Tag: المسؤولية الأخلاقية

  • جنود الشيطان | The Devil’s Soldiers

    جنود الشيطان
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١٢ يناير ١٩٤٩

    هذا حديث أسُوقُه إلى الوُزراء جميعًا، وإلى الشُّيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصريين الذين يُقدرون للإنسان كرامَتَه وللوطَنِ حقه؛ كي يُفكروا في أن يتخذوا من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من جنود الشيطان.

    كان في نضرة من عيشه المادي والمعنوي، يبسم للحياة والأمل، وتبسم له الحياة والأمل … يغدو مع الصبح إلى تلاميذه؛ فيُعلمهم مما علمه الله، وكان الله قد علَّمه من رائع الأدب وبارع الفن ما غذَّى قلبه وعقله، فجعله إنسانًا كريمًا وديعًا، كأكرم ما يكون الناس، وكأودع ما يكون الناس … كان ذا نفس راضية، وخُلق سمح، وقلب نقي، وضمير كأصفى ما يكون الضمير.

    كان لا يحب الأذى، ولا يتصور أن يؤذي بعض الناس بعضًا، وكان إذا سمع ما يمتلئ به الجو المصري من كيد الناس للناس، ومكر الناس بالناس، وقسوة الناس على الناس، تلقى هذا كله في شيء من السذاجة يُشبه البله … كان يرى الحياة قصيرة، والخير بين الناس قليلًا … وكان يحرصُ أشدَّ الحرص على ألا يُبدد الناس حياتهم القصيرة في الشرِّ والإثْمِ، وعَلى أن ينتهز الناسُ فرصة هذه الحَياة ليَسْتَكثروا من الخَيْرِ ما استطاعوا أنْ يستكثروا من الخير، وليشيعوا المعروف بينهم ما وجدوا إلى إشاعة المعروف بينهم سبيلًا.

    كان باسم القلب والثغر، وكان عذب النفس واللسان، وكان يأبى على الحياة أن تشيع من حوله المرارة أو العبوس، وكان لا يَلْقى أصحابه إلا سرَّهم وبَرَّهم، وحَبَّبَ إليهم البر والسرور، وكان يروح إلى داره إذا أقبل الليل فيرى فيها ابتسامًا حُلوًا يتلقاه، فيُضيف في قلبه رضًا إلى رضا، وغبطة إلى غبطة، ونعيمًا إلى نعيم: زوجة صالحة، وطفلين وديعين يملأ قلبيهما الفرح والمرح والابتهاج.

    أخلص قلبه للأدب، وأخلص نفسه للمُثل العليا، وصفَّى ذوقه للفن الرفيع، وأنفق ما أنفق من حياته ينفع ما استطاع أن ينفع، ويصلح ما استطاع أن يُصلح، ويكره أن يتعلق عليه أحد بما يحزن أو يسوء … جد في طلب العلم حتى أخذ منه حظًّا موفورًا، وراض نفسه على حب الخير حتى أصبحت خيرة بطبعها، ومضى في حياته لا ينتظر إلا أن يكون آخرها كما كان أولها سَمْحًا يسيرًا لا عوج فيه ولا التواء.

    وأقبل ذات ليلة باسم الثغر، مُنشرح الصدر، موفور الرضا، فنعم بأهله، ونعم أهله به، ولكنهم أصبحوا فلم يجدوه …! اختطف نفسَهُ الموتُ أثناء الليل، لم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموتِ حين أقبل على الدار … ولم يشعر هو ولم يشعر أهله بالموت حين انصرف عن الدار … ولكن الزَّوج أصبحت أيِّمًا … ولكن الطفلين أصبحا يتيمين … ولكن الأصدقاء أصبَحُوا مَحْزُونين مَكروبين، قد تركت الكارثة في نفوسهم كُلومًا لا تؤسى، وآلامًا لا تزول.

    ***

    وانقضت الأيام الأولى بما فيها من مراسم الموتْ، وأقبلت أيام أخرى فرضت على الأم البائِسة اليَائسة أنْ تُفكر في حياتها، وفي حياة طفليها، وفرَضَتْ على الأصدقاء أن يُعينوها على هذا التفكير، وأن يُدبِّروا من أمرها ومن أمر ابنيها ما يعجز النساء عن تدبيره، فسعوا عند رئيسه في أن يلتمس من الدولة — التي أنفق شبابه في خدمتها وتعليم أبنائها — معونة لهذه الأيِّم وابنيها اليتيمين … وسمع الرئيس لهم، وفهم عنهم، وسعى معهم، فكتب يطلب إلى الحكومة أنْ تشمل بعطفها وبرها هؤلاء البائسين الذين فقدوا عائلهم قبل أن يَدَّخر لهم من المال ما يُقيم الأود … ومتى استطاع المُعلمون أن يدخروا لأزواجهم وأبنائهم ما يقيم الأود؟!

    وكان الفقيد قد مات قبل أن يُثبَّت، وقبل أن يَكفل لأبنائه ولأهله المَعاش، وليس في مصر نظام «التأمين الاجتماعي» الذي يَفْرِض على الدولة أن تكفل حياة الأيامى واليتامى حين يُختطف عائلوهم من بينهم، فلا بدَّ إذن من أن يُطلَب إلى الدولة عطفها وبرها بالأيامى واليتامى، الذين لا يجدون ما ينفقون … لا بُدَّ من أنْ يطلب إليها هذا العطف، على أنه «استثناء» لا على أنَّه «حق»؛ لأنَّ مصر لم تشعر بعد بأن من حق أبنائها عليها أن تعصمهم حين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الفقر والجهل والمرض!

    سعى أصدقاء الفقيد، وسعى رئيس الفقيد معهم في التماس هذا العطف من الدولة، ولكنَّ هذا الرئيس لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى مجلس الوزراء، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزارة المالية، بل لا يستطيع أن يكتب مُباشرة إلى وزير المعارف، وإنما ينبغي أن تمُرَّ كتبه برؤساء آخرين يتوسطون بينه وبين الرئيس الأعلى، الذي هو وزير المعارف … وقد وصل كتابه إلى المرتبة الأولى من مراتب الرؤساء، وهنا كانت العبرة التي تدفعني إلى إملاء هذا الحديث!

    وصل الكتاب إلى موظف كبير، له — من غير شك — زوجة وأبناء، وقد بَلَى من تجارب الحياة ما علَّمه — من غير شك — أنَّ الفقر مُرٌّ، وأنَّ الجُوع أليم، وأنَّ المرضَ مِحنة، وأنَّ هذه الآفات خليقة أنْ تُخرج الناس عن أطوارهم، وأنْ تدفعهم إلى الذلة والهوان، وأن تُغريهم بالإثم والنكر، وأن تورطهم فيما لا ينبغي أن يتورط فيه الإنسان.

    وقد علمته تجارب الحياة أيضًا أنَّ الموت قد يُقبل دون أن يستأذن ضحاياه، ودون أن يُنذرهم، ودونَ أن يعطيهم من المُهلة ما يُتيح لهم أن يُدبروا أمور أزواجهم وأبنائهم قبل أن يُفارقوا الحياة، وقد عَلَّمته التجارب أيضًا — من غير شكٍّ — أنَّ من الخير أن يعطف الأحياء القادرون على الأحياء العاجزين، وأن يكون بين الناس هذا التضامن الاجتماعي الذي يشيع بينهم الحب والبر والتراحم؛ لأنَّ الأيام دُول، ولأنَّ المال والسلطان والجاه والمقدرة … كل هذه أعراض تذهب وتجيء، وتغدو وتروح، وتلم بالإنسان اليوم لتنتقل عنه غدًا!

    علمته التجارب هذا كله، ولكنه لم يتعلم … وليس كل الناس ينتفع بالتجارب، وليس كل الناس يستطيعُ أن يضع نفسه مَوضِعَ البائسين وأصحابَ الحَاجات … وكانت بين هذا الموظف الكبير وبين هذا الفقيد هنة من الهنات في يومٍ من الأيام، مما يكون بين الناس حين يدفعهم العمل إلى ما يُرضي ويُسخِط، وإلى ما يَسُرُّ ويَسُوء، فلم يذكر للفقيد إلا هذه الهنة، ولم يسمع إلا لما تركت في قلبه من الموجدة، ولم يلتفت إلى الأيم ولا إلى اليتيمين، ولا إلى نفسه ولا إلى الناس من حوله، ولا إلى التضامن ولا إلى التعاون، ولا إلى أنَّ الموت يمحو ما قبله، ولا إلى أنَّ من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، ولا إلى أنَّ العُرف لا يذهب بين الله والناس، ولا إلى أن العفو عند القدرة أجمل بالرجل الكريم … لم يلتفت إلى شيء من هذا، وإنَّما التفت إلى أن في قلبه موجدة على الفقيد لم يستطع الموت أن يمحوها، فلم يرسل كتاب الرئيس المُباشر للفقيد إلى السُّلطات العُليا، وإنما أرسل إلى هذه السلطات يطلب إليها تنفيذ القانون بإعطاء هذه الأيم وابنيها ما يُستحقُّ للفقيد من مُكافأة … مكافأة تقيم أودهم أشهرًا، ثم تُسلمهم بعد ذلك إلى الشيطان، وإلى جنود الشيطان — وهي المرض والفقر والجهل — تصنع بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ما تشاء!

    ***

    هذا حديث أسوقه إلى الوزراء جميعًا، وإلى الشيوخ والنواب جميعًا، وإلى المِصْريينَ الذين يُقدرون للإنسان كَرَامته وللوطن حَقَّه، فقد يَجِبُ عليهم أن يفكروا في هذه المِحْنَة وأمثالها؛ قبل أنْ يُفكروا في كثير من هذا السخف الذي يشغلون به أنفسهم. وقد ينبغي أنْ يفكروا قبل كل شيء في أن أوجب ما يجب على مصر أن تتخذ من الوسائل ما يحمي الأيامى واليتامى من الشيطان وجنود الشيطان، ومِنْ هذه القُلوب القاسية التي تستجيب للبغض أكثر مما تستجيب للحب، وتسمع لداعي القسوة أكثر مما تسمع لداعي الرَّحمة والمعروف والإحسان.

  • تضامن | Solidarity

    تضامن
    طه حسين
    النداء
    ٤ نوفمبر ١٩٤٧

    لم يكن عمر بن الخطاب — رحمه الله — يقدِّر حين صَدَر بالمسلمين من الحج سنة ثماني عشرة للهجرة، أنه يستقبل بالمسلمين من أهل بلاد العرب — ومن أهل الحجاز ونجد وتهامة خاصة — عامًا أسودَ قاتمًا، يُمتحَن المسلمون به في أنفسهم وأموالهم وأخلاقهم، وفيما أُتِيحَ لهم من الصبر على الشدائد والثبات للمكروه والنفوذ من الخطوب، وفيما أُتِيحَ لهم كذلك من هذا الشعور الكريم الممتاز الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويرقى به إلى المنزلة العليا من منازل الكرامة؛ وهو شعور التعاطف والتآلف والتضامن الاجتماعي، الذي يلقي في روع كل فرد — مهما تكن منزلته — أنه عضو من جماعة يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ويأخذ بحظِّه مما يصيبها من النعماء والبأساء، وما ينوبها من السراء والضراء.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر أن الغيب قد أضمر له وللمسلمين من أهل بلاد العرب هذه المحنة القاسية، يُمحِّص بها قلوبهم، ويُصفِّي بها نفوسهم، ويُعلمهم بها أن الحياة ليست نعيمًا متصلًا، ولا رضاءً مقيمًا، ولا خصبًا يتجدد كلما تجددت الفصول، وإنما هي مزاج من النعيم والبؤس، ومن اللذة والألم، ومن السعادة والشقاء، وأن سبيل المؤمن — الذي مسَّ الإيمان قلبه حقًّا — هو ألَّا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نُعِّم، ولا ييأس إذا امتُحِن بالبؤس والشقاء، وألَّا يُؤْثِرَ نفسه بالخير إنْ أُتِيحَ له الخير من دون الناس، وألَّا يترك نظراءه نهبًا للنوازل حين تنزل، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسائهم.

    فالله لم ينشر ضوء الشمس ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون طائفة، والله لم يُجْرِ الأنهار ولم يُفجِّر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس وتظمأ إليها جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع قوم آخرون!

    وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعًا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن لا ينبغي أن يُفرَض الحرمان على أحدٍ منهم مهما يَكُنْ شخصه، ومهما تَكُنْ طبقته، ومهما تَكُنْ منزلته بين مواطنيه.

    لم يكن عمر — رحمه الله — يقدِّر حين صدر من الموسم في ذلك العام أن الله سيرسل إلى المسلمين عامًا جديدًا يمتحنهم فيه بالجوع والظمأ والعري امتحانًا لم يعرفوا مثله منذ عهد بعيد أشد البعد. وكيف كان عمر يستطيع أن يقدِّر ذلك وأمور الدولة الناشئة تجري على خير ما كان المسلمون يحبون من العدل، والسعة، وبعد الصوت، وانتشار الفتح، وكثرة الفيء، وغزارة الرخاء؟!

    ولكن العام الجديد يُقْبِل وإذا السماء تبخل بمائها حتى تحترق الأرض ظمأً إلى هذا الماء، وحتى تسوَدَّ كأنها الرماد، وحتى يضطر المسلمون إلى أن يسمُّوا هذا العام عام الرمادة.

    بخلت السماء بالماء، وجادت الشمس بالحر، وعجزت الأرض عن أن تخرج للناس ما يأكلون وما يطعمون به ما كانوا يسومون من الثاغية والراغية.

    وينظر عمر بعد أن استقر في المدينة، فإذا الأزمة تسعى متمهلة مستأنية، ولكنها مستوثقة من نفسها، مُلِحَّة في سعيها، وإذا أهل البادية قد أجدبوا واشتد عليهم الجدب، فلم يفكروا إلَّا في أن يُهرَعوا إلى خليفتهم يلتمسون عنده ما يطعمهم من جوع، ويسقيهم من ظمأ، ويكسوهم من عري. وما له لا يفعل ذلك وهو قد أخذ أبناءهم وآباءهم وإخوانهم وكاسبيهم وعائليهم، فرمى بهم تلك الثغور، ودفع بهم إلى حروب يعرفون أولها ولا يعرفون آخرها؟! وما لهم لا يُهرَعون إليه وهم كانوا يشعرون بحبه، وعطفه عليهم، وبره يسعى إلى أقصاهم كما يسعى إلى أدناهم، لا يقصر عن السعي إليهم ساعة من ليل أو ساعة من نهار؟!

    ثم ينظر عمر فإذا جزيرة العرب كلها ترسل إليه من بقي فيها من الشيوخ والنساء والأطفال والعاجزين الذين لا يقدرون على شيء، والقادرين الذين لا يجدون شيئًا يقدرون عليه … هنالك ينهض عمر للقاء هذه الأزمة العنيفة الجائحة نهوض الرجل الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد بعده، ويحمل العبء كما لم يحمله أحد بعده، ويواجه الخطب مصممًا على أن ينفذ منه أو يموت من دونه مهما تكن الظروف؛ حتى أصبح عام الرمادة ذلك كنزًا من كنوز المسلمين، لا ينفد ولا يدركه الفناء. يجد المسلمون فيه من العبرة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة ما لا يمتنع عليه قلب له حظٌّ من رفق ولين، إلَّا أن يكون من تلك القلوب التي وصفها الله — عز وجل — بأنها قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

    وقد بدأ عمر — رحمه الله — بنفسه في مقاومة هذا الخطب، فأبى إلَّا أن يكون رجلًا من المسلمين؛ يشقى كما يشقون، ويجوع كما يجوعون، ويظمأ كما يظمأون، ويشتد على نفسه وعلى أهله بمقدار ما تشتد الأزمة على أشد الناس فقرًا وبؤسًا. يفعل ذلك لأنه مؤمن قبل كل شيء بأن من الحق عليه لنفسه ولله وللناس أن يفعل ذلك، ثم يفعله لأنه مؤمن بأن من الحق عليه أن يعلِّم الناس كيف يكون التضامن والتعاون والتعاطف حين تنزل المحن وتلم الخطوب، فيأبى إلَّا أن يعيش كما يعيش أفقر الناس!

    رأى المسلمين لا يجدون السمن إلَّا في مشقة وجهد؛ فحرم على نفسه السمن حتى تجده عامة الناس … وفرض على نفسه الزيت والخبز الجاف. فلمَّا ثقل عليه الزيت ظنَّ أنه إنْ طُبِخَ له فقد يكون أخف على معدته احتمالًا؛ فأمر أن يُطبَخ له الزيت، وأكله مطبوخًا فكان أوجع له وأعسر هضمًا، حتى تغيَّرَ لونه واسْوَدَّ وجهه وكان شديد البياض.

    ثم جعل يطعم الناس على الموائد العامة، ويجلس معهم إلى هذه الموائد يأكل مما يأكلون منه، ثم أمر المنادين أن ينادوا في الناس: من شاء أن يُقْبِلَ على هذه الموائد فيأكل منها فليفعل، ومن شاء أن يُقْبِلَ على هذا الطعام فيأخذ منه حاجته وحاجة أهله ليأكل معهم فليفعل.

    وكان يُشْرِفُ بنفسه على إعداد الطعام، وربما علَّم الطباخين كيف يطبخون. ولكن الأزمة تشتد وتشتد، وأهل البادية يُهرَعُون إلى المدينة، وكثيرٌ منهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من أماكنهم، قد هلك الزرع وجف الضرع ونفقت الماشية، وأصبح من الحق على الخليفة أن يدرك هؤلاء الناس في مواطنهم، ويحمل إليهم أرزاقهم ما داموا عاجزين عن السعي إلى هذه الأرزاق.

    هنالك يكتب عمر إلى عمَّاله في الأقاليم يأمرهم بأن يرسلوا إليه الأمداد. واقرأ هذا الكتاب القصير الرائع الذي كتبه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص رحمه الله، وانظر إلى ما في هذا الكتاب القصير الرائع من عنف عنيف، ملؤه الرحمة الرحيمة والرفق الذي ليس بعده رفق: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أمَّا بَعْدُ، أفتراني هالكًا ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟! فيا غوثاه! يا غوثاه! … يا غوثاه!»

    فلم يكد عمرو بن العاص — رحمه الله — يقرأ هذا الكتاب الذي يزجره فيه أمير المؤمنين أشد الزجر، حتى كتب إليه:

    بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، أمَّا بعد، أتاك الغوث؛ فلبث لبث! لأبعثن إليك بعيرًا أولها عندك وآخرها عندي …

    ثم نهض عمرو في إرسال هذا الغوث برًّا وبحرًا، وكتب عمر إلى عمَّاله الآخرين في الشام والعراق، فكلهم صنع صنيع عامل مصر. ثم أرسل عمر رسله إلى حدود بلاد العرب مما يلي الشام والعراق ومصر، وأمرهم أن يتلقوا هذه المعونات، فيميلوا بها إلى أهل البادية في أماكنهم وأحيائهم ليطعموهم ويكسوهم ويسقوهم. وعزم على رسله هؤلاء ألَّا يضعفوا ولا يلينوا ولا يُفَرِّقوا ما في أيديهم من الطعام دون أن يتبينوا أنه صائر إلى بطون الجائعين، لا إلى خزائن المختزنين. وأشد من هذا روعة وأعظم من هذا إثارة للعبرة أن عمر — رحمه الله — كان يقول: «نطعم ما وجدنا أن نطعم، فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم من لا يجد إلى أن يأتي الله بالحَيَا.»

