Tag: النفوذ البريطاني

  • فضيحة

    حديث الوادي
    فضيحة . . .
    وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.

    ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.

    إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟

    فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.

    لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟

    نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.

    أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.

    فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • حديث المساء والآن (٥)

    حديث المساء: والآن (٥)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أبريل ١٩٣٤

    نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.

    وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.

    فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.

    سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.

    سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.

    ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.

    ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.

    وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.

    ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟

    سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.

    ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.

    لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.

    وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.

    هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.

    ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.

    ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.

    ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.

  • تواضع!

    حديث المساء: تواضع!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ مارس ١٩٣٤

    أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ
    السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى
    اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ
    تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا،
    فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا
    أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في
    حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا
    السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير
    الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.

    وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون،
    أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما
    نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه
    إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي
    له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر
    مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل
    أُلْغِيَ.

    وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف،
    فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين
    الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي
    لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها
    أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع
    الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان
    عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان
    الخيال.

    وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه
    الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام
    صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة
    واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه
    الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء
    الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم
    مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه
    الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على
    إلغاء الامتيازات.

    أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا
    يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب،
    بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات،
    فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام
    الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ
    العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع
    الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.

    ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي
    الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ
    إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح
    وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت
    تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة
    أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟

    أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من
    الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من
    الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة
    والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا
    شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!

    وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي
    فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير
    طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون
    القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي
    القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا
    يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع
    المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى
    رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من
    الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر
    في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع
    المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم
    على تصريف الأمور.

    والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم
    المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء
    الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ
    لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان
    بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع
    المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء
    الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.

    أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة
    القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر
    على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى
    الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟

  • جريء

    حديث المساء: جريء

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ فبراير ١٩٣٤

    هو — من غير شك — دكتاتورنا العظيم صدقي باشا، فقد تستطيع أن تبحث بين المصريين وغير المصريين عن رجل تستطيع أن تصفه بهذا الوصف وأنت مطمئن واثق بأنك لم تخطئ ولم تقصر ولم تسرف، فلن تجد غير هذا الرجل العظيم.

    وعظماء الرجال يمتازون في أكثر الأحيان بصفات خاصة تُشخِّص عظمتهم، وتخطر للناس كلما ذُكِرَتْ أسماؤهم؛ فهذا يمتاز بالرحمة، وهذا يمتاز بالشجاعة، وهذا يمتاز بسعة العقل، وهذا يمتاز بسعة الحيلة، وهذا يمتاز بطيبة القلب، وهذا يمتاز بحب التقاليد، وهذا يمتاز بالإقدام يتبعه الإحجام، وبالكر يتبعه الفر، وبالتورط في الكلام …

    أما صدقي باشا فيمتاز بالجرأة … بالجرأة التي لا حد لها … لا في الطول، ولا في العرض، ولا في العمق.

    فصدقي باشا جريء في أي نحو من الأنحاء، جريء على نفسه، جريء على الناس، جريء على الدستور، جريء على القانون، جريء على الأجانب، جريء على الإنجليز، جريء على ما شئت وما لم تشأ، جريء على من شئت ومن لم تشأ. لا يخاف شيئًا، ولا يحسب لشيء حسابًا، ولا يرجو لشيء وقارًا. ليس هو الرجل الجريء وإنما هي الجرأة تمثلت رجلًا بهذه الصفة.

    امتاز صدقي باشا بين عظماء المصريين، بل بين عظماء العالم كله إن شئت، فما ينبغي أن تتكلف مع صدقي باشا تحقيقًا أو تدقيقًا؛ لأن الرجل لا يتكلف مع نفسه ولا مع الناس تحقيقًا ولا تدقيقًا.

    كان محاربًا للوفد، يكيد له ويهجم عليه، يتربص به الدوائر، ويصب عليه ما استطاع من المكروه. ثم لم يمنعه ذلك أن يكون صديقًا للوفد مسرفًا في الصداقة، يجهر بتأييده والذود عن مبادئه، جادًّا في ذلك متهالكًا عليه!

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة غير طويلة، فإذا صدقي باشا حرب على الوفد يجهر بمخاصمته والتأليب عليه جادًّا في ذلك متهالكًا عليه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة جدًّا وإذا صدقي باشا يفكر في التقرب إلى الوفد، ويسعى في ذلك ولا يتردد في أن يتحدث به أو يستعين عليه بمن وسعه أن يتحدث إليهم أو يستعين بهم.

    ثم دارت الأيام دورة قصيرة وإذا صدقي باشا يؤلف وزارته برغم الوفد وبرلمان الوفد، وإذا هو يلغي الدستور وقد كان من أشد أنصار الدستور، وإذا هو يحل البرلمان.

    وأغرب من هذا كله أنه لم يتردد لحظة في أن يجهر بأن الأمة كلها كانت معه حين لم يستطع أن يصل إلى البرلمان وكانت معه بعد أن وصل إلى البرلمان، وكانت معه حين لم يستطع أن ينال الإذن بدخول البرلمان وكانت معه حين حل البرلمان، وكانت معه حين كان حريصًا على دستور سنة ١٩٢٣ وكانت معه حين كان معطلًا لهذا الدستور، وكانت معه حين رجع إلى تأييد هذا الدستور ثم كانت معه حين رضي عن تعطيل الدستور، وظلت معه حين كان يسعى إلى الوفد ليستمتع بنعمة هذا الدستور، ثم ظلت معه حين ألغى الدستور وحين أنشأ الدستور الجديد.

    ولما ألف وزارته وأصدر الدستور، ودعا إلى الانتخاب وأجرى هذا الانتخاب لم يَبْقَ شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه؛ لأنها أعطته سبعة وستين وسبعة أثمان من أصوات الناخبين، ولم يكن شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه تمنحه التأييد وتخلص له الود، حين كان ما كان في البداري وغير البداري من مواطن الخزي.

    وأغرب من هذا أن الأمة كلها كانت معه، حتى خصومه الذين كانوا يحاربونه فهم كانوا يحاربونه في ظاهر الأمر ويؤيدونه من وراء الستار، حتى تلك الأرواح التي أُزْهِقَتْ في ظِلِّ حكمه السعيد فإنها كانت تصعد إلى السماء راضية عنه مثنية عليه، داعية لحكمه بطول البقاء؛ لأنه ضحى بها في سبيل الحرية، وأزهقها في سبيل حماية مصر من الفوضى والخراب!

    ثم دارت الأيام دورة كانت قصيرة في حساب الزمان؛ لأنها لم تكن تتجاوز الأعوام الثلاثة، وكانت طويلة في حساب المصريين؛ لأنها كانت مملوءة بالشر والضر، وبالهول والروع …

    دارت الأيام هذه الدورة القصيرة الطويلة، وإذا صدقي باشا تزل به قدمه فيهوي عن منصب الحكم، ولكن الأمة في هذا الوقت نفسه كانت معه، كانت تظهر الفرح بسقوطه، وتضمر حزنًا ممضًّا وألمًا لازعًا عميقًا!

