Tag: Public Policy

  • تبعات التعليم

    تبعات التعليم

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ أغسطس ١٩٥٤

    كان يُقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من فتح مدرسةً أغلق سجنًا. وكانت هذه الجملة تتردد كثيرًا في أوائل هذا القرن حين كنَّا صبيةً وشبابًا، وحين كان المخلصون الناصحون لهذا الوطن يحضُّون على إنشاء المدارس الحرة، ويشكون من أن الحكومات الخاضعة لسلطان الاحتلال تقتر على الناس في إنشاء المدارس، ولا تنشر التعليم إلَّا بمقدار حاجتها هي إلى الموظفين، لا بمقدار حاجة الشعب إلى المعرفة والثقافة والخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم.

    وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد كانت جريدة اللواء — التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل — أكثر الصحف ترديدًا لهذه الجملة. والشيء المهم هو أن المصريين في أوائل هذا القرن كانوا يعتقدون مؤمنين أصدق الإيمان وأعمقه أن الجهل ظلمةٌ، وأن العلم نورٌ، وأن إنشاء المدارس واجبٌ وطنيٌّ من أعظم الواجبات الوطنية خطرًا، وأبعدها أثرًا في إخراج الشعب من الذلة إلى العزة، وفي تمكينه من مقاومة الاستعمار والتمرد على المستعمرين. ولأمرٍ ما أنشأ الزعيم مصطفى كامل مدرسته تلك التي لم تكن دار تعليم فحسب، وإنما كانت دار تعليم وسياسة ومقاومة للاحتلال.

    وكان كاتبٌ معروفٌ — تُوفِّي منذ حين — معنيًا بفتح المدارس، فكان كلما فتح مدرسة أنبأ صديقه مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة، الأستاذ حسين فوزي، بأنه أغلق سجنًا.

    كان يقول هذه الجملة لصديقه ضاحكًا مداعبًا، ولكنه لم يكن يضحك ولا يداعب استخفافًا بهذه الحكمة الشائعة أو شكًّا فيها، وإنما كان يضحك ويداعب ثقةً بها، وتثبيتًا لها، وابتهاجًا بانتصاره على الجهل في بيئة ما من بيئات مواطنيه.

    كذلك كانت الحال في أوائل هذا القرن، وكذلك كانت الحال بين الحربين العالميتين حين ظفرت مصر ببعض حقها، وأقبلت على أمور التعليم تدبرها معنيةً بها، حريصةً على أن تنشئ المدارس الحكومية والحرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

    كانت مؤمنةً بأن التعليم يرد إلى الناس نفوسهم الضائعة، ويشعرهم بحقوقهم المهدرة، ويحبب إليهم الكرامة، ويزينها في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الذلة، ويقبِّحها في نفوسهم. ومن أجل ذلك أنشأ المصريون جامعتهم الأولى على كرهٍ من المحتلين، وأنشئوا مدارسهم الحرة الكثيرة على كرهٍ من المحتلين أيضًا. كان ذلك في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كما كان القُصَّاص يقولون، فأمَّا الآن فقد تغيرت الدنيا، وأصبح فتح المدرسة شيئًا يوشك أن يكون شرًّا يجب أن يُتَّقى؛ فقد كثر العلم فيما يظهر حتى ضقنا به، وأشفقنا منه. وخير الأمور أوساطها كما يُقال. فالتقتير في العلم شرٌّ، والإسراف في العلم شرٌّ، والخيرُ كل الخير هو أن يكون الأمر وسطًا بين ذلك.

    وأنا أعلم حق العلم أن هذا الكلام الذي أمليه مناقض أشد المناقضة لمبادئ الثورة المصرية وأغراضها، والجهود الخطرة التي تبذلها في إنشاء المدارس، وفي تنظيم هذا الإنشاء، بحيث لا تمضي أعوامٌ قليلةٌ إلَّا وقد أُتيح للأطفال المصريين جميعًا أن يتعلموا. وبحيث يصبح النص الدستوري على أن التعليم الابتدائي فرض على البنين والبنات من المصريين مصورًا للحقيقة الواقعة لا كلامًا يُقال ولا يُصوِّر شيئًا.

    أنا أعلم هذا كله حق العلم، ولكني أعلم أيضًا أن في مصر قومًا يضيقون بالتعليم، ويشفقون من خطره على الأخلاق، بل على الأمن، بل على النظام كله. ألم يقل بعض القائلين: إن وزارة المعارف مسئولة عن تلك الجريمة المنكرة التي اقترفها بعض التلاميذ في حيٍّ من أحياء القاهرة منذ أسابيع؟ ألم يكتب كتَّاب في بعض الصحف فصولًا يدعون فيها إلى ألَّا يُباح التعليم للناس جميعًا، وإنما ييسر للقادرين عليه المؤهلين له، وتصرف الكثرة الكثيرة من غير القادرين والمؤهلين إلى ما يلائمها من المهن والصناعات والعمل المألوف في كسب الحياة بالأيدي في الحقوق والطرق، وما شاء الله من ميادين العمل بالأيدي.

    كُتِب هذا الكلام كله حين كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الثاني من أعياد الثورة، وحين كان رجال الثورة أنفسهم يتحدثون إلى المواطنين — كلما أُتيح لهم أن يتحدثوا إلى المواطنين — بأنهم قد أزمعوا أن ينشئوا المئات من المدارس في كل عام ليخرج الشعب من ذلة الجهل إلى عزة المعرفة.

    وأنا أفهم حق الفهم أن يختلف المصريون في سياسة التعليم، وأن يذهبوا فيها المذاهب، يختصموا حول هذه السياسة، فينكر بعضهم سياسة بعض، ويعرف بعضهم سياسة بعضهم الآخر. ولكن الشيء الذي لا أفهمه ولا أسيغه، هو أن تدفعنا الخصومة إلى أن نرسل الكلام إرسالًا في غير تدبرٍ ولا رويةٍ ولا أناةٍ. فيقول قائل: إن التعليم مسئول عما يتورط فيه بعض التلاميذ من الجرائم والآثام، ويقول قائل آخر: إن التعليم يجب أن يُقصر على المؤهلين له القادرين على احتماله.

    وتنقلب الآية في أقل من نصف قرن، فيُصبح من فتح مدرسة كأنه فتح سجنًا بعد أن كان من فتح مدرسة أغلق سجنًا. ما مصدر هذا التحول؟ أهو تحول عميقٌ حقًّا؟ خطيرٌ حقًّا! يجب أن نحسب حسابه في تقدير الحياة المصرية المعاصرة وتدبير أمورها في مستقبل أيامها، أم هو كلام تغري به الخصومة أحيانًا، ويغري به القصور الذهني أحيانًا أخرى، ويغري به البغض والموجدة الذين لم تبرأ منهما بعض القلوب؟

    أمَّا أنا فأعتقد أوثق الاعتقاد وأرسخه أن الشعب المصري ما زال مؤمنًا بأن من فتح مدرسة قد أغلق سجنًا، وأن إيمانه بهذه الحكمة قد أصبح في هذه الأيام أكثر شيوعًا ورسوخًا مما كان في أول هذا القرن. وآية ذلك أن المدارس القائمة — سواء أكانت حكومية أم حرة — لا تستطيع أن ترضي حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم وبناتهم، وأن الثورة قد أنشأت مؤسسة خاصة للاستكثار من بناء المدارس في كل عام، وأن الثورة تهيب بالمواطنين أن ينشئوا المدارس الحرة الخاصة، وتمدهم بالمعونة والتأييد إن فعلوا.

