Tag: social justice

  • بطر …!

    بطر …!
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٧ أكتوبر ١٩٦١

    منذ أعوام طوال، سمعت حديث الوحدة العربية، ولم أسمعه للمرة الأولى والثانية والثالثة إلا من السوريين. كانت الوحدة العربية حلمًا للسوريين حين كانت أرضهم وحياتهم ومنافعهم كلها في أيدي الفرنسيين، يتصرَّفُون فيها كيف شاءوا، ويعبثون بها كيف أحبُّوا. ولعلها كانت حلمًا للسوريين قبل ذلك حين كانت سورية خاضعة للترك العثمانيين، يدبِّرون أمرها، ويسومون أهلها سوء العذاب. ولعل السوريين كانوا يتعزَّوْنَ بهذا الحلم، من عسف الترك، ومن ظلم الفرنسيين. ولعلهم كانوا يرون في تحقيقه وسيلة يخرجون بها من محنهم القاسية، ويستردون بها شيئًا من حريتهم ومن كرامتهم ومن سيادتهم؛ لا في وطنهم السوري وحده، بل في الوطن العربي كله. وقد أوشك هذا الحلم أن يتحقق حين انتصر الحلفاء الغربيون على الترك، وحين أصبحت سورية دولة مستقلة. ولكن ذلك الاستقلال لم يكد يرى النور، حتى أطبقت عليه ظلمة الانتداب الفرنسي، وحتى مُزِّقَ الوطن السوري كل مُمَزَّقٍ في أيدي الفرنسيين، وقُسِّم إلى دويلات يعبث بها المنتدبون، يوجهونها إلى مصالحهم، فعاد ذلك الحلم يداعب نفوس السوريين. والناس جميعًا يعرفون كيف أبلى السوريون أحسن البلاء في مقاومة الظلم الفرنسي، وكيف ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل العودة إلى الاستقلال، وكيف أمنت قلوبهم ووثقت نفوسهم بأن هذا الاستقلال لن يكون غاية في نفسه إن أتيح لهم، ولكنه سيكون وسيلة إلى تحقيق استقلال آخر أوسع وأشمل وأكرم، وهو استقلال الوطن العربي كله، وتحقيق وحدة الأمة العربية بعد ذلك.

    وكان السوريون في تلك الأيام يكرهون أن يسمعوا من عربي كلمة الأمة السورية، بل كانوا يُسرعون إلى إصلاح هذه الكلمة، فيقولون لمن ينطق بها: لا تقل هذا، فليست هناك أمة سورية أو أمة عراقية أو أمة مصرية، وإنما هناك أمة واحدة: هي الأمة العربية، وقل إن شئت: الشعب السوري والشعب والعراقي والشعب المصري، فليس بد من أن تتحد هذه الشعوب في العصر الحديث كما اتحدت في وقت مضى، وتصبح كلها أمة عربية كما كانت في وقت مضى.

    وأذكر أني خاصمتهم كثيرًا في هذه الوحدة، وكنت أسألهم أين تكون العاصمة لهذه الوحدة؟! أتكون في المدينة كما كانت أيام الخلفاء الراشدين؟! أم تكون في دمشق كما كانت أيام الأمويين؟! أم تكون في بغداد كما كانت أيام العباسيين؟!

    فكانوا يردون عليَّ في استخفاف أي استخفاف ويقولون: ليس هذا هو المهم، فالأهم هو أن تحقق الأمة العربية وحدتها، ولا بأس بأن تكون عاصمة هذه الوحدة حيث تريد أن تكون.

    ثم لم يلبثوا أن اتهموني في صحفهم بالفرعونية أولًا وبالشعوبية بعد ذلك، ثم تجاوزوني إلى اتهام الكتاب المصريين كلهم أو أكثرهم بهذه الفرعونية التي كانوا يُبغضونها أشد البغض، وينكرونها أعظم الإنكار.

    وكنت في سوريا سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف حين اجتمع مندوبون من البلاد العربية بمدينة الإسكندرية ليدرسوا إنشاء الجامعة العربية. ولست أنسى أنني خطبت في دمشق في العيد الألفي لأبي العلاء المعري، وتمنَّيت النجح لفكرة الجامعة العربية وللذين كانوا يحاولون تحقيقها، فضجَّت الجماهير الضخمة بالهتاف والتصفيق، وكان السيد شكري القوتلي — رئيس الجمهورية السورية حينئذ — يرأس ذلك الاجتماع، وقد ظلَّ الهتاف والتصفيق متصلًا حتى يئستُ أو كدت أيأس من إتمام الحديث عن أبي العلاء.

    وفي تلك الأيام جعل السوريون يهنئونني بالعدول عن الفرعونية والميل إلى الوحدة العربية، لا في دمشق وحدها، ولكن في معرة النعمان، وفي حلب، وفي حماة.

    كذلك كان السوريون أثناء الانتداب الفرنسي، فلما انتهى هذا الانتداب وأُتيح الاستقلال للسوريين، لم يشكوا في أن تحقيق الوحدة العربية الشاملة قد أصبح قريبًا من متناول اليد.

    وما من شك في أن السوريين كانوا من السابقين إلى التفكير في الوحدة وإلى الدعوة إليها والجد في سبيلها، حتى اضطروا في يوم من الأيام أن يتعجَّلوا تحقيقها، وأن يُلِحُّوا في هذا التحقيق أشد الإلحاح وأقواه، وأن يسبقوا الظروف الملائمة لتتحقق هذه الوحدة دون أن تقوم العقبات في سبيل تحقيقها.

    ثم أقبلوا إلى مصر ذات يوم وحاصروا رئيس جمهوريتها بالإلحاح والتشدد فيه، وكادوا يُحمِّلونه تبعات ما كانت تتعرض له سورية من الخطوب الجسام. كانت تركيا تناوشهم على الحدود الشمالية، وكان نوري السعيد يحلم بالهلال الخصيب، ويستعين بالإنجليز في تحقيقه. وكانت إسرائيل خطرًا داهمًا على الحدود من ناحية ثالثة.

    وكان لسان حال السوريين يوشك أن يقول لرئيس الجمهورية في مصر ذلك البيت العربي القديم الذي سار مسير الأمثال:

    فإن كنتُ مأكولًا فكن أنت أكليوإلا فأدركني ولما أمزقِ
    ولم يكن رئيس الجمهورية يريد أن يأكل أحدًا، لم يكن يحب لوطنه أن يأكل أحدًا، وإنما كان رجلًا عربيًّا كريمًا لا يتردد في أن يسرع إلى معونة أي مواطن عربي آخر يحتاج إلى هذه المعونة ويطلبها.

    وكذلك اضطر رئيس الجمهورية المصرية إلى أن يستجيب إلى هذه الدعوة السورية، وهو يعلم بأن هذه الاستجابة ستثير له مشاكل لا تُحصى وستعرضه لألوان من المشقة لا يقهرها إلا أولو العزم، وستحمِّله أعباءً لا ينهض بها إلا الذين يؤمنون بالحق والخير ويستجيبون للشهامة والمروءة والنجدة حين يدعون إليها.

