Tag: النزاهة الفكرية

  • رمتني بدائها وانسلَّت | She Charged Me with Her Own Malady and Slipped Away

    رمتني بدائها وانسلَّت

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أكتوبر ١٩٦١

    والتي رمتني بدائها هي إذاعة دمشق، والطائفة الطاغية الباغية التي تُدبِّر أمرها وتُوجه أحاديثها وتَفرض عليها في كل لحظة أن تُغير حقائق الأشياء، وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين، في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي ولا من وحي ضميري ولا من تفكير عقلي، وإنما أُمْلِيَ عليَّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب، وأمليته كما تلقيته وأرسلته إلى الجمهورية فنشرتْه كما تلقته مني.

    كأني أصبحت ذات يوم أداة من أدوات الحكم توجه إلى العمل فتعمل وتُكَلَّفُ القول فتقول. كأني أصبحت فردًا من الذين يعملون في إذاعة دمشق أو كاتبًا من الكتاب الذين يملئون صحف دمشق بما يؤمرون أن يملئوها به، بعد أن كانوا منذ وقت قريب يملئونها بما يناقض هذا الذي يكتبونه الآن أشد المناقضة ويخالفونه أعظم الخلاف؛ قد انقلبوا فجأة أنصارًا للفُرقة بعد أن كانوا أنصارًا للألفة، ودعاة إلى الانفصال بعد أن كانوا دعاة إلى الوحدة، ومتملقين للتمرد بعد أن كانوا يلتمسون الوسائل إلى إرضاء الشعب السوري والشعب العربي كله والقائمين على أمور الوحدة بين مصر وسوريا. وهؤلاء المذيعون والكتاب الذين يخلعون ضمائرهم كما يخلعون ثيابهم ويضعون مكانها ضمائر جديدة، كما يبدلون بثوب ثوبًا وبقميص قميصًا؛ هم فيما بينهم وبين ضمائرهم التي خلعوها وضمائرهم الجديدة التي فرضت عليهم فرضًا وأكرهوا على اتخاذها كرهًا، يعلمون أني لست من الذين يكتبون غير ما يشعرون به أو يقولون غير ما توحي إليهم به ضمائرهم. هم يعلمون ذلك حق العلم وتؤمن به ضمائرهم القديمة وضمائرهم الجديدة أيضًا، ولكنهم أُمروا فكتبوا وقيل لهم فقالوا. ولست أدري ما الذي قلته في ذلك المقال الذي أنكروه أشد الإنكار وضاقوا به أعظم الضيق، لا لأن نفوسهم تضيق به حقًّا، ولا لأن ضمائرهم القديمة والجديدة تنكره حقًّا؛ بل لأن سادتهم من هذه الفئة الطاغية في سورية قد أنكروا ما قلت، وضاقوا به وأمروهم أن يتكلفوا إنكاره والضيق به. فهل يستطيعون أو يستطيع سادتهم من الطغاة البغاة أن ينكروا أن الشعب السوري كان أشد الشعوب إيثارًا للوحدة ودعاء إليها وإلحاحًا فيها؟ وهل في ذلك ما يؤذي هذا الشعب السوري؟ أم هل هو في نفسه إنصاف له وإشادة به؟ وهل ينكرون أن السوريين هم الذين سعوا إلى الوحدة وألحُّوا فيها وانتقلوا من سورية إلى القاهرة ليجدُّوا في تحقيقها ويحاصروا رئيس الجمهورية المصرية ووزراءه حتى يقبلوا هذه الوحدة ويجيبوا إليها؟ وأي شيء في ذلك يهين السوريين أو يؤذيهم أو يضع من قدرهم؟ وهل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري قد استُفتي في هذه الوحدة فأقرَّها مؤمنًا بها مجمعًا عليها؟ وأي شيء في ذلك يهين الشعب السوري أو يؤذيه أو يغض من قدره؟ ثم هل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري بعد هذه الوحدة قد اطمأن في وطنه ورأى أنه آمن على حدوده وأنه أصبح فوق مطامع الطامعين وفوق أهواء الذين كانوا يكيدون له ويمكرون به ويحاولون الاعتداء عليه؟