    ولو قد أحست الثورة نفورًا من التعليم أو زهدًا فيه لأراحت نفسها من هذا العناء، ولاقتصرت فيما تنفق من الجهد والمال، أو لاتخذت الوسائل الدكتاتورية لإكراه الناس على أن يعلِّموا أبناءهم وبناتهم، ولكن الثورة تنفق الجهود والأموال، ولا تعمد إلى أي وسيلة من وسائل الإكراه على التعليم، وإنما تعمد إلى الوسائل المختلفة لتُيسِّر التعليم للراغبين فيه والمقبلين عليه. وأخصُّ ما يؤخذ به هؤلاء الذين يقولون أن يعيش فيه المثقفون في هذه الأيام، ولا سيما حين ينهضون بالأعباء العامة، وتوجيه الشعب في حياته إلى ما يلائم منافعه القريبة والبعيدة.

    يجب أن يعرف المصريون أن كثيرًا من الحقائق يخفى عليهم، ولا يُجلى لهم، فليست مصر مثلًا هي البلد الوحيد الذي تزدحم فيه المدارس بالتلاميذ ازدحامًا يعرض التعليم للنقص والضعف، وإنما هذه آفةٌ شائعةٌ في كثيرٍ من البلاد، وفي كثيرٍ من البلاد التي يتخذها بعضنا قبلةً وإمامًا. فازدحام المدارس بالتلاميذ آفة يشكو منها الإنجليز، ويشكو منها الفرنسيون، ويشكو منها الأمريكيون أيضًا. وتُبذل الجهود الضخمة في تلك البلاد كما يُبذل في مصر لعلاجها والتخلص منها.

    هذه واحدة، وحقيقة أخرى تخفى على المصريين، ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست وحدها هي البلد الذي يُنهض فيه بأعباء التعليم، قومٌ لم يُهيَّئوا له تهيئة كافية، فقلة المعلمين الأكفاء ليست آفة مصرية أو عربية، وإنما هي آفة عالمية تشكو منها أرقى بلاد العالم وأرسخها قدمًا في الثقافة والحضارة والعلم.

    يشكو منها الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكيون، وغيرهم من بلاد أوروبا على اختلافها. والسر في هذا ليس عسيرًا، فالديمقراطية تريد أن يتعلم الناس جميعًا لأنها ترى التعليم حقًّا لا هبةً ولا منحةً، ولأنها ترى التعليم في بعض أطواره واجبًا لا خيرةَ للمواطنين في إهماله أو التخفف منه. والديمقراطية في حاجة إلى وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ ثقيلٍ، ومالٍ كثيرٍ، وسلامٍ مستقرٍّ مطمئنٍّ لتبني ما يجب أن يُبنى من المدارس، وتُهيئ من يجب أن يُهيَّأ من المعلمين، وتقيم التعليم على أسس متينة ترضي فقهاء التربية وفلاسفة البيداجوجيا جميعًا.

    وحقيقة ثالثة تخفى على المصريين ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي يقترف التلاميذ والطلاب فيه بعض الجرائم والآثام، وإنما تورط الشباب في الجريمة والإثم قضية عالمية تشكو منه بلاد كثيرة جدًّا سبقت مصر إلى نشر التعليم والوصول به إلى أعماق الشعب.

    وقد شهدت هذا العام في باريس إثمًا خطيرًا منكرًا، اقترفته جماعات التلاميذ إثر فراغها من امتحان الشهادة الثانوية. فاعتدت على الكرامات وعلى أجسام الناس وأموالهم، وخربت متاجر كثيرة، وأضاعت على الفرنسيين عشرات كثيرة من ملايين الفرنكات. ولم تُحمَّل وزارة المعارف الفرنسية تبعة هذا الفساد، وإنما ترك أمره إلى النيابة تدرسه وتستقصيه، ثم إلى القضاء يقضي فيه بحكم القانون، وتركت تعليله وتأويله للباحثين في شئون الاجتماع يقولون فيه بعد روية وتدبر واستقصاء.

    ولو قد استجبنا لهؤلاء السادة الذين يحمِّلون التعليم تبعات ما يقترفه المتعلمون من الآثام؛ لأُغلقت المدارس في الأرض كلها، ولرُدَّت الإنسانية إلى الجهل الجاهل والظلمة المظلمة، ولحوَّلت الحكومات جهودها وأموالها عن إنشاء المدارس إلى إنشاء السجون؛ فالجهل لا يعفي الناس من الجرائم، وإنما يغريهم بها إغراءً ويدفعهم إليها دفعًا.

    وأنا أقرأ في صحيفة الموند الفرنسية تقريرًا لرئيس الشرطة في نيويورك، يؤكد فيه أن الجرائم التي تُرتكب في هذه المدينة لا تُحصى بالأيام ولا بالأسابيع ولا بالشهور … بل لا تحصى بالساعات، وإنما تُحصى بالدقائق، فتُقترف في كل دقيقتين جريمة من الجرائم.

    والتعليم في نيويورك أكثر انتشارًا وتغلغلًا في أعماق الشعب منه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية، ورئيس الشرطة في نيويورك لا يلقي التبعة على التعليم ولا يطلب تضييقه، وإنما يطلب أن تيسر له الوسائل لحماية الأمن، وتتبُّع المجرمين.

    فلنخلص أنفسنا للحق، ولنخلص نصحنا للشعب، ولنستأني فيما نصدر من الأحكام، ولنتجنب ما استطعنا إرسال الكلام في غير تثبت ولا تحفظ ولا احتياط … ولنسأل الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة حين نعمل، وحين نفكر، وحين نقول، فإنه عزَّ اسمه يقول: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ).

  • من بعيد … ثورتنا (٤)

    من بعيد … ثورتنا (٤)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أغسطس ١٩٥٤

    أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.

    وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.

    وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.

    وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.

    وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.

    وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.

    وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.

    كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.

    وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.

    وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.

    هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.

    كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.

    وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.

    ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال.

  • طه حسين يروي «للأخبار» لماذا قال لفاروق إنه أستاذ الشعب

    طه حسين يروي «للأخبار»: لماذا قال فاروق إنه أستاذ الشعب
    طه حسين
    جريدة الأخبار
    ١١ يونيو ١٩٥٣

    سألت «الأخبار» الدكتور طه حسين عمَّا ورد في مرافعة الأستاذ أحمد رشدي المحامي من أنه خطب وهو وزير للمعارف، فوصف الملك السابق بأنه أستاذ الشعب في الأخلاق … إلخ …

    فقال الدكتور طه: إني لم أتكلم عن فاروق، ولكن تكلمت عن الملك، كما ينبغي أن يكون الملك. ولم أُرِدْ بما قلته أن أمدحه، ولكن أردت أن أكسب لبلادي عملًا صالحًا، وأظن أني حققت كثيرًا مما أردته.

