اللاعبون بالنفوس
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٥ يناير ١٩٥٦
ما أكثر ما عقدت الإنسانية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها من أمل، وما بذلت في إنشائهما من جهد، وما أنفقت وتنفق عليهما من مال! وما أيسر وأهون ما جَنَت الإنسانية منهما منذ أُنشِئَا إلى أن أَنفَقا من عمرهما عشر سنين، لم يُغنيا فيها عن الناس شيئًا، ولم يَكُفَّا فيها عن الناس شرًّا. وإنما أغريا بينهم بالعداوة والبغضاء، وملآ قلوبهم حفيظة وضغينة وحقدًا، وأطمعا الظالمين في الظلم حتى تجاوزوا فيه كل حَدٍّ، وأيأسا المظلومين من العدل حتى استيئَسوا منه، واتخذوا التشاؤم والريب وسوء الظن أساسًا لحياتهم، وقِوامًا لكل صلة بينهم وبين غيرهم من الناس.
هم أولئك الذين كلَّفتهم الإنسانية أن يقيموا الحق بين شعوبها وأن يُنشئوا لها سلامًا كاملًا شاملًا قوامُه العدل الذي يأخذ للضعيف من القوي، وينصف المظلوم من الظالم، ويؤمِّن الناس جميعًا من الخوف والبغي والعدوان. فلم يصنعوا من ذلك شيئًا، بل لم يحاولوا أن يصنعوا من ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يؤمنوا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وإنما أقبلوا على أداء مهمتهم هذه الخطيرة ممثِّلين يُحسنون التمثيل أحيانًا ويخطئونه أحيانًا أخرى، ويَملَئون قلوب الناس في كل يوم حسرة وألمًا، ويُذيقونهم في كل يوم مرارة الآمال الخائبة والأماني الكاذبة، وأريدُ بهم هؤلاء الذين تأتلف منهم هيئة الأمم المتحدة بين عام وعام، وهؤلاء الذين يأتلف منهم مجلس الأمن بين حين وحين.
لقد اجتمعت هيئة الأمم في آخر الصيف الماضي وعُرضت عليها فيما عُرض عليها من المشكلات مشكلةُ الجزائر، وما يُصب على أهلها من البأس وما يُدبَّر لهم من الكيد وما يُسفك من دمائهم ويُزهق من نفوسهم؛ لأنهم يطالبون بأن يكونوا أحرارًا وبأن يأمنوا من الخوف ويُعصموا من البغي، ويظفروا بالكرامة التي قرر مَوْثِقُ هيئة الأمم أنها حق للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه ينتمي إلى هذه الدولة أو تلك ويعيش في هذا القطر أو ذاك.
وكانت هذه المشكلة قضية بين شعب ضعيف هو الشعب الجزائري، ودولة قوية هي فرنسا، وخُيِّل إلى الناس أن هيئة الأمم قد أخذت موثقها مأخذ الجِدِّ، وأزمعت أن تقيم العدل بين الخَصمين دون أن تحفل بأن أحدهما ضعيف والآخر قوي، فقبلت مشكلة الجزائر بين ما كان ينبغي أن تدرسه من المشكلات في دورتها تلك، وشاع الفرح في أقطار الأرض، وأشعرت قلوب الناس غبطة وأملًا، وانطلقت ألسنتهم بأن العدل محقَّق من غير شك، وإنْ سعى إلى الناس في بطءٍ وأناة. ولكن الخصم القوي ثار ثائرُه وفار فائرُه وأخذته العزة بالإثم، فاستكبر حتى على القضاء، وأبى أن يقف موقف المتهم وأن يدافع عن نفسه أمام خصم ضعيف لا يملك حولًا ولا طَوْلًا؛ فترك هيئة الأمم تدور في غير مدار وتهيم في غير سبيل، وعاد إلى باريس غاضبًا مُغاضبًا معتمدًا على قوته، معتزًّا ببأسه متحديًا بما يملك من وسائل البطش والتنكيل. وما هي إلا أن تضيق هيئة الأمم بهذه الغضبة، ثم تضطرب لها، ثم تذعن بما لم يكن بُدٌّ من الإذعان له؛ فتؤجل القضية إلى غير موعد، وتسعى إلى فرنسا مترضية مستعطفة، وتخلي بين الجزائريين وبين الموت يتخطَّفهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وخلَّت بينهم وبين الظلم يُصَبُّ عليهم حين يصبحون وحين يمسون، وأذنت للعدل في أن يعود إلى مضجعه، فينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام، أو لا تُتاح له في يوم من الأيام.
