Tag: المعضلة الأخلاقية

  • مصادفة | Chance

    مصادفة

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢١ أبريل ١٩٤٦

    قوم يُنْكِرونها أشدَّ الإنكار يَرَوْن في ذلك انتصارًا للعلم وتأثُّرًا بروح العصر الحديث،
    وقوم يَعْرِفونها أشدَّ المعرفة، يَرَوْن في ذلك انتصارًا للواقع ومقاومة للبدع واحتفاظًا
    بالقديم الموروث. وأولئك وهؤلاء يسرفون فيما يظهر على أنفسهم إسرافًا عظيمًا.

    فالمصادفة شيء واقع ما في ذلك شك، نلقاه في كل يوم ونُجرِّبه في كل لحظة من لحظات الحياة.
    يخرج أحدنا من داره إلى قصد معلوم وليس في نيته أن يلقى فلانًا، بل لعل فلانًا هذا لم يخطر له
    على بال، ولكنه يلقاه في بعض الطريق مصادفة، لم يفكر أحد الرجلين في صاحبه ولم يتعمد لقاءه،
    ولكنهما التقيا عن غير إرادة، فكانت التحية وكان الحديث، ومن يدري لعل هذا الحديث أن يكون له
    أبعد الأثر في حياة الرجلين أحدهما أو كليهما، فقد وقعت المصادفة إذن، لم ينكر وقوعها أحد؛
    لأنها كما هي لا تناقض علمًا ولا تنافي روحًا حديثًا، كما أنها لا تؤيد إيمانًا ولا تلائم روحًا
    قديمًا، وإنما هي شيء كهذه الأشياء التي نشهدها في كل لحظة، فلا ننكرها لأنها تنتج عن قوانين
    طبيعية لا تتعرض لشك أو جدال، وكل ما في الأمر أننا لا نلاحظ هذه القوانين حين تؤدِّي عملها
    وتنتج نتائجها، فإذا أصابنا شيء من الدهش أو العجب، فليس مصدر ذلك أن القوانين الطبيعية قد
    خُولِفَتْ وأن شيئًا خارقًا لهذه القوانين قد كان، وإنما مصدر ذلك أننا نحن لم نلتفت لما يجري
    حولنا ولم نلاحظه ملاحظة دقيقة فتعرَّضنا لما نتعرض له من الاستنكار والاستغراب.

    كل هذا الكلام كان يقوله كامل حين قص عليَّ قصة وقعت لأسرته حين كان صبيًّا يختلف إلى مدرسته
    الابتدائية في مدينة من مدن الأقاليم، ولم يكن عجبه ينقضي من هذه القصة على كثرة ما لقي من
    المصادفات، وعلى كثرة ما بلا من التجارب. وأكبر الظن أنه إنما احتفظ بذكرى هذه القصة؛ لأنها
    أذاقت الأسرة في عام واحد يومين كان أحدهما من أسعد أيامها، وكان أحدهما الآخر من أشقى هذه
    الأيام، وكان سبب السعادة والشقاء في هذين اليومين شيئين يتصلان فيما بينهما اتصالًا
    غريبًا.

    وكان كامل يحب أن يبدأ قصته من آخرها لينتهي إلى أولها، يرى أن في ذلك شيئًا من العجب يثير
    الموعظة ويدعو إلى التفكير والاعتبار.

    فقد عاد ذات يوم من مدرسته فرحًا مغتبطًا يدير في نفسه خواطر كلها رضا وبهجة؛ لأنه كان يستقبل
    إجازة عيد من الأعياد، وأكبر الظن أنه كان عيد الأضحى، وكان ينعم في ذات نفسه بهذه الحرية التي
    أُتيحت له منذ عصر ذلك اليوم، فلن يبلغ الدار حتى يلقي الكتب والكراسات في ناحية من نواحي حجرته
    ويُعْرِض عنها إعراضًا يتصل أيامًا، ويُقْبِل على ألوان من اللعب والنشاط في الدار والشارع
    والحقل ستتصل أيامًا أيضًا لا يقطعها الاختلاف المنظم إلى المدرسة ولا تقطعها الحاجة إلى
    المذاكرة والاستعداد لسؤال المعلمين.