    واستقال من حزب الشعب فأظهرت الأمة فرحًا بذلك، وأضمرت الأمة حزنًا على ذلك، ورجع إلى حزب الشعب، فلم تبخل الأمة عليه بالتأييد والتشجيع، واستقال من مجلس النواب فجزعت الأمة لهذه الاستقالة فيما بينها وبين نفسها، وفيما بينها وبين الله، وأظهرت الأمة رضا بذلك اتقاء لصولة الرجل الطيب ليس غير، فلما رجع إلى مجلس النواب لم تستطع الأمة أن تخفي ابتهاجها، ولا أن تسر اغتباطها، وإنما اندفعت إلى ذلك اندفاعًا، واستبسلت في ذلك استبسالًا، ولم تحفل بسخط الرجل الطيب ووزارته.

    وكان الرجل الطيب طيبًا حقًّا، فلم يؤدبها ولم يعذبها وإنما صبر لها على هذا الجموح، وغفر لها هذه الزلة. وأكبر الظن أنه خاف من صدقي باشا ومن أسئلته في مجلس النواب ومن استجواباته التي لا تثبت لها الوزارات مهما تكن قوية، فكيف إذا كانت وزارة طيبة كوزارة الرجل الطيب؟!

    وكان صدقي باشا رجلًا مطمئنًّا كل الاطمئنان أثناء تلك الحرب المنكرة التي أثارها عليه الرجل الطيب، لم يداخله خوف ولم يصل إلى قلبه ذعر، وقد أخطأ من ظن أنه استقال من حزب الشعب أو من مجلس النواب فرارًا أمام الرجل الطيب أو خوفًا من وزارة الرجل الطيب … إنما استقال لعبًا بطيبة الرجل الطيب. واللعب مباح لعظماء الرجال؛ فهم في حاجة إلى أن يرفهوا على أنفسهم، وإلى أن يظفروا بشيء من اللهو البريء الذي يضحكهم ويضحك الناس أيضًا.

    وأُثِيرَتْ حول صدقي باشا إشاعات وأنباء تملأ الأرض والسماء فلم يَضِقْ بها ولم يجزع لها، وإنما لقيها باسمًا ساخرًا؛ لأنه جريء لا يخاف شيئًا ولا يحسب لشيء حسابًا ولا يرجو لشيء وقارًا.

    أُثِيرَتْ حكاية القطن فابتسم لها وهزأ من الذين أثاروها وتحدَّى وزير المالية أن يتكلم فلم يستطع وزير المالية أن يتكلم.

    أُثِيرَتْ قصة الكورنيش؛ فضحك منها وأطمع الناس فيه … دنا من المحققين حتى كادوا يضعون أيديهم عليه، ثم نأى عن المحققين حتى عجزوا عن أن يبلغوه بالأبصار فضلًا عن أن يبلغوه بالأيدي، وهو الآن يذهب ويجيء في القاهرة وفي مصر كلها، وبين داره ومجلس النواب.

    ترك حزب الشعب وناديه ارتفاعًا عن حزب الشعب وناديه، ولكنه سينشئ لنفسه ناديًا؛ فهو لا يستطيع أن يعيش من غير أن يكون له نادٍ يتجلى فيه على مريديه، وهو الآن يخطب في مجلس النواب، ويقف أمام الرجل الطيب معتدل القامة، مرفوع الرأس، شامخ الأنف، منطلق اللسان. ثم يخطب فيدفع وزير المالية ووزير الزراعة إلى ما شئت من التورط والاضطراب.

    أفتشُكُّ بعد هذا كله في أن عظمة صدقي باشا إذا امتازت بشيء فإنما تمتاز بالجرأة؟!

    وقد فرغ صدقي باشا من خصومه الشعبيين وأشباه الشعبيين، والتفت صدقي باشا إلى أصدقائه القدماء … إلى الإنجليز، وهل نَسِيَ صدقي باشا أصدقاءه الإنجليز في يوم من الأيام؟! ولكنه أظهر الالتفات إليهم على كل حال وأخذ يتحدث إلى صحفهم، فبدأ بالإجبشيان جازيت، ولعلَّه أن يُثَنِّي بالديلي تلغراف، وأن يُثلِّث بالتيمس، وأن يغمر الصحف الإنجليزية كلها بأحاديث … يا لها من أحاديث!

    وسيعلم الرجل الطيب منذ اليوم كيف تكون السياسة، وكيف تكون الحرب بين أقطاب السياسة، وسيستيقن الرجل الطيب منذ اليوم أن ليله لن ينام، وأن نهاره لن يستريح؛ فقد نشط صدقي باشا وهمَّ بالهجوم، وويل لخصوم صدقي باشا حين ينشط، وحين يهم بالهجوم!

    وقد أظهر صدقي باشا في حديثه مع الإجبشيان جازيت أقصى ما يستطيع الرجل الجريء أن يظهره من الجرأة، فأنكر نفسه إنكارًا تامًّا، وكذَّب نفسه تكذيبًا قاطعًا، ومحا شخصية كانت له، واتخذ مكانها شخصية جديدة، ولم يستبدل شخصية بشخصية في السر خلف الأستار، ومن دون الأبواب المغلقة، وإنما خلع ثيابًا ولبس ثيابًا أخرى جهرة أمام الناس جميعًا، لم يتردد في ذلك ولم يشفق منه، ولم يحفل بما سيقوله الناس. ومتى حفل صدقي باشا بما سيقوله الناس؟! فصدقي باشا رجل هو أعظم من الناس جميعًا!

    كان صدقي باشا يقول ويقول، ويحمل زملاءه على أن يقولوا ويقولوا أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، وأنه منتهٍ برغم خصومه جميعًا إلى المفاوضة ثم إلى إمضاء المعاهدة، ثم إلى إبرام المعاهدة. قد اتفق على ذلك مع الإنجليز في مصر، ثم اتفق على ذلك مع وزير الخارجية الإنجليزية في جنيف، ثم بدأ في ذلك مع المندوب السامي في مصر حتى أخذ خصومه يسألون أنفسهم: كيف يستطيع رجل أن يجرؤ على تقرير الباطل إلى هذا الحد؟!

    ولكن صدقي باشا لم يتردد أول أمس في أن يعلن في هدوء لا يشبهه هدوء أن كل ما قال وحَمَل زملاءه على أن يقولوه إنما كان تمويهًا وتهويشًا ولعبًا بالعقول وضحكًا على الذقون وأن الإنجليز لم يفاوضوه، ولم يهموا بمفاوضته، ولم يظهروا ميلًا إلى هذه المفاوضة وإنما أفهموه أنهم لا يريدون أن يفاوضوا إلا حكومة ديموقراطية حقًّا …

    وإذن؛ فقد كان صدقي باشا أثناء الحكم يريد أن يضحك على الناس فيضحك على نفسه وعلى زملائه لتجوز الحيلة ويخفى التكلف، وهو الآن يريد أن يضحك على الناس مرة أخرى فيضحك على نفسه وعلى أصدقائه مرة أخرى لتجوز الحيلة وليظن الناس أنه ما زال رجلًا سياسيًّا يستطيع أن يتحدث في السياسة وأن يرسم الخطط ويفسر التاريخ ويتنبأ بالمستقبل.