وعادت فرنسا إلى هيئة الأمم موفورة منصورة، قد رفعت رأسها مكابرة ومدت يدها مصافِحة، واطمأنت الهيئة كل الاطمئنان؛ فقد عاد الحبيب إلى الحبيب، ورضي الصديق عن الصديق، واجتمع الشمل بعد تفرُّقه، ورضيت هيئة الأمم بالعافية، وظلت الدماء تجري في الجزائر أنهارًا، وجعلنا نقرأ في الصحف الفرنسية نفسها أن مائة من الجزائريين قُتلوا في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي، ثم نقرأ في بعض البرقيات أن أكثر من ثلاثمائة من الجزائريين قُتِلوا في ذلك الأسبوع نفسه.
وليس بشيء من ذلك بأس ما دامت فرنسا راضية عن هيئة الأمم، وما دامت هيئة الأمم راضية عن فرنسا، فأما النفوس المُزْهَقَة والدماء المُرَاقة والأسر المُفجَعة، فأدوات للَعِب الأقوياء لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.
ومنذ أيام اجتمع مجلس الأمن، وما أدراك ما مجلس الأمن؛ هو الهيئة العليا التي تكبح بغي البغاة، وتكف طغيان الطغاة، وتعاقب المعتدين على عُدوانهم، وتجعلهم نَكَالًا للناس في أقطار الأرض كلها. اجتمع هذا المجلس الخطير، وعُرضت عليه قضية من الخزي للإنسانية المتحضرة أن توجد، ومن الخزي للإنسانية المتحضرة أن تكون موضوع أخذٍ وردٍّ، وأن يجرى فيها خصام أو جدال. فقد أراد الكبار أن يلعبوا بالصغار، فأزعجوا الآمنين الوادعين عمَّا كانوا فيه من أمن ودَعة، وسلطوا عليهم لعبتهم تسفك دماءهم وتذبح أبناءهم وتُخرجهم من ديارهم وتشرِّدهم في الأرض كل مشرَّد، وجعلوا ينظرون إليها وهي تفعل ذلك بمعونتهم وتأييدهم فرحين مبتهجين، قد أنشَئوا دولة من لا شيء، وحكَّموها في النفوس والدماء والأموال، وفرضوها على التاريخ فرضًا، ثم جعلوا يُدلِّلونها حتى استحبت الطغيان وكلفت باستباحة ما لا يُباح وانتهاك الحرمات وإهدار الحقوق. وخطر لهذه اللعبة ذات يوم أن تُغير على جارتها سوريا، وأن تأخذها على غِرَّة فتقتل وتنهب وتأسر، وتعود قوتها المغيرة مطمئنة راضية كأنها لم تصنع شيئًا ولم تقترف إثمًا ولم تهدر حقًّا. وما لها لا تفعل وقد مُدَّت لها أسباب العدوان، وأُطمِعَت في الأمن من العواقب وأُبيح لها ما لا يُباح لغيرها من الآثام.
وعُرض الأمر على مجلس الأمن، ففكَّر وقدَّر، وأقبل وأدبر، وتقدم وتأخر، ثم قضى وقرَّر أن إسرائيل مذنبة، ولكنها لا تُعاقب على الذنب، جانية ولكنها لا تؤخذ بجنايتها، مدانة ولكنها تُلام وتُنذَر، ثم يكتفي باللوم والإنذار، ولا يتجاوز ذلك؛ ففيه الكفاية وأكثر من الكفاية.
وقال قائل لمجلس الأمن من أعضائه: فلا أقل من أن تؤخذ إسرائيل بتعويض سوريا عمن قُتل من أبنائها وما ضُيِّع من أموالها، فليس في ذلك عقوبة، ولكن فيه شيئًا من إنصاف. ولكن المجلس أبى ولجَّ في الإباء، ووضع أعضاؤه القضاة أصابعهم في آذانهم وقالوا: حسبنا أن ندين إسرائيل؛ فإدانتها شيء عظيم. ثم تفرق مجلس الأمن بعد أن أذِن للعدل في أن يعود إلى مضجعه لينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام أو لا تُتاح له آخر الدهر.
فأما النفوس التي أُزهقت، والدماء التي أُريقت، والأسر التي فُجعت، والحقوق التي أُهدرت؛ فأدوات للعب لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.