    رأى الشعب السوري هذا كله، فبرئ من الخوف، وانجلت عنه غمرات الشك، وفرغ لحياته آمنًا راضيًا مطمئنًّا، عريض الأمل في مستقبله السعيد. ثم هل يستطيعون أن ينكروا آخر الأمر أن الشعب السوري قد يُسرت له الحياة بعد الوحدة في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، فأنشئت له مرافق لم يكن يرجوها — بل لم يكن يحلم بها — وانتشر فيه التعليم وأُمِدَّ بالفنيين ليذللوا له العقبات ويهونوا عليه الصعاب، ويفتحوا له أبواب الرخاء على مصاريعها، وأن الشعب المصري قد قسا على نفسه واشتد في القسوة عليها لتلين الحياة لإخوانه السوريين، وقد حَرم نفسه نشاط الفنيين من أبنائه ليسعد السوريين ولتصبح حياتهم خيرًا مما كانت، وليسرع إلى الرقي ويسرع إليه الرغد وتمتد أمامه الآمال أكثر مما كان يرجو وأسرع مما كان يتمنى، وأن الشعب المصري قد ضيق على نفسه في الإنفاق ليتيح لإخوانه السوريين ما يحتاجون إليه من المال؛ ليتحقق الإصلاح الشامل في الوطن السوري ويتناول هذا الإصلاح فروع الحياة السورية كلها.

    كلا، لن يستطيع الطغاة البغاة في سورية، ولن يستطيع الكتَّاب والمذيعون الذين أُكرهوا على أن يكونوا أصداء لهذه الفئة الطاغية الباغية. لن يستطيع أولئك وهؤلاء أن ينكروا شيئًا من ذلك الذي قلته في المقال الذي نشرته الجمهورية يوم السبت الماضي.

    وإنما يستطيعون أن يجحدوا الجميل، وينكروا المعروف، وأن تضيق أنفسهم بالحق، وأن تفزع ضمائرهم من هذا الواقع الذي ليس فيه شك، والذي ستنهض بتحقيقه الجامعة العربية وتدفع به باطل المتمردين، ويومئذ يعلمون صدق الآية الكريمة على كل مكابر معاند يماري بما لا معنى للمراء فيه: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

    وشيء آخر أضيفه الآن إلى ما قلته يوم السبت الماضي؛ وهو أن هذه الوحدة التي قامت بين مصر وسورية، إنما قامت على عهد مؤكد وميثاق مشدد لا بين الحكومتين في مصر وسورية، بل بين الشعبين المصري والسوري، وأن هذا العهد ملزِم للطرفين لا سبيل إلى أن يتحلل منه أحدهما إلا بعد أن يتراضى هذان الطرفان على التحلل منه، وأن هذه الفئة الطاغية الباغية نقضت هذا العهد ظالمة لنفسها وظالمة للوطن السوري وللشعب السوري.

    لم تفاوض مصر في التحلل من هذا العهد، ولم تحاول هذه المفاوضة، ولم تَدْعُ إليها جهرة. وإنما وثبت في ظلمة الليل، فاعتدَتْ على نفسها، واعتدَتْ على شعبها، واعتدَتْ على وطنها، واعتدَتْ على مصر وشعبها أيضًا، وأصبحت بنقضها لهذا العهد كالتي جعلت غزلها من بعد قوة أنكاثًا وخالفت عن قول الله عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).

    وحق عليهم قول اللَّه عز وجل في الذين ينقضون العهود ويحنثون في المواثيق: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).

    ومن أجل هذا كله أبى رئيس الجمهورية أن يُحبِط عمل هذه الفئة الطاغية الباغية بقوة السلاح؛ لأنه لا يريد أن يسفك دماء العرب، ولا يريد أن يُفسد في الأرض، وأبى في الوقت نفسه أن يعترف بحكومة سورية قبل أن يُستفتى الشعب السوري في أمر هذا الانفصال استفتاء حرًّا كريمًا لا أثر فيه للطغيان ولا للبغي ولا للإكراه؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد ولا ينبغي له أن يُكرِه الشعب السوري على ما لا يحب، ولا أن ينقض العهد ويحنث في الميثاق دون أن يكون الشعب السوري هو الذي يرغب في التحلل من هذا العهد والميثاق؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد أن يخالف عن أمر الله ولا عن الوفاء بالعهود والمواثيق.

    وليس من شك في أن الفئة الطاغية الباغية والكُتَّاب والمذيعين الذين أكرهوا على أن يكونوا لها أصداء، سيستنكرون هذا المقال وسيضيقون به كما أنكروا ذلك المقال وضاقوا به. وستغلي مراجل حقدهم عليَّ وغيظهم مني، وستلهج بي صحفهم وإذاعتهم، ولكني أقول لهم ما أمر الله نبيه أن يقول للمنافقين: ( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).

