حديث المساء: خداع
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ فبراير ١٩٣٤
أَمَّا أن المصريين ضيقون بهذا العهد السعيد الذي ينعمون بخيراته وبركاته منذ أربعة أعوام،
فذلك شيء لا شك فيه، ولَعَلَّ أشدهم ضيقًا بهذا العهد وأحرصهم على أن يزول، هم الذين أحدثوه
أنفسهم، بعد أنْ بلوا ما بلوا من ثمراته، وجنوا ما جنوا من حسناته، ولعل صدقي باشا نفسه أشدهم
الآن كرهًا لهذا العهد وتبرُّمًا به وحِرْصًا على أن يزول بعد أن أسَّس ما أسَّس، وشيَّد ما
شيَّد، ثم نظر فإذا هو ينبذ نبذًا ويطرح إطراحًا، وينتهي إلى حال سيئة رديئة لم يكن في مثلها
يومًا من الأيام.
ولعلَّ الرَّجل الطيب نفسه ليس أقل من صدقي باشا زهدًا في هذا العهد، وتبرمًا بما يحمله من
الأثقال، وتمنيًا للخَلَاصِ من أوزاره وللظفر بِحُسْنِ العاقبة بعد هذه المخاطرة التي أقْدَمَ
عليها يوم تولَّى الحكم، فلم يصنع شيئًا بينما حمَّل نفسه من المتاعب والتبعات ما كان
مُسْتَرِيحًا منه قبل أن يُدفَع إلى ما دُفِع إليه.
وليسَتْ أحاديثُ الناس قليلة عن قلق الرَّجل الطيب في مكانه وزُهْدِهِ في منصبه، وحِرْصِهِ
على أن يخرج منه لا له ولا عليه، فإجماعُ المصريين على كُرْه هذا العهد والرَّغبة في انقضائه
على أي حال من الأحوال واضحٌ لا غُموض فيه، وإذا لم يكن بدٌّ من أن تستثني أحدًا من هذا
الإجماع، فقد تستطيعُ أن تستثني أشخاصًا معدودين يستمتِعُون بِمَا يكفل لهم هذا العهد من قوة
وبأس وسُلطان لم يكونوا ليحلموا بها في غيره من العهود، وقد تستطيع أن تستثني معهم أفرادًا
آخَرين يكرهون هذا العهد فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم يُحِبُّونه إذا تناولوا أقلامهم
وتَجَرَّدُوا للكتابة والتحرير في بعض الصحف؛ لأَنَّهُم مضطرون إلى أن يعيشوا، وللعيش أثقال
وتكاليف.
ولعلك إذا فرغت من هذا الاستثناء ثم أردتَ أَنْ تتبيَّن مَصْدَر زهد المصريين في هذا العهد
السعيد، انتهيت إلى عِلَّةٍ واحدةٍ هي أنَّ المصريين قوم بطرون، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون
إلى شيء، ولا يُحْسِنُون شكر النعمة، ولا يُحِبُّون الاعتراف بالجميل، فهم قد سئموا — وما أسرع
ما سئموا — هذه الحياة الحلوة التي فتح لهم صدقي باشا أبوابها وأذاقهم لذاتها، وسئموا — وما
أسرع ما سئموا — حلاوةَ هذا العيش اللذيذ الذي ترخص فيه الدماء والنفوس، وتهون فيه الحرمات
والكرامات، ويطغى فيه الفقر حتى على الذين لم يكن يستطيع أن يفكِّر فيهم، ويفسد فيه الحكم حتى
يُصبِح فساده موضوع السمر ولَهْو الحديث، وتسوء فيه الأخلاق حتى تهون الضمائر على أصحابها، وإذا
هي تعرض للبيع، وإذا هي تباع بأبخس الأثمان، ولعلها تباع بالابتسامة الحلوة، والوعد الكاذب،
والأمل الخدَّاع.