    وأذكر أني لقيت أحد وزرائنا بعد الاتفاق على هذه الوحدة، وقلت له: إن هذه الوحدة التي اتفقتم عليها قبل أوانها ستثير لكم ولنا مشكلات لسنا في حاجة إليها، وحسبنا ما يواجهنا في وطننا من المشكلات. فكان جوابه أن الرجل الكريم يُؤْثِرُ أن يبذل التضحيات مهما تثقل ومهما تكن فادحة، على أن يعرِّض أخاه للخطر.

    وقد تمت الوحدة إذن وأقرَّها الشعب السوري بالإجماع، ولم يكن الشعب المصري أقلَّ منه إجماعًا على إقرار هذه الوحدة. وبدأت المشكلات وتتابعت، واحتمل رئيس الجمهورية وزملاؤه أثقالها وأعباءها ومتاعبها، لم يضنُّوا بشيء من جهدهم ولم يضنُّوا بشيء من المال. وليس من شك في أن الذي استفادته سورية من هذه الوحدة أعظم ألف مرة ومرة من الذي استفاده الشعب المصري منها في هذه الأعوام الثلاثة الماضية.

    حُفظ الوطن السوري على أهله، وأمنت حدوده، وانقطعت مطامع الطامعين فيه، ويسرت الحياة للسوريين في بلادهم وفي بلادنا أيضًا، وأُتيحت للعمال والزراع مكاسب لا تكاد تقدر، وتحققت بينهم العدالة الاجتماعية إلى أقصى ما كان يمكن أن تتحقق في هذا الوقت القصير. ولكن الإنسان بَطِرٌ بطبعه، سريع إلى الجحود، سريع إلى كُفر النعمة، ومن أجل ذلك — لا من أجل شيء آخر — استجابت شرذمة من السوريين للاستعمار، وآثرت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن السوري، بل على مصالح الوطن العربي كله.

    آثرت أن تنعم وتُسرف في النعيم، وأن يشقى الشعب السوري ويغرق في الشقاء، وآثرت أن تحقق منافعها الجائرة وطغيانها الآثم، على أن تشرق آمال الوحدة والعزة والكرامة في نفوس العرب على اختلاف أوطانهم.

    ووقف رئيس الجمهورية من هذه الخيانة ومن هذا الجحود ومن هذا الكفر بالنعمة، موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف الرجل الكريم النبيل؛ آثر سلامة الوطن السوري، وأبى أن يستجيب للعاطفة، وأبى أن يأخذ السوريين بأن يبروا بأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم، وخلَّى بينهم وبين ضمائرهم، بل تجاوز هذا كله وطلب إلى السوريين ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وأن يدَّخروا وحدة الوطن السوري للدفاع عنه حين تدهمه الخطوب. فعل هذا كله ولم يحل بين السوريين وبين أن يصنعوا بأنفسهم ما يشاءون، لم يتحفَّظ إلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه لن يعترف بحكومة سورية إلا إذا أقرَّها الشعب السوري في استفتاء حر كريم.

    والمصريون جميعًا يقفون موقف رئيس الجمهورية، ويسألون الله أن يسدد خُطى الشعب السوري، وأن يوجهه إلى منافعه الصحيحة، وأن يجعل مثله الأعلى دائمًا هو الحق والخير وعزة العرب، ويتمنَّون على الله عز وجل ألَّا تحق على القلة الجاحدة من إخواننا السوريين هذه الآية الكريمة من سورة النحل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

  • من بعيد … رسل البغضاء …

    من بعيد … رسل البغضاء …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣ سبتمبر ١٩٦٠

    لست صاحب هذا العنوان، وإنما أستعيره من كاتب فرنسي معروف جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة الفيجارو. وهذا المقال يصوِّر أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا، فهم لم يسيغوا ولن يسيغوا آخر الدهر هذه الظاهرة التي يمتاز بها العصر الذي نعيش فيه، وهي ظاهرة الطموح إلى الحرية والجد في سبيل الظفر بها والوصول إليها آخر الأمر. وهذه الظاهرة، كارثة بالقياس إلى هؤلاء المحافظين من أنصار الاستعمار؛ ذلك أنهم يؤمنون في أعماق نفوسهم بشيئين خطيرين: أحدهما المال والآخر السلطان، وما يكون له من بُعد الصوت وعلو الكلمة وارتفاع المكانة. فكل غني من هؤلاء المحافظين مستثمر لماله كله أو بعضه في مستعمرة أو في غير مستعمرة من المستعمرات التي يسيطر عليها وطنه، فإذا تحررت هذه المستعمرة أو طالبت بحريتها واشتدت في هذه المطالبة فهي مؤذية لهذا الغني في ماله أولًا، وفي سلطان وطنه ومكانته بعد ذلك. وكل فقير من هؤلاء المحافظين يغنيه سلطان وطنه، وارتفاع مكانته بين الأوطان، وبُعد صوته في أقطار الأرض عن المال، أو قل يعزيه عن المال ويثير فيه كثيرًا من الكبرياء، ويغري به الغرور ويخيل إليه أنه شارك من قريب في هذا السلطان المنتشر وفي هذا الصوت البعيد وفي هذه المكانة الرفيعة.

    فكل مستعمرة تتحرر أو تطالب بالحرية وتلح في هذه المطالبة؛ تؤدبه في كبريائه، وتطاطئ من غروره، وتلقي في روعه أن وطنه قد أخذ يضعف قليلًا أو كثيرًا، وأن له حظه من هذا الضعف، وأنه منتهٍ غدًا أو بعد غد إلى أن يرى وطنه قد انحط من مكانته الرفيعة إلى مكانة أدنى منها، وأنه يشارك في هذا الانحطاط من قريب جدًّا. وهو من أجل ذلك كزميله الغني، مبغض لتحرر المستعمرات، مبغض لمطالبتها بالحرية، ضيق بوطنه حين لا يملك القوة على سحق هذه المستعمرة المتمردة وردها إلى الذل والهوان وإكراهها على أن تؤمن بأنها خُلقت للذل وخُلق الذل لها، وبأنها خُلقت للطاعة وخُلقت الطاعة لها، وبأنها فُطرت على الاستعباد، وكُتب عليها أن تجدَّ وتكدَّ وتذوق ألوان البؤس والشقاء؛ ليزداد الغني غنًى وليزداد حظ المستكبر المستعلي من الكبرياء والاستعلاء والغرور. وليس أسهل على نفوس هؤلاء المستعمرين من أن تعكس حقائق الأشياء وتردها إلى أضدادها، فليس المستغل المستذل الذي يسخر الناس لتحقيق منافعه هو الذي يظلم هؤلاء الناس ويدفعهم بظلمه إلى أن يبغضوه ويثوروا به حين تُتاح لهم الفرصة للثورة به، وإنما الشعب الذي طال استذلاله واستغلاله ثم أحس وجوده وشعر بحقه في الحياة الكريمة وطالب بهذا الحق، هو الظالم وهو الباغي وهو المعتدي؛ لأنه يُنقص ثراء الأغنياء وكبرياء السادة ويطاطئ من مكانتهم الرفيعة، وهو يغري الشعوب التي شاركته في الذل والاستعباد بأن تثور كما ثار وتطالب بحقها في الحرية والكرامة كما طالب بهما.