    لقد كان معروفًا أن هناك خلافًا بينك وبين الملك السابق، فهل أنهت هذه العبارات ما بينك وبينه من خلاف؟

    فقال: إن الخلاف بين الملك السابق وبيني لم ينتهِ في أي وقت … وآية ذلك أني اقترحت في آخر خطبة للعرش أعدتها حكومة الوفد أن ينص فيها على مجانية التعليم الجامعي، فوجدت أن بعض الوزراء مترددون في قبول هذا الاقتراح، ولما بحثت الأمر تبين لي أن الملك السابق أبدى لهم عدم ارتياحه من سياسة نشر التعليم بين طبقات الأمة، وقال: إن طه حسين يريد أن يقلبها شيوعية!

    – هل نشأ خلافك مع فاروق بعد توليك منصب الوزارة؟

    فقال: لست أدري على وجه التحديد متى نشأ الخلاف، وكل ما أدريه أني قابلته لحلف اليمين في يناير سنة ١٩٥١ مع الرئيس السابق مصطفى النحاس وزملائه الوزراء، والرئيس السابق حسين سري وكان رئيسًا للديوان، فقال لي على مشهد من الجميع: يا حسين … هذه تجربة لك … هذه آخر مرة أمتحنك فيها، وأنا موش عاوز مبادئ هدَّامة. يا حسين … هذه هي التجربة الأخيرة!

    ولما خرجنا من المقابلة أخذ زملائي يداعبونني، فكانوا يخاطبونني قائلين: يا حسين … يا حسين … يا حسين.

    وبطبيعة الحال لم أَرُدَّ على الملك وهو يوجه لي نصائحه … ولكني عرفت كيف أرد عليه عمليًّا …

    ففي خطبة العرش التي أُلقيت بعد يومين من المقابلة وضعت سياسة الوزارة في مجانية التعليم … وهي السياسة التي وصفها بأنها هدَّامة … لأنها تبني مستقبل مصر … وتجعل التعليم حقًّا لكل مصري!

    ومضى الدكتور طه يقول: إنني حينما خاطبت فاروق لم أخاطب شخصه، ولكن خاطبت الملك أيًّا كان اسمه. ولم أذكر صفاته، ولكن ذكرت الصفات التي يجب أن تكون له. وقد استطعت بهذا الكلام الهائل — كما يقول الأستاذ رشدي — أن أعمل الكثير؛ استطعت أن أعمم المجانية، واستطعت أن أنشئ الجامعات، ثم استطعت — والحمد لله، وهذا ما أعتز به — أن أخرج من الوزارة كما دخلتها … فلم أكسب جاهًا، ولم أقتنِ مالًا، ولم أستغل نفوذي في كبيرة أو صغيرة.

  • برنامج …

    برنامج …
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٧ نوفمبر ١٩٤٩

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.

    فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.

    فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.

    وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.

    أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.

    وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.

    فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.

    وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.

    ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.

    وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.

    فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.

    هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.

    كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.

    وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.

    وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.

    وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.

    فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.

  • قضية التعليم

    قضية التعليم

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ١١ يوليو ١٩٤٩

    يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.

    وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.

    إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.

    والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.

    وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.

    كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.

    وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.

    ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.

    وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.

    فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.

    والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.

    وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.

    فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.

    ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.

    ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.

    لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.

    فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.

    ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.

    مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.

    ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.

  • مجانية التعليم

    مجانية التعليم

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ١٥ أغسطس ١٩٤٦

    رئيس وزارتنا يستريح في ضيعة من ضياعه في كفر الدوار، واللورد ستانسجيت يستريح في ضيعة من ضياع الإمبراطورية البريطانية في جزيرة قبرص، وهذه الغانية الحسناء التي تسمى المفاوضات قد استعارت من إله الأساطير اليونانية القديمة نعليه المجنحتين، فهي تطير بهما حائرة بين الإسكندرية ولندرة وباريس. أمَّا الشعب المصري فهو لا يستريح؛ لأنه لا يملك ضيعة يستريح فيها، وهو لا يستريح؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن الشكوى من الألم، ولا أن يمتنع من المطالبة بالحق.

    وما أحب أن أزعج رئيس الوزراء في اعتكافه وراحته ومحاسبته لنفسه. وما أحب أن أزعج المفاوض البريطاني في تروضه واستمتاعه بما في قبرص من مناظر رائعة في القمم والسفوح. وما أحب أن أنغص على الغانية الحسناء المفاوضات تنقلها في أجواء السماء وتنزلها من السماء مرة بعاصمة الإنجليز ومرة بعاصمة الفرنسيين. وما أحب أن أدعوها إلى أن تعود إلينا، فأنا أشفق عليها من قيظنا المحرق وصيفنا المرهق، وأشفق على المصريين من هذا الإلحاح الذي لا يلائم كرامة الرجال، وهذا الإلحاف الذي لا يلائم عزة الشعوب العزيزة مهما تكن الغانية حسناء ومهما يكن حظها عظيمًا من رقة الشمائل وخفة الروح وسحر الجمال.

    ونحن قوم لا نحب التهالك حتى حين يكون الجمال رائعًا، ولا نحب التذلل حتى حين يكون الحسن بارعًا، ولا نحب إراقة ماء الوجوه حتى حين تكون الفتنة ساحرة للقلوب فتَّانة للعقول مستهوية للألباب. وإنما نحن كشاعرنا العربي القديم حين يقول في صاحبته الحسناء القديمة:

    أَرَثَّ جَديدُ الحَبْلِ مِنْ أُمِّ معبدِ بعاقِبَةٍ وأخْلفَتْ كلَّ موْعِدِ

    وبانَتْ ولَمْ أَحْمَدْ إليْكَ لِقَاءَهَا ولَمْ أَرْجُ منها رَجْعَةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ؟