سئم المصريون هذا كله، وكان من حقهم أن يُحِبُّوه، ويسألوا الله المزيد منه، لولا أَنَّهم
مفطورون على كفر النعمة وجحود الجميل، وعلى هذا الغرور الذي يخيِّل إليهم أنهم كغيرهم من الناس
يستطيعون أنْ يَطْمَعُوا في العَدْلِ، ويَطْمَحُوا إلى الخير، ويحرصوا على الإنصاف، ويسموا إلى
أن تُسَاسَ أُمورهم كما تُسَاس أُمور الأُمَمِ الأخرى في ظِلِّ الحرية والنظام والقانون،
ويَرْتَفِعُوا إلى أن تقوم سياستهم على التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء،
وبين الحاكمين والمحكومين، ولكن ماذا تصنع وقد خلق الله المصريين مغرورين يرون أنهم كغيرهم من
الناس، يستطيعون أن يكرهوا الشر وينفروا منه، وأن يحبوا الخير ويرغبوا فيه.
خُلِقوا كذلك فضاقوا بهذا العهد ضيقًا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا عليه، وصبروا مع ذلك على
هذا العهد صبرًا لم ينجحوا في شيء كما نَجَحُوا فيه، وثبتوا لفتنة هذا العهد ثباتًا يستطيعون أن
يفاخروا به، وأن يزعموا أن أممًا قليلة جدًّا في هذا العصر الحديث تستطيع أن تزاحمهم
فيه.
خُلِقوا كذلك فأنكروا وصبروا وثبتوا وقاوموا، واضطروا ظالميهم إلى الإخفاق والإِفْلَاس،
أكرهوهم على أنْ يَعْتَرِفوا بأنَّهم لا بُدَّ لهم من تغيير السياسة والعدول عمَّا مضوا
فيه.
كل هذا حَقٌّ لا يقبل الشك، ولا يحتمل النزاع، كان بعضُ الناس يُنْكِرُه وأصبح الناس جميعًا
يُؤمنون به. كان الإنجليز ينكرونه فأصبحوا أسرع إلى إعلانه من المصريين وأرغب في تغييره من
المصريين، ولكن هذا شيء وما يظنه الإنجليز أو ما يُظهِر الإنجليز أنهم يظنونه شيء آخَر،
فالمصريون لا يُريدون أن يَخْرُجوا من شَرٍّ لِيَقَعُوا في شَرٍّ آخَر، وَلَا أَنْ يبرءوا من
خِزْي ليتورطوا في خِزْي أشد منه نكرًا.
المصريون لا يريدون أن يخرجوا من هذا العهد الذي يظلمهم فيه الإنجليز وهم يتكلفون الحياد، إلى
عهد آخَر يظلمهم فيه الإنجليز جهرةً، ويذلهم فيه الإنجليز عنوةً، ويتحدَّث فيه الإنجليز إلى
أنفسهم وإلى الناس بأنهم لا يظلمون المصريين إلا برضا منهم وطاعة، وعن إقرار منهم وقبول.
والمصريون يعرفون حَقَّ المعرفة أنَّ ما يعرضه عليهم الإنجليز في مقالة التيمس وغير مقالة
التيمس إنما هو الذل بأبشع مظاهره، والظلم في أقبح صوره وأشكاله، فليسَ أَقْبَح ولا أشنع ولا
أبعد عن الكرامة من هذه الحياة التي يَنْزِلُ أصحابها عن حقهم في أن يكونوا رِجَالًا يرعون
أنفسهم فيخطئوا ويُصيبوا، ليكونوا قطعانًا يرعاها غيرها من السادة الأجانب، فيكفلوا لها الماء
والمرعى، ويضمنوا لها ظاهرًا من العدل والمساواة.