  • من بعيد … ثورتنا (٤) | From Afar… Our Revolution (4)

    من بعيد … ثورتنا (٤)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١ أغسطس ١٩٥٤

    أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.

    وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.

    وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.

    وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.

    وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.

    وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.

    وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.

    كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.

    وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.

    وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.

    هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.

    كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.

    وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.

    ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال.

  • الجامعة المصرية في عالم الحرية | The Egyptian University in a World of Freedom

    الجامعة المصرية في عالم الحرية – بطل من أبطال الديمقراطية الحديثة
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ مايو ١٩٣٤

    كان أبوه يسوق العربات في قرية من القرى، لا يقرأ ولا يكتب ولا يمس من أمور الحياة إلا صناعته هذه اليسيرة، وإلا ما يحسنه أمثاله من أصحاب السذاجة والجهل والعيش الخشن العسير، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، لا أمل لها في أكثر من أن ترضى عنها سيدتها، ويطمئن إليها زوجها، وينشأ ابنها كما ينشأ أمثاله من أبناء الطبقات الفقيرة البائسة، وكانت هذه الطبقات الفقيرة البائسة قد ظفرت بشيء من الحرية قبل أن يُولَد طفلنا هذا بسنتين اثنتين، وطفلنا هذا قد وُلِد سنة ١٨٥٠م.

    وكانت هذه الحرية اليسيرة التي فتحت أبوابها المتواضعة لهؤلاء الناس البائسين قد أثارت في نفوسهم شيئًا من العزة، وفتحت لهم نوافذ ضيقة إلى الأمل، ولكنها نوافذ على كل حال ينفذ منها الضوء والهواء، وتتسع بها آفاق الحياة بعض الشيء، بعد أن كانت ضيقة شديدة الضيق.

    وكان سائق العربات في تلك القرية قد أحس شيئًا من هذا النسيم الذي فتحت له النوافذ، وقد مدَّ عينه من هذه النوافذ إلى أفق أبعد من أفقه القديم؛ فكَرِه أن يكون ابنه سائق عربة مثله، وطمع في أن يرقى به بعض الشيء إلى صناعة خير من صناعته، وإلى مهنة أرقى من مهنته قليلًا، وبدأ فأرسله إلى المدرسة حتى إذا تعلَّمَ فيها أصول الكتابة والحساب، وتعلَّم معه أبوه هذه الأصول دفعه إلى مَن يعلِّمه صناعة أحذية الخيل، ثم ارتقى به شيئًا فأرسله إلى حيث يتعلَّم صناعة الحدادة، وفي ذات يوم خرج الصبي يلتمس الماء للدكان، وإنه ليحمل وعاء الماء على ما هو فيه من زي قبيح، وشكل تنبو عنه العين، ووجه له حظ من القذارة غير قليل، إذا هو يلمح أحد الذين كانوا يعلمونه في المدرسة، فيستحي ثم يستخفي حتى لا يضطر إلى تحيته، ولكن معلمه قد رآه، وأحس حياءه، فلم يُظهِر معرفته، وإنما ذهب إلى أمه فتحدَّث إليها في أمره حديثًا غيَّر حياته كلها تغييرًا، ولم تغرب الشمس ذلك اليوم حتى كان الصبي مرتحلًا مع معلمه إلى مدينة قريبة، فيها مدرسة التحق بها الصبي لا ليطلب العلم، فقد كان أفقر من ذلك، بل ليكون خادمًا أو كالخادم، لعل حياته في هذه البيئة أن تنفذ إلى نفسه شيئًا من هذا العلم، الذي يلقى فيها من الصباح إلى المساء.