    فهو إذن ناشر للظلم والبغضاء، وهو من أجل ذلك مفسد في الأرض، وكل من أقره على مطالبته بالحرية أو أعانه على بعض أمره بعد ظفره بهذه الحرية مشاركٌ له في الظلم ومفسد مثله للأرض.

    ومن أجل هذا كله أنشأ ذلك الكاتب الفرنسي المعروف مقاله، ومن أجل هذا كله نشرت صحيفة الفيجارو له هذا المقال؛ ذلك لأن هذا الكاتب في أكبر الظن من الذين أسهموا في استغلال المستعمرات، ومن الذين أسهموا في استغلال قناة السويس حين كانت قناة السويس خاضعة لسلطان تلك الشركة البائسة، وهو من أجل ذلك ساخط كلما تحررت مستعمرة وساخط كلما أقرَّ وطنه استقلال هذه المستعمرة، سواء أكان هذا الاستقلال صريحًا أم مدخولًا، وهو من أجل هذا يُسمي دعاة الحرية في المستعمرات وفي البلاد التي خضعت خضوعًا ما لسلطان الأجنبي رُسلَ البغضاء.

    فرئيس حكومة الكنغو البلجيكي سابقًا رسولٌ من رسل البغضاء؛ لأنه يطالب بحرية وطنه ووحدته وحقه في الكرامة، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة من رسل البغضاء؛ لأنه أجلى البريطانيين عن مصر وحرر قناة السويس وردها إلى أصحابها، والذين ثاروا بملك العراق ونوري السعيد من رسل البغضاء؛ لأنهم أرادوا أن يحكم العراق نفسه.

    وكل من أعان هؤلاء على ما طلبوا أو على ما يطلبون لترقية بلادهم والترفيه على شعوبهم، مشاركٌ لهم في رسالة البغضاء ومعين لهم على نشر الفساد في الأرض. فالاتحاد السوفييتي مثلًا مشارك في نشر البغض وإظهار الفساد في البر والبحر؛ لأنه يقر الشعوب المتحررة ويؤيدها، والولايات المتحدة الأمريكية ناشرة للبغضاء معينة على الإفساد في الأرض؛ لأنها تعترف باستقلال الشعوب المتحررة ولا تشن عليها الحرب الاقتصادية.

    ولو قد صدر مثل هذا المقال عن رجل من الذين يحترفون السياسة ويعيشون بها ولها لهان أمره، فلأصحاب السياسة مذاهبهم ولهم حياتهم على ما يكون فيها من خير وشر. ولكن صدور هذا المقال من كاتب أديب لا يشارك في السياسة العاملة وإنما ينظر في الحياة ويقوِّمها ويحكم عليها بعقل المفكر الأديب لا بعقل السياسي المحترف، هو الذي يدعو لا أقول إلى العجب — فكل شيء ممكن في هذه الحياة الحديثة — بل إلى التفكير. فلولا أن لهذا الكاتب وأمثاله مشاركة في المنافع التي تغلها المستعمرات، لَما فكر تفكيره هذا، ولما رد حقائق الأشياء إلى نقائضها ولا اطمأن ضميره إلى أن من الحق أن تشقى الملايين بالذل والبؤس والجوع وألوان العناء؛ لتنعم قلة من الناس لا تكاد تُحصى إلا بالمئات، ولَما رضي ضميره أن يكون الناس في هذا العصر الحديث فريقين: أحدهما مستمتع بكل ما يحب من طيبات الحياة المادية والمعنوية، ليس له إلا أن يريد فيتحقق كل ما يريد، والآخر يُحرم كل طيبات الحياة المادية والمعنوية ليس له أن يريد ولا أن يفكر في الإرادة، بل ليس له من حقائق الإنسانية إلا صورتها الظاهرة، وليس بينه وبين الأدوات التي يعمل بها فرق ذو بال، إنما هو أداة مثلها مسخر مثلها لتلك القلة التي أُتيح لها أن تستمتع بكل شيء بشرط أن تكون في الأرض ملايين كثيرة قد حُرمت كل شيء.

    إنما هي المنفعة وحدها التي تفسد ضمائر الأدباء والمفكرين، وتبلغ بهم هذا الحد من اعوجاج النظر في الأشياء والحكم عليها.

    والحمد للَّه على أن في الغرب كُتابًا آخرين لم يُفسد ضمائرهم الجشع إلى المال، ولا الحرص على الثراء، ولا الرغبة في الترف الذي يُفسد النفوس ويميت القلوب.

    كُتَّاب ينظرون إلى الأشياء كما هي، لا يغيرون حقائقها ولا يعكسون طبائعها ولا يؤثرون أنفسهم بالخير من دون غيرهم من الناس، وإنما هم يستبشرون بكل دعوة إلى الحرية ويبتهجون بكل ظفر بالحرية ويسعدون حين يرون أن نور الحق ينتشر في الأرض شيئًا فشيئًا، ويوشك أن يعمرها كلها، وأن يحقق المساواة بين الشعوب، وأن يحقق هذه المساواة بين أبناء هذه الشعوب، وأن ينشر العدل فلا يكون في الأرض سيد ومسود، وإنما تكون الأرض كلها حرة تعيش فيها وتستثمرها شعوب حرة. وقد يكون هذا المثل الأعلى بعيدًا بعض الشيء، ولكنه كغيره من المُثل العليا يدنو قليلًا، ويرقى الإنسان إليه قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغه الإنسان ظهرت له مُثل عليا أبعد منالًا وأرفع مكانًا وأجدر أن يطلبها الإنسان ويجدَّ في طلبها حتى يبلغها ويطمح إلى مُثل أرقى منها.

    فحياة الإنسان طموح متصل ورقي متصل وآمال تتحقق؛ لتظهر مكانها آمال أخرى تدفع الإنسان إلى الجد والكد والعمل. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن رسل البغضاء الذين يذكرهم الكاتب الفرنسي؛ سيسجل التاريخ لهم في يوم من الأيام أنهم كانوا رسل الحب والسلام ورسل الحرية وكرامة الإنسان ورسل العدل الذي لا يتيح للأغنياء أن يترفوا بشقاء البائسين المستذلين.

    كل ظواهر الحياة الحديثة تدل على أن مصير الشعوب المستضعفة إنما هو إلى الحرية والكرامة والعزة والمساواة، وإن رَغِم أنف المستعمرين سواء منهم الجهلاء والمثقفون.