ألا يزال العرب يعتمدون على اللاعبين بالنفوس لإنصاف المظلومين من الظالمين؟ وألم يأنِ لهم أن يُنصِفوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن أسفر الصبح لذي عينين؟
Tag: العدالة الدولية
-
اللاعبون بالنفوس | Those Who Play with Lives
-
مجلس الخوف … | The Council of Fear …
مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب. -
مساومات٢ | Bargains II
مساومات (٢)
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٦ ديسمبر ١٩٤٥
يقول الشاعر القديم: إن الحرب أولها كلام، ومن الممكن أن يُقال أيضًا: إن الحرب آخرها كلام؛ فقد اختصم الناس في الأعوام التي سبقت الحرب لعلهم يردون ألمانيا عن طغيانها، وهم يختصمون الآن فيما بينهم لعلهم يردون أنفسهم عن الغلو والطموح إلى البطش والعدوان. والواقع أن حرب الكلام طبيعة إنسانية تلازم الإنسان في كل زمان ومكان، تنفرد بالسيطرة حين يسكت السلاح، وتشارك في السيطرة حين ينطق السلاح أيضًا؛ فليس من المحقق أن صوت المدافع وأزيز الطائرات يضطران الناس إلى السكوت، وإنما الناس في حرب كلامية متصلة.
ولعل هذه الحرب أن تشتط وتبلغ أقصى غاياتها حين يتكلم الحديد والنار، ولا سيما بعد أن اختُرع الراديو، وأصبح أداة من أدوات الحرب الكلامية لا تُجارى ولا تُبارى، كما أن حرب البر والبحر والجو تأخذ أشكالًا مختلفة، فيها التقدم والتأخر والانتظار، والتماس الحيلة، والدوران حول المراكز الحرجة، فكذلك حرب الكلام فيها الإقدام والإحجام، وفيها المداورة والمناورة، وفيها الإسراع والأناة.
ومدار الحرب بالكلام أو بالسلاح على المساومة، فليست حياة الأمم كلها إلا مساومة مستمرة، كل يريد أكثر مما يستطيع أن ينال، وكل يجاهد في سبيل ما يستطيع، ومن هذه الإرادة المسرفة، ومن هذا الجهاد المتصل يكون الاصطدام بين المجاهدين بالقول دائمًا، وبالقوة المهلكة أحيانًا. وقد خرجنا من أزمة القوة المهلكة، وعدنا إلى هذه الحرب السلمية، إن صح أن تكون الحرب سلمية. هذه الحرب التي تقوم على الأخذ والرد، وعلى المحاورات التي لا تنقضي، والمناقشات التي لا آخر لها. ومدار هذه الحرب كمدار الحرب الأخرى هي المساومة على حقوق الشعوب، فأي المتحاربين تفوق، فهو الظافر المنتصر المستأثر بأعظم حظ ممكن من الظلم.
وقد اشتدت الحرب الكلامية في لندرة منذ حين أثناء اجتماع وزراء الخارجية، فكان الهجوم والدفاع، وكان الصدام والصراع، ثم انصرف المختصمون، ولن يلقى أحد منهم كيدًا. دافعت روسيا عن قرارات مؤتمر القرم، ومؤتمر بوتسدام، وعن استئثار الدول الثلاث الكبرى وحدها بالقضاء في بعض المشكلات من دون فرنسا والصين، واجتهدت بريطانيا العظمى وأمريكا في تيسير هذه القرارات، وإشراك فرنسا والصين في صلح البلقان، فلم تلن روسيا ولم تهن، وإنما استمسكت برأيها وأصرت، وأخفق المؤتمر إخفاقه ذلك المعروف.
ومضت أشهر على هذا الإخفاق كثر فيها الكلام هنا وهناك. واشتد فيها الجدل بين موسكو ولندرة وواشنجطون، وكثرت فيها الأحداث في الشرق والغرب، ثم ننظر فإذا العالم يُفاجأ بأن مؤتمرًا سيعقد في موسكو، وبأن هذا المؤتمر لن يشهده إلا وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى.
وإذن فأي الفريقين ظفر بالفوز في هذه المفاجأة؟! أهم الإنجليز والأمريكيون الذين كانوا يريدون أن تشترك فرنسا والصين في معاهدة الصلح البلقانية، أم هم الروس الذين كانوا يأبون أن تشترك فرنسا والصين في هذه المعاهدات؟!