    وفي هذه المدينة اتصل الصبي بالكنيسة، وتعلَّم فيها الموسيقى والغناء، وكان الغناء لاتينيًّا؛ فحفظ الصبي أغاني لم يفهمها، وشقَّ عليه أن يغني ما لا يفهم؛ فتعلَّم اللاتينية وحده ليفهم الغناء، وما هي إلا أن يستكشف القسيس أنَّ الفتى يفهم اللاتينية فيكبره ويضن به على الجهل، وعلى هذه الحياة الخاملة ويرسله إلى مدرسة ثانوية، ومن ذلك الوقت اعتدلت له الحياة بعض الشيء، واستقامت له الطرق بعد العوج والالتواء، فأتمَّ درسه الثانوي واتصل بالجامعة في فينا فأتمَّ فيها درسه، ثم ارتحل إلى ليبزج فدرس في جامعتها، ثم عاد إلى وطنه، وإذا هو أستاذ من أساتذة الجامعة في مدينة براج، ولست أدري! أعرفتَ هذا الرجل أم لم تعرفه، ولكني أوثر ألا أسميه الآن، وأن تسميه حياته نفسها، أو أن تسميه الأيام التي صارعته وقارعته فلم تستطع أن تصرعه، وإنما اضطرت إلى أن تذعن له. ظل هذا الرجل أستاذًا في الجامعة يعلِّم الشباب من مواطنيه أصول الفلسفة وفروعها، ولكنه يعلِّمهم أيضًا كيف تكون الرجولة الصادقة، وكيف تكون العزة الأبية، وكيف تكون الحرية التي لا تستطيع الذلة أن تجد إليها سبيلًا، ثم كيف يكون الإخلاص للحق والوفاء له، والثبات عليه والتضحية في سبيله بكل عزيز، والاحتمال في سبيله بكل مكروه.

    في ذات يوم اضطربت مدينة براج وما حولها من المدن بحديث خطير، فقد استكشف نسخة خطية لكتاب يُثبِت أنَّ البوهيميين كانوا أصحاب ثقافة وأدب وفن في القرن الثاني للمسيح، حين كان الألمان جهَّالًا متوحشين يرتدون جلود الحيوان، ويعيشون أخشن العيش.

    وتستطيع أن تقدِّر أثر هذا الكتاب المستكشف في نفس أمة قد استذلها الألمان، وهي تطمح إلى الحرية وتلج فيها، ولكن الأستاذ درس الكتاب، وإذا هو يعلن — لا مترددًا ولا قادرًا لاضطراب الرأي العام قدرًا — أنَّ هذا الكتاب منحول مصنوع لا أصل له، وهو إذن لا يثبت شيئًا، وأنَّ مجد الأمم لا ينبغي أنْ يقوم على الكذب، ولا أن يعتمد على التضليل، وإذا الرأي العام كله عدو لهذا الأستاذ، الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره، وإذا الناس كلهم ينكرونه ويمكرون به ويكيدون له ألوان الكيد، ولكنه ثابت في موقفه يعلن أنَّ الكتاب منحول مصنوع، ويجهر بأن مجد الأمم لا ينبغي أن يقوم على الكذب، ويعتمد على التضليل، وتشتد عليه العاصفة، ولكن الشجرة ثابتة لا تنثني ولا تنحني، حتى إذا مضت أيام ثم أسابيع ثم أشهر ثم أعوام تبيَّنَ الحق؛ فإذا الكتاب مصنوع، وإذا الأستاذ لم يكن خائنًا للوطن، ولا منكرًا لمجده القديم، وإذا الذين كانوا ينكرونه قد عرفوه، وإذا الذين كانوا يمكرون به قد أحَبُّوه، وإذا الذين كانوا يكيدونه له قد وثقوا به فأرسلوه نائبًا عنهم في البرلمان.