    فلتبن أم معبد إذن إلى غير رجعة، ولتقم في ربوع أوروبا ما شاء الله لها أن تقيم، وليسترح رئيس وزرائنا في ضيعته ما أعجبته الراحة، وليتروض المفاوض البريطاني في قبرص أيامًا تقصر أو تطول، فليس في شيء من هذا كله غناء، وليس في شيء من هذا كله نفع، وإنما هي أيام تلهو وقوم يلعبون. ولنتحدث إلى وزير المعارف في شيءٍ غير هذا كله، في شيء لا يتصل بهذه الغانية الحسناء النافرة من قريب ولا بعيد، وإنما يتصل بغانية أخرى ليست أقل منها جمالًا باختلاف الناظرين إليها: فهو رائع بارع حين ينظر إليها الشعب، وهو سمج شائه حين ينظر إليه المترفون. وهذه الجميلة القبيحة والخفيفة الثقيلة والحبيبة البغيضة تسمى مجانية. قد تعلقت بها نفس الشعب منذ وقت بعيد، فسعى إلى ودِّها جادًّا في السعي، وطلب القرب منها ملحًّا في الطلب، وتجشَّم في سبيل ذلك أهوالًا، واحتمل في سبيله أعباءً ثقالًا. ونغَّص عليها حبها نهاره المشرق، وأرَّق عليه حبها ليله المظلم. ولم يكن في ذلك بدعًا من الشعوب، فالشعوب كلها مشغوفة بهذه الفتاة، هائمة بحبها، قد ضحَّت في سبيل الوصول إليها بالراحة والأمن، واحتملت للوصول إليها المشقة والخوف، وظفرت منها آخر الأمر بما كانت ترجو، ونالت منها آخر الأمر ما كانت تريد. ولم تكن الشعوب ترجو منها إلَّا ابتسامة راضية، ونظرة مرضية، وعطفًا يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا. وقد خُيِّل إلى الشعب المصري ذات يوم أنها قد أخذت تنظر إليه باسمة، وتلحظه مترفقة، فشاع في نفسه الرضا واستقر في قلبه الأمن. ولكن نظر فإذا هذه الغادة الحسناء الشوهاء تُزجر عنه زجرًا، وتُطرد عنه طردًا، وتُنفى من أرضه نفيًا مهينًا. وإذا هو يستأنف حزنه المهلك، وجرعه المضني، ويشكو همه وبثه إلى الله، ويطلب إلى الكتَّاب القادرين على أن يتوسطوا بينه وبين السادة الحاكمين أن يمنحوه المعونة ويؤثروه بالمعروف، ويرفعوا شكواه إلى الوزراء، لعل قلوبهم القاسية أن تلين، ولعل نفوسهم الصلبة أن ترق، ولعلهم أن يخلُّوا بين الشعب وبين هذه الغادة الحسناء الشوهاء التي سحرت لُبَّه سحرًا وفتنت قلبه فتونًا! وقد حدثني هذا الشعب البائس وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه الوزراء بأنه لم يشقَ قط بحب هذه الحسناء الشوهاء كما شقيَ به في هذه الأيام الشداد. فالحياة عسيرة، والضيق شديد، والبؤس جاثم على الصدور، والعين بصيرة واليد قصيرة، والنقد في مصر كثير، ولكنه لا يتاح إلا لقلة قليلة وجماعة ضئيلة من الناس. وفي قدرة هذه الغادة الحسناء الشوهاء إن أُتيحت لها الإقامة في مصر أن تسلي الشعب عن بعض همه، وأن تحط عن الشعب بعض ثقله، وأن تبسم له فيبسم له الدهر، وأن تعطف عليه فتعطف عليه الأيام، وأن يمسه بيدها الناعمة الخشنة فتنجلي عنه الغمرات وتنجاب عنه الخطوب.

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أتحدث إلى الوزراء بأنه يستقبل شهر الصوم محزونًا كئيبًا. وكلما مضى يوم من هذا الشهر الكريم ازداد حزنه واشتدت كآبته وتكاثفت أمامه الهموم واثَّاقلت عليه الخطوب؛ لأن هذا الشهر الكريم يحب الإنفاق والتوسعة على العيال، ولأنه لا ينتهي كما تنتهي الشهور إلى يوم من الأيام اليسيرة البسيطة، وإنما ينتهي إلى يوم معلوم قد جعله الله عيدًا للأغنياء والفقراء والموسرين والمعسرين على السواء. والأعياد تحب الإنفاق أكثر مما يحبه شهر الصوم، وتقتضي من التوسعة ما لا يقتضيه شهر الصوم، فلا بدَّ من كسوة النساء والأطفال وإمتاعهم القليل أو الكثير من الطرف. فإذا لم يفعل الآباء ذلك؛ عبست وجوه من حقها أن تبسم، وحزنت قلوب من حقها أن تفرح، وامتلأت بالدموع عيون من حقها أن تمتلئ بهجةً وسرورًا.

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن الآباء حائرون، لا يدرون كيف يوسعون على عيالهم في شهر الصوم، وكيف يرفهون عليهم حين يقبل العيد؛ لأن كثيرًا منهم لا يجدون ما ينفقون. وهم حائرون لا يدرون أيحتالون لنفقات رمضان، أم يحتالون لنفقات العيد، أم يحتالون لنفقات التعليم؛ لأن المدارس ستفتح أبوابها بعد العيد بقليل!

    وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن قد كان له حظٌّ من أمل حين أُتيحت للأطفال والصبية مجانية التعليم الابتدائي. وكان يظن، بل كان يعتقد واثقًا أن ستُتاح لهؤلاء الأطفال والصبية مجانية التعليم الثانوي، ولكنه ينظر فإذا ظنه يكذب وإذا أمله يخيب وإذا المجانية تُلغى إلغاءً ويُضيَّق عليها حتى لا تستطيع أن تتنفس. وإذا أضيق الناس يدًا وأشدهم بؤسًا مخير بين اثنتين: إمَّا أن يرد ابنه عن التعليم، وإمَّا أن يدفع لوزارة المعارف أكثر من سبعة جنيهات ثمنًا للغذاء والأدوات والعناية بصحته، وأجرًا للعبه أيضًا. وأين يريد وزير المعارف وزملاؤه أن تجد كثرة الشعب البائس هذا المقدار من المال لتؤديه إلى الدولة التي نيفت مصروفاتها على المائة من الملايين.

    ليس يعنيني أن تكون الوزارة القائمة قد سارت سيرة الوزارة الوفدية أو انحرفت عنها. وأمَّا الذي يعنيني هو أن الوفد قد وضع أساسًا لتيسير التعليم للمصريين جميعًا، وكان يجب البناء على هذا الأساس، وكان يجب أن تخطو الحكومات التي جاءت بعد حكومة الوفد خطواتٍ جديدة واسعة، ولكن الشيء المحقق أن هذه الحكومة لم تبنِ وإنما تأخرت. وليس يعنيني أن يكون مجلس التعليم الأعلى قد أقرَّ أو لم يقرَّ خطة وزير المعارف، فليس المجلس الأعلى معصومًا من الخطأ، وليس بين أعضائه من يضيق بسبعة جنيهات، وليس بين أعضائه من يعرف لذة الجوع، وليس بين أعضائه من يعرف انكسار النفس حين يُردُّ ابنه عن المدرسة؛ لأنه لم يدفع المصروفات، فيعود إليه باكيًا تغسل الدموع الغزار وجهه الصغير. فإقرار المجلس الأعلى لهذا النظام لا يجعله صالحًا، ورفضه لهذا النظام لا يجعله فاسدًا. والأصل الوحيد الذي ينبغي أن يرجع إليه وزير المعارف هو أن التعليم حق للناس جميعًا، وأن على الدولة أن تيسره لهم، بل أن تكفله لهم، وأن تزيل من طريقهم العقبات. وأن مصر هي البلد الوحيد في هذا العصر بين بلاد العالم، البلد الوحيد الذي يشقى الشعب فيه بنفقات التعليم. ولا ينبغي لوزير المعارف ولا لوزير المالية ولا لرئيس الوزراء أن يحتجوا بضيق الميزانية، فالميزانية الضيقة يمكن أن تتسع، بل يجب أن تتسع حين تقتضي ذلك مصالح الشعب. ولست أدعو إلى الشيوعية ولا إلى الاشتراكية، بل لست أتجاوز حدود الديمقراطية الضيقة المعتدلة الملحة في الاعتدال حين أطالب الحكومة بأن تعفي المصريين، لا من نفقات التعليم وحده، ولكن من نفقات الغذاء أيضًا. فإن ضاقت الميزانية فعلى الدولة توسيعها بفرض ما تقتضيه المصلحة من الضرائب، فإن لم تفعل الدولة فهي مقصِّرة، والحكومة التي تحتمل هذا التقصير ليست خليقة بالبقاء في مناصب الحكم.