مسألة فيها نظر، ولكن ظاهرها على كل حالٍ يدل دلالة واضحة على أن الروس هم الذين كسبوا الموقعة. فأما الاجتماع الذي سيعقد في موسكو، فلن تشترك فيه فرنسا والصين، ومهما تكن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع، ومهما تكن التأكيدات التي أُعطيت لفرنسا من أصدقائها الإنجليز بأن المجتمعين في موسكو لن يمسوا مصالحها وهي غائبة، فقد انتصرت وجهة النظر الروسية انتصارًا مبينًا.
انتصرت؛ لأن العالم ظل كما أرادت روسيا أن يكون، منقسمًا إلى هذه الطبقات الأربع: طبقة الدول الكبرى؛ وهي: روسيا وبريطانيا العظمى وأمريكا وحدها، وطبقة الدول الكبيرة؛ وهي: هذه الدول الثلاث مضافًا إليها فرنسا والصين، وطبقة الدول المتوسطة؛ وهي: هذه الدول التي لا تشترك في مؤتمر وزراء الخارجية، ثم طبقة الدول الصغيرة، وهي هذه التي يقضى في أمرها دون أن تُستأمر أو تُستشار، سواء أكانت منتصرة أم منهزمة أم محررة.
وإذن فالطبقة الأولى من طبقات الدول في العالم هي التي أرادتها روسيا مكونة من ثلاث لا من خمس، وأغرب ما في الأمر أن الانتصار الروسي في هذه المسألة يأبى إلا أن يكون تامًّا شاملًا، فالاجتماع لن يكون في لندرة؛ لأن لندرة قريبة جدًّا من باريس، والاجتماع لن يكون في واشنجطون؛ لأن واشنجطون بعيدة جدًّا على الرفيق مولوتوف، بينما الاجتماع ينعقد في موسكو.
فسيسعى إذن ممثلو العصبة السكسونية إلى عاصمة روسيا السوفيتية، ولم تعلن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع إعلانًا رسميًّا، ولكنها توشك أن تكون معروفة، فهي المسائل التي سيشتد فيها الخلاف بين السادة المنتصرين: مسألة الطاقة الذرية، ومسألة إيران، ومسائل البلقان على الأقل. وقد كان مستر تشرشل لبقًا كل اللباقة، ماهرًا كل المهارة، ماكرًا بعض المكر حين هنَّأ خصمه المستر بيفن بسفره إلى موسكو في مجلس العموم مساء الأربعاء.
ففي هذا السفر مصلحة لائتلاف المنتصرين، وتجنب لخطر الانقسام، وفي هذا السفر عدول من المستر بيفن عن موقفه ذاك العنيف في لندرة، حين أبى أن يقبل الرأي الروسي، وحين اضطر الرفيق مولوتوف في بعض المناقشات إلى أن يهم بمغادرة الغرفة التي كانت تجري فيها المناقشات.
لقد تشدد المستر بيفن ما وسعه التشدد في لندرة، ثم لان المستر بيفن ما وسعه اللين، وقرر السفر إلى موسكو وهنَّأه المستر بهذا اللين في لباقة ومهارة، ما نشك في أن المستر بيفن قدرهما وهو يقول في نفسه: لا بد مما ليس منه بد.
ومع ذلك، فقد كان هذا الاجتماع الجديد من غير شك نتيجة لمساومات طويلة جرى بعضها جهرة، وجرى بعضها الآخر في الخفاء، وكان من أهم هذه المساومات قصة القنبلة الذرية التي سافر من أجلها رئيس الوزارة البريطانية إلى أمريكا، والتي انتهى الأمر فيها إلى الاحتفاظ بأسرار هذه القنبلة للسكسونيين دون غيرهم من المنتصرين؛ حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى تعرب روسيا عن نياتها ومطالبها في صراحة وجلاء.
ولكن روسيا لم تعرب إلى الآن عن مطالبها، وما زال الخيط الأبيض متلبسًا بالخيط الأسود، لم يتبين أحدهما من صاحبه، وكان من هذه المساومات ذلك النذير الخطير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم البريطاني، حين طلب أن يُعاد النظر في ميثاق سان فرانسيسكو، وأن يُلغَى ما تقرر فيه من حق الاعتراض.
وكانت روسيا هي التي فرضت حق الاعتراض هذا لتضمن به السيطرة للدول الخمس على بقية العالم، فإذا أُلغي حق الاعتراض، وصار الأمر إلى الكثرة من أعضاء مجلس الأمن، عاد العالم إلى نظام عصبة الأمم، واضطرت روسيا إلى العزلة، وتأهب العالم للحرب الثالثة. وقد سُمي هذا النذير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم قنبلة، سماه بهذا الاسم محرر جريدة الموند الفرنسية، وسماه بهذا الاسم صديقنا الأستاذ محمود عزمي في يوم واحد تقريبًا.