    وكان يستحضر في نفسه ألوان اللعب كما كان يستحضر في نفسه أيام العيد، وما سيُتاح له فيها من
    الترف والهدايا، وكان يُقدِّر أنه إذا بلغ الدار فسيصيب شيئًا يسيرًا من طعام، ثم يمضي مع إخوته
    فيما كانوا يحبون أن يمضوا فيه من لعبهم ذاك الطريف يقلدون الممثلين الذين زاروا المدينة منذ
    أشهر يقودهم الشيخ سلامة حجازي رحمه الله، فمثلوا لهم صلاح الدين ومثلوا لهم روميو وجولييت،
    ومثلوا لهم قصصًا أخرى حفظ الصبية منها أطرافًا؛ فَهُم يُعِيدون ذلك فيما بينهم كلما أُتِيحَتْ
    لهم فرصة اللعب، وهم يزيدون فيما حفظوا وينقصون ويضيفون ويحذفون ويُغيِّرون ويبدلون، ولكنهم
    يمثلون على كل حال ويرون أنهم يجيدون التمثيل.

    ولكن كاملًا بلغ الدار في ذلك المساء فلم يُصِب طعامًا ولم يشارك في لعب، وإنما قضى ساعات
    بغيضة ثقلت عليه حتى ألجأته إلى كتاب من كتبه التي كان يريد أن يهجرها، فأخذ ينظر في هذا الكتاب
    كأنما يذاكر درسًا من الدروس، حتى إذا صُلِّيَتِ المغرب لم يُدْعَ إلى العشاء كأنما نسيت الأسرة
    أن تتعشى، ثم صُلِّيَتِ العشاء الآخرة وأقبل أبوه متضاحكًا يُذَكِّر الأُسْرة بأن من عادتها أن
    تتعشى وبأن الصِّبْيَة لا ينبغي أن يستقبلوا النوم وهم جياع.

    وقد تعشت الأسرة في شيء من الفتور المتناقض؛ فقد كان زعيم الأسرة باسِمَ الثغر حاضر النكتة
    سريعًا إلى الفكاهة، وكان الصبية لا يتمنون شيئًا أكثر من أن يشاركوه في هذا الرضا، ولكن ربة
    البيت كانت عابسة مظلمة الوجه والنفس جميعًا لا تجيب إذا دُعِيَتْ، ولا ترُدُّ الحديث على زوجها
    إلا بالإشارة والإيماء، وكان كامل يرى لأول مرة هذا الاختلاف بين أبويه، فقد كان عهده بهما غير
    ذلك؛ كان يراهما يرضيان معًا ويسخطان معًا، يشتركان فيما يُصِيب الأُسْرَة من خير أو شر فيكون
    السرور الذي يملأ الدار سعادة، ويكون الحزن الذي يملأ الدار شقاء، فأما هذا المساء فإنه يُظْهر
    الصبي على شيء جديد؛ يُظْهِره على أن الأبوين قد يختلفان فيبتهج أحدهما ويبتئس الآخر، ويضحك
    الأب حين تبكي الأم أو تبكي الأم حين يضحك الأب.

    وقد أوى الصبية إلى حجرة نومهم آخر الأمر وأغلقوا من دونهم بابها واستقولوا على حصرهم والتفوا
    في لحفهم، ثم أخذوا يتحدثون كما تعودوا أن يفعلوا حين ينتظرون أن يُقْبِل عليهم النوم، وفي هذا
    الحديث عرف كامل مصدر هذا الخلاف بين الأبوين وإن لم يفهمه على وجهه إلا بعد أن مضت أعوام
    طوال.

    في ذلك اليوم، فَقَدَ أبوه كُلَّ ما كان يحمل من النقد في بعض الطريق، وكان هذا النقدُ كُلَّ
    ما كانت الأسرة تملك، وكُلَّ ما كانت تريد أن تستقبل به العيد، وكُلَّ ما كانت تعتمد عليه لترضي
    هذه الحاجات الكثيرة المختلفة التي تَجِدُها أُسْرَةٌ كبيرة ليست بذات ثراء، ولكنها مع ذلك تحرص
    على أن يكون لها مظهر وجيه بعض الشيء حين تُقْبِل المواسم والأعياد.