  • شكاة

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • تقصير

    تقصير
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم أكد أستقر في مصر حين عدت إليها بعد انقضاء الصيف حتى علمت أن صديقا كريما لي قد ملأ قلبه حزن ممض عميق لأنه نكب فيما يثقل على الناس أن ينكبوا فيه. ففقد ابنه الصبي بصره في بعض الأحداث التي تعرض للصبية. وشقي الصديق الكريم وأسرته بهذه النكبة الأليمة وقاومها ما استطاع إلى مقاومتها سبيلا واحتال في ذلك ما وسعته الحيلة ولكن صرامة الخطب كانت أقوى وأمضى، من مقاومته ومن حيلته فاذعن كريما كما استقبل النكبة كريما. ولكني رأيته مروعا مفرق البال لا يعرف كيف يستقبل الحياة بابنه هذا العزيز. فليس من تعليمه وتهيئته لاحتمال الأعباء بد حين تؤهله سنه لاحتمال الأعباء ووسيلة هذا التعليم في مصر مفقودة أو كالمفقودة. فما زال المصريون يعيشون بعد أن تجاوز القرن العشرون نصفه كما كانوا يعيشون في القرون الماضية أيام الجهل والغفلة والقصور حين كان مستقرا في نفوسهم أن الذين يفقدون أبصارهم صغارا أو كبارا يجب أن يعيشوا عيالًا على أسرهم وعلى أمتهم. يمونهم أهلهم إن استطاعوا أن يمونوهم فإن لم يستطيعوا ففي حفظ القرآن وتلاوته حيث تعود الناس أن يتلى القرآن معاش لهم يجدون منه ما يقيم الأود، وإذا لم يتح لهم ذلك ففي تكفف الناس والتماس الصدقات واحتمال أثقال البؤس لهم مقنع ورضى إن كان في البؤس والذل والمسألة ما يقنع الناس ويرضيهم عن الحياة التي يحيونها طائعين أو كارهين.
    والأزهر الشريف وحده هو الذي احتفظ بالسنة القديمة وأتاح لهؤلاء البائسين من المكفوفين أن يعيشوا كرامًا وأن يجدوا في الحياة متاعًا يعزيهم عن آلامها وعن آفتهم هذه القاسية. وهو متاع العلم والدين يدرسونهما كما يدرسهما غيرهم من المبصرين وينهضون بتعليمهما كما ينهض به غيرهم من المبصرين.
    فأما المدارس المدنية التي تنشئها الدولة وتديرها أو التي ينشئها الأفراد والجماعات فمحرمة على هؤلاء المكفوفين لأنها لا تملك الوسائل الخاصة لتنشئتهم وتأديبهم وتمكينهم من أن يكونوا رجالًا كرامًا.
    وفي المجتمع المصري وفي بعض بيئاته الجاهلة الغافلة بنوع خاص قسوة غريبة تنافر ما طبع المصريون عليه من الرحمة والبر والحنان ومن رعاية الضعفاء والعناية بهم. فهم يتندرون بالمكفوفين ويسخرون من بعض أطوارهم لا يخفون ذلك ولا يستترون به ولا يبالون أن يؤذوا هؤلاء الذين آذتهم الحياة وقست عليهم الخطوب. وكل ما استطاعت مصر أن تعرفه في هذا العصر الحديث القريب من رعاية المكفوفين هو أن تنشئ لهم على نحو من البر والشفقة معاهد قليلة تعلمهم فيها بعض الأعمال اليدوية اليسيرة التي تتيح لبعضهم كسب أيسر القوت.
    فأما العقول التي في رؤوس هؤلاء المكفوفين والقلوب التي في صدورهم فلا خطر لها ولا وزن وما دام الله قد قضى عليهم ألا يبصروا فليس ينبغي أن يكون لهم أرب في حياة العقول والقلوب.
    وقد نسيت أشياء كثيرة منذ عرفت نفسي وسأنسى من غير شك أشياء كثيرة أخرى فيما بقي لي من الحياة ولكن قصة لي في أول الشباب لم أنسها وما أرى أني سأنساها لأنها نغصت على الحياة أياما وأرقتني ليالي، وتركت في قلبي ندوبا لم تزل وإن لم تثر في نفسي موجدة ولا ضعفًا.
    كان ذلك حين أنشئت الجامعة المصرية في أواخر العقد الأول من هذا القرن وحين اندفع إليها الشباب يتحرقون ظمأ إلى ما كان يلقى فيها من العلم الحر الذي لا يخضع لسلطان الإنجليز ومن العلم الحديث الذي لا يخضع لقيود الأزهر.
    وكنت من أولئك الشباب المندفعين فأقبلت ذات يوم إلى غرفة من غرفات الدرس يسعى معي خادمي ذاك الأسود الصغير فلم أكد أبلغ باب الغرفة حتى رددت عنها ردًا عنيفًا. فما ينبغي لذلك الغلام الأسود أن يصحبني إلى مجلس من قاعة الدرس لأن الدخول محرم على من ليست معه بطاقة الانتساب.
    وذهبت أشكو إلى سكرتير الجامعة المرحوم أحمد زكي بك فكان جوابه أقسى من رد الحجاب لي عن الدرس. قال وماذا تريد أن أصنع وقد قضى الله عليك ألا تشهد الدرس.
    ورق بعض الأصدقاء لي فكانوا ينتظرونني عند قاعات الدروس فيسعون معي إليها ويخرجون معي إلى حيث كان ذلك الغلام ينتظر أن أعود إليه.
    ذكرت هذا كله غير مرة في حياتي حين كنت أستاذًا في الجامعة وحين كانت هذه الآفة البغيضة تعرض لبعض الطلاب بعد أن يظفروا بإجازة الدراسة الثانوية. فكنت أحتال حتى أيسر لهم طلب العلم وحين كنت وزيرًا للمعارف حين عرضت هذه الآفة لبعض التلاميذ قبل أن يتقدموا لامتحان الشهادة الثانوية فاحتلت لهم حتى جازوا الامتحان وحتى التحقوا بالجامعة.
    وذكرتها حين عدت من أوروبا آخر هذا الصيف ورأيت ما رأيت من حزن ذلك الصديق الكريم وحيرته في أمر ابنه الصبي. ولم أكد أفرغ من مواساته حتى تلقيت كتابًا مرًا من أب أصابه مثل ما أصاب ذلك الصديق في ابنه الأثير عنده العزيز عليه وهو يسألني كيف السبيل إلى تنشئة هذا الصبي وتعليمه على نحو كريم يذود عنه الحزن ويخرجه من العجز ويمكنه من النهوض بأعباء الحياة حين يجب عليه النهوض بهذه الأعباء. وليس كل الناس مستعدًا لأن يرسل ابنه المكفوف إلى معهد النور ليتعلم فيه هذه الصناعة اليدوية اليسيرة أو تلك وليس كل الناس مستعدًا لتحفيظ ابنه المكفوف القرآن ليكسب بتلاوته القوت وليس كل الناس ميالًا ليرسل ابنه إلى الأزهر الشريف ليتخرج فيه أستاذًا لهذا العلم أو ذاك من علوم اللغة أو الدين.
    ومن حق الصبية المكفوفين وفي طاقتهم أن يضطربوا في الحياة وأن يحتملوا أثقالها كرامًا كما يضطرب فيها ويحتمل أثقالها كثير من المبصرين. وللصبية والشباب من المكفوفين حق التربية والتعليم على الدولة كغيرهم من المصريين ولهم عليها حق خاص في الرعاية والعناية لأن أيسر ما يجب على الدولة المتحضرة أن تشمل برعايتها من تلجئهم الآفات العارضة إلى هذه الرعاية. وإذا تحدثت عن المكفوفين فلست أختصهم وحدهم بالحديث من دون الذين تعرض لهم آفات أخرى تجعل تعليمهم أعسر من تعليم غيرهم من الأصحاء.
    ولست في حاجة أن أدل وزارة المعارف على ما تهيأ في أوروبا وأمريكا لأمثال هؤلاء الصبية والشباب من وسائل التربية والتعليم فوزارة المعارف تعلم من ذلك أكثر مما أعلم أنا أو من الحق عليها أن تعلم من ذلك أكثر مما أعلم وأن تأخذ من ذلك بما يلائم ظروف الحياة المصرية ومصلحة هؤلاء الصبية والشباب من المصريين. وفي مصر مدرسة أنشئت للمكفوفين منذ حين يقال إنها تريد أن تربيهم وتعلمهم كما ينبغي لمثلهم أن يربى ويعلم، وهذا حسن وخير من أن تنشأ مدارس أخرى غير هذه المدرسة وفي مدن مختلفة من الأقاليم. فليس كل الناس قادرًا على أن يرسل ابنه إلى هذه المدرسة وأكبر الظن أنها لن تتسع لكل من يحتاج إلى الالتحاق بها. فهم مع الأسف الشديد أكثر من ذلك عددًا وهم مع الحزن والأسى مفرقون في أرض مصر يجب أن تشملهم رعاية الدولة وأن تهيئهم للحياة الكريمة الخصبة المنتجة وعسى أن يكون من بينهم من أدخرت فيه الطبيعة كنوزًا لا ينبغي أن تضيع.
    هذا حديث أوجهه إلى وزير المعارف وما أشك في أنه سيصل إلى قلبه الثائر الشاب وما أشك في أنه سيلقاه بما ينبغي له من العناية وسيشعر مواطنيه بأن الثورة التي هو من رجالها لن تغير الحياة السياسية والاقتصادية وحدها ولكنها ستغير الحياة المصرية كلها وستمنح الضعفاء من عنايتها أكثر مما تمنح الأقوياء. وستتيح للمصريين جميعًا مساواة كريمة في الحقوق والواجبات كل حسب ما ييسر له وستفتتح للمصريين جميعًا حياة لا يستأثر فيها بعضهم بالنعيم والرضا على حين يستأثر البؤس والشقاء والحزن ببعضهم الآخر، وأنا مطمئن إلى أن هذا العام لن ينقضي حتى تنشأ في مصر مدارس يلقى فيها هؤلاء المكفوفون ما يلقاه أترابهم في هذه المدرسة الوحيدة من العناية والرعاية.
    الجمهورية ١٩ أكتوبر ١٩٥٤.