ومع ذلك فقد انفجرت هذه القنبلة ولم تؤذ أحدًا، والدليل على ذلك أن روسيا لم تغير موقفها، ولم تتحول عن رأيها، وإنما ظل الرفيق مولوتوف في موسكو ينتظر زيارة حليفيه السكسونيين.
وكان من هذه المساومات أيضًا ما تقدمت به أمريكا من جلاء الجيوش المتحالفة عن إيران قبل أن ينقضي العام، ولكن روسيا أجابت بأنها لا تستطيع أن تجلو قبل إبان الجلاء في مارس المقبل، واضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تسير سيرة روسيا وتعلق جلاءها على إيران بجلاء حلفائها الروس، وكذلك لم تُجْدِ المساومات العنيفة شيئًا، ولم يستطع التهديد الظاهر والتهديد الخفي أن يزحزحا روسيا عن موقفها، وهو موقف قوامه الحزم الصارم والمجاملة الرقيقة، وإذا لم تُجْدِ المساومة العنيفة، ففي المساومة الهينة اللينة متَّسع للجميع. وأول هذه المساومة الهينة أن تُجرى في موسكو، لا في لندرة ولا في واشنجطون. وهناك يمكن أن تُتَناوَل المسائل الشائكة بأيدٍ رفيقة لبقة، فيأخذ كل حليف شيئًا ويعطي شيئًا.
والمحقق أن روسيا لن تأخذ من الإنجليز ولا من الأمريكيين شيئًا، وأن الإنجليز والأمريكيين لن يأخذوا من روسيا شيئًا، وإنما يكون الأخذ والعطاء على حساب الدول الأخرى، سواء منها الدول المنتصرة أو المحررة. وأول هذا الأخذ والعطاء إبعاد فرنسا والصين عن المشاركة في بعض المسائل العليا؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنتصرين.
فإذا استطاع الحلفاء الثلاثة أن يتفقوا على مشكلات البلقان، وأن يجدوا حلًّا لمشكلة إيران، وأن يضعوا أساسًا للاتفاق على مشكلات الشرق الأقصى؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنهزمين، وعلى حساب الأمم المحررة، وعلى حساب الأمم التي أعانت الحلفاء ويسَّرت لهم النصر.
وكذلك يدور الأمر كله على المساومة، مساومة بالموت والدمار حين كانت الحرب قائمة، ومساومة بالنذير والوعيد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومساومة بالأماني والآمال حين لا يجدي النذير، ولا يغني التهديد، واستذلال الضعفاء على كل حال. وأغرب ما في الأمر أن من الناس من لا يزالون يضللون أنفسهم بالأوهام، ويعتقدون أن النظم القائمة في العالم الآن تستطيع أن تكون وسائل منتجة؛ لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة. أمَّا أنا فقد اعتقدت ذلك وقتًا ما، ولكني مضطر الآن إلى الشك فيه، وإلى الإيمان بأن تحقيق العدل في الأرض غاية يجب أن يسعى الإنسان إليها ما وجد إلى السعي سبيلًا، ولكن الوسيلة إلى هذه الغاية هي أن تُرد أمور الشعوب إلى الشعوب، أو قل هي أن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها. ولن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها إلا إذا ملكت من قوة النفس، وقوة اليد، وقوة اللسان ما يمكنها من أن تقول: لا. -
مساومات | Bargains
مساومات
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ سبتمبر ١٩٤٥
لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.
وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.
ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.
وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.
ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.
وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.
وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.
وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.
وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟
وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.
أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.
وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.
وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!
والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.
وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.
هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.
واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.
والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.
فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء -
ماذا نريد؟ | What Do We Want?
ماذا نريد؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ مارس ١٩٤٥
يُقال: إن شئون السياسة الخارجية قد أصبحت في هذه الأيام من الأمور ذات الخطر التي لا ينبغي لقادة الرأي أن يهملوا تنبيه الشعوب إليها، وتبصيرها بما قد يكون فيها، مما يؤثر في مستقبلها القريب أو البعيد تأثيرًا لا يمكن استدراكه إلا بعد الجهد والعناء، وكثير من التضحيات التي يمكن أن تتقى إذا استقبلت الشعوب أمرها عن بصيرة وروية، إذا تحدث إليها قادتها، وساستها في صراحة وصدق وإخلاص.