    ليصدقني وزير المعارف وزملاؤه أنهم يزعمون أنهم يريدون محاربة الجهل والفقر والمرض. فالخطوة الأولى في سبيل محاربة هؤلاء الأعداء الثلاثة، إنما هي أن نعلم الصبية والفتية ونكفل لهم طعامًا مريئًا ولعبًا هنيئًا وصحةً موفورة، دون أن نتقاضى من آبائهم على ذلك أجرًا يعجز أكثرهم عن أدائه.

    فليتوكل وزير المعارف على الله، وليستقبل أمره حازمًا، وليهدِ إلى الشعب بقرارٍ من مجلس الوزراء هذه الهدية القيمة التي لا تكلفه ولا تكلف زملاءه شيئًا، وإنما تكلف الشعب نفسه أعباءً جديدة يحملها راضيًا. وهذه الهدية هي المجانية الشاملة الكاملة للتعليم. فإن لم يستطع — ولست أدري لماذا لا يستطيع — فلا أقل من أن يُعفى الناس من هذه النفقات الإضافية، فإن لم يفعل فليثق بأنه لا يحارب الجهل والفقر والمرض، وإنما يمنحها قوةً إلى قوةٍ وانتشارًا إلى انتشارٍ.

  • وعود …

    وعود …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.

    وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.

    ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.

    وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.

    وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.

    وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.

    وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.

    ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.

    وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.

    ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.

    ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.

    فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.

    ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.

    وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.

    فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.

    فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.

    كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.

    وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.

    ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.

    فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.

    ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.

    يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.

  • أزمة التعليم

    أزمة التعليم
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥

    لو أتيح لوزير المعارف أن تُكشَف له الحجب، وتُرفع له أستار الغيب، لرأى ما لا يرى، ولسمع ما لا يسمع، ولعلم أن في أمور التعليم أشياء كثيرة تحتاج إلى أن يمنحها عنايته، ويقف عليها جهده، ويبذل في سبيلها من الجهد المخلص الصادق ما يردُّ كثيرًا من القلوب إلى الأمن بعد الخوف، وإلى الاطمئنان بعد القلق، وإلى الأمل والرجاء بعد اليأس والقنوط. وأكبر الظن أن ما فسد من شئون التعليم، إنما جاءه الفساد من مصادر مختلفة؛ أولها: أن وزير المعارف غلا في الثقة بنفسه والاستجابة لمواطنيه، فدفعه هذا كله إلى أن غَيَّر ما كان حقه أن يبقى، واستحدث ما كان ينبغي ألَّا يستحدث إلَّا بعد كثير من الأناة والريث وكثير من التمهل والتفكير. فليس يكفي أن تتغيَّر الحكومة لتهدم الحكومة الطارئة ما بنته الحكومة السابقة؛ لأن الوطن ليس ملكًا لحكومة دون أخرى، بل هو ليس ملكًا لحكومة من الحكومات، وإنما هو ملك لأجيال الشعب قديمها وحديثها، ما وجد منها في العصر القديم، وما هو موجود في العصر الحاضر، وما سيوجد في العصور المقبلة.

    وإذا لم يَجُزْ لجيل من الأجيال أن يقطع الطريق على الأجيال المقبلة، ولا أن يمحو الصالح من آثار الأجيال الماضية، رعايةً لحق أولئك وحرمة هؤلاء، فأجدر بالحكومة — مهما يكن حظ أعضائها من الفطنة والذكاء — ألَّا تتمِّم هدم ما بنته الحكومات السابقة، لا لشيء إلَّا لمجرد الثأر والانتقام.

    وقد جاء وزير المعارف إلى وزارته، فرأى نظامًا لم يحدثه وزير بعينه، وإنما أقامته الحكومات المختلفة شيئًا فشيئًا، تقيم هذه بعضه، وتضيف إليه هذه بعضه الآخر. وقد أضافت إليه الوزارة الوفدية الأخيرة شيئًا كثيرًا، فوسعته بعد ضيق ويسَّرته بعد عسر، وبسطته بعد انقباض. لم تهدم مما بنته الوزارة التي سبقتها شيئًا، وإنما أصلحت في رفق، وجددت في كثير من الاحتياط، وقهرت كثيرًا من صعوبات الحرب، واستعدَّت لقهر ما بقي منها؛ فاستكثرت من المدارس، واستكثرت من قبول التلاميذ في المدارس، واستعدت لسياسة المستقبل، وجعلت التعليم الابتدائي مجانيًّا، وتهيأت لجعل التعليم الثانوي مجانيًّا أيضًا، ولم تشقَّ على الناس في تحصيل الأجور، ولم تحمِّل الأبناء تَبِعَة العسر الذي يضطر إليه آباؤهم أو تبعة المماطلة التي يعمد إليها آباؤهم أيضًا، وإنما أباحت لهم التعليم، وأباحت لهم الامتحان، وفتحت أمامهم أبواب الأمل الواسعة. وكان رأيها أن شيئًا خيرٌ من لا شيء، وأن التعليم الناقص خيرٌ من الجهل، كما أن الطعام القليل خيرٌ من الجوع، وكما أن ماء النيل — على ما فيه من كدر — خير من الموت ظمأً في انتظار الوسائل التي تقدمه إلى الناس صفوًا نقيًّا.

    ولم تمضِ وزارة الوفد في سياستها هذه مستبدة ولا مرتجلة، وإنما فكرت وقدرت واستأذنت البرلمان فأذن لها. فكان الحق على وزير المعارف ألا يستبد بتغيير هذه السياسة، وألَّا ينحرف عنها دون أن يأذن له البرلمان في هذا الانحراف، ولكنه أسرف في الثقة بنفسه، الاعتداد بقوته، فاندفع في غير أناة، وغيَّر من غير روية، وتجاوز سلطان البرلمان بعد أن وعد بألا يتجاوزه، واستجاب لهذه العاطفة البغيضة التي ينبغي ألَّا يستجيب لها القائمون على أمور الشعب، وهي عاطفة الاستئثار والرغبة في هدم ما بناه السابقون …

    ثم لم يكتف وزير المعارف بهذا، ولكنه أضاف إلى ثقته بنفسه ثقته بطائفة من الأعوان لم يكونوا أقل منه ثقة بأنفسهم، فاندفعوا كما اندفع، وشطوا كما شطَّ، وانتهوا كما انتهى إلى إحداث هذا الاضطراب الذي نشأت عنه أزمة التعليم في هذه الأيام. وقد كانوا يستطيعون أن يسيروا، كما سار الوزراء من قبلهم، في شيءٍ من التمهل والأناة وحسن التدبير.

