النعام
طه حسين
جريدة الجمهورية
٦ ديسمبر ١٩٥٦
يقول مثل عربي قديم: ذهبت النعامة تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين.
وحُمْقُ النعامة مشهور في الشرق والغرب؛ فالغربيون أنفسهم يصوِّرون حمقها في أنها تُخفي رأسها إذا أحست دُنُوَّ الخطر منها وطلب الصائد لها. ويضربونها مثلًا لمن يرى الشر يحيق به فلا يحسن الاحتياط له والحذر منه، ولمن يجازف باقتحام المغامرات غير متدبر لعواقبها ولا مُقَدِّر لجرائرها.
وما أعرف أحدًا يمكن أن يُشَبَّه بالنعامة في حمقها الأحمق، كهؤلاء الساسة من البريطانيين والفرنسيين حين أقدموا على ما أقدموا عليه من الإثم، تُغريهم به عواطفهم الجامحة وشهواتهم الطاغية، ويحرضهم عليه هذا الحمق الذي لم يُتِحْ لهم تدبيرًا ولا تقديرًا، وإنما أضل عقولهم وغَشَّ بصائرهم وورَّطهم في شَرٍّ عظيم كان من أيسر الأشياء ألَّا يتورطوا فيه لو أنهم صدروا عن عقولهم ولم يصدروا عن قلوبهم تلك التي ملأها البغض والحقد والضغينة؛ فأركبتهم رءوسهم ودفعتهم إلى غمرات عرفوا أولها ولم يعرفوا آخرها.
ضاقوا بطموح العالم العربي إلى التحرُّر من سلطانهم، ومصالحُهم فيه كثيرة ومنافعهم فيه لا تُحصى، وهي ليست مصالحهم وحدهم، وإنما هي مصالح أمم كثيرة لها الحق في الحياة واليسر، ولها الحق في ابتغاء الوسائل إلى الحياة واليسر، وليس حقهم في ذلك أقل من حق البريطانيين والفرنسيين.
ولست أذكر حَقَّ العرب أنفسهم في أن يعيشوا في بلادهم أحرارًا ويستمتعون بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس؛ فهذا شيء لا يؤمِن به البريطانيون والفرنسيون، وإنما يؤمنون قبل كل شيء بأن الغرب وحده صاحب الحق في الحياة الراضية التي يملؤها اليسر والنعيم. لا أذكر حق العرب في الحرية والكرامة والاستقلال والاستمتاع بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس، وإنما أذكر حق أمم أخرى في الشرق والغرب وفي العالم القديم والجديد يحتاج بعضها إلى بعض، ولا تستطيع أن تحيا ولا أن تنعم إلا إذا أُتيح لها تبادُل المنافع وتقارُض المصالح والتعاون المتصل على تنمية الحضارة والاشتراك في ثمراتها ومنافعها.
فالغرب محتاج إلى الاتصال بالشرق البعيد، وهذا الشرق البعيد محتاج إلى الاتصال بالغرب، والشرق القريب طريقهما إلى هذا الاتصال؛ فكل اضطراب فيه أو فساد في أرضه يقطع هذا الاتصال ويجعله مستحيلًا أو كالمستحيل، ولكن البريطانيين والفرنسيين غفلوا عن هذا كله؛ أضلَّهم عنه ما ملأ قلوبهم من البُغض وما استأثر بنفوسهم من الحفيظة وما ملك ضمائرهم من المُوجِدة؛ فلم يَرَوْا أبعد من أنوفهم كما يقولون في بلادهم، وإذا هم يُقدِمون على ما أَقْدَموا عليه من الفكر، فيملَئون الشرق القريب هولًا، ويملئون العالم كله خوفًا وذعرًا وإشفاقًا من الخطوب الجسام.
أغاروا على مصر، فاضطربت بلاد العالم العربي كله ألوانًا مختلفة من الاضطراب، وانقطعت التجارة بينهم وبين الشرق القريب والبعيد، ونضبت موارد الغرب الأوروبي من البترول، واضطربت لذلك أمور الصناعة والتجارة والزراعة فيه، وتعرضت حضارته كلها لخطر عظيم، وثار العالم كله في هيئة الأمم المتحدة يرد عن نفسه هذا الشر ويذود عن حضارته هذا العُدوان الذي لم يوجَّه إلى مصر وحدها وإنما وُجِّه إلى العالم كله وإلى الحضارة كلها؛ لأن العدوان على هذا الجزء من الأرض لا يُفسد الأمر فيه وحده وإنما يُفسد أمور الشعوب جميعًا.
فانتصار العالم لمصر لم يكن محاباة لها، ولم يكن انتصارًا للمُثُل العليا من الحق والعدل فحسب، وإنما كان احتياطًا لنفسه من خطر دائم يوشك أن يمحو الحضارة محوًا.
ومن قبلُ كثر حديث البريطانيين والفرنسيين عن الموقع الجغرافي لمصر، وعن أثر هذا الموقع في حياة العالم المتحضِّر، وعن احتياج العالم كله إلى أن يستقر الأمن والسلم والدعة في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن حمق النعامة الذي أشرنا إليه آنفًا أَضَلَّ ساسة البريطانيين والفرنسيين عن هذه الحقائق البديهية التي لا يضل عنها إلا المحمقون.
وكان من أروع ما قرأ الناس وما سمعوا، هذا الهذيان الذي ألقاه وزير الخارجية البريطانية مساء الاثنين في مجلس العموم، حين تكلَّف خداع نفسه وخداع سامعيه وقارئيه في أطراف الأرض كلها. وأي خداع أبرع في تصوير الغفلة والحمق من أن هذا العدوان حقَّق الأغراض التي أراد البريطانيون والفرنسيون تحقيقها حين أقدموا عليه؛ فهم بهذا العدوان — فيما زعم ذلك الوزير لنفسه وللنواب — قد منعوا حربًا صغيرة من أن تستحيل إلى حرب كبيرة، وتبحث أنت عن هذه الحرب الصغيرة فلا تجدها لأن مصر لم تُغِرْ على إسرائيل، ولم تُغِرْ إسرائيل على مصر، وإنما البريطانيون والفرنسيون هم الذين دفعوا لعبتهم — إسرائيل — إلى العدوان وأعانوها عليه بالعدد والعُدَّة، وليس أدل على ذلك من أنهم حين أقبلوا ليمنعوا هذه الحرب الصغيرة إلى أن تستحيل إلى حرب كبيرة زادوها اشتعالًا، وشاركوا إسرائيل وشاركوا أنفسهم في العدوان، فأغاروا على مصر نفسها وكان الحق عليهم أن ينصروها. وهم أرادوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — أن يحرروا القناة ويتيحوا الانتفاع بها للناس جميعًا.
فلم يحرروها وإنما سدوها على أنفسهم وعلى الناس جميعًا، وأَلْغَوْا الانتفاع بها وقتًا قد يقصر وقد يطول، وكانوا يريدون — إذا زعموا — أن يتدفق البترول على بلادهم وعلى أوروبا كلها، فقطعوه عن أنفسهم وعن أوروبا، واضطروها إلى أزمة كما اضطروا أنفسهم إلى هذه الأزمة التي لم يكونوا — ولم تكن أوروبا — في حاجة إليها.
وهم قد كشفوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — عمَّا كانت تديره روسيا السوفييتية من الكيد لهم ولغيرهم في هذا الشرق الأدنى، فلم يكشفوا عن شيء؛ لأن روسيا السوفييتية لم تكن تكيد لأحد في هذا الشرق.