والذين يقولون هذا يستدلون عليه بهذه الأحاديث الكثيرة المتصلة التي تجرى في شعوب الدول الكبيرة والصغيرة على السواء. فالأحاديث عن مؤتمر سان فرانسيسكو لا تنقطع في إنجلترا وأمريكا، وفي البلاد الأوروبية المحررة التي تصل إلينا أنباؤها في شيء من النظام. وليس أدل على ذلك من بعض الأنباء التي نشرت صباح اليوم عن عناية الخطباء الأمريكيين بالترويج لمؤتمر سان فرانسيسكو في المدن والقرى، وفي بيئات الطلاب والتلاميذ، ومما يذيعه الراديو الفرنسي في كل يوم من الأحاديث التي يراد بها تبصير الشعب الفرنسي بما سيدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو من المشكلات، وإقناعه، وإقناع الشعوب الأخرى بما اتخذته الحكومة الفرنسية من موقف حين قررت أنها لا تريد أن تتقيد بشيء من التعهدات إلا عن بصيرة ودرس واقتناع. وقد بالغ الفرنسيون في ذلك حتى ظنت بهم الظنون، وحتى اضطر سفيرهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ينفي ما تلهج به بعض البيئات السياسية من أن فرنسا تريد أن تقود البلاد المحررة في معارضتها للدول الثلاث الكبرى.
وليس أدل على ذلك أيضًا مما نشر في أمريكا أول أمس، ونقل بعضه إلينا أمس من أن الرأي العام البلجيكي لا يؤمن بمؤتمر سان فرانسيسكو، ولا ينتظر منه خيرًا، وإنما ينظر إليه على أنه اجتماع سيلقي فيه ممثلو الدول الكبرى الثلاث دروسًا في الآداب الاجتماعية والسياسية على جماعة من الأطفال القاصرين. والذي دفع البلجيكيين إلى هذا التشاؤم الشديد أمران: أحدهما موقف الدول الثلاث الكبرى من المشكلة البولندية، والثاني ما وقع في نفوس الشعوب المحررة من خيبة الأمل بعد تحريرها، فقد كانت تنتظر واثقة أن ترد إليها حريتها كاملة، وأن يرد إليها رخاؤها موفورًا متى طرد الألمان من بلادها. وهي تنظر فترى حريتها مقيدة بظروف الحرب، وترى أن بينها وبين الرخاء، بل إن بينها وبين ما يقيم أودها أمدًا لا يزال بعيدًا.
وإذا كانت هذه هي حال البلاد الأوروبية المحررة التي لا تزال الحرب تدور في أرضها أو قريبًا من حدودها، وإذا كان موقفها من ميادين القتال لا يمنعها من أن تتحدث في هذه الشئون بهذه الحرية وبهذه الصراحة، فقد يخيل إليَّ أننا نحن نستطيع أن نتحدث بمثل ما تتحدث به تلك الشعوب من الحرية والصراحة أيضًا. وقد أظهر الساسة الأمريكيون — وهم يميلون دائمًا إلى الحرية — حرصهم على أن يكون المشروع الذي سيُدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو موضوعًا للدرس الحر الذي تظهر فيه إرادة الشعوب واضحة جلية، أو تظهر فيه على أقل تقدير آراء القادة الذين يرشدون الشعوب، ويبصرونها بما تقدم عليه، أو تحجم عنه من الأمور. ومن أجل هذا قلت، وما زلت أقول: إن مصائر الأمم لا ينبغي أن تقرر في ظل الأحكام العرفية، ولا ينبغي أن يقضى فيها دون أن يتاح للناس أن يقول بعضهم لبعض، ويسمع بعضهم من بعض، وأن يقولوا لحكوماتهم، ويسمعوا منها، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه، أو يحجموا عمَّا يحجمون عنه، وقد رضيت نفوسهم، واقتنعت عقولهم، واطمأنت قلوبهم إلى الإقدام أو الإحجام.
ولا بد من أن تقرر حقيقة واقعة، وهي أن من الخطأ أن يظن أن مؤتمر سان فرانسيسكو يلقى من البلاد المحررة، ومن الشعوب التي تُسمى الشعوب الصغيرة الاستقبالَ الحار الذي كان ينتظر أن يلقاه، ويشيع في نفوسها الابتهاج العظيم الذي كان ينتظر أن يشيعه فيها.