    لم يُخِفْه تنكُّر الرأي العام له، ولم تغرره ثقة الرأي العام به، ولم يتحول عن حبه للحق ووفائه له؛ لأنه كان يحب الحق لنفسه لا ليخاصم به الشعب، ولا ليصيد به الشعب. وفي ذات يوم قُتِلت فتاة وأُخِذ يهوديٌّ من أبناء السبيل فاتُّهِمَ بقتل الفتاة، وعظم أمر هذه الحادثة لأن الناس ظنوا أنها جريمة دينية، ولكن الأستاذ تتبع القصة ودرس القضية واستيقن أنَّ اليهودي بريء، وكان قد قُضِي على هذا اليهودي بالموت، فطلب إعادة النظر في الحكم وألحَّ في ذلك، وهناك تنكَّر له القصر، وتنكَّر له السلطان، وتنكَّر له الرأي العام كله، وضاق به الشباب أشد الضيق، ولكنه لم يحفل بشيء من ذلك، وإنما مضى في دعوته إلى ما يرى أنه الحق، وأقبل ذات يوم إلى الجامعة؛ فإذا الطلاب قد وقفوا يريدون منعه من إلقاء الدرس، وقد جاهدهم وجاهدوه حتى نفذ إلى حجرة الدرس وهَمَّ أن يتكلم، فصاحوا به حتى أخفوا صوته، وهَمَّ أن يكتب فمنعوه من الكتابة، وأقبل العميد فرَجَا منه أن ينصرف، فانصرف عن الدرس ولكنه لم ينصرف عن الدعوة إلى الحق، حتى اضطر السلطان إلى أن يغيِّر الحكم فيكتفي بسجن اليهودي ويصرف عنه الموت، ثم تمضي الأيام وتتابع الحوادث حتى تُعلَن الحرب الكبرى، وإذا صاحبنا في جنييف ومعه نفر من أصدقائه همهم همه وهواهم هواه، كلهم كاره لسلطان الأجنبي، كلهم راغب في استقلال الوطن، كلهم عدو لسلطان النمسا، ساخط على آل هبسبورج، وإذا هم يؤلفون من أنفسهم مجلسًا وطنيًّا يعمل أول الأمر في جنييف، ثم ينتقل إلى باريس، ثم يعظم نشاطه وينبسط سلطانه؛ فيؤلِّف جيشًا من مواطنيه يبلغ نحو خمسين ومائة ألف من المقاتلين في صفوف الحلفاء، ثم لا يأتي أكتوبر من سنة ١٩١٨م حتى يعلن استقلال تشكوسلوفاكيا في الرابع عشر من هذا الشهر، ثم لا يمضي شهر حتى تعقد الجمعية الوطنية في براج، وإذا الجمهورية قد أُقِيمت، وإذا دستورها قد أُعلِن، وإذا توماس مازاريك قد انتُخِب رئيسًا للجمهورية، وإذا الدستور يخصه بميزة لا يشاركه فيها أحد من مواطنيه، فهو قابل للانتخاب لرياسة الجمهورية كلما جاء ميعاد الانتخاب أثناء حياته، على حين لا يباح لغيره أن ينتخب لرياسة الجمهورية إلا مرتين.

    وسيُنتَخَب للمرة الرابعة رئيسًا للجمهورية، وفي الرابع والعشرين من هذا الشهر.

    هذا هو الطفل الذي كان أبوه يسوق عربة في قرية من القرى، وكانت أمه خادمًا لسيدة من سيدات القصر، وكان أبوه يريد أن يجعله حدادًا، فجعلته نفسه الكبيرة رئيسًا للجمهورية في وطنه، بل مؤسِّسًا للجمهورية في وطنه، بل مُعلِنًا للاستقلال في وطنه، بل بطلًا من أبطال الديمقراطية الحديثة وفيلسوفًا من فلاسفتها، فما أجدر الشباب أن يعرفوه، وأن يحبوه، وأن يتخذوه مثلًا من هذه المثل العليا التي تُحتذَى، وما أجدرهم أن يقرءوا عنه وعن مذهبه في الديمقراطية وأصول الحكم فصلًا ممتعًا رائعًا، نشرته مجلة «الالستراسيون» في عددها الذي صدر في ٢٨ أبريل سنة ١٩٣٤م.

  • معارضة | Opposition

    معارضة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١ يوليو ١٩٣٢

    براءة إلى القراء وإلى رئيس الوزراء وإلى النيابة والقضاء، من المعارضة الحُرَّة، والخصومة المُرَّة، ومن الحوار والجدال فيما قِيلَ ويُقال، ومن المراء والنزاع فيما أُشِيعَ ويُشاع؛ فقد فكرت وقدرت ثم خُيِّرت فاخترت، فإذا الطاعة الدائمة للحكومة القائمة أَقْوَم وأهدى، وإذا الخضوع والإذعان لمن إليهم السلطان أنفع وأجدى. فلألزمن الطاعة ولأوثرن الخضوع، ولأدعون إليهما من يحب لنفسه العافية ويؤثرها بالسلامة، وليعلمن الناس جميعًا أني للحكومة صديق، وبها رفيق، أضمر لها النصح الخالص والولاء المتين.

    ذلك أنَّا نعيش في أيام أخص ما تُوصَف به أنَّ قِيَمَ الأشياء فيها تغيرت ومقاييس الحكم فيها قد انقلبت رأسًا على عقب. فقد كنا نعلم (لأن آباءنا وأساتذتنا وأسلافنا علمونا) أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي يعرف لنفسه كرامتها ولشخصيته عزتها، فلا يميل مع الأهواء، ولا تتغير مذاهبه السياسية بتغير الحكومات، ولا يرتاع للقوة تنذره إذا كان يعتقد أنه على الحق، ولا يستجيب للمغريات إذا كانت هذه المغريات تكلفه ما لا يرى، وتضطره إلى ما لا يرضى، وتورطه فيما يستحي منه أمام الناس ويستخذي منه إذا خلا إلى نفسه أو استمع إلى ضميره حين يستمع الناس إلى الضمير.