  • من بعيد … ثورتنا (٣)

    من بعيد … ثورتنا (٣)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٧ يوليو ١٩٥٤

    أعرف أن بيننا وبين الثورة الفرنسية دهرًا طويلًا أكثر من قرن ونصف قرن، وأعرف أن الحياة الإنسانية قد خَطَت في العلم والمعرفة والفن التطبيقي خطوات واسعة، لم يكن الفرنسيون يتصوَّرُونها أثناء ثورتهم، وأعرف أن هذا كله يقتضي أن يكون تفكيرنا في أواسط القرن العشرين غير تفكير الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر، وأن من الحمق والخطل أن نطلب من ثورتنا أن تفكر كما فكرت الثورة الفرنسية أو أن تنهج نهجها في حياتها العاملة.

    أعرف هذا كله، لكني أعرف أيضًا أن الظروف التي تحيط بنا تُشبه الظروف التي أحاطت بالفرنسيين أثناء ثورتهم من وجوه كثيرة؛ فقد كان الفرنسيون حين ثاروا يخضعون لظلم الملوك كما كنا نخضع له، وكانت كثرة الشعب تخضع لاستغلال طبقة بعينها من المواطنين؛ هي تلك التي استأثرت بالثراء والقوة والسلطان … كما كنا نحن نخضع لأسرة تشبه تلك الأسرة من وجوه كثيرة وإن لم تشبهها من كل الوجوه.

    وكان الفرنسيون يحاولون أن يظفروا بحقوقهم في الحرية والكرامة بالقياس إلى الملوك والأشراف، وفي المساواة أمام القانون دون فرق بين الطبقات، وفي الإخاء بين المواطنين مهما تكن منازلهم ومراتبهم. وكانت الثقافة هي التي ألقت في روعهم وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني، وأقنعتهم بأن اللَّه قد خلق الناس أحرارًا، لا ينبغي لبعضهم أن يملك بعضًا، ولا ينبغي لأغنيائهم أن يستغلُّوا فقراءهم، ولا ينبغي لأقويائهم أن يستذلوا ضعفاءهم، وأنهم جميعًا يولدون على نحو واحد، ويموتون على نحو واحد، ويصيرون إلى مصير واحد، وأنهم جميعًا يشعُرون ويُفكِّرون ويعبِّرون ويألَمون ويأمُلُون ويعملون على أنماط متشابهة أشد التشابه، متقاربة أعظم التقارب، وأن استعلاء الأقوياء ظلم، وأن استئثار الأغنياء جَوْر، وأن اللَّه قد خلق الأرض للناس جميعًا ومنح الناس عقولهم وقلوبهم وذكاءهم وشعورهم وقوتهم المادية؛ ليعيشوا في الأرض إخوانًا يبتغون من فضل اللَّه، ويتعاونون على الخير والبر والمعروف، وأن ما يكون من بغي بعضهم على بعض واستئثار بعضهم بالخير من دون بعض، لا ينبغي أن يكون نتيجة لفساد في النظام الاجتماعي والسياسي، وضعف في الأخلاق، وتفريط فيما لا ينبغي أن يفرط فيه رجل كريم أو شعب رشيد.

    ألقت الثقافة في رُوع الفرنسيين وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني. قرأها القادرون منهم على القراءة في كتب الفلاسفة والأدباء، وتحدَّثوا بها إلى الذين لا يقدرون على القراءة، ولاءموا بين ما كانوا يقرءون ويسمعون وبين الحياة التي كانوا يحيونها والنظم التي كانوا يخضعون لها، فثاروا وأخرجوا أنفسهم ووطنهم من حياة كان يملؤها الجور والبغي والإثم، إلى حياة حاولوا ما استطاعوا أن يجعلوا قوامها العدل والبر والتعاون على نشر الخير والمعروف.

    وقد كُنَّا مثل الفرنسيين في هذا كله، أحيينا فيما بيننا أصول الإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يُميِّز إنسانًا من إنسان إلا بالتقوى. نقلنا إلى لغتنا تلك الثقافة التي أَثَّرت في الحياة الفرنسية، وما أُضيف إليها من ثقافات جديدة، وجعل فريق من كتابنا وأدبائنا وزعماء الإصلاح فينا يُلِحُّون في الدعوة إلى إصلاح نظمنا الاجتماعية والسياسية، وتبرئتها من الطغيان والأَثَرة، ومن البغي والاستعلاء والعدوان.