وذلك لأن الدول الثلاث الكبرى لم تستطع أن تكون سمحة، ولا أن تلائم بين ما كانت تبذل من الوعود أيام الشدة، وما اتخذت من القرارات أيام الرخاء. فقد كانت الدول الثلاث الكبرى سخية بالوعود أيام الشدة حتى استوثقت الشعوب المغلوبة، والشعوب الضعيفة بأن الأرض ستمتلئ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وأن نظام العالم الجديد لن يفرق بين شعب قوي وشعب ضعيف، ولن يتيح للدول الكبرى أن تستأثر بالأمر من دون الدول الصغيرة.
ولست أدري كيف استطاعت الشعوب في هذا العصر الحديث أن تستجيب لمثل هذه الأماني دون أن تستفيد من التجارب الكثيرة التي مرت بالإنسانية، ولكنها على كل حال قد استجابت لها، ووثقت بها كما استجابت لها في أعقاب الحرب الماضية، ووثقت بها أيضًا. مع ملاحظة هذا الفرق، وهو أن أحاديث السلم وتنظيم العالم قد ظلت أسرارًا مكتومة في الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. أمَّا في هذه الحرب، فقد اقتضت ظروف السياسة الأمريكية أن يكثر الكلام عن العالم الجديد، وعن الحريات الأربع، وعن ميثاق الأطلنطي، والحرب في أشد أطوارها عنفًا، وأعظمها خطرًا. والغريب أن التشاؤم وسوء الظن ليسا مقصورين على الأمم المحررة والشعوب الضعيفة، ولكنهما يجدان من يصورهما في بلاد الدول الكبرى الثلاث.
ولست أضرب لذلك إلا مثلًا واحدًا هو هذا الكتاب الذي أرسله الأستاذ بيفردج إلى جريدة التيمس، ونشر في أواخر الأسبوع الماضي، والذي ينقد فيه الأستاذ طريقة التصويت في مجلس الأمن، ويرى أن هذه الطريقة إذا لم تغير، فستنتهي إلى نتيجة محتومة خطرة، وهي أن الدول الصغيرة ستضطر إلى أن تلجأ إلى المحالفات تعقدها مع الدول الكبيرة، وسيكون من الآثار المحتومة لهذا أن يقسم العالم إلى مناطق النفوذ، وأن تعود المنافسة بين الدول الكبرى حول مناطق النفوذ هذه إلى شر مما كانت عليه قبل الحرب، وهذا سيسرع بهذه الدول الكبرى إلى الحرب الثالثة. كذلك قال الأستاذ بيفردج، وقد أسرع الدعاة الفرنسيون إلى هذا الكتاب، فأذاعوه في الراديو يؤيدون به مذهبهم في الاعتراض على نظام التصويت في مجلس الأمن.
على أن من الخطأ أيضًا أن يظن أن ما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاث في مؤتمر القرم يمكن أن يكون حلًّا نهائيًّا لما عرضوا له من المشكلات، فالرؤساء الثلاثة مهما يعظم حظهم من نفاذ البصيرة، وحصافة الرأي، والقوة المادية المنتصرة في الشرق والغرب ليسوا أقوى من طبائع الأشياء، ولا من الحقائق الواقعة. ويكفي أن ننظر إلى المشكلة البولندية؛ لنرى أنها ما زالت قائمة كما كانت يوم أصدر الثلاثة قرارهم في مؤتمر القرم. فحكومة بولندا المقيمة في لندرة لم تغير من موقفها قليلًا ولا كثيرًا، وهو موقف الإنكار والاحتجاج، وحكومة بولندا المقيمة في فارسوفيا، والتي تُعرف بحكومة لوبلين لا تزال كما هي، ولم يتقدم تأليف الحكومة الجديدة خطوة واحدة، حتى أصبح الحلفاء يخشون في كثير من القلق أن ينعقد مؤتمر سان فرانسيسكو دون أن تشهده بولندا مع أنها أولى ضحايا الحرب، وأشد البلاد المغلوبة تأثرًا بأهوالها. والأمر الواقع هو أن بولندا لم تُدع بعد إلى المؤتمر؛ لأن الحلفاء لا يعرفون إلى من يوجهون الدعوة، وقد يعرفون ذلك في يوم من الأيام.