    كنا نعلم هذا وما زلنا نسمعه من أصحاب الأخلاق، وما زال الأساتذة يدرسونه للتلاميذ والطلاب في المدارس ومعاهد العلم. ولكن حياتنا منذ عامين قد نهجت لنا في الأخلاق نهجًا جديدًا، ونشرت بيننا آراءً طريفة في الكرامة الشخصية والعزة القومية والحرص على أن يحسن في الفرد رأي أمثاله ومواطنه، والإشفاق من أن يستخذي الإنسان أمام الضمير إذ خلا إليه، كل أولئك معانٍ إضافية مرنة تتشكل بأشكال الظروف وتمتد إذا دعت المنفعة إلى الامتداد، وتنكمش إذا دعت المنفعة إلى الانكماش، وقد قام بنك التسليف الزراعي، وقامت مناصب الدولة وقامت مساعي خاصة خفية عند المصارف الأجنبية، وقام تسلل فريق من أعضاء الأحزاب السياسية من أحزابهم دليلًا واضحًا جليًّا على تحقق هذا التطور في حياتنا الخلقية والعقلية وفي صلاتنا الاجتماعية العامة والخاصة.

    ولست أدري «وما أرى أن غيري من القراء يدري» لِمَ أقاوم هذا التطور وأمتنع عليه. وهل أنا إلا فرد من الناس يجب أن يعيش كما يعيش الناس فيستقر إذا استقروا ويضطرب إذا اضطربوا، ويمعن في التطور إذا أمعنوا فيه؟!

    أنا اليوم من أنصار الحكومة. فإذا أراد لها من بيدهم أمرها أن تستقيل ونهضت بالسلطان وأعباء الحكم هذه الوزارة القومية التي يطلبها الأحرار الدستوريون فأنا من أنصار هذه الوزارة، فإذا استقل الوفد بالحكم فسيجدني وفديًّا صريحًا، فإن انفرد الأحرار الدستوريون بالسلطان فسيجدونني كأحسن ما عرفوا دفاعًا عن الحرية والدستور.

    وأنا أرجو حين أسلك هذه الطريق أن أُوفَّق إلى حياة راضية ناعمة بريئة مما يشقى بما أنصار المذهب القديم في السياسة والأخلاق.

    أرجو ألا تُباع أرضي وإن لم أملك أرضًا، وألا تتحكَّم فيَّ المصارفُ وإن لم يكن للمصارف عليَّ سبيل، وأن لا يعبس الوزراء في وجهي وإن لم أحفل بابتسامات الوزراء. وأرجو فوق هذا وذاك ألا تدعوني النيابة بين يوم ويوم إلى التحقيق وإن كنت قد جربت تحقيق النيابة؛ فأحببته ورغبت فيه.

    وقد أجد من نفسي بعض المقاومة فأحلم بمعارضة الحكومة ومخاصمتها؛ لأن الخروج على التقاليد والسنن الموروثة ليس بالأمر اليسير. يشهد بذلك وزير التقاليد الذي يشهد التمثيل ويحضر محافل لا تخلو من الرقص مجاراة للتطور، ولكنه يلغي معهد التمثيل ويحرم الرقص في قاعة التمثيل إذعانًا للتقاليد!

    كلنا نتطور من ناحية ونقاوم التطور من ناحية أخرى. ولعل التطور إن سألت الفلاسفة عن حدِّه وحقيقته ليس إلا هذا الموقف الذي نقفه جميعًا وعلى رأسنا وزير التقاليد. نشهد في الأوبرا قصة الكرسي ٤٧ وبائعة الشيكولاتة. ونرى في هاتين القصتين ما يحل وما يحرم. ونشجع الممثلين بأموال الدولة ليمعنوا في التمثيل ويُجوِّدوه، وليكثر المختلفون إلى ملاعبهم ثم نعقد لهم لجان المراقبة وننشئ بينهم أنواع المسابقة ثم ننشئ المسابقات، بين الكتاب والشعراء، أيهم يضع القصة التمثيلية الرائعة!

    كل ذلك مجاراة للتطور، ولكننا مع ذلك نقاوم التمثيل فنلغي معهده، ونرى الذين أنشئوه آثمين خارجين على العادات والآداب والدين. ونحن بهذا نرضي التقاليد!