    توسعت وزارة الوفد في التعليم بمقدار، فكانوا يستطيعون أن يتوسعوا بمقدار أيضًا، ولكنهم وسعوا من جهة وضيقوا من جهة أخرى، فاختلط الأمر اختلاطًا شديدًا.

    فالتعليم الإلزامي ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يلائم حاجة مصر وطاقتها: مدارسه أقل مما ينبغي، ومنهاجه في حاجة إلى كثير من الإصلاح، فكان الخير في أن يُعْنَى وزير المعارف وأعوانه بإصلاح المنهاج من جهة، وإنشاء المدارس من جهة أخرى. ولكنهم أرادوا أن يتوسَّعوا في التعليم الابتدائي، فألغوا نحو مائة من المدارس الإلزامية، ثم لم ينشئوا بعدُ مدارسَ أخرى تقوم مقامها، ونشأ عن ذلك أن رُدَّ كثيرٌ من أبناء الشعب عن التعليم الشعبي، واضطروا إلى بطالة ثقيلة عليهم وعلى آبائهم، مؤذية لهم ولآبائهم. ثم لم ينشأ عن هذا توسع ذو خطر في التعليم الابتدائي؛ لأنهم قبلوا في هذه المدارس بمقدار، وبمقدار ضئيل جدًّا، ولأنهم ألغوا من بعض المدارس الابتدائية القديمة فصولها الأولى، ولأنهم عنوا عناية خاصة بالاستكثار من رياض الأطفال التي يقدم فيها التعليم بالأجر لا بالمجان. وكانت النتيجة أن ضيق على الناس في التعليم الشعبي الإلزامي، ولم يوسَّع عليهم في التعليم الابتدائي؛ فشكا العاجزون لأنهم لا يجدون المدارس التي يتعلم فيها أبناؤهم بالمجان، وشكا القادرون لأنهم لا يجدون الرياض التي يتعلم فيها أبناؤهم بالأجر. وقد نشأ عن هذا كله أن عبثت وزارة المعارف بالأطفال كما يعبث الصبي بما بين يديه من اللعب، فجعلت تنقلهم من مدرسة إلى مدرسة، ومن حيٍّ إلى حيٍّ، لا تنظر في ذلك إلى أسنانهم، ولا إلى قدرتهم على الانتقال، ولا إلى قدرة أسرهم على رعايتهم والعناية بهم.

    وشرٌّ من هذا كله أنها أقامت نفسها مقام أولياء الأمور، فلم تستشرهم في شيء، ولم تؤامرهم في تدبير هذه المرافق التي تمسُّ بناتهم وأبناءهم من قريب. ونظرت الأسر فإذا بناتها وبنوها يفرقون في أنحاء المدن بغير حساب، وفي غير نظام، كما يريد المشرفون على شئون التعليم، لا كما يريد الآباء والأمهات، ولا كما يُطيق الآباء والأمهات. وأسباب المواصلات في مصر قصيرة جدًّا في هذه الأيام، عسيرة جدًّا في هذه الظروف، فكان النظر اليسير إلى مصالح الصبية، والرعاية القليلة لطاقتهم وطاقة أسرهم، والرفق القليل بالشعب؛ كل ذلك كان خليقًا أن يحمل وزارة المعارف على التمهل والتدبر قبل أن تنثر الأطفال في أنحاء المدن نثرًا.

    وأغرب من هذا أن وزارة المعارف استحدثت فصولًا ثانوية في بعض المدارس الابتدائية، فزادت في آخر هذه المدرسة، ونقصت من أولها … جعلت لها رأسين، ولكنها قطعت رجليها! ثم لم تكتفِ بهذا، ولكنها خالفت منطق الحقائق مخالفة مدهشة. فقد كانت طبيعة الأشياء تقضي بأن الذين تخرجوا في مدرسة ابتدائية، يجب أن يلتحقوا بالفصول الثانوية التي أنشئت فيها، فتمضي أمورهم هينة يسيرة لا مشقة فيها ولا عسر، ولكن الوزارة أهملت هذا المنطق إهمالًا، ولعبت بالتلاميذ كما يلعب الناس بقطع الشطرنج، وفرقتهم في الأحياء والأنحاء كما فرقت الأطفال الصغار طبقًا لخطة موضوعة — كما كان يُقال — في بلاغات الحرب، لا وفقًا لمصالحهم وقدرتهم على الذهاب والإياب. فإذا لاحظت أن الذين عبثت بهم الوزارة هذا العبث إنما هم أطفال وصبية، تختلف أسنانهم بين الرابعة والثانية عشرة، وأن هؤلاء جميعًا لا يمكن أن يوكلوا إلى أنفسهم، وأن الوزارة لا تملك من أدوات النقل ما يمكنها من أن ترعى وحدها هؤلاء الأطفال؛ عرفت أن الوزارة قد كلفت الآباء شططًا وأرهقتهم من أمرهم عسرًا بهذا العبث الذي لم يدعُ إليه إلا مجرد الرغبة في التجديد.

    وقد كنت أظن أنْ قد انقضى ذلك العصر الذي يخلو الناس فيه إلى أنفسهم، فيرسمون الخطط على الورق، ثم يعتقدون أنهم قد رسموها للحقائق الواقعة. ولكن ما عملته وزارة المعارف في هذا العام قد أثبت أن هذا العصر لم ينقضِ بعد، وأن مصر ما زال فيها قوم يحلمون ويظنون أنهم يعملون، ويتمنون ويظنون أنهم يحققون الأماني! وليس أدلَّ على ذلك من أن وزارة المعارف وثقت، وملأت قلوب الناس ثقة بأن أمور التعليم ستجري في هذا العام الجديد على خير حال ممكنة، بل على خير حال عرفتها مصر في تاريخها الحديث. ثم استؤنف العام الدراسي فإذا أمور التعليم تشهد اختلاطًا واضطرابًا لم تشهدهما قط.

    أطفال يشردون إلى غير مدرسة، وآخرون يفرَّقُون على المدارس بغير نظام، مدارس تُلْغَى ولا تنشأ بدلها مدارس أخرى، ومدارس تنشأ في خيال الوزارة ولا تزال الحقائق الواقعة تنتظر وجودها، ومعلمون ينقلون مرتين في يوم واحد، وقد ينقلون مرات في اليوم الواحد، ومدارس تحمل ما لا تطيق، وفصول تكتظُّ بالتلاميذ كما كانت تكتظ فيما مضى، وأدوات كان يظن أنها ستسبق التلاميذ إلى المدارس فإذا التلاميذ ينتظرونها، ويظهر أن انتظارهم لها سيطول، ومناهج تُغَيَّر فجأة دون أن يستعد المعلمون لهذا التغيير. وكل هذا لم يحدث إلَّا لأن وزير المعارف أسرف في الثقة بنفسه وبأعوانه، وتعجَّل الهدم قبل أن يستعد للبناء، ووعد قبل أن يقدر على البر بما وعد، ولو أنه اصطنع الأناة والتمهل، وسار في الطريق المرسومة، وحفظ للقوانين حرمتها وللبرلمان حقه، واستعدَّ لما يراه إصلاحًا قبل أن يهجم عليه؛ لجنَّب نفسه، ولجنَّب الوزارة والمدارس والتلاميذ وأولياء الأمور كل هذه المغامرات التي يعرف أولها ولا يعرف آخرها، والتي نرى الآن شرها العاجل، ولا نتبيَّن نتائجها الخطيرة التي سيتكشف عنها آخر العام.