    ولم ينس صدقي باشا إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا، وهو أن جرأته لم تخدع أحدًا في يوم من الأيام، وأن أحدًا لم يصدقه في شيء مما قال قبل أن يلي الحكم، وحين ولي الحكم وبعد أن ترك الحكم، وأن الناس لن يصدقوه اليوم بعد أن أبوا تصديقه أمس.

    إنما كان صدقي باشا رجلًا عظيمًا حين واتته الظروف وأمكنته الفرص، فلما خذلته الظروف وتخلت عنه الفرص أصبح رجلًا كأيسر الناس قدرًا وأهونهم شأنًا؛ فهو يستطيع أن يذهب ويجيء، وأن يصول ويجول، ويكتب ويقول؛ فلن يبلغ شيئًا إلا أن تعطف عليه تلك الظروف التي عطفت عليه من قبل، فجعلته رجلًا عظيمًا.

    وصدقي باشا جريء؛ فهو يدور حول هذه الظروف لعلها تعطف عليه، ولعلها تجعله رجلًا عظيمًا مرة أخرى، ولعلها ترفعه إلى الحكم، وتديل له من الرجل الطيب … ولكن الجرأة شيء والفطنة شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الرجل جريئًا وتخطئه الفطنة برغم جرأته.

    والظاهر أن صدقي باشا لم يفقد جرأته ولكن المرض قد ترك في فطنته ندوًبا وآثارًا، فهو يطمع في غير مطمع، ويدور حول ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأقصى ما يبلغه صدقي باشا بهذه الأحاديث إنما هو تنبيه الرجل الطيب إلى حربه، ولفت الرجل الطيب إلى أنه لم يُلْقِ السلاح بعد، وإلى أنه ما زال قادرًا على أن يعرض به ويكيد له ويتقرب على حسابه إلى الإنجليز، وقد يخاف الرجل الطيب ذلك وقد لا يخافه …

    ولكن أحدًا غير الرجل الطيب وأصدقائه لا يستطيع أن يحسب لشيء من هذا حسابًا ولا أن يناقش صدقي باشا فيما يقول مناقشة الجد، إنما أمر صدقي باشا هزل في هزل منذ الآن، وأظرف ما فيه أن صحيفته القديمة وصحيفة الرجل الطيب الآن صامتة مفحمة أمام هذا الحديث لا تنكره؛ لأنها لم تبلغ من الجرأة ما بلغه صدقي باشا؛ فتنكر نفسها كما أنكر نفسه، ولا تقره؛ لأنها لا تستطيع أن تحارب الرجل الطيب وقد أصبحت سلاحًا في يد الرجل الطيب.

    وقد كان من الخير أن تتحدث إلينا صحيفة صدقي باشا أمس وصحيفة الرجل الطيب اليوم برأيها في تقرُّب صدقي باشا إلى الإنجليز، والحاجة في هذا التقرب، وكيده للوزارة القائمة، وإغرائه الإنجليز بها، فقد طالما أنكرت ذلك على قوم لم يفعلوه، فما لها لا تنكر ذلك على رجل يفعله ويغرق فيه إلى أذنيه؟! أراضية هي عما يقول مولاها القديم أم ساخطة هي عليه؟!

    وشيء آخر ظريف نحب أن نعرف فيه رأي صدقي باشا؛ فهو يرى أن المندوب السامي لا ينبغي له أن يتدخل في شئون الحكم إلا إذا أساءت الحكومة المصرية إلى هذه الشئون، وتعرَّض الحق والعدل والديمقراطية للخطر. هذا رأيه، فقد نحب أن نعلم أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل في موقفه هو من قصة الكورنيش، وفي موقف الحكومة المصرية منه الآن، وفي تقصير الحكومة المصرية أو قصورها عن سؤاله حتى أمام البرلمان.

    فليس من شك في أن هذا كله إفساد للحق والعدل والديمقراطية، ودليل واضح على أن أساس الديمقراطية في مصر ضائع أو معرض لخطر عظيم. فما رأي صدقي باشا؛ أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل فيسأل الحكومة المصرية: ما بالها تسأل فلانًا وفلانًا من الموظفين، ولا تفكر، أو لا تريد أن تفكر في سؤال صدقي باشا عن قصة الكورنيش؟

    أما نحن فنكره أن يتدخل الإنجليز حتى في هذا، ونؤثر أن يمتاز صدقي باشا، وإن عجزت الحكومة عن سؤاله أو قصَّرت الحكومة في سؤاله؛ لأن امتياز صدقي باشا وإشفاق الحكومة منه أو محاباة الحكومة له إن كانت له نتيجة فإنما هي إقناع الشعب المصري بما هو مقتنع به من أن هذا العهد السعيد، عهد صدقي باشا ليس عهد ديمقراطية، ولا احترام لدستور أو قانون، وإنما هو عهد أزمة من هذه الأزمات التي تعرض للشعوب ثم لا تلبث أن تزول، وهي إنما تزول بتقليم أظافر صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وقطع ما بينهم وبين الحكم أو الطموح إليه من الوسائل والأسباب.

    ما أجدر صدقي باشا أن يستريح! فإن استقامة الصحة البدنية ليست كل شيء.

  • تجارب …

    حديث المساء: تجارب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٥ فبراير ١٩٣٤

    زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس
    جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من
    الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم
    كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة
    على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر
    الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما
    تريد.

    وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا،
    فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان
    على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء،
    ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب،
    وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ
    الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من
    التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن
    لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة
    وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا
    هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم
    عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون
    بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.

    ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد
    ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ
    مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر
    فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر
    إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس،
    ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة
    السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.

    وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء،
    وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال
    حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ
    وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟

    ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم
    التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس
    إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم
    يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ
    لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا
    ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت
    عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من
    هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.

    ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا
    الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها
    بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر
    المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون
    يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس
    وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس
    إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد
    ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!

    ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم
    يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على
    القلوب قد زال.

    وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ
    ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء،
    وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن
    قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.

    ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ
    الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من
    الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين
    الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد
    الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل
    إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق
    الوقت.

    هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها
    الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ
    تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا
    وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن
    تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات
    من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.

    إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة
    الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر
    ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ
    تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي
    تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي
    قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء،
    ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!

    فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول
    زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا
    شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.

    وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات
    من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من
    تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه
    الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة
    بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن
    يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل
    ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه
    أحد، ولا يعطف عليه أحد.

    ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود
    فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما
    ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟!