    وكانت الأسرة قد رأت أمرها ونظَّمَتْ حاجاتها وعَرَفت أنها ستشتري كذا وكذا من عند فلان،
    وستشتري كذا وكذا من عند غيره من التجار، وستشتري كذا وكذا من السوق العامة التي ستُقام إذا كان
    الغد. وكانت ربة الدار قد أخذت تستعد لتملأ دارها نشاطًا وحركة في هذه الأيام التي تَسْبِقُ
    العيد، فتُشَغِّل بناتها جميعًا وتُشَغِّل معهن بعضَ هؤلاء النساء البائسات اللاتي يجدن النعمة
    في مثل هذه الأيام حين يُعاوِنَّ في مثل هذه الدار على استقبال المواسم والأعياد.

    وكان كامل وإخوته يُعلِّلون أنفسهم بكثير من العبث والمرح؛ لأنهم سيشاركون بعض المشاركة في
    هذا النشاط الذي سيملأ الدار وسيأخذ كلٌّ منهم بحظه من هذه الأعمال التي لا يشتغل بها الفتيان
    عادة وإنما هي مقصورة على النساء؛ فقد انهارت هذه الآمال وانتُقِضَتْ كل هذه الخطط حين فَقَد
    زعيمُ الأسرة ما كان يَحْمِل من النقود، ولم يكن شيئًا قليلًا فقد تجاوز خمسة عشر جنيهًا ذهبًا،
    كان أكثر من نصفها يمثل مرتبه، وكان سائرها يمثل قروضًا عُقِدَتْ هنا وهناك لاستقبال أيام
    العيد.

    ولكن هذا كله قد فارق جيب الرجل في بعض الطريق بين المحكمة حيث كان يعمل وبين داره، وهو لا
    يدري كيف أضل هذا الذهب، أسقط من جيبه أم سُرِق منه وهو لم يتعوَّد أن يقبل ذهبًا ولا فضة ولا
    أن يُضِيع من النقد قليلًا ولا كثيرًا؟!

    ومهما يكن من شيء، فقد أضاع الذهب وعاد إلى أهله عابسًا خزيان فلم ينبئ امرأته بذلك إلا بعد
    كثير من التردد، ولم تكد تسمع منه هذا النبأ حتى انهلت دموعها صامتة لا يُسمَع لها صوت ولا
    تنفرج شفتاها عن لفظ ولا يضطرب جسمها للشهيق، وإنما هي دموع صامتة تنهلُّ غزارًا فتُصوِّر
    تصويرًا رائعًا فاجعًا ما يكون من هذه الآمال التي تَخِيب والأماني التي تذهب بها الريح فجاءة،
    وما يكون من انكسار النفس حين لا تنتظر النفس انكسارًا.

    وقد كانت هذه المرأة ترى في لحظة قصيرة — ودموعها تنهل — دارَها ساكنةً صامتةً بعد أن
    قدَّرَتْ أنها ستكون عظيمة النشاط كثيرة الصخب، وكانت ترى بنيها وبناتها واجمين محزونين ينكرون
    ما يرون من هذا الهدوء، ولكنهم لا يجهرون من إنكارهم بشيء؛ لأنها أدَّبَتْهم فأحسنت تأديبهم
    وعلَّمَتْهم على ألا يسألوا عما لا يَعْنِيهم … فيؤثرون أنفسهم بالحزن إذن.

    وكانت ترى هؤلاء النساء البائسات يُقْبِلن على الدار يلتمسن العمل وشيئًا من خفض العيش فلا
    يجدن عملًا ولا أملًا، وكانت تريد أن ترى أيام العيد، فلا تدري كيف تتصورها، أتتصورها شاحبة
    حزينة أم تتصورها متماسكة تتكلف الفرح وتتصنع الرضا؟

    كانت تجيل كل هذه الخواطر في نفسها المنكسرة ودموعها الصامتة تنهل غزارًا وزوجها ينظر إليها
    خجلًا حزينًا، ولكن لسانه منطلق لا يعرف السكون فهو يحمد الله على ما أخذ كما يحمد الله على ما
    أعطى، وهو يتلو آيات من القرآن ويُردِّد ألوانًا من الدعاء والابتهال، ثم نهضت امرأته متثاقلة
    فتركته يحمد الله ويبتهل إليه وانحازت هي إلى حجرتها لا تحمد ولا تبتهل، ولكنها لا تنكر ولا
    تثور، وإنما ترسل ما في عينيها من الدموع، حتى إذا استنفدت دموعها لبثت واجمة لا تقول شيئًا،
    وقد أقبل بناتها فأطفن بها وعلمن علمها، فَهَمَّ حزنُهن أن يظهر ولكنهن رَدَدْنه في سرعة إلى
    دخائل الضمائر وأعماق النفوس، وأخذن يسلين أمهن ويشجعنها على احتمال هذا المكروه.