    وإذا كان هناك شرٌّ يجب أن يُتَّقى فهو التعجل في أمور التعليم، والإسراع إلى التغيير والتبديل فيها بغير حساب، وفي غير تدبر للعواقب وتقدير للنتائج.

    وكانت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، وقدَّرت أن هذه المجانية سترغب الناس فيها، وتدفعهم إليها دفعًا، فأنشأت إلى جانب هذه المدارس مدارس ليست أقل منها نفعًا، ولعلها أن تكون أكثر منها غناءً، وهي المدارس الريفية. وأنشأت من هذه المدارس عشرات كثيرة في أقل من عامين، وكانت تستعد لإنشاء الطريق التي تصل بين هذه المدارس وبين مدارس التعليم العام؛ ليستطيع النابهون من تلاميذها أن ينفذوا إلى هذا التعليم، ثم إلى التعليم العالي. وكانت الوزارة القائمة خليقة أن تتم ما أعجلت وزارة الوفد عن إتمامه، فتستكثر من هذه المدارس، وتحقق الصلة بينها وبين التعليم العام. ولكن الوزارة رجعت أدراجها، وأعرضت عن كل ما أقام الوفد ليُقال إنها جددت، وليُقال أيضًا إنها هدمت ما بنى الوفد، فلم تربح الوزارة شيئًا، ولم يخسر الوفد شيئًا، وإنما احتمل الشعب وحده نتيجة هذا الاضطراب.

    وكانت وزارة الوفد قد رسمت السياسة لنظام التعليم الجديد، واستأنفت بتنفيذ هذه السياسة بعد أن أقرها البرلمان، فلم تتعجل وضع القوانين الجديدة حتى تهيئ للنظام الجديد ما يحتاج إليه من المدارس والمعامل والأدوات، ورسمت الخطة لهذا كله في مشروع السنوات الخمس. ولكن الوزارة القائمة انحرفت عن هذه السياسة لا لشيء إلَّا ليُقال إنها مجددة، فوعدت بألا تغير نظم التعليم دون موافقة البرلمان، وغيَّرتها بالفعل دون موافقة البرلمان … خلطت مراحل التعليم خلطًا، وضيقت مناهج التعليم من بعض نواحيها، ووسعتها من بعض نواحيها الأخرى دون أن يعرف البرلمان من ذلك شيئًا، ودون أن يأذن البرلمان من ذلك بشيء. وكانت نتيجة هذا كله أن اضطرب الأمر أشد الاضطراب، وانتشر السخط أشد الانتشار.

    وتستطيع الألسنة الرسمية للوزارة أن تقول ما تشاء، فلن تغير الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع هو أن الموظفين في ديوان الوزارة ساخطون؛ لأنهم دفعوا إلى عمل لا يؤمنون به، وأن المعلمين ساخطون؛ لأنهم كلفوا نظمًا لا يطمئنون إليها، وأن التلاميذ والطلاب ساخطون؛ لأنهم أصبحوا كأدوات الشطرنج، يلعب بها اللاعبون في غير تدبُّر للعواقب ولا رعاية للمصلحة ولا عناية بصحة العقول والأجسام. وأولياء الأمور ساخطون؛ لأن الناس لا يحبون أن يُدفع أبناؤهم إلى الجهل، ولا أن يكونوا موضوعًا للعبث. وليس من شك في أن هذا كله محتاج إلى الإصلاح، ولكن سبيل هذا الإصلاح ليست ميسرة لوزارة المعارف كما هي الآن. فليس من المعقول أن يُقال للذين أحدثوا هذا الاختلاط: أصلحوا بأيديكم ما أفسدته أيديكم، وإنما المعقول أن يقال لهؤلاء الناس: دعوا شئون التعليم لقومٍ آخرين يحسنون فهمها، ويحسنون رعايتها، ويستجيبون — في تدبير شئون التعليم — للعقل والمنفعة العامة، لا للعلم الناقص ولا للأهواء الجامحة.

    وواضح جدًّا أن هذا الكلام إذا لم يُقَل اليوم فسيُقال غدًا، ولكن من الواضح جدًّا أن الشعب هو الذي يدفع وحده ثمن الآنية المحطمة.

  • تفصيلات

    تفصيلات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٦ يونيو ١٩٤٥

    يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:

    إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم

    وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.

    فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.

    وقديمًا قال الشاعر العربي:

    والشيء تحقره وقد ينمي

    فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.

    والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.

    وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.

    وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.

    فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.

    وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.

    فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.

    وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.

    كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.

    قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.

    فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!

    فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.

    هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.

    فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!

    ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.

    فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.

    وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!

    وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.

    وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.

    ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.

    فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.

    ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!

    وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!

    وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.