    ومعنى ذلك أنه — رحمه الله — قد فتح بيت المال على مصراعيه، وأزمع أن يرزق الناس منه، حتى إذا لم يجد فيه شيئًا كلَّف كل أسرة غنية أن تطعم مثل عددها من الفقراء، يأخذهم بذلك بسلطان القانون والدين، حتى يأتي الله بالفرج.

    وما قصصت عليك هذا كله لأرفه عليك بروائع التاريخ، أو لأطرفك بهذه النوادر البارعة من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح، وإنما نحن نحيا في أيام سُود، ليست أقل نكرًا — ولعلها أن تكون أشد نكرًا — من عام الرمادة ذاك!

    فقد كان المسلمون في أيام عمر — وفي ذلك العام — يجدون الجوع والظمأ والعري، فأمَّا المصريون في هذا العام فإنهم يجدون الموت ويجدون المرض، ويجدون بعد الموت والمرض ما كان يجد العرب في عام الرمادة من الجوع والظمأ والعري.

    ومن حقِّ المصريين الذين صُبَّ عليهم الوباء أن يُدفَع عنهم هذا الوباء وأن تُرَدَّ عنهم آثاره؛ فلا يكون منهم من يشكو الجوع والظمأ والعري، وهذا الحق واجبٌ على الدولة ما وجدت في خزائنها من المال ما يمكنها من ذلك. لا ينبغي أن تفكر في شيء حتى تفرغ من هذه المحنة، فإن لم تسعفها خزائنها؛ فمن الحق عليها أن تسلك الطريق التي أراد عمر أن يسلكها، وأن تفرض على القادرين رعاية العاجزين حتى يأتي الله بالفرج.

    يجب أن تعلم الدولة — ويجب أن يعلم الموسرون — أن التصدق بالمال خير في أوقات الرخاء والدعة واللين، فإن اشتدت الشدة وأزمت الأزمة وألمَّ الوباء؛ فالتصدق واجب يفرضه العدل. فإن لم ينهض به الأفراد من تلقاء أنفسهم وجب على الدولة أن تأخذهم به أخذًا.

    يجب على الدولة أن تعلم أن الله قد أمر أئمة المسلمين في أوقات الرخاء والدعة أن يأخذوا من الأغنياء ويردوا على الفقراء؛ حتى لا يبقى بين الناس جائع أو محروم. فإذا جد الجد، وألمَّت الكارثة؛ فحرام على الموسرين أن يطعموا وأن يشربوا وأن يكتسوا، حتى يطعم الجائعون ويشرب الظامئون ويكتسي العارون من المعسرين. وعلى الدولة أن تقوم على هذا كله بسلطان القانون، فإن لم تفعل فهي آثمة أشنع الإثم في ذات الله، وفي ذات الوطن، وفي ذات المواطنين.

    هذه دروس ألقاها عمر بن الخطاب على الحاكمين والمحكومين في التضامن الاجتماعي الذي لا يقوم على الاشتراكية ولا على الشيوعية، وإنما يقوم على قول الله عز وجل: ( إِنَّ الله يَأْمُرُ‌ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْ‌بَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُ‌ونَ ).

    فهل نطمع في أن تسمع الدولة وفي أن يسمع الموسرون، وهل نطمع في أن تتذكر الدولة ويتذكر الموسرون، وهل نطمع في أن نُعفى وتُعفى الكرامة الإنسانية من طلبات الصدقات في الصحف إلى قوم يؤثرون الأموال على الوطن وعلى المواطنين؟!

    إن من الحق على الدولة أن تعلِّم البخلاء كيف يكون الكرم والجُود بسلطان القانون إذا لم يصدر عن يقظة الضمائر وحياة النفوس …