الروح الجامعي
إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
الهلال ديسمبر ١٩٦٧
بقلم الدكتور طه حسين
Tag: pedagogy
-
الروح الجامعي
-
تيسير
تيسير
من أوراق الدكتور طه حسين
تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
بقلم: د. أحمد حسن الزيات (الهلال، ١ يونيو ١٩٨٨)
بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ وجهه إلى وزير التربية والتعليم أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية يقول فيه: "إن هاتين المسألتين المشكلتين خطر عظيم هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان." وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي إلى التفكير استعمال الحروف اللاتينية فأنكر طه حسين ذلك عليه وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل هاتين المسألتين المشكلتين يقول طه حسين في خطابه: "إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة ونخادعها أشنع الخداع حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية ونفقههم فيها ونبصرهم بها ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا بما يريدون أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.
فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا ولا تتعرض لريب أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها العالم بها المتقن لدقائقها وأسرارها وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا ويحتملون في ذلك ويحتمل معهم أساتذتهم جهدًا ثقيلًا فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الجميل. وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها هذه الحقيقة بعد أن أقنعتها التجربة بها ودلتها الحوادث عليها فساقَتْ إلى الذين يُعنَون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر فيمن تلقاه وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات ولكني آثرت الصمت واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة واثقًا بأنها لن تغني شيئًا مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة كما يصل إليها من الإجابات فتقرأ أو لا تقرأ ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين أو تُسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.
وكنت محقًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها البيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.
وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم وإلى الجرأة والإقدام وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها.
وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين لولا أني وجدت من حديث معاليكم ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية ما رد بعض الأمل وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة مغتبط أشد الاغتباط حين ألحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة ما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا ومقدمة سعيدة خطوات موفقة إن شاء الله.
ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين إن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يُعلَّم في البصرة والكوفة وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة أي أننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يُعلَّم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها إلا علوم اللغة العربية فإنها ظلت كما هي لم تتطور ولم تتغير إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا ولعله يصعب السهل ويدفع الواضع إلى الغموض وليست العلوم وحدها هي التي تطورت أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير فأنتج علمًا مخالفًا ما كان نتيجة عن قبل وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي وابن سينا أو أرسطاطليس وجالينوس ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.
ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد ثم استقر في نفوسهم وامتزج بعقائدهم وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفسادها ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل وأن يبقى التصرف فيها على أي وجه من الوجوه يعرضها للتغير أو التطور وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا وكثيرًا ولكن الناس لم يفطنوا هذا أو لم يحفلوا به وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم. ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر. وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء أو ترفع بضمة قبل الواو وتنصب بفتحة قبل الألف وتجر بكسرة قبل الياء أو تُعرب بالحركة والحرف جميعًا أو تُعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف مهما تكن علامة إعرابها وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو فقلنا أن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا ما كان هذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين وهو الابتداء أو عناء فهم هذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.
وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه وتعقدت ألوان المعرفة إلى أن نريحه من العناء الذي لا يُغني ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يسيغه ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا وصرفناه عنه صرفًا وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه ولا تتحدث إلى عقله ولا تلائم طبعه ومزاجه وإنما هي ألغاز لا تُفهم أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليها نظرة الجد.