  • شك …

    حديث المساء: شك …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    يظهر أن الجيش المنتصر لم يطهر الميدان، ولم يُحْسِن إخلاءه من العدو، كما أنه لم يمعن في تتبُّع المنهزمين، ولم يجرد الأسرى من السلاح، وإنما أسكره الظفر، وصرفته نشوة الانتصار عن الحذر والحيطة، واضطرار العدو إلى العجز المطلق، الذي يحرمه كلَّ حركة وكلَّ نشاط. ولولا هذا لما ظهر صدقي باشا في الميدان متحدثًا إلى الصحف على استحياءٍ، مدافعًا عن نفسه في تردد، متعرضًا لقصة الكورنيش كأن أحدًا قد عرض له في قصة الكورنيش. ولولا ذلك لما أصبح الناس اليوم، وإذا صحيفة جديدة تطلع عليهم مع الشمس، وتذكر صدقي باشا في برٍّ ورفق، وفي تمدُّح وفخار، وتذكر خصوم صدقي باشا في حدَّة وشدة، وفي لوم عنيف، وتقريع مخيف، فهذا وذاك يدلان دلالة واضحة جلية على أن انتصار الوزارة لم يكن مؤزَّرًا، وفوزها لم يكن شاملًا، وعلى أن الميدان، إن خلا لها في البرلمان من صدقي باشا، فهو لم يخلُ خارج البرلمان، فصدقي باشا ما زال يتَّصل بالصحف، ويتحدَّث إليها، غامزًا لامزًا، مشيرًا ملمِّحًا، يدافع اليوم ليهاجم غدًا، وصدقي باشا ما زال قادرًا على أن يَجِدَ صحيفة تَذُود عنه وتحميه، وتهاجم خصومه وتلحُّ عليه في الهجوم، وتُؤْوِي فلول المنهزمين؛ تجمعهم من كل صوب وتَلُمُّ شعثهم بعد التفرق، وتحاول — ومن يدري لعلها توفق! — أن تُكوِّن منهم جيشًا إن لم يكن قادرًا الآن على الهجوم الخطر، فهو قادر في كل حال على أن يضايق الخصم، وينغص عليه الحياة.

    وأكثر من هذا أن ميدان البرلمان نفسه لم يخلُ للوزارة فيما يظهر ولم يصفُ لها الجوفية كما كانت تريد. فهؤلاء فريق من النوَّاب الشعبيين والاتحاديين قد تمرَّدُوا أمسِ على الوزارة، فانتخبوا من لم تكن تريد أن ينتخبوا، وتمردوا على الحزبين الشقيقين، فانتخبوا من لم يرضَ عن ترشيحهم الحزبان الشقيقان. رفعوا راية التمرد جريئة خفَّاقة فأقصوا مرشح الوزارة والحزبين إقصاءً، وأعرضوا عنه إعراضًا، ووضعوا مكانه رجلًا آخر يسمي نفسه مستقلًّا. ثم لم يكفهم أن ينتهي يوم التمرد إلى هذا الحد، بل أمعنوا في الخروج، وغَلَوْا في الخلاف، فأدخلوا الشقاق في حزب الشعب، وكان رئيس الوزراء يظنُّ أنه خرج من حزب الشعب يوم خرج منه صدقي باشا، أدخلوا الشقاق، ووضعوا بإزاء مرشح الوزارة والحزب رجلًا آخر من الحزب لم ترشحه الوزارة ولم يرشحه الحزب، والغريب أنهم كانوا يفوزون أمس في هذه الحركة، وينتصرون في هذه الموقعة، ويكفل الفوز المبين لفريق من حزب الشعب على فريق، ومما لا شك فيه أن هذا الهجوم الفجائي، وهذا الانتصار على غير انتظار قد فتح للروع بابًا إلى بعض القلوب، وفتح للغضب والحنق بابًا إلى بعضها الآخر، فقومٌ طلبوا إعادة الانتخاب، وقومٌ ألحُّوا في تعجيل الإعادة، وقومٌ ألحوا في تأجيلها، وقومٌ تنكروا، وقومٌ تنمَّروا، وقوم ضعفوا، وقوم دب إليهم اليأس، وتسلَّط عليهم الخذلان، وقومٌ ملكوا أعصابهم، واحتفظوا بالحلم والأناة، وسعوا بين النواب باللوم والعتاب، حتى لفتهم نائبٌ إلى وجوب أن يحترم الدستور، وألا يعتدى على الضمائر.

    كل هذا غريبٌ، وكل هذا طبيعي، وقد تنكر أن يكون الشيء غريبًا وطبيعيًّا في وقتٍ واحد، ولكنك خليق أن تذكر أنك في مصر، وفي بيئة خاصة من البيئات المصرية، وأن اجتماع النقائض وائتلاف الأضداد شيء مألوف في مصر، وفي بعض البيئات المصرية بنوعٍ خاص.

    غريبٌ جدًّا أن تنهزم الوزارة في انتخاب الوكيلين بعد أن انتصرت في انتخاب الرئيس، ولكن هذا الشيء الغريب طبيعي في الوقت نفسه؛ لأن الوزارة حين انتصرت على خصمها لم تحسن تطهير الميدان، ولم تستوثق من أن الخصم قد أصبح عاجزًا لا يقدر على شيء.

    وكذلك استطاع الناطقون بلسان صدقي باشا أن يعودوا إلى الوزارة بعد أن فروا منها، وأن يذكروا لها التقاليد والدستور، ويلفتوها إلى الذوق وما يشبه الذوق، ويشجعوا عليها الذين انصرفوا عنها أمس، وسيمضون في ذلك غدًا وبعد غدٍ، حتى تكون الموقعة الثانية بين العبفتيين والصدقيين في مجلس النواب، فينتصر فيها مرشح الحكومة المنتصرة، أو يظفر فيها مرشح الصدقيين المنهزمين: فليس ينبغي للوزارة أن تلوم إلا نفسها؛ فهي التي لم تحسن الحرب، ولم تُجِد التدبير، وهي التي غرَّها بقوتها الغرور، فتركت نفسها تلدغ من جحر مرتين حين صدقت أن صدقي باشا يعتزل السياسة، ويكفُّ عن المناوأة متى استقال.

    والواقع أن أمور الوزارة وأمور صدقي باشا لا تخلو من غرابة واضطراب، ولعل الإنجليز مسئولون بعض الشيء عن تلك الغرابة وهذا الاضطراب. فقد أظهر صدقي باشا أنه اعتزل السياسة حين استقال من رياسة الحزب ومن مجلس النواب، وسافر إلى الإسكندرية، ليستريح فيها أيامًا، وقال أو أذن لمن قال إنه سيعود من الإسكندرية ليستريح في تلك الدار التي شهد فيها هزيمته الأخيرة، حين دعا إليه النواب فلم يستجب له إلا القليلون.

    وبينما هو في الإسكندرية وإذا الصحف تتحدث فجأة بأنه سيعود إلى القاهرة ليشرب الشاي مع المندوب السامي المنقول، وفهم الناس أنه شاي الوداع. ولم لا يفهمون هذا وقد أزف الرحيل، وأخذت الأسباب تتقطع بين المندوب السامي وأمور مصر، كما تقطعت بالفعل بين الدكتاتور وبين هذه الأمور، ولكن الوداع نفسه لا يخلو من دلال، ولا سيما عند فريق من الناس الذين يستخرجون شيئًا من لا شيء، ويقدرون أن الإنجليز لا يهملون السياسة حتى في أوقات الوداع. وصدقي باشا من هؤلاء الناس ولا سيما في هذه الأيام التي هو فيها أشبه شيء بالغريق يلتمس ما يتعلَّق به، ولو كان واهيًا رثًّا، فليس ما يمنع، بل هناك ما يرجِّح أن قدح الشاي الذي شربه عند المندوب السامي يوم الثلاثاء قد رد إليه نفسًا من حياة، وشعاعًا من أمل، وخيِّل إليه أنه قادر على أن يستأنف النشاط، ولكن في أناة وتمهل وحذر، حتى يأذن الله له بالهجوم، والغريب أنه شرب قدح الشاي يوم الثلاثاء وأعطى بيانه للأهرام يوم الأربعاء. وإن الصحيفة التي تنطق بلسانه في أكبر الظن كانت تريد أن تصدر يوم الخميس، فآثرت أن تصدر يوم الجمعة، ومعنى ذلك أنها لو صدرت يوم الخميس لما تحدثت في السياسة إلا حديث المنهزمين المضطرين إلى الفرار، فأما إذا صدرت يوم الجمعة بعد أن يفتح البرلمان ويكون الانتخاب في مجلس النواب، فقد تستطيع أن تقول شيئًا يغيظ الخصوم، ويمهِّد للهجوم. وكذلك كل ما قدرت فظهرت اليوم وفيها حديث عما أصاب الوزارة أمس من هذه الهزيمة المضحكة.