وقد كان يُظن أن مسائل البلقان قد فُرغ من تنظيمها بين الدول الكبرى الثلاث في مؤتمر القرم، ولكن الظاهر أن مشكلات البلقان لا تنتهي. وقد كان من أحاديث مجلس العموم أمس ما وقع من تغير الحكومة في رومانيا، فقد يظهر أن الحكومة الرومانية التي كان يرأسها الجنرال رادسكو لم تخلص للديمقراطية، وأشفق الروس منها على مواصلاتهم فأسقطوها، وخاف رئيسها على حياته فالتجأ إلى المفوضية البريطانية. وكره الروس من حلفائهم حمايتهم لهذا اللاجئ فاحتجوا، وقد صرح المستر أيدن أمس بأن هذه المسألة موضوع بحث ومشاورة بين الحكومة البريطانية، والحكومة الأمريكية، والحكومة الروسية بالطبع.
وما تزال الأنباء تأتينا بأن الأمور في اليونان بعيدة عن الهدوء والاستقرار، بل بأن بعض اليونان لم يضعوا السلاح، وما يزالون يقاومون في بعض الأقاليم، ومعنى هذا كله أن اتفاق الدول الثلاث الكبرى له خطره العظيم من غير شك، ولكنه ليس هو الذي سيحل المشكلات العالمية، أو المشكلات الداخلية في البلاد المحررة، أو البلاد المغلوبة. وإذا كان التطور الحديث قد حقق للإنسانية شيئًا من الرقي، فهو أن مصائر الأمم لا يمكن أن يقضي فيها الأفراد، وإنما تقضي فيها الأمم نفسها، وأن مصير العالم لا يمكن أن تقضي فيه الأمم الكبرى، وإنما يجب أن يقضي فيه العالم نفسه، وأن يكون قضاؤه فيه على أساس من الحق، والعدل، والمساواة بين القوي والضعيف، وبين الصغير والكبير، وبين الدول ذات الجيوش الضخمة والدول التي لا جيش لها.
ومن المحقق أن هذا الأصل شيء قد اقتنعت به الشعوب، ولكن تنفيذه قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر، وقد تعترضه المصاعب، وتقوم في سبيله العقبات، ولكن الطبيعة منتهية إلى غايتها، ومحققة الحرية والمساواة بين الدول، كما حققت الحرية والمساواة بين الأفراد في كثير من البلاد الديمقراطية المتحضرة.
ويكفي أن نلاحظ أن الفرد القوي الغني ذا القوة والبأس، وذا السلطان والجاه لا يستطيع أن يعتدي في بلد متحضر على الفرد الضعيف الفقير الذي لا حظ له من قوة أو جاه، دون أن يجد من السلطان رادعًا له عن هذا الاعتداء قبل وقوعه، ومعاقبًا له على هذا الاعتداء بعد وقوعه.
فعلى هذا النحو، وعلى هذا النحو وحده، تفهم الشعوب ما ينبغي أن يقوم من العلاقات بينها في النظام الدولي. ولن تستطيع الشعوب أن تفهم أن تمتاز الدول الأربع، أو الدول الخمس بهذه العصمة التي تمنع الدول الصغيرة من أن تنتصف منها إن مستها بما لا تحب.
فإذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذه الدول الكبرى ذات الجيوش، وذات الأساطيل في البحر والجو، والدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تثبت لها في ميدان الصراع المادي — أقول: إذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذين النوعين من الدول، فلن يصنع مؤتمر سان فرانسيسكو شيئًا، ولكنه سيقوي هذه الظاهرة التي أفسدت حياة الشعوب الداخلية، وجعلت تفسد الحياة الدولية نفسها، وهي ظاهرة الصراع بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات في الشعب الواحد، وصراعًا دوليًّا بين طبقات الدول القوية والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وليس من أجل هذا كان ما كان من الحرب، وما احتملت الشعوب من أهوالها.
وإذن، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هذا كله؟ لست أدري ماذا سيتخذ الوفد الذي أُلف أمس أو أول أمس، ولكن الذي أعلمه، وأعتقد أنه وحده يلائم المصلحة، هو أن مصر الضعيفة الطامحة إلى الاستقلال الكامل لا ينبغي أن تتقيد بشيء مهما تكن الظروف إلا أن يكون استقلالها الكامل حقيقة واقعة بمأمن من كل اعتداء. والذي أعلمه وأعتقد أنه يلائم كرامة الوطن الكريم هو أن كلمة لا إذا قيلت في إبانها؛ تحمي الشعوب والأفراد والأجيال المقبلة من أخطار جسام.