    أنا إذن أريد أن أرضي التطور وأجاريه وأمعن فيه، فأنصر هذه الحكومة أعظم النصر، وإن كنت لها خصمًا وأؤيدها أشد التأييد، وإن لم تعجبني أساليبها في الحكم، وأنا أريد أن أُرْضِيَ التقاليد فأحتفظ بالكرامة والعزة والأخلاق وأقاوم الحكومة وأعارضها حين أنكر من أمرها شيئًا قليلًا أو كثيرًا. ولكني أؤكد أني لن أرضي التقاليد والأخلاق على حساب الحكومة القائمة، وإنما أدخر المعارضة العنيفة والخصومة القاسية لحكومة الوفد أو الأحرار الدستوريين أو الوزارة القومية. ذلك أن في هذه الحكومات شيئًا من السذاجة والعبط إن شئت، تمكن معارضيها من أن يقولوا لها ما يريدون دون أن يخشوا عنتًا أو إحراجًا. أما الحكومة القائمة فهي أحزم وأمهر وأذكى من أن تطلق للمعارضين ألسنتهم أو تدع لهم أقلامهم تجري بغير حساب!

    على أني قبل أن أعلن هذا الرأي لم أكتفِ بالتفكير والتقدير بل استشرت ألوانًا من الناس في الموقف الذي يجب أن يُتخَذ من حكومتنا هذه القائمة. وكلهم وافقني وأقرَّني على رأيي.

    بدأت بجماعة من الشيوخ فسألتهم في معارضة الحكومة القائمة أحلال هي أم حرام؟ فانقسموا وتفرقت آراؤهم.

    فأما المحافظون الجامدون منهم، وهم — والحمد لله — قليلون، فأباحوا معارضة هذه الحكومة إن أخطأت القصد، أو تجاوزت الحق، أو عرضت المنفعة العامة للخطر. ومن هؤلاء من غلا فأوجب هذه المعارضة محتجًّا بالحديث المأثور «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.»

    وأما المجددون من الشيوخ، وهم — والحمد لله — كثيرون، فحرموا هذه المعارضة تحريمًا قاطعًا، وقالوا إن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر ولم يقيد أمره بل أطلقه إطلاقًا.

    وإذن؛ فطاعة الحكومة واجبة، جارت أو عدلت، ولها وحدها أجر عدلها وعليها وحدها إثم ما تتورط فيه من جور. قالوا: ويُستحَب أن نستغفر للحكومة إن جارت أو ندعو لها ونثني عليها إن عدلت. قالوا: ولا بأس أن نخفي جور الحكومة ونصوِّره في صورة العدل؛ حتى لا يسوء ظن الناس بحكامهم فتُشَق عصا الطاعة ويتفرق أمر المسلمين!

    وأما المعتدلون من الشيوخ فأباحوا المعارضة إذا أدَّتْ إلى نفع ووَقَتْ من شر، وحرَّموها إذا عرضت صاحبها لغضب الحاكم أو سخطه.

    وواضح جلي أني سأمضي مع الكثرة المطلقة فأحرم المعارضة تحريمًا قاطعًا، وأستغفر للحكومة إن أخطأت أو جارت وما عرفت لها إلى الآن خطأ أو جورًا.

    فلما فرغت من الشيوخ وعرفت آراءهم عمدت إلى رجال الفقه الدستوري الحديث أستشيرهم في المعارضة: ما الحكم الدستوري فيها؟ وقد كانت هذه الاستشارة شاقة. فقد تجنبت أساتذة الحقوق ورجال أقلام القضايا لأنهم موظفون، وتجنَّب رجال النيابة والقضاء؛ لأن مناصبهم ترفعهم فوق هذه الأشياء. وهم بعد ينتظرون أنصار الحكومة وخصومها ليقضوا بينهم فيما يتعرضون له من خلاف، ونظرت في المحامين فإذا هم قد قسموا أنفسهم بين الأحزاب؛ فمنهم أولياء الحكومة ومنهم خصومها، وكل أولئك لا يُؤمَن جانبه في المشورة.