    وقرأ القادرون منا على القراءة هذا كله، وامتد ثوابه إلى الذين لا يقرءون، ووازنَّا بين ما أحييناه من قديمنا وما نقلناه من جديد أوروبا، ومن الحياة التي كنا نحياها والنظم التي كنا نخضع لها؛ فضقنا بما كنا فيه أشد الضيق، وحاولنا أن نُخرج من حياتنا تلك البغيضة إلى حياة خير منها، وأتاح الجيش لنا — وكان من الحق عليه أن يُتيح لنا هذا الخروج — لأنه يأتلف من أبنائنا وإخواننا ويجد مثل ما نجد من الألم، ويطمح إلى مثل ما نطمح إليه من الكرامة، وكانت في يده القوة التي تُتيح له تحرير الشعب، فلم يُقَصِّر حين تهيَّأت له الفرصة، وكتب الله له النُّجْح فيما حاول، فأصبحت ثورتنا حقيقة واقعة منذ عامين.

    من كل هذه الوجوه تُشبه مصر في القرن العشرين فرنسا في القرن الثامن عشر، ومن كل هذه الوجوه تُشبه ثورتنا ثورة الفرنسيين في نشأتها وأسبابها، والغايات التي تسعى إليها، ولنا بعد هذا كله من الظروف المواتية ما لم يكن للفرنسيين.

    فالفرنسيون ثاروا قبل أن يُستكشف الانتفاع بالبخار والكهرباء، وقبل أن يتيح للناس ما أتيح لنا من إلغاء المسافات في الزمان والمكان، وفي تذليل الصعب وتيسير العسير والتفوق في تسخير الطبيعة لأغراضنا ومنافعنا.

    فواجباتنا أثناء ثورتنا أضخم وأقسى وأعظم خطرًا من واجبات الفرنسيين أثناء ثورتهم؛ لأننا نملك من الوسائل ما لم يكونوا يملكون.

    وأنا أحب من تاريخ الثورة الفرنسية — إلى جانب ما حاولت من تحقيق العدل السياسي والاجتماعي — عنايتها بنشر العلم، وإذاعة المعرفة، وتكوين الصفوة المفكرة الحرة التي تدفع الشعب إلى أمام، وتتيح لأصول الثورة ومبادئها أن تتحقق وتستقر وتنتشر، لا في الوطن الفرنسي وحده، بل في القارة الأوروبية كلها، وفي غيرها من أجزاء العالم الأخرى.

    فقد عُنِيَت الثورة الفرنسية بتنظيم البحث العلمي وتشجيعه وتهيئة الوسائل للعلماء الباحثين؛ فأنشأت المجمع العلمي بفروعه المختلفة، كما أنشأت تفكِّر عاملةً وتعمل مفكِّرةً، وتُشعِر الشعب بأنه عنصر خطير من عناصر الحياة الإنسانية العامة.

    وقد ذكرت امتياز هذه الصفوة، وأحبُّ أن تكون هذه الكلمة واضحة كلَّ الوضوح في نفوس الذين يقرءون هذا الحديث.

    فلست أريد أن تمتاز هذه الصفوة بالمولد، ولا أن تمتاز بالمال، ولا أن تمتاز بالسلطان لها وعطفه عليها، وإيثارها بالخير من دون المواطنين؛ فقد ذهب هذا كله، ويجب أن يذهب إلى غير رجعة.

    ولست أريد كذلك أن تمتاز هذه الصفوة بهذا التحكم الذي يظنه الناس علمًا وليس هو من العلم في شيء، وأريد به هذا التحكم الذي يعتمد على مقاييس الذكاء وما يشبه مقاييس الذكاء من أوهام البيداجوجيا التي تُفهَم على غير وجهها، والتي يؤمن فريق منا بنصفها ويجحد نصفها الآخر.

    وإنما أريد أن تمتاز بنفسها؛ بجدِّها وكفايتها ومواهبها، بعد أن تُتاح للمواطنين جميعًا فرص الامتياز في حرية كاملة لا تَحكُّم فيها ولا تَضييق.

    هذه الصفوة ستمتاز من بين أبناء الشعب كله، لا من أبناء الأغنياء، ولا من أبناء الفقراء، ولا من أبناء الطبقة الوسطى، بل من أبناء المصريين جميعًا؛ لأنهم مصريون لا لشيء غير ذلك.

    وأنا أعلم أن قومًا سيقرءون هذا الكلام، فيهزون رءوسهم، ويرفعون أكتافهم، وتمتلئ قلوب بعضهم موجدة وسخطًا، وقد يقول قائلهم كلامًا يُقال في قمم الجبال. لكني أعلم أيضًا أن كثيرين من القارئين لهذا الحديث سيقرءونه بقلوبهم وعقولهم، وسيجدون فيه حقائق أنفسهم وخلاصة آمالهم، وسيؤمنون به ويعملون له. وأنا أَعِدُ هؤلاء بأن يُتاح لهم النجاح غدًا وإن لم يُتح لهم اليوم، وإليهم وإلى قادة الثورة أسوق هذا الحديث على أنه لم ينته بعد.

  • من بعيد … ثورتنا ١

    من بعيد … ثورتنا (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ يوليو ١٩٥٤

    تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

    وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

    فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

    وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

    فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

    فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

    وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

    فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

    وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

    وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

    وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

    وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

    ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

    ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

    في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

    فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

    ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

    فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

    فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

    والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

    وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

    وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

    ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

    والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

    وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

    فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

    وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

    فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

    فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

    والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

  • كلمة

    كلمة…
    بقلم الدكتور طه حسين
    ذهب كاتب فرنسي معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغي للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس. ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية في بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام.
    ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف. ولست أدري أذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا في شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة التي يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتي تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
    رأى وأنكره أشد الإنكار وصور ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدري الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيري من الناس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة وإنما الذي يعنيني وما أشك في أنه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئنٌ هو أم قلق، أباسمٌ هو أم عابس! أمتعبٌ هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
    ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعرف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم في الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
    ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة.
    ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسي لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما في العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون.
    نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارا. فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة أنه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمي الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذي يقرون النظام ويحفظون الأمن في أوقات السلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه، يعملون له في أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، و يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف و يستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التي يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة في البر والبحر وما أذكر أني آويت إلى فندق في السفر، أو آويت إلى داري في الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لي الراحة ويبتسمون ليعدوا لي شيئا من نعيم.
    وما أكثر ما نقرأ في الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون في عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون في سيرتهم مع الناس بما يجدون في قلوبهم من
    شعور وما يدبرون في عقولهم من تفكير، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذي ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدّى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعي فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.
    فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي بل فكرت في أكثر من هذا كله وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتي أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسي أيتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدّوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما في أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا.
    أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
    منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
    طه حسين
    البلاغ، ٤\٩\١٩٥٢