هذا هو الذي يُرِيدُه الإنجليز، وهذا هو الذي يعرضونه على المصريين إن كان ما نشرته التيمس
يوم الجمعة مصوِّرًا لرأي فريق منهم غير الرجل الذي كتب هذا المقال، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر
وأعرف بالحياة والأحياء، وأبصر بمصر والمصريين من أن يُصَدِّقوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنَّ
المصريين يرضون منهم هذا التدخل الذي يروجون به ويرغبون فيه، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر من أن
يضلِّلوا أنفسهم إلى هذا الحد، ولكن الإنجليز قوم أقوياء، وهم إذا استجمعت لهم القوة لا يحفلون
بأحد ولا يحفلون بشيء، ولا يتحرَّجون من أن يتكلَّفوا خداع أنفسهم وخداع الناس، ومن أن يتخذوا
ذلك وسيلةً إلى تحقيق ما يُرِيدون. وهم الآن يتكلَّفون خداع أنفسهم ويتكلَّفون خداع الناس،
ويُخَيِّلون إلى أَنْفُسهم وإلى الناس — ويضحكون فيما بينهم وبين ضمائرهم — أَنَّهُم سيَقُومون
من مصر مقام المنصِف المنقِذ الذي يكشف الضر ويرفع الشر، ويُحَقِّقُ العدل والإنصاف والمساواة،
فمن الحق علينا نحن أَلَّا نقصر في أن نبيِّن للإنجليز وللناس ولأنفسنا أننا نفهم خداعهم حق
الفهم، ولا تفوتنا منه صغيرة مهما تكن، وإننا نعلم حق العلم أنهم هم الذين أقاموا هذا العهد
الذي نشكوا منه ونضيق به، أقاموه بيد صدقي باشا، وأنصار صدقي باشا، وأشباه صدقي باشا، وأقاموه
تأديبًا لنا؛ لأننا لم ننزل في المفاوضات عند ما كانوا يريدون، ولم نقبل في المفاوضات ما كانوا
يعرضون، أقاموه وجَدُّوا في إقامته وأفعموه بكل ما ذقنا فيه من الآلام والآثام، وظَنُّوا أَنَّ
الدرس سيكون قاسيًا، وأنَّه لِذلك سَيَكُون نافعًا رادعًا، وأننا إذا اكتوينا بنار الظلم فسنجنح
إلى السلم وسنتواضع فيما نطلب، وسنرضى منهم ما يتفضلون به علينا من راحة الأذلاء، الذين لا حظ
لهم من كرامة ولا عزة، ولا أمل لهم في حرية واستقلال.
وقد رأى الإنجليز — وهم محنقون — أن تأديبهم لم يؤدِّب أحدًا، وأن دروسهم لم تنفع أحدًا، وأن
قسوتهم لم تردع أحدًا، وأن نار الظلم إن آذتنا فإنها لم تُذِبْ نفوسًا ولم تُضعِفها، وإنما
زادتها قوةً إلى قوة، وصبرًا إلى صبر، وثباتًا إلى ثبات. رأوا هذا ورأوا أنهم عاجزون عن
خِدَاعِنَا؛ فاضطروا إلى ما يضطر إليه القوي اليائس من خداع أنفسهم، فهم الآن يخدعون أنفسهم،
وهم الآن يقولون لأنفسهم ما لا يقوله لهم أحد، ويطلبون من أنفسهم ما لا يطلبه إليهم أحد،
ويخيِّلون إلى أنفسهم أننا لاجِئُون إليهم، لائذون بهم، ننتظر منهم الإغاثة والعون. كلا، لسنا
لاجئين إليهم ولا لائذين بهم، وما ينبغي لنا ذلك، وما ينبغي لهم أن ينتظروا منَّا إلا ما ينتظره
الخصم القوي من الخصم القوي، لهم البأس والبطش، لهم العدد والعدة، لهم الجند والسلاح، لهم
الأساطيل التي تملأ البحر، والطيارات التي تملأ الجو، ولكن لنا نحن الصبر والثبات والاستمساك
بالحق. وما دام الإنجليز عاجزين عن إفنائنا، ومحونا من الأرض محوًا، فإنهم سيجدون منا دائمًا
خصمًا قويًّا عنيدًا يصيبه الظلم، وينزل به العذاب، وتلمُّ به الكوارث والأحداث، فلا يزيده ذلك
إلا عزةً وإباءً واستمساكًا بالحق، وعنادًا في الخصومة.