    ولكنني وُفِّقْتُ إلى شيخ من شيوخ القانون وفقيه من فقهاء الدستور اعتزل الحياة العامة وآوى إلى بيته لا يجد لذة إلا في القراءة والدرس. فلما عرضت عليه قضية المعارضة وضع كتابًا كان في يده وأرسل من صدره نَفَسًا طويلًا عميقًا ومدَّ بصره كأنما يريد أن يخترق به جدران الغرفة ليرى أَخَلْفَها متسمع من الأنصار أو الخصوم، ثم قال في صوت هادئ يملؤه الاقتناع: أنا أرى أن الحكومة القائمة واسعة الصدر عريضة الحلم شديدة الصبر؛ فإن المعارضة المشروعة هي التي تكون في البرلمان أو من أعضاء الأحزاب التي تتولى الحكم، هؤلاء وحدهم يمثلون الأمة وينطقون باسمها، فهم الأمة التي تكون منها الحكومة وتكون منها المعارضة، فأما الأحزاب التي قاطعت الانتخابات أو أخفقت فيها فليست من الأمة في شيء، وهي على هامش الأمة حتى يُتاح لها السلطان؛ فيجب عليها الصمت والخضوع لا أكثر ولا أقل. قلت: فإذا كانت الانتخابات مزيفة؟ قال: هذا كلام الفلاسفة والنقاد! فأما الفقهاء فلا يعرفون إلا الواقع، وما دامت هذه الانتخابات قد انتخبت برلمانًا، وما دام هذا البرلمان قد ألف وزارة، وما دام البرلمان والوزارة قد ثبتا لصروف الدهر فهما الأمة وغيرهما على الهامش! قلت: فإذا كان غيرهم هو الأمة كلها. قال: لا بأس. الأمة كلها على هامش، الأمة يجب عليها الصمت والخضوع والطاعة حتى يُتاح لها السلطان …

    وواضح جدًّا أني خرجت من عند هذا الفقيه الجليل مؤمنًا برأيه، مقتنعًا بأني على الهامش مع جميع المعارضين فيجب عليَّ الصمت أو تأييد الحكومة، ويجب عليَّ فوق هذا أن أقنع الوفد والأحرار الدستوريين والمستقلين بأننا جميعًا على الهامش؛ فيجب أن ننضم إلى رئيس الوزراء أو أن نلزم الصمت حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولرئيس الوزراء عليَّ أن أنفق في هذا الإقناع ما أملك من جهد؛ فسأكتب وأخطب إن أباح لي الخطابة، وسأزور الزعماء وغير الزعماء وأرجو أن أُوفَّق إلى راحته من إصدار القوانين الاستثنائية الجديدة.

    وبَعْدُ، فماذا ينقم خصوم الحكومة من الحكومة؟! ينكرون عليها أمرين أساسيين؛ الأول: أنها لم تحل الأزمة الاقتصادية الكبرى. ولست أدري كيف يُطلَب إلى الحكومة أن تحل الأزمة، والأزمة مصدر قوتها وحياتها؟! أليست الأزمة قد جعلت الناس جميعًا في قبضة الحكومة يرغبون إليها ويشفقون منها؟! هم مفلسون وهي غنية؛ فمن شاء منهم اتقاء الإفلاس انضمَّ إليها فنجى أو انفتح أمامه أمل في النجاة. وإذن؛ فالذين يطالبون الحكومة بحل الأزمة يطالبونها بإلقاء السلاح أو قُلْ يطالبونها بالانتحار! وما كان لحكومة عاقلة رشيدة أن تلقي بنفسها إلى التهلكة؛ فلتبقَ الأزمة إذن لتبقى الحكومة.

    الثاني: أنها لم تحل المسألة المصرية. وأمر المسألة المصرية كأمر الأزمة الاقتصادية بالضبط، فهَبْ حكومتنا فاوضت الإنجليز، فإما أن تخفق في المفاوضة؛ وإذن لا بد لها من الاستقالة كما استقالت الوزارات من قبل حين أخفقت في المفاوضات، وإما أن تنجح وإذن فسنستقل، وإذن فسيصبح الحياد الإنجليزي حيادًا صحيحًا، وإذن فسيُخلَّى بين الأمة وبين الوزارة، وإذن فما أعمق الهوة التي يُخشَى أن تتردى فيها الوزارة!

    فالذين يطالبون الحكومة بحل المسألة المصرية كالذين يطالبونها بحل الأزمة الاقتصادية إنما يريدونها على أن تنتحر أو تلقي السلاح.

    صدِّقْني يا دولة الرئيس، إن المعارضين يمكرون بك ليخرجوك فاحذر أن تفرج الأزمة أو أن تحقق الاستقلال، وخلِّ بيني وبين المعارضين؛ فإني أرجو أن أكفهم عنك أو أن أسوقهم إليك.