل مصري!
ومضى الدكتور طه يقول: إنني حينما خاطبت فاروق لم أخاطب شخصه، ولكن خاطبت الملك أيًّا كان اسمه. ولم أذكر صفاته، ولكن ذكرت الصفات التي يجب أن تكون له. وقد استطعت بهذا الكلام الهائل — كما يقول الأستاذ رشدي — أن أعمل الكثير؛ استطعت أن أعمم المجانية، واستطعت أن أنشئ الجامعات، ثم استطعت — والحمد لله، وهذا ما أعتز به — أن أخرج من الوزارة كما دخلتها … فلم أكسب جاهًا، ولم أقتنِ مالًا، ولم أستغل نفوذي في كبيرة أو صغيرة. -
تفصيلات
تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.