    فأنت ترى أن الأمور ليست من الصفو للوزارة وأنصارها بحيث يظنون، أو بحيث يقولون، وأن صدقي باشا — وإن كانت حياته السياسية قد ختمت بالقياس إلى الشعب، وبالقياس إلى جد الأمر — ما زال قادرًا على أن ينغص الحياة على قوم كانوا يظنون أن قد صفت لهم الحياة، وأكبر الظن أن الذين زعموا أن صدقي باشا سيناوئ الوزارة في البرلمان وهو بعيد عن البرلمان كانوا أعلم بالرجل من خصومه الوزراء. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا مسرفة في الضعف، هذه الوزارة التي يستطيع أن يكيد لها ويشتطَّ عليها رجل قد فرغ الناس منه وفرغ هو من نفسه. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا هذه الوزارة التي يستطيع أن ينغص عليها رجل كصدقي باشا، ويضطرها إلى أن تنظر أمامها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر وراءها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر من يمين وشمال فلا ترى إلا شكًّا، وأن تقتنع بأن الشك قد أخذها من كل مكان، وأن تشغل بهذا الشك عن اليقين وتنفق ما تملك من قوة وجهد لتخلص من صدقي باشا حين كان صدقي باشا ظاهرًا في الميدان، ومن ظل صدقي باشا أو من ظلاله بعد أن استخفى صدقي باشا من الميدان، وما رأيك في وزارة ستنفق ما بقي من أيامها في محاربة الظلال؟

  • طهي …

    حديث المساء: طهي …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٤ نوفمبر ١٩٣٣

    أما في اللغة العربية الفصحى فمعناها الطبخ، ولستَ في حاجة إلى أن تستشهد بشعر الشعراء، وخطب
    الخطباء من العرب العرباء؛ فإن صدقي باشا وهو حجة في كل شيء، قد استعمل هذه الكلمة صباح اليوم
    في كلمة نشرتها له الأهرام، ولم تنشرها له الشعب، وقد استعملها في هذا المعنى، لا يحتمل ذلك
    شكًّا ولا ريبًا؛ لأنه استعملها إلى جانب طبخ، فقال: «لكن يفسرها أن الرسالة قد طبخها في مصر
    طُهاة طالما مارسوا هذا الفن.» وهذا الفن هو طبخ الرسائل أو طهيها في مصر لترسل إلى إنجلترا
    فتنشر هناك، ثم يحملها البرق إلى مصر فتذاع في الأهرام، وظاهرٌ جدًّا أن صدقي باشا لم يستعمل
    الطهي كما أنه لم يستعمل الطبخ في معناهما الحقيقي، وإنما استعملهما في المجاز.

    فليس صدقي باشا لغويًّا بارعًا فحسب، ولكنه مع ذلك كاتب بليغ، يعرف كيف يصطنع الاستعارة
    والمجاز، فالرسائل لا تطبخ ولا تطهى، ولكنها تُهيَّأ وتُعد، وفي هذا التعبير تشبيهٌ طويلٌ عريضٌ
    لست أدري أيُحسن تخريجه وزير التقاليد ومن حوله من رجال الأدب في وزارة المعارف، أم يعجزهم ذلك
    فيلتمسوه في المجمع اللغوي إذا انعقد إن شاء اللَّه.

    وعلى كل حال فالطهي هو الطبخ والطبخ هو الطهي، ولولا أن لصدقي باشا إلى جانب براعته في اللغة
    ومهارته في علم البيان نصيبًا من الذوق الأدبي الممتاز لاستعمل الطباخين مكان الطهاة، ولقال إن
    هذه الرسالة قد طبخها في مصر طبَّاخون، طالما مارسوا هذا الفن، ولكنه آثر الذوق، وخِفَّةَ
    الروح، ورشاقة اللفظ؛ فاستعمل المادتين معًا، ووفق في هذا الاستعمال أحسن توفيق، وأصبح من الحق
    علينا أن نلتمس هؤلاء الطباخين أو هؤلاء الطهاة الذين يعنون بأمور السياسة فيطبخونها طبخًا،
    ويطهونها طهيًا، ويضيفون إليها، وينقصون منها، ويهيئونها هذه التهيئة التي تحتدُّ وتشتدُّ
    أحيانًا فتغيظ، والتي تهون وتلين أحيانًا فلا تبعث عناية ولا تثيرهما.

    من الحق أن نلتمس طباخي الدولة هؤلاء؛ أولئك الذين يعرفهم صدقي باشا، والذين طبخوا تلك
    الرسالة منذ أيام وأرسلوها إلى الديلي تلغراف، والذين لم يُحسِنوا التكتم والاستخفاء في تهيئة
    هذه الطبخة حتى دلُّوا على أنفسهم، وعلم صدقي باشا بطبيعة ما يهيئون؛ لأنه فيما يظهر قد شمَّ
    ريحَ الطبيخ.

    ولكن للطهي في اللغة العامية معنًى آخر؛ فهو يُستعمل أحيانًا بمعنى الذوق الذي يمكنك من حسن
    الملاءمة بين الأشياء؛ فالناس يقولون فلان قليل الطهي إذا كان حظه من الذوق ضئيلًا، وإذا كان
    يقول فيندفع في القول ويعمل فيندفع في العمل، لا يحسب لشيءٍ ولا لأحدٍ حسابًا. والظاهر أن الذين
    طبخوا هذه الرسالة لم يكونوا مَهَرَة في الطبخ؛ لأنهم لم يحسنوا إغلاق النوافذ والأبواب، فدلوا
    على أنفسهم، ولأنهم لم يحسنوا الملاءمة بين الأشياء، ولم يوازنوا بين ما أضافوا إلى طبختهم من
    التوابل فخرجوا عن إجادة الطهي، وإتقان الصنعة، فهم لا يخدعون أحدًا بهذا الكلام الفارغ الذي
    أوحوا به إلى المُكاتِب السياسي لجريدة الديلي تلغراف، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه
    الرسالة فآمن لها بشيء من القيمة قليل أو كثير، وما نظن أن أحدًا من الناس قرأ هذه الرسالة فشك
    في أنها طبخت في مصر، وكان الطباخون الذين طبخوها أو الطهاة الذين طهوها قليلي الطهي، ليس لهم
    حظ عظيم من الحذق والمهارة في الفن.