    وكذلك انقضى آخر النهار على هذه الدار بين أم حزينة لا تجد من حزنها مخرجًا ولا تُحْسِن له
    احتمالًا، وأب راضٍ يستعين على هذا الخَطْب الذي أصابه بحمد الله والابتهال إليه، وأبناء وبنات
    يواسون الأم ويعجبون من أمر الأب ويُظْهرون على قسمات الوجوه وأطراف الألسنة غير ما يضمرون في
    ذات النفوس وسرائر القلوب.

    وقد فهم كامل حزن أمه وبؤس الأسرة، ولكنه لم يفهم رضا أبيه ولم يفهم بنوع خاص هذا الابتهاج
    الذي كانت تمتلئ به نفس الرجل شيئًا فشيئًا كلما مضى الوقت، حتى رُئِي في أول الليل سعيدًا أو
    كالسعيد!

    فلما أصبح سَمِعَه يُؤدِّي صلاة الصبح، ويرتل القرآن في صلاته كأحسن ما تعوَّد أن يرتل
    القرآن، ويثني على الله بعد صلاته كأحسن ما سمعه يثني على الله، ثم يداعب ابنته حين قدَّمَتْ
    إليه القهوة ويضحك منها ومن أمها الحزينة كأنْ قد ماتَ لها أكرمُ الناس عليها وآثرهم عندها، مع
    أن الأمر لا يعدو أن يكون حادثًا يسيرًا من هذه الحوادث التي تلم في كل يوم! وهو بعد هذا كله
    دَيْن كان عليه، ولم يكن يعرف كيف يؤديه؛ فقد امتحنه الله حين مكنه من أداء هذا
    الدَّيْن.

    ثم سكت الشيخ لحظة كأنما كان يستعرض شيئًا في نفسه، ثم قال: «لقد نَسِيَتْ أُمُّك في سرعة ما
    أصابنا من الخير منذ شهور حين كنا في أشد الضيق، فقد أقرضنا الله قرضًا في ذلك اليوم، ثم
    استردَّ هذا القرض أمس.»

    وعاد الشيخ إلى صمته، ثم تلا قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
    شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، ثم خرج الشيخ غاديًا على
    عمله وعاد مع الظهر مبتهجًا كعهده، وقد سبقته إلى الدار أكثر الأشياء التي كانت الأسرة تريد أن
    تشتريها للعيد، فلما لقي امرأته وهمَّتْ أن تسأله ألقى في يدها دنانير، وهو يُقَبِّلها، ثم يتلو
    قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ
    خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، قالت امرأته: ممن اقترضت هذا المال؟ قال: ستعرفين ذلك بعد
    العيد، ولكن العيال ينبغي أن يستقبلوا عيدهم فرحين، وألا يَشْقَوا لأن أباهم أضاع ما كان يحمل
    من نقود.

    ولم يفهم كامل قصة الدَّيْن هذه، ولم يَدْرِ كيف أقرض اللهُ أباه ذهبًا منذ أشهر ثم استردَّه
    منه أمس حين أضاع ذَهَبَه في أشد أوقات الحاجة إليه، فانتظر بأمه حتى صُلِّيت العصر، ثم أقبل
    عليها يسألها عن هذا القرض كيف كان وكيف أُدِّيَ على هذا النحو الغريب؟! فلما قصَّتْ عليه أمه
    قصة ذلك القرض ذَكَرَ أشياءَ وتأثَّر بأشياء، ثم لم يَنْسَ ما ذكر، ولم تَنْمَحِ من نفسه تلك
    الآثار على تقدُّم سنِّه وكثرة ما بلا من التجارب.