  • كلمة وزير المعارف

    كلمة وزير المعارف
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٩ سبتمبر ١٩٤٣
    في مثل هذا الحفل الباهر والجمع الزاخر، وبعد هذا البيان الساحر، لا عجب أن وقفتُ بلسان حائر لأترحم عن قلب شاكر. لقد أبيتم إلَّا أن تشرفوني بهذا الكرم والإكرام، وأكثرتم عند العرض من التجمُّل والكلام، ومضيتم على رأيكم من غير تردُّد ولا إحجام، فلم يسعني إلَّا الاستسلام. وآمنت بأنكم إلزاميون حقًّا؛ لأن حكمكم اللازم على المبتدئ الصغير أصبح لازمًا كذلك على الوزير. وممَّا يزيدني اغتباطًا بهذا الحفل الشائق أن الإلزاميين لا يعرفون التجمُّل الكاذب، وقد قاموا بهذه الحفلة على اعتقاد أنها ضريبة الحق على الواجب، ولكنني قبلتها كما يُقبل معروف الواهب أو كما يَقبل المنةَ صاحبٌ من صاحب.
    ولم يكن يخطر في نفسي ومناها أن أرى هذه الحفلة وقد بلغت في البهجة مداها وفي الروعة منتهاها، وشرفت بحضور الرئيس الجليل فرفعها وعلَّاها.
    إخواني! لقد اتصلت بيننا أودة منذ زمن طويل، وقام عليها ألفُ دليل ودليل، ولم يكُن في الإمكان شأن غير هذا الشأن. وكيف لا يستحكم الود المتين بين من يخدمون نشء الوطن من بنات وبنين، وبين من هو للمعلمين خادمٌ أمين!
    إخواني! ما كان لأمة ديمقراطية أن تُغفِل شأن التعليم الإلزامي؛ لأن الديمقراطية هي حكم السواد الأعظم، أي حكم الشعب. والتعليم الإلزامي هو تعليم السواد الأعظم، أي تعليم الشعب. فالعناية بهذا التعليم ورجاله جرى مع الديمقراطية على حكمها؛ ولذلك قلت لكم في مؤتمركم في الخامس والعشرين من شهر يولية سنة ١٩٣٦ ما يأتي: «ليس لكم من أعداء إلَّا الحكومات الأوتوقراطية.» ثم قلت لكم: «إذا جاز لنا أن نلتمس العبرة من التاريخ وجدنا أن التعليم الإلزامي قد لقي في أوروبا من الاضطهاد والأذى ألوانًا مختلفة. وهذا الحكم جارٍ مع الأزمان في جميع البلدان. وقد حاربت الحكومات الأوتوقراطية هذا التعليم حربًا عنيفةً متصلةً قويةً؛ خوفًا من أن تتنبه الشعوب الغافلة فتطالب بحقها في النور والثروة والحكم. كان الزعم السائد أن جمهور الشعب إنما خُلِق ليعمل لا ليعلم ولا يفكر، فلا صلة له بشئون الحكم والسلطان، كما أنه لا شأن له بالعلم والعرفان. ولكن الله أبى إلَّا أن يُتِمَّ نوره، فلما تجلَّى نور الديمقراطية كتب الله لهذا التعليم نصرًا مبينًا ثابتًا؛ لأن التعليم الإلزامي هو سناد الديمقراطية وسرُّ نجاحها، به قوامها وبه تمامُها؛ وذلك لأنه المرحلة الأولى والأخيرة لتعليم الحاكم الحقيقي وهو الشعب. وكلما هبط مستوى هذا التعليم سقط مستوى الأمة العقلي، وازدادت الهُوة بين طبقة الخاصة وطبقة العامة؛ فاختلفت الأخلاق، وتباينت العقول، وضاق أفراد الأمة الواحدة عن أن يُفهِم بعضهم بعضًا؛ ولهذا قالوا إن الأمم الديمقراطية ينبغي لها أن تعنى بهذا التعليم عناية تامة، وأن لا تبخل عليه بجهد أو مال.» هذه لغة الديمقراطية، ولغة علماء الاجتماع الواقفين على أسرار تقدُّم الأمم. أمَّا علماء التربية فقد قالوا إن التعليم الإلزامي هو الأول وهو المدخل، ولا يمكن أن يطلب الآخر قبل الأول، ولا الغاية قبل المدخل. وإذا صح قيام الأول بنفسه فالآخر لا يمكن أن يقوم إلَّا بالأول؛ ولذلك ينبغي للأمم أن تعنى بالصغار المبتدئين قبل عنايتها بالكبار المراهقين.
    ومما لا شبهة فيه أن المعلمين هم ركن هذا التعليم وسناده؛ لأنهم هم الذين يعلِّمون السواد الأعظم أدب الدنيا وأدب الدين، وينقلون إلى الأبناء تراث الآباء، ويؤدُّون عن الجيل الحاضر إلى الجيل القادم وديعة اللغة والأخلاق والوطنية والدين.
    ولقد كان يحزُّ في نفسي أن أرى المعلم ضائع الحقوق، فإذا اعتزل واجه الفقر المرير وسوء المصير، وإذا مات لم يترك إلَّا الصبية الصغار والدموع الغزار. وكنت أقول في نفسي كما يقول علماء التربية والاجتماع إن الأمة لا يجوز أن تتخذ من عقول المعلمين وجهودهم متجرًا تربح فيه ليكونوا من الخاسرين، ولا ينبغي لها أن تجري الأرزاق على غيرهم ويبقوا هم في الوحل والطين.
    على أن علماء التربية لم يأتوا في ذلك بجديد، ومن قبلهم قال الشاعر الحكيم:
    إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما
    ولقد لَقِيَتْ مطالب المعلمين أذنًا صمَّاء يُعيي صداها من يناديها، حتى تولى مصطفى النحاس الحكم فعادت المياه إلى مجاريها، وأعطى القوس باريها، وما أن عُرضت عليه مطالب المعلمين حتى عطف عليها. ولولا عطفُه لبقيت مجرد آمال، تكاد تكون في حكم المحال. لقد خُلِق مصطفى النحاس للخير الأسمى العام، وهو يعلم أنه موضع الرجاء من النفوس، ومكان الحب من القلوب. فلما ولي الحكم ظهرت في جميع الشئون آياته ومناقبه، وأشرق الوادي واطمأنَّت جوانبه، بعد أن اشتدت ظلمته وفدحت مصائبه. وعلى قدر ما خيم على البلاد من ظلام، زاد نور مصطفى النحاس إشراقًا وبهاءً، فتألق الوادي وانجلت غياهبه. ولا عجب فالليل إذا زادت في العين ظلمته زادت ضياءً كواكبُه.
    إخواني! إنه ليسرني أن يقترن عطف الرئيس الجليل على قضيتكم بعطف البرلمان بمجلسيه؛ فقد أثلج هذا العطف صدري ويسَّر أمركم وأمري، وبذلك أصبحت الاعتمادات المطلوبة للمعلمين نافذة ماضية، وإنني أتلو عليكم بمزيد من الغبطة نص تقرير اللجنة المالية بمجلس النوَّاب عن شئون المعلمين عامة والإلزاميين خاصة. قالت اللجنة:
    ليس من شك في أن الأعباء الملقاة على عاتق المعلمين والتبعة التي يضطلعون بها تستوجب العمل على إنصافهم؛ فهذه الهيئة هي التي تقوم بصبر وقوة احتمال بأخطر وأدق الواجبات المدنية. والتعليم لا يصح ولا تستقيم أموره بإنشاء المدارس وضبط البرامج وتوزيع الكتب، إذا لم يقترن هذا كله بتزويد المعلم بالكفاية المادية بقدر تزويده بالكفاية العلمية. وبغير ذلك لا تطيب نفسه، ولا يَحسُن إنتاجه ولا يستطيع أن يبث في النشء حب العلم. أمَّا رجال التعليم الأوَّلِي فهم أشد من غيرهم حاجة لضآلة مرتباتهم وعدم تقرير معاش لهم. والواقع أن تناول التعليم الإلزامي بالإصلاح مع إشباع جو التعليم برُوح الشعور بالقومية، ومع الاتجاه كذلك إلى إقرار اليوم الكامل، ومع إراحة القائمين بهذا التعليم من متاعب العيش بزيادة مرتباتهم وإدخال نظام تغذية الأطفال، يبشر بأننا سائرون فعلًا في سبيل الخير.
    إخواني! لقد وثقتم بحكومة الشعب في إنصافكم، وما كان لنا أن نكذِّب ثقتكم، وأن لا نرد إليكم حقكم، وأنتم الذين تملَئون الأرض علمًا ونورًا. فلا يجوز أن تُغبنوا وأن تكونوا كالسراج يحترق، وستنالون إن شاء الله سائر حقوقكم بعد أن أيَّدها البرلمان؛ لأن إشارة البرلمان فرض يجب أن يؤدَّى وحكمه نافذ لا يُترك سدى.
    وفي الختام أشكر لكم عظيم مُروءتكم وجميل حفاوتكم، بل أشكر لكم هذا اليوم الأغر، الذي قلَّما يجود الدهر بمثله، والذي لا يفي ببعضه حمد ولا شكر.
    والسلام عليكم ورحمة الله.