    فالناس جميعًا يعلمون من أمر الحياد البريطاني في مصر ما يعلمون، والناس جميعًا يعلمون أن هذا
    الحياد قد ضاق بنفسه، وتأذَّى بالحياة في مصر؛ فانصرف عنها أو كاد، وهمَّ بالتروض والتنزُّه في
    بلاد أخرى كبلاد الترك، وفي مدينة أخرى كمدينة أنقرة، وترك الجو المصري لتدخل واضح صريح لا
    يتستر ولا يستخفي، والناس جميعًا يعلمون أن أبسط مبادئ الطهي الحسن كان يقتضي أن تكون صحف حزب
    الاتحاد آخر الصحف التي ينبغي أن تتحدَّث عن رسالة الديلي تلغراف هذه حتى تجوز الحيلة، وحتى
    يظهر رأي الناس في هذا اللون الذي قدم إليهم من ألوان الطعام، ولكن الصحيفة الفرنسية لحزب
    الاتحاد لم تستطع أن تدافع الجوع؛ فأسرعت إلى هذا اللون، وغرقت فيه إلى أذنيها، ونشرت الرسالة،
    وتناولتها بالتفسير والتحليل، وبالتأويل والتعليل، وانتهت إلى إقامة الدليل على أن دار المندوب
    السامي محايدة حقًّا لن تدخل بين الأحزاب بالكثير ولا القليل، فضلًا عن أن تدخل بين أعضاء الحزب
    الواحد إذا انقسموا وتفرَّقوا وأصبح بعضهم لبعض عدوًّا.

    ولم يكن صدقي باشا على براعته ومهارته بأعظم حظًّا من حسن الطهي من صحيفة حزب الاتحاد؛ فقد
    أسرع هو أيضًا إلى هذه الرسالة، فذكر الذين طبخوها وهيئوها، ونسي أن هؤلاء الطباخين والطهاة
    الذين طالما مارسوا هذا الفن قد طبخوا له كثيرًا وطهوا له كثيرًا، وأن طبخهم كان يُعجِبه، وأن
    طهيهم كان يُرضِيه، وأنه كثيرًا ما دفعهم إلى الطبخ وحثَّهم على الطهي، وأن الذنب ليس ذنب
    الطباخين والطهاة إذا خرج صدقي باشا من الحكم وخلفه قوم آخرون يحبون طبخ الطباخين، ويكثرون من
    طهي الطهاة.

    وذكر صدقي باشا تبليغ الحكومة البريطانية سنة ١٩٣٠ ورده عليه، وأنكر صدقي باشا أن يكون كاتب
    هذا الرد التاريخي البديع في حاجة إلى أن يستعين بالإنجليز، ولكن صدقي باشا نسي أن الناس يقولون
    ويُلِحُّون في القول، أن ذلك الرد التاريخي البديع نفسه قد كان طبخة متقَنة، وأن من أصحاب صدقي
    باشا وخصومه من يستطيعون أن يقولوا له لا تذكر هذا الرد؛ فقد طبخناه معًا.

    فأنت ترى أن الذين يطبخون لخصوم صدقي باشا بعد أن طبخوا لصدقي باشا نفسه، وأن صدقي باشا حين
    كان يسيغ طبخ الطباخين أمس، وحين ينكره اليوم ويعافه كل هؤلاء قليلو الطهي فيما يظهر لا يحسنون
    الملاءمة بين الأشياء، ولا يُجِيدون الكيد المستور، والحرب التي تظهر آثارها ونتائجها ولا تظهر
    معداتها ومقدماتها، وحقيقة الأمر فيهم جميعًا أنهم كانوا صديقًا أمس، فأصبحوا عدوًّا اليوم،
    وأنهم قد اختصموا ما استطاعوا الخصومة في مصر، فرمى بعضهم بعضًا بالشر، واتهم بعضهم بعضًا
    بالإثم، وطبخ بعضهم لبعض، وطبخ بعضهم على بعض، حتى إذا ملئوا الجو المصري بريح هذا الطبخ المنكر
    البغيض، أبوا إلا أن يملئوا به الجو الأوروبي؛ فنشرت مقالة الطان في جريدة الطان، ونشرت رسالة
    الديلي تلغراف في جريدة الديلي تلغراف، وصدقي باشا يعلم حق العلم كيف تطبخ المقالات لجريدة
    الطان، وكيف تطبخ الرسائل لجريدة الديلي تلغراف.

    والشيء المهم الذي لا ينبغي أن يصرف عنه المصريون هو أن القوم لم يزيدوا على أنهم يمضون فيما
    بدءوا من كيد بعضهم لبعض، وسعي بعضهم ببعض، والاجتهاد في أن يضعف بعضهم بعضًا، وفي أن يُفسِد
    بعضهم على بعض أمور الحكم، والظريف أن الذي يقرأ كلمة صدقي باشا في الأهرام لا يشك في أن الرجل
    حريص أشدَّ الحرص على أن يقنع أصفياءه وأولياءه بأن الرسالة قد طبخت في مصر، فلا ينبغي أن
    يحفلوا بها ولا أن يلتفتوا إليها، بعد أن دلت التجربة على أن جريدة الديلي تلغراف في مثل هذه
    الأشياء لا تصور الرأي الإنجليزي، وإنما تصور رأي جماعة من المصريين كانوا يطبخون لها قبل أن
    يستقيل صدقي باشا، وهم يطبخون لها بعد أن استقال، ومعنى هذا أن مقالة الديلي تلغراف هذه لو طبخت
    في إنجلترا نفسها لكان لها خطر آخر، ولخاف منها صدقي باشا أشد الخوف على أصحابه وأصفيائه،
    ولأشفق منها صدقي باشا أشدَّ الإشفاق على أنصاره وأوليائه.

    ومعنى هذا أن صدقي باشا يعلم حقَّ العلم القيمة الخلقية والسياسية لما تنشره جريدة الديلي
    تلغراف حين تعرض للشئون المصرية، ولكن الشيء الذي يلذُّ أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذه
    الطبخة أترضيه أم تسوءه؟ وفي الذين طبخوها أأحسنوا إليه أم أساءوا إليه؟ أَشَكَا حقًّا من
    استعانة صدقي باشا بزيارته على الوزارة أم شكا عنه الطباخون فأغرقوا في الفضول. والشيء الذي
    يلذُّ لنا أن نعلمه هو رأي المندوب السامي في هذا الكلام الكثير الذي يقال عن جريدة إنجليزية
    معروفة لها مكانها بين الصحف الإنجليزية الكبرى؛ فإن صدقي باشا يقول إن هذه الصحيفة الإنجليزية
    الكبرى متأثِّرة بجماعة من الطباخين المصريين تُقدِّم لقرائها من ألوان الطعام ما يُهَيَّأُ لها
    في مصر لا تزيد على أن تقدمه في غير بحث ولا تحقيق ولا تحرٍّ للصواب.