    حدثته أمه أن الأسرة مرَّتْ بيوم عصيب من أشد أيامها حرجًا، وما كان أكثر ما تمر الأسرة بيوم
    عصيب بين حين وحين، ولا سيما حين يعود الشباب من أبنائها إلى القاهرة في أول العام
    الدراسي!

    في ذلك اليوم، عاد الشباب إلى القاهرة وقد استنزفوا كل ما كان في الدار من خير وكل ما كان عند
    أبيهم من ذهب، وأمست الأسرة وهي لا تدري كيف تعيش إذا كان الغد ولا كيف تؤدي بعض ما عليها من
    دَيْن، فلم يكن بُدٌّ من دفع أجور التعليم وإعطاء هؤلاء الشباب ما ينفقون وتدبير ما يحتاجون
    إليه من كسوة وزاد، وقد نهضت الأسرة بهذا كله في عزم يوشك أن يكون بطولة، ولكنها أمست ذلك اليوم
    مجهودة قد فقدت قوتها وقدرتها على الاحتمال، وأصبحت من الغد مقسمة بين حزن الفراق وبين هذا
    البؤس المقيم.

    وغدا الشيخ على عمله ولكنه عاد محبورًا. صادف في بعض الطريق منديلًا أحمر يعبث النسيم ببعض
    أطرافه فأهوى إليه، فإذا طرف من أطرافه قد عُقِد على شيء يشبه أن يكون نقدًا، فينظر الرجل أمامه
    ووراءه فلا يرى أحدًا، وينظر الرجل عن يمينه فيرى القناة تجري هادئة مطمئنة ولا يرى أحدًا،
    وينظر عن شماله فيرى الخط الحديدي يمتد من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال، وقد
    استقر مكانه نائمًا أو كالنائم ولا يرى أحدًا! وإذا هو يحل العقدة فيجد بضعة عشر جنيهًا ذهبًا،
    وإذا هو يشك غير طويل، وإذا الذهب قد اندس في جيبه، وإذا المنديل قد عُقِد على حَجَر ثقيل
    واستقر في قاع القناة، وإذا هو يعود إلى الدار فرحًا مسرورًا، يرى أن الله قد أتاح له فرجًا من
    حرج ومخرجًا من ضيق، ويُردِّد قول الله عز وجل: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
    يُسْرًا )، والأسرة سعيدة ناعمة رضية البال مطمئنة النفس بأن الله يرزق من يشاء بغير
    حساب.

    ولكن الشيخ يعود إلى امرأته حين تقدَّمَ الليل محزونًا كاسف البال مُحطَّم الصوت لا يكاد
    يتحدث حتى تسبق الدموع ألفاظه؛ فقد علم أثناء السمر مع أصدقائه أن فلانًا من أهل القرية
    المجاورة قد باع بقرته في السوق، ثم أضل ثمنها في بعض الطريق فأسرته شقية بائسة. عرف الشيخ أن
    هذا الرزق الذي سِيقَ إليه قد أُخِذ من ذلك الرجل البائس الذي فقد بقرته وفَقَد ذهبه، ولو
    استطاع الشيخ لرَدَّ المال إلى صاحبه، ولكنه كان قد أنفق أكثره في أداء بعض ما كان قد احتمل من
    دين، وهو يقول لامرأته في صوت محطم يبله الدمع: سأشقى بهذا الذهب الذي أخذته بغير حق إلى آخر
    الدهر.

    قال كامل: فعلمتُ حين قصَّتْ عليَّ أمي هذه القصة أن مصادفة قد مَحَتْ من قلب أبي الساذج أثر
    مصادفة أخرى، وأن حادثة قد انتقمت من حادثة، وأن هذا الرجل الطيب الذي كان ضميره يشقى بما أنفق
    من مال حرام قد رَضِيَتْ نفسه عما أضاع أمس واطمأنت إلى أن الله قد طهَّرَه في الدنيا من هذا
    الإثم؛ فلن يسأله عنه في يوم الحساب.

    قال كامل: ومنذ ذلك اليوم أخذْتُ نفسي بألا أنظر إلى شيء مما يلقاه الناس أمامهم على الأرض،
    أخاف أن يعرض مثل ما عرض لأبي من المصادفة!