  • إصلاح

    إصلاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٩ أغسطس ١٩٥٢

    لا أحب أن أتعجل الإصلاح؛ لأن شرَّ الإصلاح ما جاء مرتجلًا، لم يأتِ نتيجة التفكير العميق والروية المتصلة والبحث المستفيض. ولكني أحب أن أعرض لأمور لم ينقطع تفكير المصريين فيها منذ كانت الثورة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى بوجه عام، ومنذ أمضيت المعاهدة المصرية الإنجليزية الملغاة بوجه خاص. وما أعرف أن شعبًا تكلم عن الفقر والجهل والمرض بمقدار ما تكلم عنها الشعب المصري — عامته ومثقفوه — منذ ثلاثين عامًا، ولكن الكلام لا يطعم جائعًا ولا يكسو عاريًا ولا يعلِّم جاهلًا ولا يبرئ مريضًا. وكان يُقال: إن أمور الإصلاح ميسَّرة لا يعترضها إلَّا أمران: ضيق الميزانية من جهة، ووقف الطغاة والأَثِرِين في سبيله من جهة أخرى. وكان ضيق الميزانية ناشئًا دائمًا عن خطأ مألوف في كثيرٍ من البلاد، وفي مصر خاصة. كان الذين يضعون الميزانية يعنيهم قبل كل شيء أن يتحقق التوازن بين الدخل والخرج أو بين الإيرادات والمصروفات في لغة وزارة المالية، وكان تحقق هذا التوازن شيئًا أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيءٍ آخر. جماعة من الكاتبين والحاسبين يقدِّرون الدخل بأرقام، ويقدِّرون الخرج بأرقام، ويحرصون أشد الحرص على ألَّا تزيد أرقام ما يُنفق من المال في المرافق العامة على أرقام المال الذي يُجبى من المرافق العامة. وكانوا يفخرون ويبتهجون إذا زادت الإيرادات على المصروفات، يرون في ذلك براعةً في الاقتصاد وحسن تدبير للأموال العامة. وكنا نرى — وما أكثر ما كان قومٌ يضحكون مما كنَّا نرى — أن توازن الميزانية إنما يكون بتحقيق التعادل بين حاجة الشعب الحقيقية إلى الإصلاح ومقدار ما يُجبى من الموارد العامة. وكنَّا نطالب بأن يزداد الإيراد حتى يُعادل الحاجة إلى الإصلاح، وننكر أن يضيق على الإصلاح حتى لا يتجاوز ما لدى الدولة من مال. وكنَّا إذا قلنا ذلك أو شيئًا قريبًا منه ضحك رجال المالية في وجوهنا، وقالوا في كثيرٍ من الرثاء لنا والعطف علينا: هذا كلام من لا علم له بشئون المال.

    وكذلك كانت وزارة الصحة تحتاج إلى مقدار من المال؛ لتحقق شطرًا من برنامجها فيُقال لها: حسبك نصف ما تطلبين، ودبِّري أمرك بمقدار ما يُقسم لك من المال لا تتجاوزيه، وإن استطعت ألَّا تبلغيه فافعلي، والخير كل الخير في ألَّا تبلغيه! وكان هذا يُقال لكل وزارة من الوزارات التي تُعالج نحوًا من أنحاء الإصلاح الاجتماعي: وزارة الصحة التي تحارب المرض مقتر عليها، ووزارة الشئون الاجتماعية التي تحارب الفقر مضيق عليها، ووزارة التعليم التي تدافع الجهل من القلوب والعقول محجور عليها؛ لأن الميزانية أصبحت غاية لا وسيلة، ولأن الإصلاح أصبح يُقاس بالإيراد لا بحاجة الشعب إليه. ولم يكن من الميسور أن نطالب بزيادة الإيراد؛ ففي زيادة الإيراد اشتداد على أصحاب الثراء، وأصحاب الثراء أَثِرُون بطبعهم، لا يحبون أن ينفقوا ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الحكومة التي تضطرهم إلى الإنفاق. وأصحاب الثراء هؤلاء يأوون إلى ركنٍ شديدٍ، هو صاحب الثراء الأعظم الذي يملك أعظم حظٍّ ممكن من الثروة، والذي يجمع إلى ثرائه سلطان الدولة، والذي يولِّي الحكومات شئون الحكم ويصرفها عنها؛ يوليها إذا رضيَ عن أعضائها، ويصرفها إذا سخط على أعضائها. فكان من الطبيعي أن تحسب الحكومات لأصحاب الثراء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه ويلوذون به حسابًا أي حساب. حتى كانت بعض الحكومات تتحدث حديث المبتهج المفاخر بأنها لا تريد أن تزيد الضرائب، بل بأنها مصممة على ألَّا تزيد الضرائب. وكانت الظروف القاسية تضطر الحكومات أحيانًا إلى أن تستزيد من إيرادها، فتلجأ إلى الضرائب غير المباشرة، تفرضها على ما يحتاج إليه الناس جميعًا، فيزيد الفقير والبائس فقرًا إلى فقر وبؤسًا إلى بؤس وشقاءً إلى شقاء، ولا ترزأ الغني الموفور من ماله الكثير شيئًا ذا بال!

    وكذلك أصبح الإصلاح عندنا كلامًا، وأصبح الجِدُّ فيه خطرًا على من يحاوله أو يدعو إليه، فضلًا عن أن يلح فيه. ثم تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح الإلحاح في الدعاء إلى الإصلاح عندنا شيوعية أو شيئًا قريبًا من الشيوعية، يضيق به صدر السلطان، وربما فتحت لأصحابه أبواب السجون وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

    ومهما أنسَ فلن أنسى، ولن ينسى الوزراء الذين اشتركوا في وزارة الوفد الأخيرة ليلة ذهبنا نقسم اليمين الدستورية بين يدي الملك السابق. فلما فرغنا من يميننا تمنَّى رئيس الوزراء أن تجري الأمور على ما يصلح الوطن ويحقق آماله، ورد الملك السابق عليه فتمنَّى مثل ما تمنى الرئيس. ولكنه لم يلبث أن انحرف عن حديثه إلى جماعة الوزراء ورئيسهم، واتجه إلى وزير المعارف خاصةً يدعوه باسمه، وينبئه بأنه يعرف ما كان ينشره في الصحف، وينذره بأن اختياره للوزارة لم يكن إلَّا امتحانًا له، فهي فرصة أخيرة تُتاح له لعله يثوب إلى نفسه ويعدل عمَّا كان قد مضى فيه من تلك الكتابة المثيرة. ولم يجب وزير المعارف بشيء، وإنما خرج الوزراء وأنفقوا أيامًا وأسابيع يتندرون بزميلهم يدعونه باسمه كما فعل الملك السابق، ويذكرونه كتابته المثيرة والفرصة التي أُتيحت له ليرجع عنها. وواضح أن وزير المعارف ذاك لم ينتهز الفرصة التي أُتيحت له، ولم يرجع عن شيء عمَّا كان يدعو إليه، وإنما مضى في شئون التعليم على نحو ما كان يرسم قبل أن يكون وزيرًا، لا يقفه في طريقه إلَّا ما يقف الوزراء جميعًا من الميزانية وفهم رجال المالية لتحقيق التوازن بين الدخل والخرج.