    ويظهر أن قلة الطهي لا تريد أن تقف عند مقالة الطان ورسالة الديلي تلغراف؛ فهي تتناول شيئًا
    آخر كنا نحبُّ أن يظل بعيدًا عن الطهي والطهاة وعن الطبخ والطبَّاخين، فرياسة مجلس النواب تطبخ
    في مطبخين مختلفين؛ فالشعبيون يطبخونها لصدقي باشا، والاتحاديون يطبخونها للدكتور رفعت باشا،
    وكلا الفريقين حريص على أن تقبل الوزارة طبخته، وكلا الفريقين مستعدٌّ لمقاطعة الوزارة إن قبلت
    طبخة الخصم، ووزير التقاليد بما عرف من طهيه الرائع البارع لا يتردد في أن يظهر ميله — نستغفر
    الله — بل في أن يظهر رأيه لأصحاب المطبخين، فهو يؤثر، ويعلن أن الوزارة تؤثر معه طبخة حزب
    الاتحاد، فإذا ظهر رأيه هذا ضاق به الطباخ الأعظم في حزب الشعب، فطلب إلى الوسطاء أن يقطعوا
    المفاوضات، وانتهى الأمر إلى أن مراجل الحزبين ستغلي بما فيها حتى يجتمع البرلمان إن اجتمع
    البرلمان، وهناك يقدم للوزارة لونان أحدهما صدقي باشا ومعه حزب الشعب، ورياسة الوزراء السابقة،
    وتأسيس النظام القائم، وزيارته لدار المندوب السامي ورسالة الديلي تلغراف في هذه الزيارة،
    ومقالة الطان في مسألة الدين ومضاربات القطن، وما يتصل بهذا كله من التوابل والمشتهيات، والآخر
    الدكتور توفيق رفعت باشا ومعه تضحيته بالوزارة في سبيل الرياسة، ومعه دكتوراه الشرف من كلية
    الحقوق، ومعه حزب الاتحاد، وما أدراك ما حزب الاتحاد ذو العمد والأوتاد، والوزارة حرة في أن
    تختار بين هذين اللونين، أو قل الوزارة مكرهة على أن تختار أحد هذين اللونين، والغريب أن
    المستقلين والمعارضين في مجلس النواب لم يهيئوا من أنفسهم للوزارة طبخة تريحها من العناء،
    وتُعفِيها من الاختيار، فليس حتمًا أن تكون رياسة مجلس النواب لأحد الحزبين المؤتلفين
    المختلفين، وما الذي يمنع أن يكون رئيس الحزب الوطني رئيسًا لمجلس النواب؛ فتستريح الوزارة
    وتنقطع الخصومة، ويصفو الجو، وتؤجل الأزمة بين المؤتلفين المختلفين إلى حين.

    نظن أن هذه الطبخة لا بد منها، ونظن أن المعارضين لن يقصروا في تهيئتها، ولكن أتستطيع الوزارة
    أن تمدَّ إليها يدًا أو تفتح لها فمًا أو تهيئ لها معدة؟ هذه أسئلة يجيب عنها الغد القريب أو
    البعيد. ومهما يكن من شيء فأنت توافقني على أن من المؤلم أن يدخل الطبخ في السياسة الرسمية هذا
    الدخول وإن نقص الطباخين حسن الطهي إلى حد بعيد.

  • عامة

    حديث المساء: عامة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ أكتوبر ١٩٣٣

    كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام
    الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل
    مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل
    بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور
    مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء
    يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون
    عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء
    والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر
    لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى
    ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة،
    وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.

    ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ
    والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز،
    خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ
    في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام،
    ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم
    الناس ويسيطر على الأشياء.

    وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا
    الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر
    النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من
    العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن
    معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من
    طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم
    وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!

    ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد،
    ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر
    الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان،
    وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛
    فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة
    لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي
    كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف
    والنعيم.

    ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ
    العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من
    أن تنصرف إليه.

    ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم،
    معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة
    بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين
    سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه،
    وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا
    الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما
    تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي
    باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.

    وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على
    أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة
    السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.

    ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون
    منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة
    والاندحار!

    تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى
    آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا
    أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم
    لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه
    التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية.
    وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في
    العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا.
    والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من
    الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر
    السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس
    الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى
    الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن
    يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن
    رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن
    يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة،
    ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار
    فيه.

    وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها،
    ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب
    التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.

    وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين
    الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء
    الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين.
    وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن،
    وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها
    الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم
    الحكم.

    ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها
    اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء
    السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن
    نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا
    للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من
    العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة
    إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.

    إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز
    إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا
    موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على
    هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن
    قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.

    فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن
    مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟!