والإنجليز قوم مُجَرِّبُون، وهم قد جرَّبوا مُصَارعة الشعوب، وهم قد جرَّبوا أخذ الأمم بالعسف
والظلم، وهم قد علموا من هذه التجربة، أنَّ الشُّعوب الحية لا تصرع ولا يصرفها الظلم عمَّا تريد
من الحرية والاستقلال.
فَلْيخدع الإنجليز أنفسهم ما شاءوا، وَلْيضلل الإنجليز أنفسهم ما أحبُّوا، فلن يغني عنهم ذلك
شيئًا، ولن يُعْفِيهم ذلك من أن يَرَوا مصر قائمة أمامهم تُطالِبهم بالحق، وتنازِعهم فيه، وتلقى
ظلمهم بشر ما يذيب الظلم والظالمين، وهو الإصرار على الحق والامتناع على الضيم. والإنجليز أحرار
في أن يختصروا الطريق أو يُطِيلوها، فهم إن أرادوا لأنفسهم الرَّاحة والعافية اعترفوا بالشعب
المصري وتحدَّثوا إليه، واتفقوا معه، ونزلوا له عن حقه، وهُمْ إن أرادوا أن يُطِيلوا الطَّريق
سَلَكُوا ما سَلَكُوا منذ أقاموا عهد صدقي باشا، فغيَّروا عهدًا بعهد، وبدَّلوا شكلًا بشكل،
وتراءوا للناس في مظاهر مختلفة، وتحدَّثوا إليهم بأحاديث مختلفة، وخرجوا من إخفاق ليدخلوا في
إخفاق، وانتهوا بعد الجهد والعناء، وبعد اقتراف الآثام واجتراح السيئات، إلى ما يستطيعون أن
ينتهوا إليه اليوم، وإلى ما كانوا يستطيعون أن ينتهوا إليه أمس، من الاتفاق الشريف مع الشعب
الذي لن يرضى إلا أن يكون شريفًا.
Tag: المقاومة الشعبية
-
خداع | Deception
-
إشارة | A Sign
إشارة
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ ديسمبر ١٩٣٣
للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.
وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.
ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.
فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»
ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.
وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.
ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.
ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.
وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.
ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.
فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.
ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.
ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.
ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟
ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.
هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.
والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.
حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.
إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.
وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.
نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.
وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.
أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟ -
سخرية … | Irony…
حديث المساء: سخرية …
طه حسين
كوكب الشرق
٦ نوفمبر ١٩٣٣
كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن
دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا
نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.
وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في
غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.
فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه
الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.
ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن
الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.
وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى
ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم
يزد على أن كان خازنًا للوليد.
وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع
لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف
عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين
استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة،
وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.
وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون
عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا
نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.
ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز
منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل
من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه،
ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل
إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة
جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة
والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.
وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به
أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت
به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو
رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.
ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى
إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على
أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام
فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا
استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.
وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة
المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس
وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه
فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله
المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته
أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين
ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.
وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات،
فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب
وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من
الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون
من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف
العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء،
وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى
عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن
للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن
الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن
واليأس والندم!
إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا
مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم
فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من
الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا
إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.
إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر
وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم
تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس،
إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم
أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم،
واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.
فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما
يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها
الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا
بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا
خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما
ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق
بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس
أنفسهم للحظ.
فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان
قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات
والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم
عليه.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى
هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!
إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في
الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي
بهم إلى هذه العاقبة القاسية.
والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم
تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم
يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه
العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن،
ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.
ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة
والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة
المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل،
واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.