    ومضى عام وعام، واستقرت مجانيَّة التعليم العام، وأقبل العام الثالث، وجعلت الوزارة تعد خطاب العرش، وطلب وزير المعارف أن تتغير سياسة التعليم الجامعي، فتقرر فيها المجانية على ألَّا تقبل الجامعات من أصحاب الشهادة الثانوية إلَّا القادرين حقًّا على أن ينتفعوا بما يلقى فيها من التعليم. ولكن القصر وقف في سبيل هذه المجانية الجامعية، فحال بينها وبين أن تذكر في خطاب العرش، وحال بينها وبين أن تصبح أمرًا واقعًا. والغريب أن وزير المعارف كان متفقًا على ذلك مع الجامعات الثلاث.

    ثم ولد ولي العهد، واجتمع مجلس الوزراء وأراد أن يظهر ابتهاج الحكومة والشعب بمولد أمير الصعيد، فاقترح بعض الوزراء أن يُعفى الطلاب الجامعيون من المصروفات التي لم يؤدوها، وسأل رئيس الوزراء وزير المعارف وهو يضحك: أراضٍ أنت عن هذا الإعفاء؟ قال الوزير: لا، إنما أرضى بتقرير المجانية الكاملة؛ وليكن ذلك ابتهاجًا بمولد الأمير. ولكن الوزراء تضاحكوا واكتفوا بما اتخذوا من قرار.

    ولم يكن ذلك شأن الإصلاح في التعليم وحده، وإنما كان شأن الإصلاح في كل مرفق من مرافق الحياة. لم يكن بدٌّ من أن يتحقق الإصلاح بقوانين أو مراسيم، ولم يكن سبيلٌ إلى إمضاء القوانين أو المراسيم إلَّا إذا رضيَ عنها القصر، ولم يكن رضا القصر عن بعض الإصلاح يسيرًا ولا سهل المنال، ويجب أن نقول الحق: فقد كان للقصر أعوان في هذا الخوف من الإصلاح الذي يعرض ثراءهم لنقص قليل أو كثير.

    وللقارئ أن يظن بي ما أحب من السذاجة — والعبط — كما يقول الناس، ولكن أذكر سلسلةً من المقالات لعلها بلغت عشرًا أو جاوزت هذا العدد، وكان موضوعها واحدًا، وكان يسيرًا سهلًا، وهو أن إصلاح التعليم الذي عمدت إليه وزارة الوفد الأخيرة إنما كان شيوعية سافرة. كان من الشيوعية أن يكون التعليم بالمجان، وكان من الشيوعية أن تفتح المدارس لعدد من أبناء الشعب لم يكونوا ليدخلوها من قبل، وكان من الواضح جدًّا أن كاتب تلك الفصول لم يكن يؤمن فيما بينه وبين نفسه بما كان يكتب؛ لأن له حظًّا من الثقافة يُتيح له التفريق بين الشيوعية ونشر التعليم. إنما كان يريد أن يخاصم الحكومة القائمة، ويُغري بها أصحاب الثراء، ويُغري بها من كان يرى لنفسه حق التولية والعزل، وحق إجازة القوانين والمراسيم وتعطيلها.

    وأحب أن يعرف القارئ أني لست شيوعيًّا، ولم أكن شيوعيًّا قط، ولن أكون شيوعيًّا آخر الدهر، لا لأني أخاف على نفسي عواقب الشيوعية في مصر، فما أكثر ما تعرضت لما يخاف، فلم يصرفني الخوف عما أردت؛ بل لأني أؤثر الحرية على كل شيء من جهة، ولأن الشيوعية لا تلائم حياتنا المصرية المتدينة بالإسلام أو المسيحية، ولا تلائم الطور الذي وصلنا إليه من الرقي من جهة ثانية، ولأني مؤمن بأن في طبيعتنا وفي ديننا ما يمكننا من تحقيق العدل الاجتماعي دون حاجة إلى شيوعية لينين وستالين. ومع ذلك، فإني أذكر ديمقراطية قديمة عاشت في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن شيوعية، ولم تدَّخر وسعًا في تأييد الحرية وملكية الأفراد لما يكسبون في حدود القانون، ولكنها لم تكن تكره أن تشق على أغنيائها في بعض ما لا تقدر عليه مواردها، فكانت تكلف أغنياءها بناء سفن الحرب، وكانت تكلف أغنياءها تلهية الشعب بتمويل التمثيل. ونشأ عن شدتها تلك على الأغنياء أن أصبحت مدينتها أثينا سيدة البحر، وأن تركت هذه المدينة للإنسانية تراثًا رائعًا خالدًا من الأدب التمثيلي.

    وما أريد أن تشتد مصر على أغنيائها كما كانت تشتد أثينا على أصحاب الثراء فيها، ولكن لا أجد بأسًا في أن تعيد الديمقراطية المصرية الثائرة نظرها في توزيع الضرائب، وأن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء كما يأمر الإسلام، وأن تكلف الأغنياء إقامة المدارس والمستشفيات حين تسمح لهم ثروتهم بإقامة المدارس والمستشفيات، تأخذ من أموالهم صدقات تطهرهم وتزكيهم بها كما يقول اللَّه في كتابه الكريم. وأحبُّ أن يكون هذا كله بالقانون عن رضًا من البرلمان، لا عن تسلط من الحاكمين.

    ولست أدري أين قلت في بعض كتبي منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن من تغل عليه ثروته ثلاثين ألفًا من الجنيهات مثلًا سيظل غنيًّا حين ينفق نصف هذا الدخل فيما يطلب إليه من الضرائب؛ لتحقيق ما يحتاج إليه الوطن من الإصلاح.

    إن الثورة الصادقة التي تصدر من أعماق الشعب تلغي الأثرة، وتضع مكانها في قلوب الناس شيئًا آخر هو الإيثار والتضحية في سبيل المنفعة العامة. وما أشكُّ في أن ثورتنا صادقة، وما أشكُّ في أنها صادرة عن أعماق الشعب، وما أشكُّ في أن من حقِّنا أن نرى الأثرة تجري عن مصر مع الطغيان، وأن نرى الإيثار يحتل مكانها في قلوب الأغنياء والموسرين، فينفقون عن سعة في سبيل الإصلاح، ويذكرون أن ما يفعلون من خير سيجدونه عند اللَّه، وأن الشاعر القديم لم يكذب حين قال:

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين اللَّه والناس

  • برنامج …

    برنامج …
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٧ نوفمبر ١٩٤٩

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …

    لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.

    فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.

    فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.

    وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.

    أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.

    وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.

    فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.

    وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.

    ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.

    وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.

    فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.

    هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.

    كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.

    وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.

    لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.

    وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.

    وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.

    فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.

  • قضية التعليم

    قضية التعليم

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ١١ يوليو ١٩٤٩

    يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.

    وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.

    إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.

    والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.

    وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.

    كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.

    وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.

    ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.

    وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.

    فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.

    والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.

    وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.

    فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.

    ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.

    ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.

    لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.

    فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.

    ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.

    مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.

    ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.