  • عودة

    عودة
    كان الناس[1] ينتظرونها في أواخر الشهر المقبل، فأُعلن أمس أنها ستكون في أوائله. وكان حزب الشعب يهيئ لها الوسائل والأسباب، ويجمع لها الأصدقاء والأحباب، ويفكر لها في الجمع والاكتتاب. وكان يقدّر فيما يظهر أن شهرًا وبعض شهر وقت لا يكاد يكفي لتهيئة هذا كله بحيث يكون الاستقبال رهيبًا مهيبًا كما ينبغي له أن يكون، لأنه سيجمع فيما يظهر بين التهنئة بالعودة السالمة الموفورة، والتعزية عن الاستقالة التي لم يبق منها بد. ولكن رئيس الوزراء قد تعجل العودة فجأة، كما تعجلت وزارة الخارجية البريطانية نقل المندوب السامي فجأة، ولم يبق بد لحزب الشعب من أن يتعجل الاجتماع، ويكثر منه، ليرتب في أقل من شهر ما كان يريد أن يرتبه في أكثر من شهر. وسيكون العمل شاقًّا عسيرًا، وسيكون الجهد مضنيًا ثقيلًا. فليس من شك، سواء أردنا أو لم نرد، في أن كل شيء في مصر الآن من شأنه أن يثبط الهمم، ويضعف العزائم، ويغل النشاط، ويبعث في النفوس والأجسام فتورًا وخمولًا، ويصرف الناس عن أن يخفوا من بلادهم النائية للاحتفال والاستقبال، والتسليم والوداع.
    فالأزمة الاقتصادية شديدة مرهقة، والمال نادر عزيز، والأسباب التي كانت تدعو إلى التضحية، وتحث على تكلفها واحتمال المشقة فيها، قد أخذت تضعف ويصيبها الوهن. وقد ضاقت فسحة الأمل، والتوت سبل المنفعة، واضطربت على أصحاب الآمال والمنافع أمورهم، والتوت عليهم طرق التفكير. فهم يشكون شكًّا عظيمًا في استقرار الوزارة، وكثير منهم يعتقد أن هذا الاستقرار قد أصبح حلمًا من الأحلام، وأمنية من الأماني، وحديثًا من بعض الحديث. وهم الآن يستنشقون النسيم السياسي ملء الأنوف والأفواه والرئات، يريدون أن يتبينوا طبيعته وريحه ومهبه، ليولوا وجوههم شطره، وليتأهبوا لاستقبال رجل آخر غير رئيس الوزراء، لا يدرون من أين يأتي. فليس غريبًا أن يكسلوا عن هذه الرحلة المرجوة إلى الإسكندرية في الشهر المقبل، وليس غريبًا أن يخف إليها من يخف منهم كارهًا لها، ضيقًا بها، متمنيًا لو أراحه الله من أثقالها وحط عنه أعباءها.
    ولست أدري لم يحفل المصريون بهذه الأنباء التي يجري بها الهواء بين الأرض والسماء، فيقدّروا لها ويفرضوا لها غير ما ينبغي من الصواب، ويظنوا أن الأيام المقبلة ستتكشف عن شيء جديد، وعن تغيير في السياسة المصرية، وأن قومًا سيذهبون وقومًا سيجيئون. وكل شيء في حياة الناس خليق أن يرد عنهم الوهم، ويعصمهم من سوء الظن، ويحبب إليهم ما هم فيه، ويصل بينهم وبين الوزارة القائمة بأوثق الصلات وأمتن الأسباب. فأمنهم مستقر، ونظامهم ثابت، وحياتهم مطمئنة، وقلوبهم ونفوسهم راضية. وهم يعيشون في عهد سعيد لم يعيشوا في مثله من قبل، فهم خليقون أن يتمنوا بقاءه ويحرصوا على اتصاله، وهم يتمنون لهذا العهد السعيد طول البقاء، وهم يحرصون على أن يظلهم هذا العهد السعيد أعوامًا وأعوامًا، ولكن حبهم لهذا العهد وحرصهم عليه وإشفاقهم من أن يزول، كل هذا هو الذي يثير في نفوسهم الأوهام، ويسلط عليهم الظنون، ويخيل إليهم أنهم في مفترق الطرق، وأن ما ينعمون به من سعادة ورضًى، ومن نعيم وترف، يوشك أن يصرف عنهم، وأن هذه الوزارة القائمة التي يفدونها بالنفوس، ويضحون في سبيلها بكل عزيز، توشك أن تفارقهم، وأن تصرف عن تدبير أمورهم. وأي شيء يثير الخوف مثل الحب؟ وأي شيء يملأ النفوس جزعًا وهلَعًا مثل الإشفاق من أن يفارقك الحبيب؟ فالناس معذورون إذا ساءت ظنونهم لأنهم عشاق، وسوء الظن سريع إلى العاشقين. والناس معذورون إذ شكوا في بقاء الوزارة لأنهم حريصون عليها، وهل الحرص إلا شدة الإشفاق من وشك الفراق؟
    فإذا أضفت إلى هذا أن الله قد سلّط على مصر هؤلاء الإنجليز المقيمين في لندرة، والقابعين في وزارة الخارجية، لينغصوا عليها عيشها، وليرسلوا عليها الخوف والفزع من حين إلى حين، أضفت عذرًا إلى عذر، وفهمت اضطراب الناس وترددهم. فقد كان كل شيء هادئًا في هذا ميدان حتى لعبت وزارة الخارجية البريطانية هذه اللعبة الغريبة التي يسمونها نقل المندوب السامي. ومهما تبحث، ومهما تفكر، فلن تستطيع أن تفهم الصلة بين نقل المندوب السامي من مصر، وبين خوف الناس على الوزارة المصرية، وإشفاقهم من أن تستقيل؛ فالإنجليز أحرار يفعلون ما يشاءون بممثلهم في القاهرة وفي غير القاهرة، يسيرونهم في الآفاق ويوجهونهم إلى حيث يريدون طبقًا لمصالحهم ومنافعهم، كما نفعل نحن بوزرائنا المفوضين. وليس بين ذلك وبين حياتنا الخاصة سبب ما.
    أتظن أن الوزارة الإنجليزية تستقيل لو خطر لوزارتنا القائمة أو المقبلة أن تنقل وزيرنا المفوض من لندرة إلى عاصمة من عواصم الأرض، أو أن تستدعيه إلى القاهرة لتحيله إلى الاستيداع أو إلى المعاش؟ كلا. ومع ذلك فليس بين وزيرنا المفوض في لندرة وبين ممثل إنجلترا في القاهرة إلا فرق واحد، وهو أن ممثلنا يسمى وزيرًا مفوضًا، وممثل الإنجليز يسمى مندوبًا ساميًا. ومع هذا يُنقل وزيرنا فلا يتأثر الإنجليز، ويُنقل المندوب السامي فيظن المصريون ويسرفون في الظن.
    وقد تعب الكُتّاب واحتملوا ألوان المشقة ليثبتوا قلوب المصريين، ويبينوا لهم أن نقل المندوب السامي عمل إنجليزي خالص لا يمكن ولا ينبغي أن يكون له أثر في الحياة المصرية، ولكن الناس يأبون إلا أن يظنوا ويتوهموا ويتنبأوا، ويسرفوا في إذاعة الأنباء والإشاعات.
    وتستطيع أن تقيم للناس الأدلة التاريخية على أنك مصيب وأنهم مخطئون، تستطيع أن تثبت لهم أن «المارشال اللنبي» قد استقال أو استُدعي فلم تتغير الوزارة، ولم يقم هذا الائتلاف، وتستطيع أن تثبت لهم أن «اللورد لويد» قد استقال أو أُقيل فلم تتغير الوزارة، ولم تعد الحياة النيابية، ولم ينهض الوفد بأعباء الحكم. تستطيع أن تثبت لهم هذا كله، ولكنه جهد ضائع، فسينكرون عليك ما تقول، وسيزعمون أن تغيير المندوب السامي الإنجليزي كان مؤذنًا بتغيير في السياسة المصرية منذ استقال «المارشال اللنبي» إلى الآن. وهم لذلك كله يأبون إلا أن يستنتجوا من نقل «السير برسي لورين» ما لا يستنتجه الإنجليز ولا الكُتّاب المصريون، وأن ينتظروا استقالة الوزارة.
    ماذا أقول؟ بل هم ينتظرون قبول هذه الاستقالة، لأن الوهم قد صوّر لهم أن رئيس الوزراء أرسل استقالته بالفعل. ولعله كان يحب أن يمضي في الاستجمام والعناية بصحته، لولا أن التقاليد لا تحب أن تسقط الوزارات ورؤساؤها غائبون. أرأيت إلى أي حد يذهب الوهم بالناس؟ أرأيت كيف يدفعهم إلى تصور الشيء الذي يكرهونه كأنه قد وقع بالفعل، فهم يحتملون أثقاله ويصطلون ناره؟
    إن الوزارة القائمة وزارة الحب للشعب، والرفق به، والعطف عليه، وحمايته من الشر الواقع، ومن الشر الممكن، ومن الشر الموهوم. فما أجدرها أن تذيع على الشعب الذي تحبه ويحبها كلمة مطمئنة تؤكد تأكيدًا قاطعًا يطرد الوهم ويزيل اللبس: أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت منها في هذه الأيام، وأن نقل المندوب السامي أمر خارجي لا علاقة له بشئون مصر الحرة المستقلة، وأن تعجّل رئيس الوزراء عودته إلى وطنه المحبوب لا مصدر له إلا أنه قد سئم الراحة ونشط للعمل من جهة، وأن شوقه إلى الشعب قد اشتد من جهة أخرى بعد طول الفراق.
    الوزارة فيما نعتقد خليقة أن تؤكد هذا للناس ليطمئنوا على حاضرهم ومستقبلهم من جهة، ولينفروا من جهة أخرى خفافًا لاستقبال رئيس الوزراء، فما نظن أن حرص الوزارة على أن يكون الاستقبال فخمًا ضخمًا بأقل من حرصها على أن يخف الناس إليه، وهم آمنون واثقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
    [1] كوكب الشرق في ٨-١٠-١٩٣٣.

  • إذن

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