Tag: اللغة

  • تمصير | Egyptianization

    تمصير

    هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، وظهر فيه الحرص واضحًا جليًّا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟

    وقد مضى عصر كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك، ونقدم عليه لا نجد فيه حرجًا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية مبتهجين بالإسراع إليها، مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يتمدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من أساليب الحياة.

    مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، فإن لنا مقومات خاصة ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجًا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى، ولابد لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادًا من حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودًا خليقًا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس.

    ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد الحرص. فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم، نقرأ ما نقرأ من ذلك ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها، وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ونستظهرها، دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلًا، فضلًا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف. ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان اللغة العربية واضحًا جليًّا في التعليم، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظًّا لا بأس به، وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ومضينا في ذلك موفقين أحيانًا ومخطئين أحيانًا أخرى، حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على الطلاب في الجامعة والمدارس العليا.

    وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض عليه لغتنا فرضًا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة الوطنية، فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور حياتنا المصرية الخاصة تصويرًا صحيحًا دقيقًا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها. فقد نقلنا عن الأوروبيين فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون شيئًا فشيئًا حتى بلغنا من ذلك حظًّا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون، وما أظن صديقنا «الصاوي» قد أنشأ صحيفته الجديدة هذه إلا ليشارك فيما يجب على كل محب لمصر أن يشارك فيه من تمصير الأدب والثقافة بوجه عام.

    طبيعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل كغيره من الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة، أو تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع، فنحن لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلًا ونقره فيها كما يستقر الضيف.

    فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى التقليد المستقيم، فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخًا، ونسيء إلى عقولنا كما نسيء إلى الأوروبيين أيضًا، فنصورهم صورًا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن أيضًا.

    والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا تريد أن تنقضي. ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه بعد ما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة أو جزءًا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا مساء الخميس. فقد انتهت إلى الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل عنوانًا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني».

    وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارًا، لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر وضعًا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأنني سأشهد مظهرًا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأعرف إلى أي حد انتهى كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل نفسه.

    ويجب أن أعترف بأنني لم أكد أسمع شطرًا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقًا شديدًا، فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. (لا يغضب صديقي توفيق الحكيم، فقد يكون لي في قصصه العامية رأي حين أقرأه، وسيكون لي معه على كل حال في ذلك يوم أو أيام. ولعله يذكر رأيي في لغة «عودة الروح»). على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس منه بد، وبأن الخير كما يقول الفيلسوف القديم إذا لم يكن ما أريد أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم وألهو مع اللاهين.

    وكان الممثلون مجيدين حقًّا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية. ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي تسليطًا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف وما قد يؤذي الناس الذين يجاورونني أن أحسوه أو أظهروا عليه.

    ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية ومثلت في كثير جدًا من الملاعب، ثم تجاوزت الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول.

    وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخًا وحرفها تحريفًا وذهب بما فيها من جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره، ولست أدري! أعلن الكاتب هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانًا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ وتشويه.

    القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا التعبير. فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر. فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آذاك هذا الاستماع وشق عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال.

    وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون، منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعًا بعيدون عن هذا الابتذال الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة والحارات في القاهرة.

    والقصة الفرنسية تصور لونًا من ألوان الحياة في باريس وهي تمتاز بالجرأة بل بالإسراف في الجرأة، جرأة على السياسة، جرأة على العرف، جرأة على المألوف من أخلاق الناس. وقد أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه.

    للقصة بطلان ممتازان من الرجال، أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثامًا مالية منكرة ويتستر في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ظاهر الأمر يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارهًا لحكم القضاء، ثم ما يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه وتشاركه في الإثم فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة والاختلاس.

    وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك ومنها المؤلم ومنها ما يجمع الأمرين معًا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي تمثلها القصة المصرية تمثيلًا واضحًا ملهيًا حقًّا.

    ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة.

    وقد عجزت القصة المصرية عن الصراحة والجرأة ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية. فالسارق المحتال عضو في شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول، فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن «توباز» ظهرت في فرنسا وتجاوزتها قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى.

    وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله. لأن من المؤلم حقًّا أن يشهد الإنسان أثرًا فنيًّا بارعًا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه.

    ومع ذلك فقد ضحكت النظارة وأغرقت في الضحك، ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرًا. ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعبارتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئًا. كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة الفرنسية وما يقولون.

    في هذا النحو من التمصير شر كثير لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن، يمسخه ويغير معالمه ويرد جماله قبحًا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان الجاحظ يكره أن تختصر آثاره يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا ونحن مصريون غرباء لم ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية وأبقاها؟

    وأنا أعلم أن هذا التغير الخطير يصيب كثيرًا من القصص لا في مصر وحدها بل في كثير غيرها من البلاد. ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرًا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له.

    وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئًا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده في قصة الشيخ متلوف والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف، إن صح أن يضاف الجمال إلى ترتوف.

    حسن جدًّا أن يمصر التمثيل وأن يتخذ العربية، ولا سيما العربية الفصحى، له لغة وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحًا صريحًا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون تمصيرًا مثبتًا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرًا جريئًا جليًّا لا يثير حزنًا ولا ندمًا ولا حياء.

    مجلتي، ١٩٣٤/١٢/١٥

  • سياسة | Policy

    حديث اليوم — سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.

  • كلية الآداب٢ | The Faculty of Arts (2)

    كلية الآداب
    بقلم الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب
    إذا ذكرت الجامعة المصرية فهم منها كثير من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطا مصدره فيما يظهر أن كلية الآداب عرفت باسم الجامعة المصرية حين أنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضمت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياته الأربع التي تتألف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. ومما يسر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة يلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية ويلقى بعضها الآخر في دور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقلما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر لها صفتها العلمية العليا ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس مس اتصالا قريبا، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم، وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم وملكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم وملكاتهم ونظمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبا إذن أن تتصل هذه المحاضرات المتنوعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها، بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية وعلى تفاوت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم ويريدون أن يختلفوا إلى دروسها اختلافا منظما أو غير منظم متصلا أو مؤقتا، لا يقيدهم في ذلك قيد ولا يمنعهم منه منع. ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولا لا مغمز فيه، وهؤلاء المستمعون يقبلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين وهم أحرار لا يؤدون امتحانا ولا يدفعون رسما ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة والتي تمس حياة الناس جميعا والتي يحسب الناس جميعا مخطئين أو مصيبين أن لهم بها إلماما قليلا أو كثيرا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور وأن تستأثر أحيانا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم وأن تختص أحيانا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم لما ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورا على كلية الآداب المصرية إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب وقد تربى عليها أحيانا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطر وهو أن تكون عنوان الجامعات وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.
    ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعد كلية الآداب على وجهها. وكثيرا ما تمنت كلية الآداب لو جهلها الناس وأغضوا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعم بعض الكتاب منذ أسابيع أنها لم تؤد رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية ولم تقلبها ظهرا لبطن كأن كلية الآداب متى وجدت يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية فإذا هو قد خلق خلقا جديدا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.
    لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يدرس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يدرس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرس في الكليات الأخرى، فليس هو شيئا شائعا يساهم فيه الناس جميعا وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرا أو كاتبا لتكون أستاذا في الأدب. وليس يكفي أن نفهم كتابا في التاريخ لتكون مؤرخا، بل ليس يكفي أن تكون مؤرخا لتكون أستاذا للتاريخ، وليس يكفي أن تكون فيلسوفا لتكون أستاذا في الفلسفة.
    يوم ترتفع العلوم التي تدرس في كلية الآداب عن أن تكون نهبا للناس جميعا وشركة بين الناس جميعا يساهم فيها القادر والعاجز ويقضي فيها الجاهل والعالم — أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقروها في نظامها الطبيعي.
    وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر، فأما المسرفون فيكلفونها شططا كما رأيت. ولكن هناك قوما هم أشد خطرا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأما الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة؟
    فأما الأدب شعره ونثره فليس إلا كلاما، وتستطيع أن تثق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويا عنيفا مستعدا دائما للقص من جناحي كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالا ولا محاورة فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة، ولا تقل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلا في بيئة حظها من الآداب عظيم — لا تقل شيئا من هذا فسينفضون إليك رءوسهم ويقولون كلاما لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وقفا عند الخطأ والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قصد إليه الذين أنشأوا كلية الآداب وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر إنما هو إحياء العقلية المصرية ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة وتفهمها وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.
    إلى هذا قصد الذين أنشأوا الجامعة المصرية القديمة وكانوا موفقين كل التوفيق، وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن وهم موفقون كل التوفيق أيضا. وإذا لم يكن بد من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديد العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني أيده الله هذا الميل فحمده فيّ وشجعني على المضي فيه تشجيعا ماديا ومعنويا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية ورفعته هدية إلى سدته الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءا من برنامج الدرس في الكلية. ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعا على فهم هذه الحقيقة القيمة وهي: أن مصر لن تنهض حقا ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلا إذا استخرجتها من معدنها واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان والرومان.
    نعم ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلا إذا عرفت قديمها فأحيته ووصلت بينه وبين الجديد واتخذت من هذا وذاك مزاجا صالحا هو قوام الحياة الصالحة التي لا تفنى في القديم فتجمد ولا تفنى في الجديد فتضيع.
    نعم ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها فيفهمون الأشياء فهما متقاربا ويحكمون عليها حكما متشابها ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض. وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته ولن تقصر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يمكنها من التغلب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
    طه حسين
    المصور ٤ – ٣ – ١٩٣٢