ولم يكن هذا الشرق نفسه، لم يكن ليُخلي بينها وبين هذا الكيد لو أرادته أو فكرت فيه، وهم لم يقطعوا الصلة بين الشرق الأدنى وبين روسيا السوفييتية، ولن يستطيعوا أن يقطعوها؛ لأن الشرق الأدنى يقيم هذه الصلة على الاستقلال الصريح الذي لا ممالاة فيه، وستظل هذه الصلة قائمة ما دام الشرق الأدنى حريصًا على الاستقلال الصريح أولًا وعلى الحيدة الصريحة بين القوتين المختصمتين ثانيًا. وإنما وصل البريطانيون والفرنسيون إلى أن يتلقوا من روسيا السوفييتية هذا الإنذار المُهين، الذي كشف عن قلوبهم وأبصارهم الغطاء، وكفَّهم عن المضي في مغامرتهم تلك الآثمة.
هم إذن لم يحققوا من أغراضهم شيئًا، وإنما جَرُّوا على أنفسهم وعلى أمم أخرى بريئة شرًّا عظيمًا. وهم يستطيعون أن يقولوا ويُكثِروا القول، وبأن يموِّهوا ويسرفوا في التمويه، وأن يضللوا أو يُمْعِنُوا في التضليل، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا الأزمة التي ورطوا أنفسهم وورَّطوا أوروبا فيها، ولا أن يُنكروا ما أصاب اقتصادهم من الفساد والاضطراب، ولا أن ينكروا أن رئيس وزراء بريطانيا قد اضطر بعد أن أجَّج النار أن يفِرَّ ويترك لغيره إطفاءها، ولا أن ينكروا آخر الأمر أنهم أشبه شيء بالنعامة التي ذهبت تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين، والتي تخفي رأسها إذا أحست قرب إحداق الخطر بها ودُنُوَّ الصائد منها، ولا أن ينكروا أنهم قصدوا إلى مصر بالشر وأرادوا أن يبطشوا بها فلم يقدروا عليها وعادوا منها، وأصدق ما يقال فيهم قول الشاعر العربي القديم:
وكنت إذا نزلت بأرض قومرحلت بخزية وتركت عارا
Tag: العلاقات الدولية
-
النعام
-
من بعيد حيرة …
من بعيد: حيرة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٥ سبتمبر ١٩٥٦
وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.
وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.
ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.
قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار. -
الحرية … والسلام
الحرية … والسلام
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٣ مارس ١٩٥٥
لا ينبغي للإنسان أن يخاف أخاه الإنسان؛ وإنما ينبغي أن يخاف الله وحده. هذا تصوير رائع للحرية الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان.
نقلته إلينا الصحف صباح اليوم كما نقلته إلينا الإذاعة أيضًا عن وزير الخارجية الأمريكية. ولست أشكُّ في أن هذا هو المثل الأعلى للحرية كما يتمنَّاها الناس جميعًا، يتبيَّنه المثقَّفون في وضوح وجلاء، ويُحسُّه أوساط الناس ويطمحون إليه في قوة لا يعرف الفتور إليها سبيلًا. وإن كان إحساسهم هذا لا يخلو من غموض، يتفاوت بتفاوت حظوظ الناس من العلم بحقائق الأشياء، ومن العلم الواضح بحقائق ما يريدون، وأي شيء أحب إلى الإنسان من أن يشعر شعورًا قويًّا جليًّا بأنه يستطيع أن يأتي من الأمر ما يشاء، ويدع منه ما يشاء، لا رقيب عليه فيما يأتي وما يدع إلا هذا الضمير الحي الذي يعلم أن الله يراقب سره وجهره، ويعلم من أمره أكثر مما يعلم من أمر نفسه. فهو يُقدم على ما يُقدم عليه ويُحجم عمَّا يُحجم عنه، مطمئنًّا آمنًا راضيًا لا يخشى أن يعوقه عما يريد إلا ما ينبغي أن يعوق الرجل الكريم مما يلائم الحق والعدل، وما ينبغي للناس من هذه الحياة الصافية النقية التي تقوم على الحب والوفاق والمساواة، وتَبْرَأُ من البغي والإثم والعدوان.
إلى هذا المثل الأعلى يطمح الفرد كلما خلا إلى نفسه، وإليه تطمح الشعوب حين تريد أن تُقدم على أمر من أمورها، ترى فيه الخير لنفسها ولا ترى فيه الشر لشعب غيرها.
وما أجمل الديمقراطية وما أجدرها بأن تُحب وبأن تُبذل النفوس والأموال والجهود لصيانتها ونشرها في الأرض، إن كانت تريد حقًّا أن تبلغ بالناس هذا المثل الأعلى. وليس غريبًا أن يكون وزير الخارجية الأمريكية مستعدًّا للتضحية بالسلم على حب الناس له وحرصهم عليه في سبيل هذه الديمقراطية التي تريد أن تؤمِّن الناس من الناس، وأن تكفل لهم هذه الحرية الرائعة التي لا يخاف في ظلها أخاه الإنسان؛ وإنما يخاف في ظلها الله وحده لا يشرك به أحدًا ولا يشرك به شيئًا. ولكن السؤال الذي يعرض لكل مثقَّف حر حين يقرأ أو يسمع هذا الكلام الرائع الذي تحدَّث به وزير الخارجية الأمريكية، هو: أين تحققت هذه الحرية للأفراد والشعوب؟ وفي أي قطر من أقطار الأرض يمكن أن يجدها الناس؟
في الحق إن هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، والذي يأخذه الخوف من جميع أقطاره، والذي يعيش الناس فيه قلقين وجلين، لا يجد الأمن إلى نفوسهم سبيلًا؛ قد عرف هذه الحرية أو ذاق طعمها في يوم من الأيام.
إن الحق الذي ليس فيه شك، هو أن الإنسان لم يخَفِ الإنسانَ في يوم من الأيام كما يخاف بعض الناس من بعض في هذه الأيام. أحق أن الأمريكيين أنفسهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أصولهم آمنون لا يخاف بعضهم بعضًا، ولا يخافون شعبًا غيرهم من الشعوب، وأنهم قد أمَّنوا أصدقاءهم كما أمَّنوا أنفسهم؛ فأصبح العالم الذي يسمونه العالم الحرَّ مطمئنًّا راضيًا يحيا بالأمل ويطمح إلى الخير، ويطمح في الرقي ويسعى إليه في رضًا وغبطة وابتهاج، وهو من أجل ذلك حريص على هذه الحياة الراضية لا ينقصها عليه قلق أو خوف.
كم كنت أتمنى أن يكون هذا حقًّا أو أن يكون بعضه حقًّا، وأن يكون العالم الحر نفسه قد أَمِنت شعوبه وأصبحت لا تخاف إلا العالم الآخر الذي تتهيأ أمريكا لحربه كما يتهيأ هو لحربها. ولكني أقرأ مصبِحًا وممسيًا وأسمع مصبحًا وممسيًا، ما دام العالم الجديد قد أتاح لنا أن نعرف الأخبار دون أن نبذل في سبيل العلم بها أيسر الجهد — أقرأ وأسمع أن شعوب هذا العالم الحر ليست من الأمن والاطمئنان ولا من الدعة والسعة بحيث يحب لها وزير الخارجية الأمريكية أن تكون، وأقرأ وأسمع أن في العالم الحر أممًا تستعبد أممًا أخرى وتبسط عليها سلطان الخوف والذل والجوع والحرمان، وتفرض عليها ألا تخاف الله وحده؛ وإنما تخاف الإنسان قبل أن تخاف الله.
ما حال الطوارئ هذه التي قرَّر مجلس الوزراء في فرنسا إعلانها في الجزائر، لا لشيء إلا لأن أهل الجزائر يريدون أن يكونوا أحرارًا في وطنهم كما أن الفرنسيين أحرار في وطنهم، يخافون الله وحده ولا يخافون الفرنسيين الذين ينبغي أن يكونوا لهم إخوانًا لا سادة؟ ولست أعلم أن أهل الجزائر قد خرجوا من إنسانيتهم منذ ألمَّ الفرنسيون بأرضهم، ولست أعلم كذلك أن الجزائر من هذا العالم الذي أصبح خطرًا يملأ الأرض خوفًا، وإنما أعرف أن الجزائر جزء من هذا العالم الحر له من الحق في الحرية والأمن مثل ما لغيره من البلاد الديمقراطية.
فلماذا يُعاقَب أهل هذه البلاد على طموحهم إلى هذا المثل الأعلى بالخوف المقيم، والقلق المتصل، وبحال الطوارئ هذه التي تبيح للجيش الفرنسي وللشرطة الفرنسية أن يعتقلاهم ويَصُبَّا عليهم من ألوان النكال ما يشاءان دون أن يكون عليهما حسيب أو رقيب؟!
أتكون هذه هي الحرية التي يريد وزير الخارجية الأمريكية أن يضحي في سبيلها بالسلام كما تحدث بذلك في ذلك الكلام الرائع الجميل الذي نقلته إلينا الصحف والإذاعة صباح اليوم؟!
وليست فرنسا وحدها هي التي تخيف الإنسان من الإنسان، وتنشر القلق والروع في بلاد من حقها أن تأمن وتطمئن، ومن حق أهلها أن يكونوا أحرارًا لا يخافون إلا الله وحده لا يشركون به أحدًا ولا يشركون به شيئًا. ولكننا نقرأ أنباء البطش والعدوان في أقطار أخرى من العالم الحر؛ لأن الأقوياء في هذا العالم نفسه يؤمنون بالحرية لأنفسهم ولا يؤمنون بها لغيرهم من الناس. وما أحسب أن وزير الخارجية الأمريكية يجهل مواطن الخوف والقلق في هذا العالم الحر، وما أحسب أنه يجهل أن بين سمع العالم الحر وبصره مليونًا من الناس قد أُخرِجوا من وطنهم بغير الحق، واضطروا إلى حياة الخوف والجوع، وفُرض عليهم أن يعيشوا غرباء بائسين يستمدُّون حياتهم من الصدقة والإحسان.
أفتكون هذه الحرية هي التي تستحق أن يضحي وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه بالسلام في سبيلها؟
أليس خيرًا من ذلك أن يكفل وزير الخارجية الأمريكية وحلفاؤه هذه الحرية الصحيحة الكاملة الآمنة للعالم الحر نفسه، حتى إذا استيقنوا أن ليس في العالم الحر شعب خائف ولا قلق ولا مُعرَّض للبؤس والضر، أحاطوا هذه الحرية وصانوها وحرصوا على أن يذودوا عنها وأن يضحوا في سبيلها بالسلام، إذا لم يكن بد من التضحية بالسلام؟!
ليت شعري متى يُتاح للناس ألَّا يخدعوا أنفسهم ولا يخدعوا غيرهم بهذه الألفاظ الجوفاء التي تدوي في الفضاء وتملأ الآذان، فإذا التمست ما وراءها لم تجد شيئًا، وإنما ذكرت المثل العربي القديم: جوع وأحاديث …؟! -
سراب
سراب
بقلم الدكتور طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
طه حسين
الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣. -
شهرية السياسة الدولية٢
شهرية السياسة الدولية ٢
طه حسين
الكاتب المصري
يناير ١٩٤٧
يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.
وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.
أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.
وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.
والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.
وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.
فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.
وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.
وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.
ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به. -
شهرية السياسة الدولية
شهرية السياسة الدولية
١طه حسين
الكاتب المصري
ديسمبر ١٩٤٦
كان للسياسة العالمية في شهر نوفمبر مظهران متمايزان: أحدهما مألوف قد شهده الناس منذ انتهت الحرب العالمية الأخيرة، وهو هذا الصراع المتصل بين المنتصرين حول بسط السلطان والنفوذ. فالذي يشهده الناس من هذا الصراع هو بعينه الذي كانوا يشهدونه في الأشهر الماضية، بل في العام الماضي أيضًا سواء اختلفت موضوعاته وأشكاله أم لم تختلف. فروسيا مثلًا مصرَّة على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وسبيلها إلى ذلك هو الاشتراك في حماية المضايق. والبريطانيون والأمريكيون يشفقون من هذا الاتصال ويؤيدون تركيا التي تريد أن تحافظ على استقلالها وتأبى أن يشترك الروس معها في حماية هذه المضايق.
وليست هذه المسألة جديدة، فعهدنا بها بعيد، ولكن الحديث فيها لا ينقضي. وروسيا تسلك إلى حلها طرقًا مختلفة، تلين حينًا وتشتد حينًا، ترسل المذكرات إلى تركيا مرة وإلى مؤيديها مرة أخرى، بحيث صح ما يقال من أن روسيا تثير بهذه المشكلة حرب أعصاب مرهقة. والمهم هو أن هذه المشكلة لم تتقدم ولم تتأخر، فما زالت روسيا تصر، وما زال الآخرون يرفضون، وما زالت الصحف ورسائل البرق تُفيض في هذا الرفض وذلك الإصرار.
وروسيا من ناحية أخرى تهاجم بوسائلها المعروفة في الراديو والصحف وفي الاجتماعات الدولية العامة — كمؤتمر الصلح وهيئة الأمم المتحدة — سياسة البريطانيين والأمريكيين التي ترمي إلى التوسع في بسط النفوذ في الشرق الأوسط، والتي ترمي إلى التكتل حول الرأسمالية في غرب أوروبا. والبريطانيون والأمريكيون يهاجمون السياسة الروسية بوسائلهم المعروفة؛ لأنها فيما يرون تلقي الستار الحديدي على جزء من أوروبا في الشرق والجنوب والوسط، وتُجري من وراء هذا الستار ألوانًا من الأحداث، يصفها البريطانيون والأمريكيون بأنها اعتداء على استقلال الأمم وازدراء لحرية الشعوب. ويرى الروسيون أنها تحرير للأمم وتحقيق للحرية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان في هذا العصر الحديث الذي يجب أن يكون عصر الحق والعدل والمساواة.
والعالم يشهد هذا الصراع الكلامي ضيقًا به غير مستوثق من نتائجه، مقدِّرًا أن هذه الدول الكبرى تختصم فيما بينهم بالكلام وألوان الإعلان؛ لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك الآن. وهي في أثناء ذلك تصلح من أمرها وتتيح لشعوبها أن تضمد ما أصابها من الجراحات في الحرب الماضية، وتستعد استعدادًا منكرًا لمستقبل قريب أو بعيد.
ولكن العالم لا يقف موقف المتفرج الخائف الحذر الساخر فحسب، وإنما يقف موقف الذي تصيبه آثار هذا الصراع ونتائجه في حياته اليومية المباشرة. فالعالم منقسم بالفعل إلى مناطق نفوذ، تسيطر عليها الدول المنتصرة. وهذه المناطق نفسها هي موضوع النزاع وميدان الصراع؛ فمن الطبيعي أن تتأثر مصالحها المباشرة بما يكون بين المنتصرين من تنافس وخصام.
ويكفي أن تنظر إلى المشكلة اليونانية مثلًا، فكل فرد من أفراد الأمة اليونانية متأثر في حياته اليومية بهذا الصراع بين الفريقين المختصمين من المنتصرين. وقد كان بعض الناس يظن أن الاستفتاء اليوناني حول نظام الحكم سيضع حدًّا للمأساة التي يشقى بها الشعب اليوناني، فتبيَّن الآن في صراحة وجلاء أن الاستفتاء لم يضع حدًّا لشيء، ولعله أن يكون قد بدأ مأساة أشدَّ هولًا وترويعًا مما كان يجري قبل الاستفتاء. فالحرب الأهلية ما زالت دائرة الرحى في بلاد اليونان، وهي تزداد عنفًا من يوم إلى يوم. وكان الروس يطالبون في الدورة السابقة لهيئة الأمم المتحدة بجلاء البريطانيين عن بلاد اليونان، وما زال الجنود البريطانيون مقيمين فيها إلى أجل لا سبيل إلى تحديده بعد. ونحن نسمع الآن أن الحكومة اليونانية القائمة تريد أن تشكو إلى هيئة الأمم المتحدة من جيرانها الذين يؤلبون عليها ويمدُّون الثورة فيها بما تحتاج إليه من قوة، وهؤلاء الجيران هم اليوغسلافيون والبلغاريون والألبانيون، وهم كلهم خاضعون للنفوذ الروسي. ومعنى ذلك أن الشعب اليوناني العظيم الذي أبلى في الحرب بلاءه الرائع، وكان خليقًا أن يظفر من المنتصرين بالعناية والرعاية والعطف يشقى الآن بما يقوم بين المنتصرين من اختلاف شقاء يعرض أبناءه للفقر والجوع والموت في كثيرٍ من الأحيان.
والقصة الإيرانية ليست خيرًا من القصة اليونانية، فلم تكد إيران تفرغ من الخصومة بينها وبين روسيا وتستريح من مشكلة أذربيجان حتى ثارت الخصومة بينها وبين الإنجليز، ونشأت الاضطرابات والثورات في جنوبها بعد أن لم تكد تهدأ في شمالها. ووقفت إيران هذا الموقف المؤلم الذي لا تجد فيه راحةً ولا أمنًا؛ لأنها لا تستطيع أن ترضي الروس والإنجليز معًا.
وحديث الشرق العربي أوضح وأبشع من أن نحتاج إلى ذكره فضلًا عن الإطالة فيه. وهذا الصراع نفسه بين المنتصرين يعرض الشعب التركي لشر عظيم، فهو مضطر إلى أن يظل في حالة خوف وحذر واستعداد للطوارئ وإبقاء للجيش على أهبة الحرب، وذلك يكلفه من المال أكثر مما يطيق. ويقال: إن الميزانية التركية لم تبلغ قط من التضخم ما بلغته هذا العام، والفرد التركي هو الذي يمدُّ الدولة بما تحتاج إليه من مال، وهو يقتطع هذا من نفقات حياته اليومية.
فهذا المظهر المألوف من مظاهر السياسة العالمية ليس من شأنه أن يرضي الشعوب أو يردها إلى الثقة والأمن والاستقرار. ومهما يكن هذا المظهر مألوفًا فإن استمرار البلاء واتصال المحن لا يغيِّر من طبيعتها.
أمَّا المظهر الثاني لهذه السياسة العالمية فقد مرَّ به الناس مسرعين إلى حدٍّ ما، مع أنه قد يكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا في السياسة الدولية مما يظنون. وهو على كل حال سيزيد المظهر الأول قوة، وسيضاعف ما في الصراع بين المنتصرين من عنف. فقد حدثت في شهر نوفمبر أحداث ثلاثة لها خطرها حقًّا.
الأول: نجاح الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان الديمقراطيون يصارعون روسيا صراعًا شديدًا عنيفًا مع أنهم حزب التقدم والميل القليل إلى الناحية اليسارية، فكيف بالجمهوريين الذين هم أصحاب اليمين في الولايات المتحدة والمحافظون أشد المحافظة على تقاليد الاقتصاد الرأسمالي، وعلى تقاليد التشدد في السياسة الخارجية، وعلى تقاليد إقامة المنفعة المادية وحدها أساسًا للحكم وأساسًا للعلاقات السياسية الخارجية! ليس من شك في أن انتصار الجمهوريين سيزيد الولايات المتحدة عنادًا في موقفها من روسيا، وإصرارًا على ما أظهرت من التشدد إلى الآن. الثاني: انتصار الشيوعيين في الانتخابات الفرنسية. وما ينبغي أن نُسرف في تقدير الفوز الذي ظفر به الشيوعيون في هذه الانتخابات؛ فهم لم يظفروا بالكثرة التي تمكنهم من الحكم وحدهم، ولو قد ظفروا بها لتغيرت سياسة العالم تغيُّرًا أساسيًّا خطيرًا. بل هم لم يظفروا بالكثرة التي تمكِّنهم من أن يحكموا مؤتلفين مع الاشتراكيين، ولو قد ظفروا بها لكان من الممكن أن تتجه فرنسا وأوروبا الغربية معها اتجاهًا مقلقًا إن لم يكن مزعجًا.
ولكنهم مع ذلك قد ظفروا بكثرة تجعل حزبهم أكبر الأحزاب الفرنسية أعوامًا متصلة، ويتيح لهم أن يطالبوا برياسة الحكومة، وتمكِّنهم كذلك من أن يحولوا بين فرنسا وبين الاتجاه المسرف نحو اليمين، وتمكِّنهم من أن يفرضوا على الحكومة الفرنسية المضي في الإصلاح الاجتماعي إلى أبعد مما مضى الفرنسيون منذ تم تحرير فرنسا.
فما أحدثه انتصار الجمهوريين في أمريكا من اندفاع نحو اليمين، يلطفه ويخفف من حدته انتصار الشيوعيين في فرنسا. ويمكن أن يُقال: إن ما تخسره روسيا بانتصار اليمين في أمريكا البعيدة يعوضه عليها انتصار الشمال في فرنسا.
فأمَّا الدولة التي قد خسرت من هذين الانتخابين جميعًا فهي بريطانيا العظمى، وهي قد خسرت دون تعويض. ذلك أن الحكومة القائمة في بريطانيا العظمى ليست محافظة يمكن أن تعتز بانتصار المحافظين الشيوعيين في فرنسا، وإنما هي اشتراكية، تخاف المحافظين أشد الخوف، وتبغض الشيوعيين أشد البغض. فانتصار أولئك وهؤلاء يضعف من مركزها في العالم كله، وفي أوروبا الغربية بنوع خاص، بل هو يضعف من مركزها في بريطانيا العظمى نفسها، فسيعتز المحافظون البريطانيون بانتصار المحافظين الأمريكيين، وستقتضي ظروف الحياة نفسها أن يصبح التعاون بين المحافظين على ساحلي المحيط الأطلنطيقي ضرورة محتومة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية نفسها.
وأكبر الظن أن وقتًا طويلًا لن يمضي قبل أن يشترك المحافظون البريطانيون في الحكم على نحوٍ ما. ذلك إذا لم تقتضِ الظروف حل مجلس العموم ليعيد الشعب البريطاني نظره في مركزه من السياسة العالمية ومن الاقتصاد العالمي.
على أن حزب العمَّال البريطاني قد مُنيَ بصدمة عنيفة حقًّا من الناحية النظرية، أو قل — إن شئت — من ناحية مبادئه وآرائه وقدرتها على الثبات فضلًا عن الانتشار. وهذه الهزيمة تأتيه من الانتخابين جميعًا. ففي فرنسا ينهزم الاشتراكيون انهزامًا خطيرًا، وتزول بهذا الانهزام فكرة الكتلة الغربية التي كان الاشتراكيون البريطانيون يحلمون بتأليفها بين الأحزاب الاشتراكية في غرب أوروبا. وانتصار المحافظين في أمريكا يحرج مركز الاشتراكيين البريطانيين في بريطانيا وفي الخارج، ويدفع هذا الحزب إلى إحدى اثنتين: فإمَّا أن يتطرف إلى الشمال فيُضحِّي ببغضه للشيوعيين، وإمَّا أن ينحاز إلى اليمين فيُضحِّي بأساسه الاشتراكي نفسه. ونتيجة هذا كله أن الاشتراكية البريطانية، بل الاشتراكية العالمية، قد أصبحت الآن متأخرة بالقياس إلى التطور العالمي، وستظل وقتًا طويلًا أو قصيرًا مظهرًا للقصد والاعتدال بعد أن كانت إلى وقت قريب جدًّا مظهر التطرف والغلو.
أمَّا الحدث الثالث الذي حدث في شهر نوفمبر وكان حدوثه صدمة ثالثة للاشتراكية البريطانية، فهو هذه الثورة، أو إن شئت فقل هذا التمرد الذي اندفع إليه عدد غير قليل من النوَّاب العمَّال في مجلس العموم. وقد لاحظ الناس أن الحكومة البريطانية اهتمت لهذا التمرد، فأرادت أن تطرح الثقة، وأن حزب العمال اهتم له فأراد أن يعاقب المتمردين، وأن المحافظين البريطانيين اهتموا له فأيدوا حكومة العمَّال عند الاقتراع. وقد مرَّت هذه العاصفة دون أن تسقط الوزارة البريطانية، فظنَّ الناس أنها مرت بسلام، والواقع أنها بعيدة عن هذا كل البعد؛ فهي قد أحدثت صدعًا خطيرًا في حزب العمال، وأثبتت أولًا أن فريقًا من هذا الحزب يضيقون بالسياسة الخارجية التي تناهض اليسارية الروسية، وأثبتت ثانيًا أن في هذا الحزب فريقًا يخافون على المبادئ الاشتراكية نفسها أن تفقد قيمتها وقوتها بالانحياز أو التحبب إلى المحافظين، وأثبتت آخر الأمر أن الحزب الاشتراكي البريطاني ليس من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى المحافظين تحدِّيًا صريحًا متصلًا، وليس من القوة بحيث يستطيع أن يفرض النظام الدقيق على أعضائه فيضطرهم إلى أن يُذعنوا لما تقرره الحكومة والهيئة الإدارية. والحزب الاشتراكي البريطاني لا يملك ولا يريد أن يملك من وسائل النظام والمحافظة عليه ما يملكه الحزب الشيوعي من جهة والحزب المحافظ من جهة أخرى.
ولذلك نستطيع أن نثق بأن هذا التمرد ليس إلَّا أول الغيث، وبأن الحزب الاشتراكي قد يضطر في وقت قريب أو بعيد — بحكم الظروف الداخلية والخارجية جميعًا — إلى أن يشترك مع المحافظين في الحكم أو ينزل لهم عنه كارهًا.
أمَّا أثر هذا في الحياة العالمية الآن فضئيلٌ جدًّا لا يكاد يُحسب له حساب. ولكن الشاعر العربي لم يخطئ حين قال:
إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيمشهرية السياسة الدولية -
هدوء …
هدوء …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٤ أبريل ١٩٤٦
أُلقي الستار وتفرَّق الممثلون الذين كانوا يلعبون قصة العاصفة في نيويورك، وتفرق النظارة أيضًا، وجعل كل منهم يستأنف شيئًا من هذه الحياة الفارغة المريحة؛ ليسترد شيئًا من نشاطه، وليستطيع استئناف النظر إلى الفصل الجديد الذي يتهيَّأ له الممثِّلون، والذي سُيرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل.
ولعل القرَّاء يثقون الآن بأن أصحاب السياسة، وأصحاب الحرب في الحياة العالمية، لا يستطيعون في هذا الطور من أطوار الحياة الإنسانية إلا أن يمثلوا، فهم قد عملوا حتى أتعبوا أنفسهم وأتبعوا الناس في الأعوام الستة الماضية، وآن لهم أن يريحوا أنفسهم ويريحوا الناس أعوامًا تكثر أو تقل قبل أن يستأنفوا عملًا جديدًا.
وقد قلت في هذا الموضوع غير مرة إن كل ما يحدث في السياسة العالمية الآن ليس إلا تمثيلًا، وأول الحرب كلام، وآخر الحرب كلام أيضًا. فلنقل إن العالم الآن يتكلم ليختم الحرب العالمية الثانية، لا ليبدأ الحرب العالمية الثالثة، فما زال بيننا وبين هذه الحرب الثالثة أمدٌ بعيدٌ، ومن يدري لعله أن يكون أبعد مما نظن ومما يقدِّر المتشائمون. والشيء المهم هو أن الفصل الثاني من قصة العاصفة الإيرانية قد انتهى بسلام، وانتهى كما قدرنا في الأسبوع الماضي أنه سينتهي؛ فقد أعلن الروسيون والإيرانيون أنهم قد وصلوا إلى الاتفاق، واطمأنَّ مجلس الأمن إلى ذلك بعد أن ملأه الخوف وتملَّكه الذعر، وكان من نتائج اطمئنانه أنه أجَّل القصة إلى الشهر المقبل. ولكن علامَ اتفق الروسيون والإيرانيون؟ على شيئين واضحين، وعلى أشياء يكتنفها كثير من الغموض، فأما الشيئان الواضحان فهما أن يجلو الروسيون عن إيران بغير قيد ولا شرط أولًا، وأن تنشأ شركة روسية إيرانية لاستغلال منابع البترول في بعض أجزاء إيران.
فالجلاء شيء واقع لا شك فيه، وهو غير مشروط ولا مُقيَّد، ولكن الاتفاق على إنشاء شركة البترول شيء واقع لا شك فيه أيضًا، وقد تمَّ قبل أن يتحقق الجلاء، وأخص ما تمتاز به السياسة أنها تحب الجمع بين المتناقضات، ولا تضيق بالتناقض كما يضيق به المنطق. فهل كان من الممكن أن يجلو الروسيون عن إيران لو لم يتحقق الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ وفيمَ كان تأخير الجلاء عن موعده في الثامن من شهر مارس إلى الرابع والعشرين من شهر مارس أيضًا! ألم يكن تأخير الجلاء نتيجة لتأخر الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ ألم يكن بدء الجلاء نتيجة لتحقق الاتفاق على إنشاء هذه الشركة؟ وإذن فقد أخذ الروسيون يجلون بغير شرط ولا قيد بعد أن حققوا ما كانوا يريدون من الشروط والقيود.
وقد يعجز المنطق عن فهم هذا التناقض، ولكن السياسة تُسِيغه ولا ترى به بأسًا. وكان البريطانيون والأمريكيون، ومن ورائهم أو من أمامهم مجلس الأمن، يخافون كلَّ الخوف من أن يتم اتفاق بين روسيا وإيران، وأن يكون للضغط الروسي أثرٌ في إتمام هذا الاتفاق. فما ينبغي بعد انتصار الديمقراطية، وتحقق العدل والمساواة بين الشعوب الكبيرة والشعوب الصغيرة أن يتخذ الضغط وسيلة إلى إكراه الشعوب على ما لا تحب؛ فقد اطمأن البريطانيون والأمريكيون، واطمأنَّ معهم مجلس الأمن، على أن روسيا لم تُكْرِه إيران على شيء، ولم تتخذ الضغط وسيلة إلى إتمام الاتفاق على إنشاء شركة البترول، والدليل على ذلك أنها أجَّلت الجلاء ثلاثة أسابيع؛ حتى إذا اطمأنَّت إلى أن شركة البترول ستنشأ من غير شك أخذت في تحقيق الجلاء.
ومهما يكن من شيء فقد ظفرت روسيا بما كانت تريد؛ فهي لم ترد قط أن تحتل إيران، وإنما أرادت أن تؤمن حدودها، وأن تشارك في استغلال البترول الإيراني. وتأمين الحدود لا يكون باحتلال إيران، وإنما يكون بالاتفاق معها، واستغلال البترول لا يستلزم الاحتلال الدائم، وإنما يستلزم الاحتلال إلى أن يتمَّ الاتفاق عليه. ومن أجل ذلك قلنا إن الاتفاق الذي تَمَّ بين روسيا وإيران واضح من بعض جهاته، غامض من جهات أخرى … واضح من حيث الجلاء واستغلال منابع البترول … غامض من حيث تأمين الحدود واستقلال أذربيجان. فماذا تمَّ بين الدولتين في هاتين المسألتين …؟ أهناك اتفاق عسكري بين روسيا وإيران يؤمن روسيا على حدودها؟ أهناك اتفاق على أن تستقل أذربيجان استقلالًا ذاتيًّا؟ أهناك امتيازات أخرى لروسيا لم يذع أمرها في الناس بعدُ؟
هذه هي المسائل الغامضة التي لا تزال تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولأجل هذا نستطيع أن نقول إن البريطانيين والأمريكيين ومجلس الأمن مطمئنون قلقون في وقت واحد، وما ينبغي أن تعجب لهذا التناقض، فقد قلت لك إن السياسة لا تحب شيئًا كما تحب التناقض. البريطانيون والأمريكيون ومجلس الأمن مطمئنون؛ لأن الجيوش الروسية تجلو بالفعل عن أرض إيران، ولأن الاتفاق على إنشاء شركة البترول قد تَمَّ في حدود الدستور الإيراني، ولكنهم قلقون؛ لأنهم يخشون أن يكون وراء هذا كله أشياء يجهلونها، وهم لا يريدون أن يجهلوا شيئًا، ولذلك أُجِّلت القصة الإيرانية إلى الشهر المقبل، ولم تُستبعد من جدول الأعمال.
ولم ترضَ روسيا عن هذا الإجراء، فقد يجب أن يظل الباب مُغلقًا أو مفتوحًا، فأما أن يظل شيئًا «بَين» ذلك لا هو بالمغلق ولا بالمفتوح، فهذا هو الأمر الذي لا يُطاق؛ لأنه يضع دولة عظيمة موضع الشك، ويعلق على رأسها سيفًا قد لا يكون قاطعًا وقد لا يكون مخيفًا، ولكن تعليقه مُهِين على كل حال.
وكذلك استطاع الممثلون بين الفصلين أن يُهيِّئوا أنفسهم للفصل الذي سيُرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل؛ فقد طلبت روسيا استبعاد القصة الإيرانية من جدول الأعمال، ويظهر أن البريطانيين والأمريكيين يأبون ذلك، ولأولئك وهؤلاء علل ومعاذير، ولكن العلة الصحيحة هي أن الحليفين السكسونيين يجمعان بين الاطمئنان والقلق، فيقبلان التأجيل ولا يقبلان الاستبعاد. وأغرب ما في الأمر أن سفير إيران يمانع في الاستبعاد، ويكتفي بالتأجيل مع أنه قد أعلن تمام الاتفاق بين الحكومة الإيرانية والحكومة الروسية. وأشد من هذا غرابة أن يقول ناطق بلسان الحكومة الإيرانية في طهران إن السفير الإيراني لم يصدر في موقفه هذا الجديد عن تعليمات أرسلت إليه من حكومته، وإذن فما زال الأمر مختلطًا، وسيجد مجلس الأمن أمامه مادة حسنة للتمثيل … ستلحُّ روسيا في طلب الاستبعاد، وسيلح الإنجليز والأمريكيون في رفض هذا الطلب. ومن يدري لعل الرفيق جروميكو أن ينسحب من المجلس مرة أخرى.
على أن قصة أخرى تُهَيَّأُ بين الفصلين، وهي ليست أقلَّ غرابة من القصة الإيرانية؛ فقد قررت الديمقراطية المنتصرة أن تمحو الفاشية من كل مكان، وقررت هيئة الأمم المتحدة في لندرة أن النظام القائم في إسبانيا مناقض للديمقراطية، وأن إسبانيا لا تستطيع ما دامت محتفظة بهذا النظام أن تقبل في هيئة الأمم المتحدة. ولكن هناك أممًا تغلو في ديمقراطيتها، وتريد أن تأخذ القرارات الديمقراطية على أنها جد لا لعب. وقد همَّت فرنسا أن تكون من هذه الأمم، فطلبت في كثير من الاعتدال أن تقطع العلاقات السياسية مع الحكومة القائمة في إسبانيا، ولكن طلبها هذا لم يعجب الإنجليز أو الأمريكيين، فطلبت أن يُعْرَضَ الأمر على مجلس الأمن، ولكن طلبها الثاني رُفض كما رُفض طلبها الأول؛ فأقبلت بولندا ومن ورائها روسيا بالطبع تعرض القصة بالفعل على مجلس الأمن، فإذا قُبل طلب بولندا فقد وافقت الديمقراطية نفسها، ومضت بقراراتها إلى غايتها، ولكنها تتدخل في شئون الشعوب المستقلة، وتُعرِّض مصالح اقتصادية خطيرة بعضها إنجليزي وبعضها أمريكي لخطر عظيم، وتؤيد نفوذ الديمقراطية المتطرفة في غرب أوروبا، وتفتح للشيوعية أبوابًا كانت مغلقة، ومفاتيحها بيد الجنرال فرانكو. وإذا رُفض الطلب البولندي، فستغضب روسيا، وستغضب بولندا، وستغضب فرنسا أيضًا، وستناقض الديمقراطية نفسها، وتظهر أنها عابثة لا جادة في محاربة الفاشية.
وكذلك يرى القُرَّاء أن لدى مجلس الأمن ما يشغله ويشغل الناس معه في الجلسات المقبلة التي سيرأسها مندوب مصر. ولا بد للساسة من أن يتكلموا ويشغلوا مسرح السياسة بالحركة والنشاط.
ولا بد للعالم من أن يتفرَّج بالنظر إلى ما يجري على هذا المسرح. وإلى أي حال يصير العالم لو سكت الساسة وسكنوا؛ فلم تجد الإذاعات ما تشغل به الراديو، ولم تجد البرقيات ما تملأ به الصحف، ولم يجد الكُتَّاب ما يطالعون به القُرَّاء.
على أن هناك أشياء تجري على هامش مجلس الأمن تمهيدًا لعرضها على هذا المجلس بطريقة أو بأخرى، فالقصة اليونانية لم تنتهِ بعد أن تمت الانتخابات، ولكن نصف الشعب اليوناني ينكرها، ونصفه الآخر يعرفها، واستقال الوصي على عرش اليونان، ولكن الإنجليز يودُّون لو استبقى وصايته، وأمضيت معاهدة شرق الأردن ولكن الشعوب العربية ليست راضية عن هذه المعاهدة، وستبدأ المفاوضات بين مصر وبريطانيا العظمى، ولكن نتائج هذه المفاوضات قد لا تُرضي المصريين. وقد أخذ الروسيون يُذِيعون أنهم يجلون عن البلاد التي حرروها في آسيا وأوروبا، ويطالبون بأن تجلو بريطانيا وأمريكا عن البلاد التي حررت أو أعانت الحلفاء على الحرب.
وكذلك يبدو الجو السياسي هادئًا كلَّ الهدوء في هذه الأيام، ولكنه الهدوء الذي يسبق العواصف. وهذه العواصف نفسها لا ينبغي أن تُخِيف؛ لأنها لن تعدو أن تكون عواصف كلامية؛ حتى تسترد الشعوب قوتها، وتستريح من أثقال الحرب. والشيء المهم آخر الأمر هو أن مجلس الأمن سيعمل وسيقول، وأن الراديو سينشط وسيذيع، وأن البرق سينتشر في أقطار الجو فيملأ الصحف خلافًا وخصامًا، وسيكتب الكُتَّاب، ويخطب الخطباء في البرلمانات، ويخرج العالم من أزمة ليدخل في أزمة أخرى حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأمر المفعول الذي ينتظر العالم أن يقضيه الله عز وجل هو أن يتبيَّن خطأ المتنبي حين قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلمُ -
مجلس الخوف …
مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب. -
تهالك
تهالك
طه حسين
جريدة البلاغ
٢١ مارس ١٩٤٦
أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.
كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.
اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:
ما بين طرفة عين وانفتاحتها يغير الله من حال إلى حال
ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.
أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.
وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.
وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.
ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.
وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.
وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.
وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.
وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:
وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم
ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.
هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.
ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟ -
حدة …
حدة …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ مارس ١٩٤٦
يقول المثل العربي القديم: «إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا.» فقد كان المستر تشرشل ريحًا في الأسبوع الماضي، فلقي من الماريشال ستالين إعصارًا في هذا الأسبوع.
وكذلك يقول المثل العربي القديم: «لا يفلُّ الحديد إلَّا الحديد.» وقد كان المستر تشرشل في الأسبوع الماضي حديدًا، فكان الماريشال ستالين حديدًا في هذا الأسبوع أيضًا. والشيء الواضح هو أن كلمة الحدة التي اتخذناها عنوانًا لهذه الحديث هي الكلمة التي تصور الموقف السياسي العالمي أدقَّ تصوير وأصدقه في هذه الأيام. وهذه الحدة ليست مقصورة على أحاديث المستر تشرشل والماريشال ستالين، ولكنها أوسع من هذه الأحاديث مدًى، وأعظم شمولًا، بل هذه الحدة ليست مقصورة على الأقوال، وإنما تتناول الأعمال كما تتناول الأحداث.
ولولا أننا نعيش في القرن العشرين لكان من الممكن أن نتحدث بلغة القدماء، فنزعم أن حدثًا قد حدث في السماء نشأت عنه هذه الحدة التي شملت أكثر أقطار الأرض. ومن يدري؟ فإن الإنسان لم يؤتَ من العلم إلَّا قليلًا، وهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء، وعسى أن يكون القدماء لم يخطئوا حين قدَّروا أن فيما يكون بين الكواكب من تقارب وتباعد، ومن قران وفراق دلائل ومقدمات لما يكون في الأرض من خطوب وأحداث. ومهما يكن من شيء، فقد يكون من حق المنجمين أن يفسروا لنا هذه الأحداث على طريقتهم التي لا تخلو من روعة، والتي لا تعدم من الناس من يؤمن بها ويطمئن إليها.
وقد حدثنا أن هتلر كان يستشير المنجمين في القرن العشرين، فمن يدري لعل بين قادة العالم وسادته المنتصرين من يشبه هتلر في تصديق النجوم، والثقة بالمنجمين في هذا وحده لا في شيءٍ آخر.
فمن الواضح المسلم به أن الطغيان والعدوان والظلم والقهر والقسر، كل هذه الخصال قد ماتت بموت هتلر، إن كان هتلر قد مات، أو قل: إنها انهارت بانهيار ألمانيا الذي لم يبقَ فيه شك. ومن الواضح المسلم به أن انتصار الحلفاء أثناء العام الماضي في المشرق والمغرب قد ملأ الأرض عدلًا وأمنًا وسلامًا، كما أشاع فيها المودة والإخاء بين الشعوب. وإذا كانت هناك بوادر تثير القلق أو تشيع الخوف، فإنها ليست على الناس، وليست على المنتصرين منهم خاصةً، وإنما هو على هذه الكواكب والنجوم التي تسير كما أراد الله لها، لا كما يريد لها الناس.
ولو قد استطاع المستر تشرشل — أستغفر الله — فقد أصبح المستر تشرشل لا يستطيع شيئًا … لو قد استطاع المستر إستانلي والماريشال ستالين والمستر ترومان أن يدبِّروا أمر السماء كما يُدبِّرون أمر الأرض، أو أن يقطعوا الصلة بين الكواكب والنجوم وبين هذه الأرض البائسة؛ لاستقامت أمور الناس، ولاستقر بينهم الوفاق، ولزال من بينهم هذا الخلاف الذي يشتد حينًا حتى يخيف، ويلين حينًا حتى يُضحك. ومن يدري لعل المنتصرين أن يجدوا سببًا أو أسبابًا توصلهم إلى السماء، فيُسيِّروا نجومها وكواكبها على ما يشتهون، فقد اتصل الأمريكيون بالقمر، واتصل الأستراليون بالشمس، وأكبر الظن أن الروسيين قد اتصلوا بالمريخ، ولكن الروسيين لا يعلنون أسرارهم إلى الناس. لندع النجوم إذن للمنجمين، ولنعد إلى هذه الأرض البائسة المسكينة التي لم تخلص من حدة الحرب إلا لتشقى بحدة السلم، وإلى أعصاب الناس المساكين الذين لم ترقَأ دموعهم بعد، ويُراد بهم أن يستأنفوا سكب الدموع.
يجب أن يكون في الأرض شياطين يأتمرون بالناس؛ ليجعلوا بأسهم بينهم شديدًا، وليعذبوهم بأيدي أنفسهم. ولست أدري أين يجتمع هؤلاء الشياطين ليأتمروا … أيجتمعون في أعماق البحر الأبيض المتوسط، أم في أعماق المحيط الأطلنطي، أم في أعماق المحيط الهادي، أم على قمة من قمم الجبال، أم في منبع من منابع البترول؟ وأكبر الظن أنهم قد اختاروا لأنفسهم مكانًا مجهولًا، وألقوا من بينهم شُعبًا كثيرة بثُّوها في أقطار البر والبحر، وفي أطباق الجو والفضاء.
وسواء هبطت هذه الحدة المخيفة من السماء أو نجمت من الأرض؛ فإنها شيء واقع لا شك فيه، تظهر آثارها في كل مكان … تظهر في إيران حيث ظنَّ الناس أن الأمور قد استقرت، أو سارت في طريقها إلى الاستقرار بفضل مجلس الأمن من جهة، وتغيير الوزارة الإيرانية من جهة أخرى، وبدء المفاوضات بين موسكو وطهران من جهة ثالثة.
ثم ظهر أن مجلس الأمن لم يصنع شيئًا، وأن تغيير الوزارة لم يُغيِّر شيئًا، وأن المفاوضات لم تنتهِ إلى اتفاق، وأن الروسيين لم ينفِّذوا المعاهدة، ولم يجلوا جيوشهم عن إيران في اليوم الثاني من شهر مارس، بل لم يكتفوا بإبقائها، وإنما أرسلوا إليها الأمداد، وأمروها بالزحف والتحرك؛ لأنها في حاجة إلى شيءٍ من الرياضة.
ومن الطبيعي أن يجنَّ جنون الحلفاء لهذه المخالفة الخطيرة التي أقدمت عليها روسيا، فما ينبغي أن يُتخذ مجلس الأمن هزءًا وسخرية، وما ينبغي أن تُنقض العهود على هذا النحو اليسير، وفي هذا الاستهتار المريب، وما ينبغي أن يعتدي الأقوياء هكذا على الضعفاء في غير خجل ولا حياء.
ولذلك أرسلت المذكرات من لندرة وواشنجطون إلى موسكو تستوضح وتستعلم، وتلفت النظر، وتنبه الغافل، وتحذر الآمن … ولكن هذه المذكرات تصل إلى موسكو، وتبلغ إلى وزارة الخارجية الروسية، فلا تكاد تصل إلى مكتب الرفيق مولوتوف حتى يأخذها نوم عميق، ويطول انتظار الرد في لندرة وفي واشنجطون، ولكن الردَّ لا يأتي؛ لأن المذكرات قد وصلت نائمة إلى وزارة الخارجية الروسية.
وأكبر الظن أن الحكومة الروسية لا تحب الكلام إلَّا حين يكون الكلام مفيدًا ونافعًا، وأكبر الظن أيضًا أن الحكومة الروسية لا ترى أنها في حاجة إلى أن ترد على هذه المذكرات؛ لأن الحقائق الواقعة تنوب عنها في القيام بهذا الرد، فهي لم تجلُ عن إيران لأن البريطانيين لم يجلوا عن اليونان، ولا عن مصر، ولا عن فلسطين، ولا عن العراق، ولا عن أقطار أخرى من الأرض كان يحسن أن يجلوا عنها بعد أن استقر السلم ومُلئت الأرض عدلًا وحقًّا وإنصافًا.
وقد وعد الروس بالجلاء عن إيران، كما وعد البريطانيون بالجلاء عن مصر وعن اليونان. فلماذا يُطالب الروس وحدهم بأن يكونوا أخيارًا أبرارًا منفذين للعهود، موفين بالوعود.
وقد قال البريطانيون: إنهم يقيمون في اليونان برضى اليونانيين، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم يقيمون في إيران برضى الإيرانيين؟! وقد قال الإنجليز: إنهم سيجلون عن اليونان بعد الانتخابات، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم سيجلون عن إيران بعد الانتخابات. ويقال: إن الإنجليز يؤيدون أحزاب اليمين في اليونان، ويقال كذلك: إن الروسيين يؤيدون أحزاب اليسار في إيران؛ فالأمور متكافئة تسلط هنا وتسلط هناك، فلماذا يقلع أحد المتسلطين عن تسلطه قبل أن يقلع الآخر! ومن أجل هذا يضيق المختصمون بعضهم ببعض أشد الضيق، فيخرجون من الحوار الهادئ اللين إلى الخصام الصاخب العنيف.
ومن أجل هذا يخطب المستر تشرشل في أمريكا فيقول: إن الشيوعية خطرٌ على الحضارة المسيحية، وإن التحالف بين البلاد التي تتكلم اللغة الإنجليزية شرط أساسي لحماية هذه الحضارة المسيحية من هذا الخطر الشيوعي الخطير، فيتحدث الماريشال ستالين أمس (الأربعاء) بأن المستر تشرشل يذهب مذهب هتلر في الدفاع عن العنصرية الإنجليزية؛ فقد كان هتلر يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الألمانية قوة ضخمة تسيطر على العالم، فأصبح مستر تشرشل يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الإنجليزية قوة ضخمة تسيطر على العالم.
وإذا كانت الشيوعية الروسية خطرًا على الحضارة المسيحية كما يقول المستر تشرشل، فإن النازية الإنجليزية خطر على حرية الأمم، واستقلال الشعوب، كما يقول الماريشال ستالين، بل يذهب الماريشال ستالين إلى أبعد من هذا؛ فيضرب الأمثال، ويضع النقط على الياءات، فيذكر أن البلاد المحالفة لروسيا أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل أحزاب الشعب وأهواءه كلها، على حين أن البلاد المحالفة لبريطانيا العظمى أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل الأقليات المحافظة والرجعية.
بل إن بريطانيا العظمى نفسها — في رأي الماريشال ستالين — يحكمها حزب واحد مهما يكن حظه من رضى الشعب فهو لا يمثل هذا الرضى كاملًا؛ لأن هناك أحزابًا أخرى قائمة لا تشارك في الحكم، ولا تساهم في تدبير الأمور. ولا يكتفي الماريشال ستالين بهذا، بل يتهم المستر تشرشل زميله في مؤتمر طهران والقرم وموتسدام، وفي تدبير شئون الحرب وجني أكاليل النصر … يتهمه بالنفاق، نعم بالنفاق لا بشيء أقل منه ولا بشيء أكثر منه، وأي شيء أكثر من النفاق؟! والمستر تشرشل منافق عند الماريشال ستالين؛ لأنه في خطبة واحدة يحرض على روسيا، ويدعو إلى أن تمد المعاهدة بينها وبين الإنجليز إلى خمسين عامًا.
وكذلك تبلغ الحدة أقصاها بين الحليفين العظيمين: حدة في الأقوال، وحدة في الأعمال، وحدة في تقدير الأمور. والناس يرون ويسمعون ويشعرون ويسألون أنفسهم وقد ملأ قلوبهم الخوف: أليس هناك شَبَهٌ قويٌّ بين هذه الحدة التي تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها، وبين حدة أخرى كانت تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها قبيل الحرب العالمية الثانية؟!
أيُمكن أن تنتج هذه الحدة ما أنتجته تلك الحدة! أيمكن أن يدفع العالم إلى حرب ثالثة؛ لأن المنتصرين لم يتفقوا على تنظيم النصر، واقتسام غنائمه، كما اتفقوا على تنظيم الحرب وإكراه العدو على الاستسلام؟!
كل شيء ممكن، ولكن للإمكان حدوده، فقد تحتاج الشعوب إلى راحة تقصر أو تطول قبل أن تستأنف الحرب الثالثة، وقد تعتدل النجوم والكواكب في السماء، فتعتدل أهواء الناس وشهواتهم في الأرض، وقد ينقسم الشياطين المؤتمرون على أنفسهم، ويشغلون بما يثار بينهم من خلاف؛ فتجد الإنسانية وقتًا تستريح فيه وتستمتع بالأمن والسلم حينًا، وقد يُنزل الله السكينة على الناس فيحبب إليهم العدل، ويُزيِّن في قلوبهم الإنصاف، ويصرفهم عن الجور والعسف، ويقنع بريطانيا العظمى وروسيا وأمريكا بأن الإنسانية قد بذلت من التضحية في الحربين الماضيتين ثمنًا غاليًا تستحق بعد بذله أن تستمتع بشيءٍ من السلام النقي البريء.
كل شيء ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تظل الإنسانية خائفة هلعة جزعة حتى يتغير الليل غير الليل، ويتغير النهار غير النهار، وتسلك الشمس وغيرها من الكواكب طريقًا أخرى غير هذه الطريق التي سلكتها منذ كان العالم.
هنالك يشعر الناس بأن العالم قد تغيَّر حقًّا، وبأن من الطبيعي أن يتغيروا كما تغير العالم، وأن يسلكوا بحضارتهم وآمالهم طريقًا غير هذه الطريق التي سلكها الناس منذ كان الناس.