وكيف نريد التلميذ على أن يفهم أننا إذا قلنا حمدُ أقبل فلابد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على حمد. وكيف نريد الطالب على أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة ويستتر وجوبًا مرة أخرى وهو في كل حال مبني ومحله دائمًا محل الرفع كل هذا كلام لا يسيغه العقل الحديث ولا سيما في طور الطفولة والشباب فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى فإنما نفرضه على الذاكرة ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم وأن يعيده في الامتحان كما يعيد الببغاء ما تحفظ من الصيغ والألفاظ وهذه الأمثلة التي ذكرت أهون ما يلقى التلميذ حين يأخذ في درس النحو ولا أريد أن أعرض للحركات التي تُقدر ويُمنع من ظهورها التعذر أو يُمنع من ظهورها الثقل أو تُمنع من ظهورها كسرة المناسبة ولا أريد أن أعرض للاشتغال ولا أريد أن أعرض للحروف التي تنوب عن الحركات ولا الحركات التي ينوب بعضها عن بعض كالفتحة التي تنوب عن الكسرة والكسرة التي تنوب عن الفتحة ولا أريد أن أعرض لنظرية العامل التي تكلف التلميذ والطالب عناءً ثقيلًا دون أن يفهمها أو يسيغها وما أكثر ما يسأل التلميذ نفسه عن هذه الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر كيف تعمل النصب والرفع مع أنها في حقيقة الأمر لا تعمل شيئًا. فلو أرحنا الطالب من هذا كله ويسرنا له أمور النحو تيسيرًا وحببنا إليه دروس اللغة العربية وأتحنا له فهمها وذوقها والانتفاع بها في الكلام والفهم نعرض اللغة خطرًا قليلًا أو كثيرًا، كلا إنما نحط عن التلميذ عبئًا ثقيلًا ليس هو في حاجة إلى احتماله وإنا واثق كل الثقة بأن إراحة التلميذ من هذا العناء الثقيل السخيف ستغير نظرته إلى دروس اللغة العربية وإقباله عليها وستظهر نتيجة ذلك في أسرع الوقت وأقصره.
أما إصلاح الكتابة فليست الحاجة إليه أقل من الحاجة إلى إصلاح النحو ولعلها أن تكون أشد منها وأكثر شيوعًا فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب وهو في حاجة إلى أن يُعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق في حديثكم الذي أذعتموه منذ حين وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة كما هي مقدسة لا ينبغي أن تُمس ولا أن ينالها التغيير كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يُمس ولا أن يناله التغيير وقد نسي الناس أن الكتابة تغيرت وتطورت ونالها العلماء بالإصلاح فلم يصب اللغة من ذلك شر ولم يلم بها مكروه وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية كغيرها من الكتابات السامية ناقصة نقصًا شنيعًا تصور نصفها وتهمل نصفها الآخر، تصور حروفها الجامدة وتهمل حروفها اللينة ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني وهي على كل حال شديدة العسر ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرأوا وقد يمكن أن يُقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها وتتفرد بها كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا وأن يكتبوا فأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرأوا وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتفوقين وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم لا غاية يمكنهم الفهم منها وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا بلفظ "كَتَبَ" لا ننطق بالكاف والتاء والباء وحدها وإنما ننطق معها بهذه الفتحات الثلاث التي هي النصف اللين هذه الكلمة فما بالنا نصورها النطق في الكتابة؟ وكيف السبيل للقارئ الساذج إذا رأى هذه الأحرف الثلاثة الجامدة أن ينطقها على الصورة التي أرادها الكاتب إلا إذا فهم قبل أن يقرأ وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس. وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد فطنوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه فحاولوا تصور هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة وبالشكل المعروف مرة أخرى فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون أفلا يسعنا أن نصنع ما صنع أئمة القرن الأول والثاني وكيف ينكر علينا ما لم يُنكر عليهم وكيف نلام على ما لم يُلاموا عليه وأيهما خير أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها فنتم ما بدأوا ونحقق ما أرادوا أم أن نبقى حيث نحن فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء لو نضطر إلى أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها وتركها عرضة لتقلب الظروف ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتقنون العلم بأنواع الكتابة والخط ويحسنون التصرف فيها ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا ثم يعرضوا ما يتاح لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة لهذا الأمر بعد أن يستقر رأي العلماء وينم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.
وخلاصة القول إني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تكلف تبسيط النحو ورفع ما تنتهي إليه من هذا التبسيط إلى معاليكم لتروا رأيكم ولتعرضوه إن شئتم على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة وثانيًا أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها فيستشار الأزهر وتستشار دار العلوم وتستشار الجامعة ويستشار المجمع اللغوي فإذا اتفقت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي وهو من تصوير الحروف اللينة أو الحركات على أنها جزء من الكلمات ضرورة لا بد منها وخير لا شر فيه عرض موضوع هذا الإصلاح مسابقة عامة لا في مصر وحدها ولا في الشرق العربي وحده بل في الشرق والغرب جميعًا.
وإنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا مع أجمل الشكر وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.
طه حسين -
تكوين الصفوة المثقفة
تكوين الصفوة المثقفة
طه حسين
جريدة الأهرام
٢ مارس ١٩٣٩
شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».
جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:
الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.
وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين!